في إطار الديناميكية التي يعرفها ملف الصحراء المغربية في ظل واقع النهضة التنموية، والأمن والاستقرار. والاعتراف الدولي المتزايد بمغربية الصحراء، والدعم الواسع لمبادرة الحكم الذاتي. وفتح قنصليات لعدة دول في كل من العيون والداخلة بالأقاليم الجنوبية للمغرب في تجسيد للوضع الشرعي والطبيعي لمغربية الصحراء، في مشهد دبلوماسي متغير يقدم فرصاً غير مسبوقة لاتخاذ إجراءات حاسمة. بعد الإجماع الدولي حول خطة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الأساس الوحيد للحل، المتقدمة بشكل صارخ على النهج “التقليدي” الذي تقوده الأمم المتحدة
اعتبر تقرير “مركز أليسون للأمن القومي في مؤسسة التراث”. الصادر عن 19FortyFive (1945)، لقضايا الدفاع والأمن القومي بأمريكا، أن أمام إدارة دونالد ترامب فرصة تاريخية لحل نزاع الصحراء التي طال أمده منذ عام 1975، في منطقة استراتيجية على طول ساحل شمال أفريقيا الأطلسي، التي توفر إمكانات بحرية كبيرة، وتطوير الطاقة المتجددة، وطرق التجارة البحرية التي تربط بين أوروبا وأفريقيا والأمريكتين.
وعلاوة على ذلك، من المتوقع أن تصبح الصحراء نقطة عبور حاسمة لخط أنابيب الغاز الأطلسي الأفريقي الذي ينقل الغاز النيجيري إلى جنوب أوروبا، وهو مشروع تحويلي من شأنه أن يعيد تشكيل المشهد الطاقي في أفريقيا بشكل جذري ويعزز مكانة المغرب كبوابة لموارد الطاقة الأفريقية إلى الأسواق الأوروبية التي تعززها استراتيجية التنمية الشاملة التي ينهجها المغرب وجعل هذا الموقع الاستراتيجي مركز لإنتاج الطاقة والتجارة البحرية، مع دمج المنطقة في الأطر الاقتصادية الأوسع في البحر الأبيض المتوسط والأطلسي.
وهي حوافز لطي هذا النزاع وفرصة استراتيجية ووسيلة دبلوماسية ملائمة لإدارة دونالد ترامب من شأن ذلك أن يعزز موقف أميركا في مواجهة تحديات أكثر تعقيدا في مناطق العالم المتوترة/المشتعلة.
إن الولايات المتحدة، استناداً إلى مبدأ “السلام من خلال القوة”، قادرة على تحويل الديناميكيات الإقليمية بشكل إيجابي التي يعرفها الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، حيث أدى اعترافها بالسيادة المغربية على الصحراء، إلى تغيير معايير الحل بشكل أساسي والذي تعزز بدعم كل من فرنسا وإسبانيا، كدولتين هامتين في هذا الملف، وكأطراف رئيسية ذات القرب التاريخي والجغرافي من هذا الصراع الإقليمي، على دعم خطة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الحل الأكثر جدية وواقعية ومصداقية وبراجماتية؛ وربما كذلك موريتانيا التي تحافظ على علاقات قوية مع فرنسا وتقف كواحدة من حلفاء الغرب موثوقية في المنطقة، في حين تحافظ على توازن دقيق بين المغرب والجزائر؛ وهي الجهات الفاعلة الحاسمة، التي تربط كل منها علاقات تاريخية عميقة ومصالح مباشرة في الاستقرار الإقليمي، يخلق فرصة فريدة لتحقيق حل دائم.
وهو تحالف من شأنه أن يخلق الظروف الملائمة لحل نهائي، يشكٌل فيه الموقف الفرنسي إجماعًا تاريخيًا بين أعضاء مجلس الأمن الرئيسيين، مما يعزز الأساس للسلام الدائم، في سياق استراتيجي بتطلب اتخاذ إجراءات فورية من الإدارة الأمريكية من شأنه أن يثبت فعالية استراتيجية متجددة مع إرساء الأساس لمعالجة التحديات الإقليمية الأكثر صعوبة.
وهو الحل الذي من شأنه أن يؤمن ثلاث مصالح حيوية للولايات المتحدة:
– منع الصين من توسيع نفوذها بشكل أكبر في ممر استراتيجي حيوي بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.
– إظهار قدرة أمريكا المستمرة على تشكيل النتائج في المناطق المتنازع عليها.
– تعزيز العلاقات مع الشركاء الموثوق بهم، مع صياغة تحالفات استراتيجية جديدة في وقت يتزايد فيه عدم الاستقرار الإقليمي.
وأمام الإمكانات الاستراتيجية والاقتصادية للمنطقة، حيث تتنافس القوى العالمية مثل روسيا والصين التي أبدت اهتمامًا كبيرًا بميناء الداخلة، والاتصالات السككية الاستراتيجية، ومبادرات التنمية الأوسع في المغرب بما في ذلك البنية التحتية لشبكة الجيل الخامس ومشاريع كأس العالم الطموحة لعام 2030. على وضع نفسهما في مشاريع البنية التحتية التحويلية في المغرب، بما في ذلك الصحراء. ومن جهة أخرى النفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة مع وجود نقاط اتصال بين وكلاء طهران وجبهة البوليساريو، يضيف طبقة أخرى من التعقيد..
