المشهد السوري: كواليس وأجندات تركية-إسرائيلية ميدانية

Écrit par

dans

مصطفى البختي

على إثر جلسة الاتفاق بين وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ونظيره الروسي سيرغي لافروف، والإيراني عباس عراقجي، ممثلا للحكومة الإيرانية والمرشد علي خامنئي، شكّلت عملية ذات أهمية غير عادية في الشرق الأوسط، وتحول في”صيغة أستانا” لمراقبة التطورات في سوريا وضمان الامتثال للخطة التي كانت تهدف إلى “إنهاء العنف وبدء عملية سياسية”، في عام 2017، التي تجسدت في القرار 2336 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة؛ وعقد لمناقشة الأوضاع السورية بعد ازيد من نصف قرن من الديكتاتورية، وأزيد من عشرية وحشية، للاطاحة بنظام الأسد، وتسهيل هجوم خاطف من قبل هيئة تحرير الشام، لإسقاط بشار الأسد.

وعرف اجتماع وزراء خارجية الجهات الفاعلة الثلاثة – روسيا وإيران وتركيا – ذات المصالح المباشرة في سوريا، الإتفاق على عدم المشاركة عسكريا، بل تعزيز الأدوار ومناطق النفوذ في الوضع السوري الذي لا يتطلب حلا عسكريا، بل تعزيز المرحلة السياسية ما بعد بشار الذي رسّخ الوجود الإقليمي لروسيا بإنشاء قاعدة طرطوس البحرية على الساحل السوري على البحر الأبيض المتوسط وقاعدة جوية قريبة، ذات أهمية استراتيجية في انعكاسها على أفريقيا، وجعل من إيران الشريك الرئيسي للحكومة السورية من خلال وكيلها حزب الله.

حيث اعتبر هذا الاجتماع نجاحا دبلوماسيا تركيا، واستغلالا للوضع الإقليمي والدولي، في اقناع روسيا وإيران بعدم دعم نظام الأسد وإطالة مآسي الشعب السوري منذ 2011، وتخلي روسيا مؤقتا على الأقل عن مواقعها، مع الحفاظ على اتصالات مع جميع القوى السياسية الموجودة في سوريا، بشأن ضمان أمن المواطنين والمرافق الروسية، خصوصا قاعدة طرطوس البحرية في سوريا.

وأن الوضع الإقليمي كسّر التسهيلات الإيرانية وسلاسل توريدها لحليفها حزب الله، مما أدى إلى تحول دراماتيكي في موقف طهران تجاه حليفها بشار الأسد، تجلى في قرارها إجلاء قادتها العسكريين من سوريا عندما طلب الأسد المساعدة. مبررة ذلك بفشل الأسد في المشاركة بفعالية في طوفان الأقصى، حيث لم يسمح بإطلاق أي صواريخ باتجاه إسرائيل من الأراضي السورية، مما أخرجه عمليا من معادلة “وحدة الساحات” التي تدعمها طهران.

وفي ظل تقهقر”العمق الاستراتيجي” في الفكر السياسي الإيراني ضمن إطار أيديولوجية شمولية لسياسة إيران الرئيسة، مثل “تصدير الثورة”، ودعم الجماعات المسلحة، ومساندة حركات “محور الممانعة”، في بيئة إقليمية مضطربة، زاد من صعوبة احتوائها للتهديدات الأمنية قبل أن تصل إلى حدودها الإقليمية، عبر فتح جبهات من خلال أذرعها التي استنزفت. وعلى الأخص قدرات “حماس” و”حزب الله”، ما أثّر على قوتهم العسكرية وأدوارهم السياسية على المدى البعيد، بعد ان كانت تعتبر طهران أن”حسابات المقاومة” كدرع لأمنها القومي هي من ستحدد المنطقة، في أعقاب حرب غزة، كشبكة أيديولوجية، عبرها كانت إيران تبرز ثقلها الجيوسياسي يوازن ثقل منافسيها الإقليميين. هذا إضافة إلى الهجمات المتبادلة بينها وبين إسرائيل، التي أبرزت هشاشة إيران الشديدة في مجالي الاستخبارات والتكنولوجيا. كعاملين حدٌا من نفوذها الإقليمي.

مما دفع النظام الإيراني، في ظل هذه التغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، إلى بلورة رؤية بديلة للنظام الإقليمي، بهدف توفير حماية من العواقب السلبية للنمط المتسارع في منطقة الشرق الأوسط. التي قد تؤدي إلى إضعاف قدراتها العسكرية ويعرّض وضعها الإقليمي للخطر، وعلى الأخص في مجال توازن القوى مع منافسيها في المنطقة. في ظل التطورات الميدانية المتسارعة التي لا تتماشى مع رؤيتها وتوقعاتها. مع استمرار النزاعات الجيوسياسية بينها وبين دول الجوار، وخصوصا الصراع مع إسرائيل، والنزاع على الجزر الإماراتية الثلاث؛ وذلك بمنح الأولوية للاعتبارات الأمنية والجيوسياسية في جهودها الدبلوماسية الإقليمية، كاتفاق إعادة العلاقات الدبلوماسية مع المملكة العربية السعودية برعاية صينية في مارس 2023، رغم استمرار النظرة الأمنية وأزمة الثقة بين الجانبين، هذا بجانب فتح قنوات مع كل من مصر والأردن. واستغلال المشاعر المؤيدة للفلسطينيين في العالمين العربي والإسلامي، في حرب غزة منذ 7 أكتوبر 2023، لتوسيع نفوذها الإقليمي، بتقديم نفسها كـ”رائدة محور الممانعة”.

