مصطفى البختي
إن الرد الإيراني على مقتل قائد حركة حماس الفلسطينية إسماعيل هنية على الأراضي الإيرانية، بين احتمالات: الإعداد لهجوم منسق مع وكلائها، أو مخاوفها من رد فعل مضاد، أو فرضية توجيه “ضربات شكلية”، على غرار مسرحية ردها في أبريل 2024، على قصف إسرائيل لقنصلية طهران بدمشق في سوريا.
مع أن تهديدات إيران بالانتقام من إسرائيل، مازال غامضا، وفقد قيمته الرمزية والردعية، ومن بينها تهديد من المرشد الإيراني علي خامنئي. وذلك بهجوم الإيراني وشيك ترافقه أذرعها الجهادية في المنطقة خصوصا حزب الله، وكونها رفضت دعوات الدول الغربية إلى ضبط النفس، وأنها مصرة على أن لها حقا مشروعا في الرد على مقتل إسماعيل هنية على أراضيها، لإخفاء وتبرير تواطؤ أجهزتها في العملية، أصبح مجرد خلق تأثير نفسي الذي تحدثه بتصريحات أو حرب إعلامية، وعذر أكثر من كونها إستراتيجية مناسبة، ومجرد نوبات متكررة من الهستيريا على وسائل التواصل الاجتماعي، لإخفاء هشاشتها وعجزها الذي تجسد في الاختراق الأمني الإسرائيلي لإيران وتواطؤ جهات في الاستخبارات الإيرانية والحرس الثوري الإيراني في عملية تصفية زعيم حماس إسماعيل هنية بتقديمه كقربان لخدمة أجندات إيران وإسرائيل كضرورتان لأمريكا في الشرق الأوسط.
وأصبح تأخر الرد، دليلا على هشاشة النظام الإيراني من الداخل، وأن مخاطر تهديداته تفاقمت آثارها على طهران في الخيارين: الرد أو عدم الرد، وأصبح التنسيق مع وكلائه وعملائه بعد مسرحية الرد الهزلي المعلن على قصف إسرائيل لقنصلية طهران بدمشق في أبريل 2024، معقدا خصوصا بعد عمليات الاغتيال التي نفذتها إسرائيل ضد قيادات حزب الله في جنوب لبنان، أبرزها محمد نعمة ناصر قائد وحدة عزيز، ورئيس أركان الحزب فؤاد شكر في يوليوز 2024.
إضافة إلى تكلفة تقييم المخاطر المرتبطة بالهجوم على إسرائيل كرد على مقتل إسماعيل هنية، التي قد تكشف صورة إيران الحقيقية كدولة قوتها كانت مختبئة وراء وكلائها، أو ما تعرف بـ”محور المقاومة” أو خط الدفاع الأمامي لإيران، وهو تحالف يضم حماس والجهاد الإسلامي في غزة، وحزب الله في لبنان، والحوثي في اليمن، والحشد الشعبي وجماعات مسلحة عدة في العراق وسوريا، يشرف عليها الحرس الثوري الإيراني، لنشر نفوذها في المنطقة. محاولة تبرير “تأجيل” هجومها الموعود، هو وقف دائم لإطلاق النار في غزة بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية “حماس”.
وهو ما أوضحه فرزان ثابت، كبير الباحثين في “معهد جنيف للدراسات العليا”، بأن إيران “ربما تبحث عن مخرج” لتبرير رد مخفف، وأن نوعا من وقف إطلاق النار في غزة يمكن أن يكون مجرد “انتصار دبلوماسي” تحتاجه للقيام بذلك.
كما إعتبر راز زيمت، الباحث البارز في “معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب”، أن وقف إطلاق النار في غزة، ربما لا يكون مهما لإيران، لكنه يوفر لطهران “ذريعة أو تفسيرا لإضفاء الشرعية على هذا التأخير، داخليا وخارجيا في الغالب”.