ما يتطلب توجيه استراتيجي واضح من الولايات المتحدة:
– التخلص التدريجي من تفويض بعثة الأمم المتحدة المينورسو، الذي عفا عليها الزمن، المُكلٌفة وغير فعّالة، والتي جاءت في ظروف الحرب الباردة واستمرار وجود ها يعمل على إدامة الافتراضات العتيقة المتجاورة حول الإطار المحتمل لحل الصراع،
– استبدال المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء المغربية بالجهود الدبلوماسية الأميركية من شأنه أن يبسط آليات حل النزاعات ويجعلها متماشية مع الحقائق الحالية (المتمثلة في الدعم الدولي الواسع للمبادرة المغربية للحكم الذاتي).
ومن شأن هذا التحول السياسي المباشر أن يسمح بالمشاركة المباشرة بقيادة الولايات المتحدة مع إظهار الكفاءة الدبلوماسية لطي هذا النزاع الإقليمي الذي طال أمده.
– جعل بكين لعلاقاتها المتميزة مع المغرب والجزائر، أن تلعب وسيطاً موثوقاً بين الرباط والجزائر، مما يساعد توقع مثل هذه المبادرة الاستراتيجية الصينية من خلال الزعامة الأميركية الحاسمة والاستفادة من التحالفات الإقليمية القائمة في المنطقة.
– نهج صريح تجاه الجزائر يوازن بين: “المساءلة” التي تتحمل الجزائر مسؤولية خاصة عن إدامة النزاع حول الصحراء. و”الاعتراف بتطلعاتها الإقليمية” التي يجب ان تظهر قدرتها القيادية على تعزيز الاستقرار الإقليمي، ويشكل تعاونها ضرورة أساسية لتحقيق الاستقرار والتكامل الإقليميين، على ان تساعد الولايات المتحدة في معالجة مخاوف الجزائر من خلال تعزيز المشاركة الثنائية، وأطر التعاون الأمني، والشراكات الاقتصادية التي تعزز الدور الإقليمي المهم الذي ستلعبه الجزائر.
إن النمط المثير للقلق الذي يتبناه النظام الجزائري في التعبئة الداخلية ضد المغرب، بما في ذلك من خلال العروض (العدائية) والخطابات العسكرية كمحاولات متعمدة لإثارة المواجهة العسكرية. يمكن للولايات المتحدة أن تستفيد من أصولها الاستراتيجية للعمل مع الجزائر على تهدئة التوترات واحتضان دورها المحتمل كفاعل بناء وليس مفسدًا للاستقرار.
ومن ثم، يتعين على الإدارة الأمريكية أن تتبنى نهجاً مزدوج المسار: تقديم تعاون ثنائي معزز والاعتراف بأهمية الجزائر الإقليمية مع الحفاظ على الضغط القوي من أجل خفض التصعيد بشكل ملموس مع المغرب. وقد يشمل هذا حواراً منظماً حول بنية الأمن الإقليمي، والشراكات في مجال الطاقة والتكنولوجيا، ومبادرات التكامل الاقتصادي، وكل هذا يتوقف على التقدم نحو حل الصراع.
وفي حين تحافظ الولايات المتحدة على دعمها الواضح للسيادة المغربية، فإنها ينبغي لها أن تشجع الرباط على وضع إطار تنفيذي مفصل وواقعي لمقترحها للحكم الذاتي، ويمكن للولايات المتحدة أن تقدم إرشادات الخبراء في تصميم آليات الشفافية والرصد التي تبني الثقة في تنفيذ ترتيبات الحكم الذاتي، وهذا من شأنه أن يثبت لجميع الأطراف، أن الحكم الذاتي يوفر مساراً حقيقياً للمضي قدماً وليس مجرد صيغة دبلوماسية.
وخلص التقرير الى أن الصراع في الصحراء المغربية يمثل تلاقيا نادرا بين الضرورة الاستراتيجية والفرصة الدبلوماسية، وبفضل الأساس السياسي القائم والنوايا السياسية الطيبة منذ عام 2020، والتوافق الإقليمي غير المسبوق، تستطيع إدارة ترامب، تأمين نجاح دبلوماسي مبكر مع منع القوى المعادية من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي في شمال أفريقيا.
حيث يتطلب طي هذا الملف تحفيز المشاركة البناءة للجزائر مع الحفاظ على الضغط الاستراتيجي، والعمل مع المغرب لتنفيذ أحكام الحكم الذاتي التي تضمن الحكم الشامل، ودمج الإقليم في الأطر الاقتصادية الإقليمية الأوسع.
مما يتطلب اتخاذ الإدارة الأميركية لقرار حاسم من شأنه أن يمنع القوى الأخرى من ملء الفراغ الدبلوماسي في شمال أفريقيا. ومن خلال الاستفادة من الإجماع الجديد بين فرنسا وإسبانيا، والانخراط بحزم مع الجزائر، والبناء على الاختراقات المحتملة مع موريتانيا، تستطيع القيادة الأميركية أن تضع حداً لهذا الصراع المستمر منذ عقود والذي أعاق التكامل الاقتصادي الكامل في المنطقة.