.. الجزء الثاني
ألا يكفينا إلقاء نظرة خاطفة على العالم الغربي الذي وصل إلى ما وصل إليه لا لشيء إلا أنه أحترم وقدس العلم، وبالتالي يكون قد احترم نفسه ووطنه كيف تنامت لديه في ظل الدوائر التي أصبحت تزداد لديه موجات الإعلام الدولي السلبية عن العرب والمسلمين منذ أمد بعيد، وخاصة في أعقاب أحداث سبتمبر 2001 التي أبانت لهم على مستوانا التعليمي الذي أربك حساباتنا نظرا لغياب بل تغييب تبعات ومسئوليات الجامعات الوطنية والعربية على حد سواء؟ أجل إنها المؤسسات الحقيقية التي تكشف عن عورات الأمم ما دامت تعتبر في نظر الدول المتقدمة الوحيدة التي بإمكانها إعادة تصحيح كل المفاهيم المغلوطة السائدة، وإحياء وإعادة تفعيل دور الدول العربية والإسلامية في الحضارة الإنسانية بصفة عامة، والحضارة المغربية بصفة خاصة، وهذا لا يمكن أن ننتظره أن يأتينا من فراغ في غياب الدور المنوط بالجامعة في سبيل صياغة رؤى واستراتيجيات وطنية ودولية هدفها وغايتها التعامل الوطني مع شبكة التفاعلات والتكتلات الدولية بما يعظم من فرص وعوائد الموارد الوطنية والدولية بل حتى القطرية، وهي الانتظارات التي حققها الغرب حين شمر عن ساعد الجد وفكر في التكتلات خلافا للعالم العربي والإسلامي الذي أبى إلا أن يعمق جراحاته ويترك ركب التقدم يتخلى عنه مادام لا يقدر قيمة وحكمة « العقل السليم في الجسم السليم ». ماذا يمكن للإصلاح الاستعجالي أن يفيد في ظل تداعيات تسارع التطورات التكنولوجية؟ وأي إصلاح نريده وعيوننا جاحظة أمام تفجر المعلومات والمعارف التي لم تعد ترحم معشر الواهمين مثلنا؟ علينا أن ندرك أننا حقا نعيش زمنا شعاره الزحف إلى ملاحقة اتصال العالم أجمعه، وكيف أصبح يخطط إلى تحقيق تواصل كل جزئياته…؟ على الجامعة المغربية خاصة ووزارة التربية والتكوين عامة الابتعاد عن الارتجالية والتفاؤل الاعتباطي الذي يتنافى وحقائق الواقع التعليمي المزري الذي سرعان ما تفضحه تحقيقات صندوق النقد الدولي الذي صنفنا في خانة الوفيات ونجوم في السماء تنظر ولا تسعف.. وعلى مهندسي مفهوم الاستعجالية أن لا يجعلوا في آذانهم وقرا وهم يكررون مؤخرا الحديث عن استراتيجيات تم إعدادها وتقديمها لتطوير التعليم الجامعي في المغرب، كما تعددت عروض ومقترحات لمحاور وأولويات هذه الخطط. إلا إن عقرب ساعتنا في هذا المجال ما يزال في البارحة، ولم يتحقق التقدم المحسوس نحو الأفضل في أحوالنا التعليمية، وبقي كل شيء رهن الانتظار والتوقعات. ولعل من له غيرة على التعليم، هذا الرجل المريض بين أحضاننا أن يتوقع كم صرفت من أموال وهي أصلا أموال الشعب على هذه الأطروحات التي لا تعد ولا تحصى دون نتائج عملية ملموسة على نطاق واسع في مجال تطوير التعليم الجامعي المغربي وإصلاحه على أرض الواقع الذي لا يدركه إلا من يباشره في الميدان بعيدا عن دهاليز الوزارات المتعاقبة التي لا يعنيها مستقبل أبناء الشعب ما دام مستقبل أبنائهم يبنى خارج منظومتنا التعليمية، على اعتبار أنهم مغاربة من درجة استثنائية وليشرب الأكاديميون البحار. ولعل الباحث بات أكثر من وقت مضى يتساءل على ضوء ما يعيشه من تردي عوض الكلام عن الجودة في التعليم. وهل أمثال هؤلاء الذين وكلت لهم مهمة إصلاح التعليم يعلمون أهمية البحث وبالتالي خبايا الأبحاث الجامعة باعتبارها المنتج الحقيقي للمعرفة وهي وبكل تأكيد أهم مقومات قوة الدول في عصرنا الحالي، بل وحده الإصلاح الحقيقي للمنظومة التعليمية هو القادر على نقلها وتطويرها أو العكس؟ ومن ثم، يتحتم على الجامعات المغربية ومؤسساتها ومجالسها ألا تترك صلاحية هذا القطاع بين أيدي من سبق أن أعلنوا فشلهم غير ما مرة في هذا الميدان بالذات ما دام أهل مكة أدرى بشعابها.. عليهم وحدهم القيام بالبحث والدراسة لإبراز أبعاد الدور المعرفي للجامعة وقضاياه، وما يواجه جامعاتنا من مستحدثات آنية، وتحديات كونية تتطلب التأقلم معها بفعالية دون إغفال التداعيات التي تستوجب كنه حقيقة دور ووظائف الجامعة في أبعاده الثلاثية: التعليم الرزين الحداثي، والبحث العلمي، وخدمة المجتمع. وحين ينخرط الباحث المغربي بجدية وبطريقة مباشرة في عمق هذا الثالوث الذي طالما عمل ما في جهده كي يصل إليه يوما باعتباره الطريق الوحيد والأوحد نحو تقدم البلاد، فإن الباحث والساهر على الشأن التربوي سيثير حتما الأسئلة المحورية الثلاثة:
٭ السعي بخطى ثابتة نحو معانقة التحديات الجديدة للوظيفة التي على الجامعة المغربية أن تلعبها، وتفعيل دورها المعرفي، ورد الاعتبار لها باعتبارها السبيل والمنفذ الوحيد لمسايرة العصر الذي لم يعد يقبل العيش في الهامش. وعلى الجامعة نفسها أن تعكس اختياراتها وبدائلها وهي تفعل ما استطاعت إليه سبيلا دورها المعرفي، ومدى انعكاساته على الهوية الوطنية، والحفاظ على بعدها الحضاري الذي لا يمكن أن ينتعش إلا إذا ما كان الإصلاح حقيقة ينطلق من هذه التصورات النابعة عن أهل الدار أنفسهم.
