الأحداثمحمد اعويفية
أعتقد أن ماقدمه الفنان سعيد أسرسار ومجموعة جوالة في فترة الثمانينيات، كاف كي ندرك أنه وصحبه كانوا أصحاب حرفة وعلو كعب، فنانون، مبدعون حقيقيون، استطاعوا بسجلهم الفني الزاخر بأغاني مثل “ناديني ويا الميمة” ،”حلفت عليك” ،”مال حبيبي” و”مكبت الخيل “، وأغاني كثيرة أخرى، أن يجدوا لهم موطئ قدم على الأقل في الساحة المحلية ،كما كان من الممكن أن تسجل فرقة جوالة حضورا قويا على المستوى الوطني ،وتزاحم ناس الغيوان وجيل جيلالة ولمشاهب لو استفادت مما حضيت به هذه المجموعات الغنائية من تسويق إعلامي جيد، وظهور مستمر ومتكرر عبر القناة التلفزية الوحيدة والمحطات الأثيرية الوطنية . 
تمة خاطر قوي يقارب الهوس ،يلح علي ويدفعني للكتابة عن هذه المجموعة المتكاملة التي اخترقت القلوب الجامدة في زمن جميل ولى، حتى أزيل هذا الشيء الثقيل عن رقبتي، ربما لأجأر بالشكوى من الإهمال الذي طالها أو كنوع من التكريم لها كإرث ثقافي محلي أريد له أن تعيش ذكراه وتحيا من جديد ،ويُنفض عنها غبار النسيان، أو ككتابة متواضعة للتاريخ الذي سيحاسبني إن لم أفعل وأنا واحد من المعجبين بأغانيها لحد الساعة ، ومن جلاس هذا المبدع الكبير سعيد أسرسار الذي يعد من خيرة ما أنجبت آسفي ،فنان موهوب في رؤيته المختلفة لكل ما نراه نحن عن الفن الشعبي وجوانبه التي لا ندركها، وفي الطريقة التي تصل بها كلماته إلى الجمهور وتجعله يتأثر بها وبقيمتها كأغنية متكاملة ذات هدف .

أسرسار بطبيعة رجال التعليم الشرفاء، ليس من محترفي أو من هواة الأضواء والبهرجة ، رجل هادئ يجعلك بطريقته القريبة إلى الهمس في سرد الأحداث والذكريات، تعتقد وكأنه يُسِرٌ لك بأشياء لا ينبغي أن يسمعها غيركما من جلاس المقهى ومرتاديها، يروي بشغف وحنين كيف كان يختار أنسب الكلمات وأصدقها وأعذب الألحان ليس ليستدر إعجاب الناس ولكن لتصل إليهم كلماته بإحساس صادق يجعلهم يشعرون ، ينفعلون ويتأثرون بقيمة الأغنية المرادفة لرسالة يريد كمبدع حقيقي أن يوصلها، خلاف ما نراه اليوم يصدر من أغاني عن أكوام متراكمة من فنانين بلا معنى، بلا ذوق، بردائة غريبة تقدم لنا ولأبنائنا سما زعافا ، ردائة صارت تكتسح حياتنا و تمتد إلى كل شيئ جميل فينا حتى قيمنا وأخلاقنا في سبيل شهرة كاذبة وربح زائل. فرقة جوالة أهم تجربة غنائية عرفتها آسفي في الثمانينيات ،لذا تعد قيمة وكنزا ثقافيا رفيعا، بالنظر إلى ما قدمته من فن راق ،وإلى طابعها المرتبط بشكل وثيق بهموم الناس وانشغالاتهم، فمن الواجب اليوم على ممثلي وزارة الثقافة بالمدينة إعادة الإعتبار لها بتكريم عناصرها، و الإنكباب على إيجاد صيغة ما لإحياءها وبعث الروح فيها ، وتوريثها لجيل جديد يحميها من الإنقراض.
هيئة التحرير16 يناير، 2025
إقرأ الخبر من مصدره