العفو تدبير للعقوبة وليس محوا للجريمة

Écrit par

dans

بوحدو التودغي

خضع ظهير العفو لثلاث مراجعات أساسية منذ صدوره في 21 فبراير 1958، وهي كالتالي: مراجعة سنة 1963 و1977 وآخرها كان سنة 2011. وتضمن هذا الظهير الشريف، كما تم تعديله، 14 فصلا بما فيها الأحكام الختامية.

تكمن أهمية إبداء هذه المعطيات في مستهل المقال ببساطة في رصد حجم المغالطات والقراءات غير الموفقة، بل المتهافتة أحيانا، والتي أعقبت المبادرة الملكية بالعفو عن عدد من السجناء المعتقلين على ذمة قضايا الحق العام. فللعفو منطق قانوني وسياسي يجب دائما أن يقرأ في إطارهما وفي سياقهما وفيما يحتملانه فقط دون غلو أو إسراف في التأويل.

1gr2Sans titre

فلو تمت العودة إلى النص المنظم للعفو، والذي كما يبدو صريح في مبناه وواضح في معناه وموجز من حيث عدد فصوله، لتجنَّبت بعض القراءات وقوعها في المحظور، وأعفتنا من واجب الاستدراك والرد والتصحيح، لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس كما يقال.

فبخصوص العفو الذي شمل إلى جانب معتقلين صدرت في حقهم عقوبات سجنية، متابعين في حالة سراح، فالعفو الخاص La grâce، خلافا للعفو العام L’amnistie الذي يخضع لمسطرة دستورية أخرى، كما هو محدد في الظهير المشار إليه أعلاه في فصله الأول، يمكن إصداره سواء قبل تحريك الدعوى العمومية أو خلال ممارستها أو على إثر حكم بعقوبة أصبح نهائيا.

1gr3Sans titre

كما أن الانخراط في نقاش يتعلق بما إذا كان العفو مشروطا بطلب مسبق، لا أراه مجديا، ولا يمكنه إلا أن يكون ضربا من ضروب التشويش، بحكم أن مسطرة العفو مركبة لتعدد المتدخلين في مسارها، وإن كان القرار النهائي هو بدون منازع قرار ملكي واختصاص محصور له. فوفقا لأحكام الفصل الثامن من ظهير العفو فإن هذا الأخير”… يصدر إما مباشرة وإما بطلب من المحكوم عليه أو من أقاربه أو أصدقائه ومن النيابة العامة أو إدارة السجون”. وفي ذات الإطار، يمكن مثلا لقاضي تنفيذ العقوبات تقديم مقترحات حول العفو والإفراج المقيد بشروط، كما يمكن للجنة المراقبة أن تقدم إلى لجنة العفو توصية بمن يظهر لها من المعتقلين استحقاقه العفو، وذلك على التوالي طبقا للمادتين 596 و 621 من قانون المسطرة الجنائية.

1gr4Sans titre

غير أن أكثر الأمور استئثارا بالنقاش والقراءات المتعسفة والمشوبة بخفة زائدة، تتصل بعلاقة العفو بحقوق الضحايا، والحال أن قانون العفو كان واضحا في تشديده في الفصل السابع منه على أنه “لا يلحق العفو في أي حال من الأحوال ضررا بحقوق الغير”.

العفو ببساطة ليس تبرئة، وليس تبييضا للسيرة، وليس تطهيرا من الذنب، وليس مسحا للجرم كواقعة، ولا هو استخفاف بحقوق الضحايا ولا عبثا بحقوق الأغيار، العفو باختصار شديد، هو التفاتة تهم تنفيذ العقوبة بعد صدورها إما بإعفاء المدان منها كليا أو جزئيا. بمعنى أن ما يهم الضحايا هو الإدانة، هو إنصافهم عبر كشف الحقيقة وإثبات الفعل الجرمي على المتهم والتمييز بين المجني والمجني عليه. أما ما يتعلق بتنفيذ العقوبة فهو تدبير إداري، كما هو متعارف عليه في مختلف الأنظمة القانونية، قد يخضع لمراجعات وفقا لخصوصيات كل حالة على حدة.

1gr1Sans titre

إن الاعتبارات المتحكمة في تدبير تنفيذ العقوبة لا تخضع لهواجس الانتقام، بل لاعتبارات الإصلاح والتهذيب في المقام الأول، ولعل حق العفو العام والخاص أحد آليات هذا التدبير. وبذلك قبل أن يكون العفو إجراء قانونيا وتدبيرا مسطريا، فهو فلسفة وممارسة بيداغوجية وتربوية وإصلاحية وتصحيحية بالدرجة الأولى.

1gr5Sans titre

بفلسفة العفو هاته، كنا قبل يومين سعداء بإطلاق سراح المعتقلين، ليس نسيانا للفعل الجرمي الثابت في حقهم، بل سعداء فقط لمغرب يعطف على أبناءه وإن تصرفوا بوقاحة أحيانا، سعداء من أجل أبناءهم وزوجاتهم وأمهاتهم وآباءهم. سعداء بمبادرة تضمد جراح الماضي وتجعلنا واثقون في مستقبل واعد. سعداء بملك رؤوف بأبنائه، ملك يكظم الغيض ويعفي عن الناس، فكَّر فقدَّر متى وكيف ولمن يكون عفوه مستحقا. سعداء بعيد اعتقدناه للعرش فقط، فصار عيدان عيد للعرش وعيد للصفح.

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *