بن العربي يرصد في مؤلف جديد إذكاء التناقضات المجتمعية للصراع داخل الأسرة

Écrit par

dans


العمق المغربي

صدر، مؤخرا، كتاب جديد بعنوان “التغيير الاجتماعي وانعكاساته على دينامية العلاقات الأسرية”، ألفه أستاذ علم الاجتماع بجامعة مولاي اسماعيل بمكناس ادريس بن العربي.

ويتطرق الكتاب، الصادر عن دار الإحياء للنشر والتوزيع، ويضم 186 صفحة من القطع المتوسط، في الجزء الأول إلى “قيم المساواة والتشارك والمسؤولية في الأسرة”، من حيث “القبول بالحقوق المتبادلة” و”الاعتراف بالقرين كشريك متكافئ”.

وفي الجزء الثاني إلى “الاختيار للزواج والتغير الاجتماعي، قيم الحرية والاستقلالية عن سلطة الآباء والمجتمع”، من حيث “حرية الاختيار للزواج والتغير الاجتماعي”، و”قيم اختيار الشريك والتغير الاجتماعي”، فيما يتناول الجزء الثالث “تدبير المآزم العلائقية بين الأزواج، التحول السوسيولوجي في العلاقات الأسرية”، على مستوى “انحلال العلاقة الزوجية، محددات اجتماعية وثقافية”، و”التحكيم الأسري وتدبير الخلاف الزوجي”.

وتوخى المؤلف، الذي له مقالات وأوراق علمية منشورة في مجلات دولية محكمة وجرائد وطنية، رصد انعكاسات هذه التغيرات على دينامية العلاقات الأسرية، من حيث تمثلها لهذه واستيعاب قيمها والتكيف مع معطياتها أو مجابهتها والصراع معها والتحايل عليها، وذلك تبعا لسيرورة التغيير التي يشهدها المجتمع المغربي والتي طالت أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وعمل الكاتب، من خلال رصد التصورات والمواقف لقضايا شكلت لديه نقاط التوتر والصراع والتجاذبات القيمية في العلاقة الأسرية، ومؤشرات واقعية، على استيعاب أشكال التطابق والتفاوت الحاصلة بين التمثلات والمواقف والتحولات التي تعرفها العلاقات الأسرية في الواقع وتفاعلها مع النموذج العلائقي الذي ترسم قواعده مدونة الأسرة الجديدة والرامي إلى بعث دينامية جديدة للعلاقات الأسرية تنبني على قيم المساواة والإنصاف والتكافؤ بين الزوجين، إلى جانب الوقوف عند السياقات الاجتماعية والثقافية التي تحول دون تجديد الوعي والسلوك في هذه العلاقة، والتي تستمد الجهات المقاومة للتغيير آلية دفاعها وتحصينها.

ويقول المؤلف، الذي سبق له المساهمة في كتاب جماعي حول “قراءة وتحليل في فكر فاطمة المرنيسي الديناميكية العلائقية بين الرجل والمرأة ضمن كتاب “ما وراء الحجاب، الجنس كهندسة التكافؤ، اجتماعية”، إن محاولة الإمساك بالتعارض الحاصل بين القيم والممارسات في الواقع الأسري، “جعلنا نكشف عن الصراع المعتمل في دواخلنا بين القبول والارتياح لنموذج من التفكير والسلوك يستجيب للتحولات الجديدة والارتياب والتحفظ إزاء هذا النموذج.

ويضيف: ” وهذا ما يظهر بجلاء في الترددات والشكوك والمفارقات التي تخترق مجموع التصورات والسلوكات، لدرجة أن الانتقائية تبعا للمصالح والسلط حلت محل المبادئ وغدت البوصلة التي توجه التصرفات والأفعال”.

وأكد مؤلف الكتاب أن انخراط البلد في الحداثة والقيم الكونية لا يمكن أن يتأتى والأسرة عماد المجتمع تقدم صورة لمجال يتسم بالتناقضات، إذ المشكلات والقضايا الأسرية تتكاثر باضطراد وكل تأخر في الحد من هذه التأثيرات المتناقضة سيحول الأسرة إلى بؤرة للتوتر والصراع عوض حضن للمودة والوئام مما لا يستقيم معه تطور هذه المؤسسة ولعبها أدوار طلائعية في مسار التنمية الاجتماعية.

ويرى الكاتب أن التحولات المهمة، التي يعيشها المجتمع المغربي في كافة الميادين وعلى عدة مستويات والتي أصابت مختلف الحياة ومظاهرها، قد انعكست نتائجها على الأسرة، سواء على مستوى البنية والمكونات أو على مستوى العلاقات بين أفرادها، حيث أخذت بعض الأنماط العلائقية العائلية الجديدة تفرض نفسها بقوة هذا التحول كالمساواة في بعض الأدوار والمكانات والقرارات، ولا سيما مع تعلم المرأة وولوجها لسوق الشغل وعلاقتها الجديدة بالفضاء العام.

واعتبر أن الكتاب يربط القارئ بشكل عام بإشكالية التغيير في المجتمع المغربي الراهن، لاسيما المجال الأسري، بالكشف عن التحديات الجديدة التي فرضتها التحولات الماكرو-اجتماعية على المستوى الديموغرافي والاقتصادي والاجتماعي، والتي كان لها انعكاس مباشر على نمط عيش الأسر وعلى دينامية العلاقات داخلها، سواء ما ارتبط منها بالتحولات على مستوى القيم والمعايير والمحددات الاجتماعية لعملية الاختيار الزوجي، والتي تشكل أساس البناء الأسري وأحد الدعائم التي يتوقف عليها التوافق الزواجي و الاستقرار الأسري، أو على مستوى الإقرار بالحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين و المسؤولية المشتركة اتجاه الأسرة على أساس مساواتي بما يضمن توازنها وتماسكها.

كما حاول البحث في الدينامية الجديدة للعلاقات الأسرية التي تنبني على مبادئ العدل والمساواة والإنصاف والتكافؤ، مثلما بشرت بها المقتضيات التشريعية والتنظيمية التي جاءت بها مدونة الأسرة، متسائلا عن أشكال التطابق والتفاوت الحاصل بين هذه الأخيرة والتمثلات والمواقف والتحولات التي تعرفها العلاقات الأسرية في الواقع.

يذكر أن الكاتب ادريس بن العربي شغل سابقا منصب منسق بيداغوجي لمسلك علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس، وألقى محاضرات عدة في جامعات أوروبية وعربية، مثل رومانيا وإيطاليا وبولونيا والجزائر وتونس حول التحولات الاجتماعية والديناميات المجتمعية، وساهم في مؤلف “الحركة الثقافية الأمازيغية بالمغرب مسيرة التحول (حالة الريف والأطلس المتوسط)”.

إقرأ الخبر من مصدره