وهو ما أكده وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، على أن: “بلاده أقنعت كلا من روسيا وإيران بعدم التدخل عسكريا في سوريا خلال هجوم الفصائل المعارضة المسلحة، الذي أدى إلى إسقاط الرئيس المخلوع بشار الأسد”. في مفاوضات محددة الهدف مع لاعبَين اثنين مهمين قادرين على استخدام القوة. بعد أن رأت كلا من روسيا وإيران الداعمتين الرئيسيتين لنظام بشار الأسد، عسكريا وماليا للحيلولة دون الإطاحة به، أنّ هذا الحل العسكري لم يعد له أيّ معنى. وأن الاستثمار في بشار، فضلا عن الظروف في منطقة الشرق الأوسط وكذلك في العالم لم تعد هي نفسها.

مما جعل تركيا التي حمت المتمردين على نظام بشار الأسد، من تحقيق هدف مزدوج، تمثّل في احتواء الميليشيات الكردية التي تعتبرها امتداداً لحزب العمال الكردستاني الذي تقاتل ضده داخلياً؛ وإدارة تدفق السوريين الذين فروا من وحشية نظام الأسد الذي يفتح سقوطه إمكانية عودة ثلاثة ملايين لاجئ سوري لديها. وذلك بإنشاء “منطقة آمنة” في شمال سوريا تخدم كلا الغرضين.

من جهة أخرى، وإثر سقوط نظام بشار الأسد، واصل الجيش الإسرائيلي عملياته العسكرية عند الحدود وفي المنطقة العازلة شرق خط وقف إطلاق النار في الجولان داخل الأراضي السورية، على تهيئة المنطقة واستحداث نقاط مراقبة وتمركز لقواته، لإنشاء “منطقة دفاع خالصة” في جنوب سوريا، والاشراف على كل المواقع المُطلة على كامل الجغرافيا السورية وأجزاء واسعة من لبنان ومحافظة إربد الأردنية، كما ستمكنها من تركيب أجهزة المراقبة الحديثة من رادارات وكاميرات لمسح المنطقة بشكل دائم.

حيث أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس،  “عودة السيطرة الإسرائيلية بعد 51 عاماً، على جبل الشيخ على الحدود السورية-الإسرائيلية”؛ وهو موقع استراتيجي لوضع نظام الإنذار المبكر الاستراتيجي الأساسي لإسرائيل والرصد والاعتراض والتشويش على مساحة تتجاوز 300 كلم، في جميع الاتجاهات، وهو ما يشكل تهديداً للدول المحيطة على كافة الاتجاهات الاستراتيجية (سوريا – لبنان – الأردن). على علو 2280 متراً. لمراقبة المناطق المحيطة، بجانب التحكم بمياهه السطحية والجوفية.

وقال كوبي مايكل، الباحث في معهد دراسات الأمن القومي ومعهد مسغاف للأمن القومي والاستراتيجية الصهيونية، أن: “إسرائيل تستغل هذه الفرصة بحكمة لضمان واقع أفضل”.

في استغلال إسرائيل لما يجري من أحداث في سوريا، مع احتمال توسيع هذه المناطق في المستقبل بناء على التطورات، (في رسم خارطة شرق أوسط جديد)، بجانب تنفيذه لغارات استهدفت مواقع إستراتيجية وعسكرية ومستودعات أسلحة بسوريا. في انتهاك لمعاهدة فك الاشتباك السورية-الإسرائيلية، الموقعة في ماي عام 1974، بين إسرائيل وسوريا. بعد ما يعرف بـ”حرب جبل الشيخ الثانية”. والتي اعتبرتها إسرائيل لاغية بسقوط نظام الأسد أحد أطرافها. بفرض امر واقع قد تصبح المنطقة جزءاً منها، بعد إعادة المشهد الميداني لأوضاع أكتوبر 1973.

حيث اعتبر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، هرتسي هاليفي، “هذه التحركات في مواجهة التهديدات المحتملة، لحماية المواطنين الإسرائيليين، وخاصة في مرتفعات الجولان، من التهديدات الخارجية”. (وأنه تم تنسيق عملية النشر مع قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك، والمعروفة أيضًا باسم UNDOF، وهي مهمة دولية لحفظ السلام منتشرة في مرتفعات الجولان السورية منذ عام 1974). وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن “مرتفعات الجولان ستكون جزءا لا يتجزأ من دولة إسرائيل إلى الأبد”. ليصبح التحرك الإسرائيلي بالمنطقة تواجدا دائما، معتبرة (إسرائيل) ان سيطرتها على هذه المنطقة الاستراتيجية في سوريا، ستمنحها القدرة على تفكيك اي تهديد لها دون الحاجة إلى صراع مسلح مباشر، وهو ما سيشكل تهديدا للأمن القومي السوري. وتوسيع بؤر التوتر وعدم الاستقرار .

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *