في ظل المسار الذي تخطه المملكة لإرساء الدولة الاجتماعية، دخل هذا الموضوع إلى الجامعة، بعد مناقشة أولى الأطاريح التي تناولته، حيث شهدت كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز التابعة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس مؤخرا مناقشة أطروحة دكتوراه للطالب الباحث محمد الحارثي، بعنوان “دور التغطية الصحية في دعم أسس الحماية الاجتماعية بالقطاع العام”، تحت إشراف الأستاذ عبد الكريم القنبعي ورئاسة الجلسة من طرف الأستاذ محمد عبابو، وعضوية كل من الأساتذة عبد الإله بنمليح ووسيلة بنكيران وعادل العمراوي وعبد المالك بوزكراوي.
واكتسب الأطروحة أهميتها النظرية والتطبيقية، وفق الباحث الحارثي، من راهنية الموضوع وندرة الدراسات التي اهتمت به، خصوصا بعد الديناميات التي أحدثها مشروع تعميم الحماية الاجتماعية ببلادنا، حيث أصبحت الظاهرة تشغل بال الباحثين الأكاديميين والفاعلين السياسيين والاجتماعيين على حد سواء. وأضاف أن “تعميم التغطية الصحية الشاملة باعتبارها آلية من آليات الحماية الاجتماعية ورافدا من روافد الأمن الاجتماعي أصبحت مشروعا ومطلبا اجتماعيا في أفق بلوغ النموذج المغربي للدولة الاجتماعية”.
وحاولت الأطروحة الإجابة عن التساؤل الرئيسي حول “دور التغطية الصحية الشاملة في دعم أسس الحماية والأمن الاجتماعيين بالقطاع العام”. كما سعت إلى تسليط الضوء على أبرز الفاعلين الذين يشكلون هذا الدور ويؤثرون فيه، خاصة وزارة الصحة والحماية الاجتماعية باعتبارها وصيا على القطاع، ومنتجي العلاجات بالقطاع العام والخاص، ثم الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي كهيئة مديرة بمعية التعاضديات، وأخيرا المؤمن له بصفته الفاعل الأساسي بالمنظومة.
وخلصت الدراسة الميدانية إلى جملة من النتائج: أولها أنه بالرغم الدور الذي تلعبه وزارة الصحة والحماية الاجتماعية في تأطير ودعم التغطية الصحية الشاملة، فإن هذا الدور يظل ضعيفا ولا يستجيب لانتظارات المؤمن له نظرا لهشاشة العرض الصحي المقدم له من طرف المؤسسات الصحية العمومية، كالمستشفيات والمراكز الصحية الجامعية. ثانيا أن منتجي العلاجات بالقطاع الخاص يقدمون عرضا صحيا ذا جودة عالية لكن خدماتهم تعتبر في نظر مستجوبينا مكلفة جدا، وبالتالي فإن هذا الفاعل لا يدعم التغطية الصحية الشاملة، بل يستنزف مقدراتها بشكل كبير وتبقى كلفة العلاج أعلى بكثير من نظيرتها بالقطاع العام.
ثالثا، نظرا لتراجع جودة الخدمات وهزالة التعويضات وطول مدة الآجال في دراسة الملفات الخاصة بالثالث المؤدى والتأخر في تعويض الملفات الطبية العادية فإن فرضية أهمية دور الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي في دعم التغطية الصحية الشاملة تم تفنيدها وتبين أنه لم يعد يقوم بدوره الاجتماعي التضامني الذي أحدث من أجله بنفس الفعالية السابقة.
كما اتضح من خلال نتائج الدراسة أن للمؤمن له دور مهم في دعم التغطية الصحية الشاملة، سواء كان عبر التمويل التضامني والتدبير المواطن والعقلاني أو عبر ترسيخ ثقافة التحسيس والاحتياط والعيش السليم.