مضيفا أن وقف إطلاق النار يمكن أن يؤدي إلى قيام إيران إما بتقليص حجم هجومها أو اختيار طريقة مختلفة للرد تماما لا تنطوي على توجيه ضربة مباشرة إلى إسرائيل. ومؤكدا على أن إيران “تواجه معضلة كبيرة”، لأنه بينما يريد خامنئي والحرس الثوري الإيراني استعادة الردع الإيراني تجاه إسرائيل، هناك عناصر في إيران تخشى أن يؤدي هجوم واسع النطاق إلى جر طهران إلى حرب مع إسرائيل، وربما حتى مع الولايات المتحدة، التي عززت وجودها العسكري في المنطقة أكثر مما فعلت في أبريل 2024. (بردها المسرحي المعلن على قصف إسرائيل لقنصلية طهران بدمشق).
وأشار مايكل هورويتز، رئيس قسم الاستخبارات في “شركة لو بيك للاستشارات الدولية” -ومقرها البحرين–، أن المنطقة ربما تشهد ردا أكبر من الولايات المتحدة مما حدث في أبريل 2024،.. خاصة أن أميركا أرسلت للمنطقة أصولا هجومية بالإضافة إلى أصولها الدفاعية وهي رسالة للردع.
ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي الإسرائيلي، العقيد موشيه إلعاد، أن إيران “مترددة” في الهجوم على إسرائيل، لأنها “تدرك ما قد يحدث نتيجة رد إسرائيل المضاد وتريد تجنبه”.
في حين يرى الخبير الاستراتيجي الإيراني، سعيد شاوردي، أن “إيران تريد أن تلعب بورقة الوقت وفق ما تراه لصالح مخططاتها ومخططات حلفائها العسكرية، وللتأكد من أن الرد سوف يحقق أهدافه بشكل كامل ودقيق ويؤدي لأضرار جسيمة بإسرائيل”.
وأمام ضبابية الرد الإيراني من عدمه، فإن إسرائيل وإيران أثناء قيامهما بالتخطيط لأعمال انتقامية، يدرسان خياراتهما الإستباقية، المليئة بالعمليات السرية. ومن بين هذه الخيارات، الهجمات السيبرانية أو الإلكترونية، دون أن تؤجج الصراع في المنطقة، بنقل الصراع إلى مجال مختلف، بطريقة تبقي على التصعيد عند الحد الأدنى، أي الانتقام عبر الفضاء السيبراني باعتباره أقل تصعيدا من العمليات العسكرية، ودون خسائر بشرية كبيرة، مع توقع رد فعل أقل من الجانب الآخر، بإطلاق برامج ضارة مدمرة وبرامج فدية وأنواع أخرى من الهجمات الإلكترونية ضد بعضهما البعض. حسب أندرو بورين، المدير التنفيذي للأمن العالمي في “Flashpoint”.
وأشار محمد سليمان، مدير التقنيات الاستراتيجية وبرنامج الأمن السيبراني في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، أن: “بالإضافة إلى الهيئة الوطنية للأمن السيبراني في إسرائيل، فإن أكبر فرقة في الجيش الإسرائيلي هي وحدة جمع المعلومات الاستخبارية المعروفة باسم الوحدة “8200”، وهي المسؤولة عن العمليات السيبرانية الهجومية، وأن إسرائيل قوة عظمى إلكترونية، – قد يكون من خياراتها استهداف البرنامج النووي الإيراني أو إلحاق الضرر بالبنية التحتية العسكرية أو حتى المدنية، التي قد تختار إسرائيل تعطيلها أو التخفيف من حدتها دون اللجوء إلى ضربات حركية أو عمل عسكري تقليدي، كما تتعامل مع أي هجوم إلكتروني ضد إيران قد يتزامن مع عملية عسكرية، كعقيدة عملياتية في استخدام القدرات الإلكترونية -، وأن إيران قوة إلكترونية صاعدة”.
في حين شدد وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن، على “أهمية اتخاذ جميع الأطراف خطوات لتهدئة التوتر الإقليمي وتجنب مزيد من التصعيد وتعزيز الاستقرار”.
Laisser un commentaire