مصطفى البختي
تعرف وسائل التواصل الاجتماعي ظاهرة التطرف الفكري، مما يطرح أكثر من تساؤل؟ هل هي ظاهرة تعبر فقط عن تشنجات إفتراضية أم حملات تجييشية للتأثير على الواقع لضرب السلم الإجتماعي؟ أم هي للتغطية عن فشل أو عيوب حامله أم خدمة أجندات أجنبية لضرب وحدة الصف المجتمعي؟.
في هذا السياق سنحاول معرفة هذه الظاهرة من خلال التطرق للتطرف الفكري، ماهيته، أسبابه، أنواعه، ونتائجه.
إن التطرف الفكري مفهوم وسلوك المتشدد والمتعصب من أصحاب التوجه الأحادي الذي لا يقبل الرأي الآخر بل يحاول إلغاءه، ليس على الأفكار والآراء السياسية فحسب، بل يمتد إلى العادات والتقاليد، والتعصب الأعمى للانتماء القبلي أو القومي وما يتمخض عنه من تطرف في الأفعال وتشدد في التعامل مع الآخرين، واسقاط عيوبه ومناقصه الناتجة عن اتجاه سلبي إما:
– للتنشئة الاجتماعية، عن طريق قابلية عملية “الاستهواء الاجتماعي” وهي سرعة تصديق الآراء والأفكار دون نقد أو مناقشة أو فهم، خصوصا إذا كانت من توجيه إعلامي، أو من شخصية ما تساهم في التفاعل الاجتماعي لأعضاء المجتمع في تكوين نواتج ثقافية واجتماعية، بالأفكار النمطية اتجاه السياق الواقعي السائد للآخر/الغير.
– أو نتيجة العوائق الاجتماعية، المولدة لعدم الاستقرار الوجداني، ومصدرا للعداء الاجتماعي، كالفقر والأمية وانعدام السكن اللائق والبطالة، هذا الحرمان النسبي والضعف الإجتماعي يزيد من عمى وعي صاحب الفكر التطرفي في صراعه الواقعي.
إن تأثير هذا الفِكَر التطرفي والوقائع الجديدة التي يحملها صاحبه تكون مختلفة بحسب الظروف المحيطة به، بتصور ناقص عن الفكر والمبادئ وأبعاد القيم السائدة في واقعه ومحيطه، لم يكن يدركها بوعي وفهم عند اعتناقه أو اقتناعه بهذا الفكر (التطرف)، كحيلة لا شعورية دفاعية بطابع الهجوم والاعتداء على الآخر/الغير، فردا أو جماعة، وكرد فعل انعكاسي، سلبي غير منطقي، يتسم بالتفكير غير المنطقي والجمود والتعميم المفرط والظلم الواهي، لنشر الأفكار النمطية/الوهمية، ومرض الكراهية في العلاقات الإجتماعية، أتوماتيكيا لهذا التطرف الفكري تجاه الآخر/الغير، ليُحمِّله مسؤولية المشاكل والمفاسد، كمظهر من مظاهر الغلو الذي يتضح بشكل جلي في الأفكار والأحكام والعقائد الآيديولوجية، وخاصة في المعتقدات الدينية والمذهبية، بممارسات ومواقف متزمتة ينطوي عليها احتقار الآخر وعدم الاعتراف بحقوقه وإنسانيته، بلا حجة ولا برهان، لإخفاء جملة حقائق لا يريد أصحابها انفضاح أمرها. بابقاء الموقف من فكرة الخصم سلبي وجاهز، وافتراض سوء النية والتسرع، والإسراف في التشنيع على الخصم والمخالف، وسرعة اتهامه دون دليل أو بينة، ثم تعميم الأحكام في التعاطي معه، للانتصار لذات حامل الفكر التطرفي.