٭ على الذين يسعون إلى تحقيق انجاز غير مسبوق في سبيل تحديث الواقع الجديد للجامعة المغربية والدور الريادي الذي يجب أن تلعبه في القرن الواحد والعشرين أن لا ينحصر فقط في البحث وبشكل اعتباطي، بل الانتقال من مرحلة نقل المعرفة إلى إنتاجها وتطويرها والاحتفاظ بها، بينما الأمر يتطلب التفكير في الامتداد إلى تطبيقات كل ما سبق أن أدرجناه على المنظومة التعليمية جملة وتفصيلا: أي من إعادة النظر في أنواع التعليم الذي نسعى إليه، وتحديث مناهجه ، ومدى ارتباطه بالتكنولوجيا، وتكنولوجيا التعلم في جدلية قائمة على عملية التأثر والتأثير، الشيء الذي سيقود حتميا إلى قيمة إضافية تتعلق بقدرات المجتمع على الاستمرار، وترسيخ هذه البوادر في مجال التطور والاستفادة من الآفاق اللازمة لتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، وما يترتب عن ذلك من تقدم اقتصادي يستجيب لتحديد الأولويات في البلاد.
٭ ما الذي نريده من الجامعة في إطار الإصلاح المزعوم؟ هل طموحاتنا كل طموحاتنا منذ أن فتحنا أعيننا على الجامعة المغربية تقتصر على التعليم فقط، أو بعبارة أخرى تقتصر على نقل المعارف وتكوين وإعداد خريجين قادرين على الاستجابة الشرطية للاحتياجات الآنية لسوق العمل؟ أم أن الأمر يتعدى كل هذا ليصبح مصدر إنتاج معرفة وتربية أفراد مؤهلين وبشكل مستمر للتعلم بمستجداته الآنية، ويصبحون بالتالي قادرين على الاستمرار في البحث العلمي، وتطويره، واقتحام عالم الإبداع بروح ومعنويات عالية؟ أم أن سعينا يذهب إلى أبعد من كل هذا متجاوزين كل الصعاب، وصولا إلى كسر احتكارالتكنولوجيا، ومحاولة دعم استقلال القاعدة الوطنية المعرفية من خلال إنتاج ما يمكن تسميته بالصيغ، والتطبيقات الوطنية للتكنولوجيا والمعرفة، أخذين بعين الاعتبار القيود والمعوقات التي قد تعترض مسيرتنا النضالية من أجل تحقيق صورة واضحة لمفهوم الإصلاح وإخراجه من قوقعة الغوغائية التي أضاعت عنا سنين من التكوين وهدر الأموال في الملتقيات والندوات والحال أن عقرب ساعاتنا لا زال في البارحة؟
٭ وفي الإطار نفسه يتساءل من له غيرة حقيقية نابعة من الجذور التي لا يمكن للمرء أن يحيد عنها، ترى من عسانا نكون؟ وما فلسفة هويتنا في ظل انتماء تطوقه سياقات العولمة والقولبة أو النمذجة، التي تهدف إلى ما تهدف إليه من أبعاد ودوائر كينونتنا التي تجبرنا على طرح تساؤلات مصيرية: من نكون؟ مغاربة، عرب، أمازيغ، تبعيون…؟ أم ترانا ينطبق علينا قول الشاعر: إن سألت عن ديني فإني أحمدي، بوذي، يهودي…؟ وفي السياق نفسه يطرح علينا السؤال المركزي الذي بات لغزا محيرا مفاده: ماذا نريد في خضم كل هذه الأسئلة ونحن نتناول مفهوم الإصلاح، وأي إصلاح هو سيما إذا تعلق الأمر بالمنظومة التعليمية؟ ترى نريد تحقيق استقلالية تتمشى وطبيعة متطلبات الإصلاح الشامل الذي يستجيب لشروط ليس من السهولة بمكان تحقيقها، أم ترانا نريد وكما تعودنا على ذلك منذ زمن طويل الخضوع للتبعية وكفى المؤمنين شر القتال؟ وفي هذا الإطار، لا يمكن لنا، بل غير مسموح أن نحيد عن إحدى الأمرين: إما الاندماج والانخراط في الإصلاح الحقيقي الذي يستجيب للمواصفات الدولية، وإما الانسحاب من سباق السلحفاة والأرنب كما صوره الفيلسوف سينيكا حينما أراد أن يثبت سكون العالم؟ وإما أن ننخرط بشجاعة في الإصلاح، فنصير فاعلين مؤثرين نقرر ونفعل؟ وإما علينا أن نبقى أوفياء لثنائية: التلقي والاستجابة الشرطيتين البافلوفيتين؟.
* مقتطف من كتابنا الجامعة المغربية الذي تنبأنا فيه إلى الكوارث المتوارثة عبر الحكومات في زمن أحرق احراقا خيفة قراءته من قبل غير المأسوف عليه.. وسننشره تباعا ليقف عنه لا الحكومة فقط بل كل من يدعي أن له غيرة عن الجامعة المغربية.