
هسبريس – يوسف يعكوبي
“الشباب المغربي الذين لا يعملون ولا يتلقون تعليمًا ولا تدريبًا بالمغرب (المعروفون علمياً بتسمية “NEET”) تحت مجهر دراسة بحثية جديدة نُشرت على شكل مقال علمي في إحدى المجلات المُحكّمة متعددة التخصصات حول الأبحاث وسياسات رعاية الأطفال والشباب المعرضين للهشاشة.
وخلصت نتائج الدراسة وعمليات الاحتساب، المُطبَّقة على عام 2019 (لوحده بحكم توافر بيانات كاملة)، إلى أن “التكلفة الإجمالية للشباب غير الملتحقين بالتعليم أو العمل أو التكوين في المغرب قُدّرت بما يفوق 60 مليار درهم مغربي من حيث المالية العامة (بالتحديد 60.592.858.600 درهم)، وأكثر من 55 مليار درهم (55.043.899.000 درهم) من حيث “تكلفة الفرصة البديلة/ الضائعة ” (Opportunity cost).
الدراسة الصادرة، منتصف غشت الجاري، باللغة الإنجليزية (في 20 صفحة) والمعنونة بـ”تقدير التكاليف قصيرة الأجل للشباب غير الملتحقين بالتعليم أو العمل أو التدريب.. أدلة من المغرب” (Estimation of the short-term costs of youths not in education, employment or training: evidence from Morocco) أنجزتها الأستاذة مريم لواء الدين، عن “مختبر الأبحاث الاقتصادية والسياسات العمومية” بجامعة ابن طفيل القنيطرة، بمشاركة الطالب الباحث عبد الرحمان أوداد.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
الدراسة، التي اطلعت هسبريس على نسختها الكاملة، استهدَفت “تقدير التكاليف الإجمالية للشباب المغاربة، الذين ليسوا في التعليم أو العمل أو التدريب (NEET)، مع التركيز على مقاربة هذه التكاليف في الأمد القصير من حيث أثرها على المالية العمومية أو “تكاليف الفرص البديلة”، مشددة على “التركيز على ثلاثة من أصل 5 جوانب؛ هي البطالة، والصحة، والفتيات الأمهات”.
ولفت الباحثان الانتباه إلى أنه “نظرًا لعدم توفر بعض البيانات (لا سيما تلك المتعلقة بإساءة استخدام المخدرات والجريمة)، فإن هذه النتائج لا تعكس الواقع بدقة، حيث لم تؤخذ هذه التكاليف في الاعتبار”.
تفاصيل نتائج الدراسة
وتُبين نتائج الدراسة، التي استغرق إنجازها نحو 3 سنوات (2021–2024)، أن “الشابات والفتيات المغربيات المنحدرات من القرى والبوادي يُمثلن نسبة كبيرة من الشباب غير الملتحقين بالتعليم أو سوق العمل أو التدريب في المغرب”.
وأفضى احتساب “تقديرات حول تكاليف الشباب المغربي، الذي لا يعمل ولا يتلقى تعليمًا ولا تدريبًا أو تكويناً، إلى أن “التكاليف في الأمد القصير تظل وخيمة على مستوى الاندماج الاجتماعي، فضلا عن الأثر والثقل المادي الذي يُهلك ميزانية الدولة”، بما يستنزف اعتمادات هامة في القطاعات والخدمات الاجتماعية.
أضواء هذه الدراسة جاءت مُسَلَّطة، وفق تفاصيل توصياتها، على “الحاجة إلى تنفيذ سياسات وبرامج تُدمج فئة الشباب “NEET” في التعليم والتشغيل وبرامج التكوين؛ وبالتالي تقليل تأثيرهم الاجتماعي والاقتصادي على مستقبل سوسيو- اقتصادي مستدام”.
“لهذه النتائج آثار واضحة ومتزايدة متمثلة في ضغط المالية العمومية، وتعزيز الاندماج الاجتماعي طويل الأجل، وكذا في شق التنمية الاقتصادية”، تبرز الأستاذة الباحثة في تعليق مقتضب لجريدة هسبريس إثر صدور دراستها.