فالتطرف الفكري هو نتجة عمى معرفي الذي يُعرف بكونه العجز عن الإدراك، والوعي والتفكير النقدي، ورفض الحقائق، أو القبول بمعلومات أو أدلة تتعارض مع معتقداته وآرائه وأفكاره المسبقة، التي تقف عقبة في الطريق نحو الحوار البناء والتعاون الفعال مع الطرف الآخر. هذا العمى المعرفي المتشبع بالمعلومات المضللة والمتأثر بآراء حاملي الفكر التطرفي، يؤدي إلى رفض الحوار والإصغاء للآراء المختلفة، وزيادة التعصب والتطرف في المجتمع، وتفاقم الاختلافات والتناقضات، ويؤدي إلى تقويض أسس الحوار، والديمقراطية والتعددية وقبول الآخر، وحرية التعبير، كما يمكن أن يؤدي إلى عرقلة التقدم في مجالات مختلفة؛ بسبب غياب القدرة على التعاون وحلّ المشكلات. كسمة مستقرة في بنية المجتمع أو في المحيط الطبيعي نتيجة الثقافة العامة السائدة التي تشكّل ذهنية الفرد، أو الأزمات الكبرى التي تعصف بالمجتمع، نظير الكوارث الطبيعية والحروب والتحولات الاقتصادية الكبرى، والأزمات السياسية والتناقضات الإجتماعية. حيث تعزز الميل التشاؤمي، ومن ثم التوتر النفسي، الذي يعزز الميل والارتماء في حضن التطرف والتعصب بأنواعه:
[- التعصب الديني (Religious intolerance)،
– التعصب العنصري (Racial prejudice)،
– التعصب الفكري (Intellectual fanaticism)،
– التعصب على أساس الجنس (Gender intolerance)،
– التعصب الرياضي (Hooliganism)،
– التعصب السياسي (Political fanaticism).. ]…
في فهم الأشياء والتعامل مع الناس، لكنه يعتبر استثناءً من القاعدة الأخلاقية، أو شذوذاً عن العرف السائد، ويتمظهر في ثلاثة اتجاهات :
-فكري، وذلك بالخروج عن القواعد الفكرية والثقافية التي يتفق عليها المجتمع.
– مظهري، وذلك بإثارة الرأي العام للخروج عما هو مألوف لدى العامة من حيث المظهر والعادات والتقاليد والسلوكيات.
– ديني، وهو التطرف في المعتقد، وذلك ابتعاداً عن الوسطية والعقلانية والطبيعة الإنسانية، فكراً وعملاً والابتعاد عن روح النص وأهدافه.
فهذه الإتجاهات الثلاث للتطرف الفكري تفرز أشكال التدمير والرفض والإقصاء والتمييز والعنف، في محاولة لنيل الاعتراف من الآخر الرافض للتعصب بالقوة للتأثير على البناء الإجتماعي السائد، لإدخاله في متاهات تعيق عملية التفاعل الاجتماعي، بتسريب أفكار وأحكام وصور محددة لا تحمل وجه الوضوح على نحو دوغمائي، كمبدأ ذاتي لقبول أنانية حامله المتعالية، كبنية تفكير مغلقة لا تقبل التجديد والتغيير ولا تدع مكانا للتسامح، لاستبعاد الآخر واقصائه وعدم الاعتراف بوجوده المختلف، في عمق الحياة النفسية والاجتماعية، وذلك ببث الكراهية والعنف والصراع، من خلال أحد أنماطه:
العرقية أو الثقافية أو الدينية أو القومية أو الطائفية أو القبلية.
وفق الانقياد العاطفي لأفكار وتصورات ذات ذهنية منغلقة تعيش التصلب الفكري والجمود العقائدي، تتعارض مع الحقيقة الموضوعية والواقع السائد، لاخفاء مجموعة مركبات نقص من خلال التطرف والتعصب تحت عباءات سلوكية واجتماعية متناقضة، تخفي في باطنها أشياء وحقائق تتقاطع كلها مع مظاهر الشخص المتعصب أو المتطرف الذي يعاني من مشكلة تتعلق في الأصول أو البدايات أو مجموعة مركبات نقص كعيوب سلوكية أو اجتماعية أو اختلالات نفسية في العقل الباطني، أو الانتماء إلى عرق غير تلك العرق التي يظاهر بالانتماء له، أو اخفاء سلوكات متناقضة حد العنصرية، في أحد من مناحي الحياة الدينية والسياسية والفكرية والقومية والعرقية، تلغي الآخر بفكر متشدد ومتعصب يحجب عنه رؤية الحقيقة والواقع.
Laisser un commentaire