وحسب الدراسة، الأولى من نوعها بالمغرب، “يُثير المعدل المرتفع للشابات غير الملتحقات بالتعليم أو العمل أو التكوين الحاجة إلى تدخلات مستهدَفة وأكثر دقة في هذا المجال”، مبرزة أن “التكلفة التي يتكبدها البلد كبيرة، وتؤثر في الوقت نفسه على حياة هؤلاء الشباب وأسرهم والاقتصاد الوطني”.
وتنضاف هذه الدراسة الأكاديمية لتشكل، حسب معدّيها، توثيقاً جد هام للأدبيات من خلال تقديم “تحليل مُفصَّـل لتكلفة فئة “NEET” من شباب المغرب بشكلٍ يوضح كيف يمكن تطبيق هذه النتائج على سياقات مماثلة في جميع أنحاء العالم”، وفق نص الدراسة.
“مبعث قلق”
واعتبر البحث أن النتائج تبعث على “قلق مهم بشأن الآثار المالية العامة المترتبة عن السكان الشباب غير الملتحقين بالتعليم أو التوظيف أو التكوين في المغرب”، مبرزا أنه “على وجه التحديد، فتقدير الخسارة في “تكلفة الفرصة البديلة” للمالية العامة يتعلق بجوانب مختلفة مثل التوظيف والصحة”.
“للتمكن من وضع تقديرات أكثر شمولاً للتكاليف على المديين المتوسط والطويل، تسلط الدراسة الضوء على أهمية معالجة مشكلة الشباب غير المتعلمين أو العاملين أو المتدربين في المغرب باعتبارها مشكلة اجتماعية واقتصادية رئيسية، وتحث على إجراء المزيد من الدراسات وجمع البيانات”، يختم المؤلِّفان.
جدير ذكرُه أن نشر هذه الدراسة الهامة جاء بعد أسبوع من صدور تقرير مفصّل لمنظمة العمل الدولية، نبه بوضوح إلى مؤشرات قلق متزايد، خصوصًا في أوساط “الشباب المتعلم”، بالتزامن مع تخليد العالم اليوم الدولي للشباب (12 غشت)، مسجلا أن “فئات واسعة من الشباب التي تتراوح أعمارها بين 15 و24 عامًا لا تعمل ولا تتعلّم ولا تتدرب” في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهي الفئة الاجتماعية المعروفة اختصاراً في أدبيات المؤسسات المهتمة بالتشغيل بـ”NEET”.
يشار إلى أن هذه النتائج تؤكد ما جاء سابقاً في تقرير رسمي صدر في ماي 2024 عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، مبرزاً أن “المغرب يتوفر على قدرة هائلة تتمثل في شبابه؛ فبَيْن 15 و24 سنة يوجد 6 ملايين من المغاربة”، محذرا من انضمام “أفواج جديدة من الشباب المغاربة إلى هذه الفئة، التي قدّرتها مندوبية التخطيط بنحو 1,5 مليون مغربي ومغربية”.
منهجية التقديرات
“منهجية التقدير المتّبعة من طرف الباحثيْن في الدراسة هي منهجية سبق استخدامها لتقدير تكاليف هذه الفئة في بريطانيا”، توضح الأستاذة مريم لواء الدين، مسجلة أنها تضمنت “ثلاث خطوات” موضحة في متن الوثيقة.
أولاً، تم “تحديد آثار كون فئة الشباب غير الملتحقين بالتعليم أو التوظيف أو التدريب، مقارنة بفئة غير الشباب غير الملتحقين بالتعليم أو التوظيف أو التدريب، لمعرفة المتغيرات التي قد تكون تكاليفُها في الفئة الأولى”.
وثانياً، انتقلت منهجية البحث إلى “تحديد عدد الشباب غير الملتحقين بالتعليم أو التوظيف أو التدريب حسب كل تأثير (متغيّر variable) قصد تحديد تكلفة كل مُتغيّر (تأثير) بالنسبة لكل شخص (تكلفة الوحدة)”، قبل أن تقوم ثالثاً بـ”عملية ضرب عدد الشباب في وضعية “NEET” في تكلفة الوحدة لكل متغير” لتحصيل النتائج النهائية.
جدير بالإشارة أن الدراسة اعتمدت “مراجعة هامّة لأدبيات وتقارير دولية ووطنية تهتم بإشكالية التشغيل والشباب بلا عمل ولا تكوين ولا دراسة”.
Laisser un commentaire