
شيروان الشميراني
المقصود بالحقوق الفطرية هي التي تأتي مع خلق الإنسان، أي عندما يقضي الله تعالى بأن يأتي بني آدم إلى الدنيا بعد خلقه وتقديره، تأتي معه الحقوق التي غيابها ينقص من آدميته. ولهذا وصف رب العالمين “بني آدم” بالكرامة، أي أن الكرامة الإنسانية تأتي من هناك، من الخلق الأول لآدم – عليه السلام -، وممارستها تأتي بالكسب بعد الخلق، لكن التنازل عنها لا يجوز، والنضال من أجلها واجب.
بمعنى أن الحقوق الأساسية، والتي تسميها “حنة آرنت” بالحقوق العامة التي لا تتعلق أو تتجاوز حتى مبدأ المواطنة بالمفهوم الحديث، مثل الحديث بلغة الأم للإنسان، ولبس الزي التقليدي – القومي – وإدارة الشؤون الخاصة بناءً على توفر شروط محددة والحقوق السياسية، هذه الحقوق لا يمكن التفكير – دينياً وإنسانياً – حتى بمنعها أو المساومة عليها. وجودها والعمل لنيلها وتوفيرها من متعلقات الحياة الطبيعية.
والقضية الكوردية رُبطت في بعض الحالات، نتيجة الانحراف في الرؤية أو طريقة الطلب، بملف الإرهاب. إن النظر إلى الحقوق الأساسية للإنسان تحت عنوان الإرهاب خطأ، خطأ معرفي وخطأ حقوقي وخطأ إنساني.
ملف الحق الكردي بدأ في العقد الأول من القرن العشرين مع الإمام سعيد النورسي – رحمه الله – حيث يذكر بأنه ذهب من مدينته “وان” إلى إسطنبول وقدم لائحة كاملة بالحقوق الثقافية الاقتصادية للمنطقة الكوردية إلى وزير الداخلية ورئيس الحكومة في حينه “أنور باشا”. ومكث هناك فترة، لكن لقاءً جمعه بالوزير وأخبره بأن الموضوع المتعلق بكوردستان قيد الدراسة في مجلس الوزراء.
فغضب الإمام وعاد إلى مدينته لتدريس تلاميذه تفسير القرآن الكريم من على سطح مسجده المطل على بحيرة “وان”، ثم نفي لما يقرب من 40 سنة لحين وفاته. لكن الطلب اشتدّ بعد انهيار الدولة العثمانية وبعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، وقسم الغربيون بمشاركة من الروس الشعب الكردي على الدول الأربع الجارة: “تركيا والعراق وسوريا وإيران”. في تركيا بدأ الكماليون بتأسيس دولة كان من أهم ركائزها جعل الدين والقوميات غير التركية من الممنوعات، واتباع منهج القتل والتدمير من أجل فرض العادات المستوردة على أبناء تركيا المسلمة وبناتها “العلمنة والتتريك”.
عندئذ تحرك الشيخ “سعيد بيران”، العالم المؤمن، وذلك بعد أنْ رأى أنَّ الحكام القادمين على أنقاض وحدة الأمة الإسلامية أزالوا عروة العقيدة بين الشعوب، وبدأوا بالتعامل بعيداً عما يريده الله من الحاكم. لكن الكماليين استعملوا معه وأنصاره القوة وأعدموا مع 25 آخرين، وإلى الآن أحفاده يسألون عن مكان دفنه لأنهم لا يعلمون أين هو مدفون، كما كان الحال مع الإمام النورسي الذي نقلت جثته من قبره إلى مكان بقي مجهولاً لحد اللحظة.
من هناك بدأت القضية، فهي ليست وليدة الحركات اليسارية التي انتشرت مع الاتحاد السوفيتي.
لكن هل هي مؤامرة دولية على الدول التي يشكل الكورد القومية الثانية فيها؟
أنا أؤمن بأن الغرب ومن على منهجه لا يريد للقضية الكردية حلاً، وأعلم أن تلك الدول تريد الإبقاء عليها من أجل اللجوء إليها حينما يشاءون لإزعاج المنطقة. لكني متيقن بأن الحلّ تحت يد الدول المعنية التي تأبى الحلّ بما يحفظ الحقوق، فهي التي تفتح الباب للقوى الدولية للتدخل واستعمال الورقة الكردية في الإيذاء.
أتذكر هنا حديثاً رائعاً للقيادي الفلسطيني الأستاذ خالد مشعل في إحدى الندوات حيث تطرق إلى المسألة الكردية وقال: “إن على الدول والقوميات الفارسية والعربية والتركية أن تحلّ المشكلة الكردية قبل أن تتحول إلى مسألة دولية ويأخذونها بدعم خارجي عندما تأتيهم الفرصة”. بكلمة أخرى، ما الذي يمنع دول تلك القوميات من أن تحلّ المشكلة حسب ما تقتضيه مسؤوليتهم الرئاسية، بما تحكم به عقيدتهم الدينية والمعاهدات الدولية؟ لو فعلوا ذلك لكانت شعوب المنطقة بخير وما كانت هذه التوترات التي تزداد بمرور الوقت.
فالحديث والعمل في هذا المجال ليس استجابة لمخطط خارجي وإنما هو بحث عن حقّ مغصوب، وعند نكرانه تتداخل المصالح ويكون هناك تلبيس لأبالسة البشر.
أتحدث عن هذا الملف لأن الوضع الذي يمرّ به الشرق الأوسط، ومنطقتنا تحديداً بعد انهيار النظام البعثي في سوريا، يشكل ملف الحقوق فيه من أكثر الملفات التي تتصدر الجلسات التي تجري بين المعنيين. وفي مثل هذه الحالات، تحاول كل دولة توظيف كل شيء من أجل المصلحة دون الاكتراث بالنتيجة. وفي مقدمة هذه الملفات الحقوقية تأتي القضية الكوردية، وهي في سوريا أكثر بروزاً بسبب وضعها الاستثنائي.
ما هو المسار الصحيح الذي ينبغي أن يسلك في علاج هذه المشكلة التي عمرها أكثر من قرن كامل؟
في المنطقة الآن يوجد خطان يسيران جنباً إلى جنب، ولكنهما متناقضان ولا يمكن لهما التلاقي. وجود أحدهما يعني رفض الآخر. والخطان هما الحلّ السياسي القانوني، والحلّ العسكري عبر التهديد باستخدام القوة.
فيما يتعلق بالجانب العسكري، تعمل الحكومة التركية الآن على تكوين حلف إقليمي منها ومن العراق ومن سوريا لشن حرب على المسلحين الكورد في سوريا والعراق. لكنّ التاريخ يحكم بفشل هذا المسار. ففي أي دولة من هذه الدول الأربع المذكورة، في العراق ربما يكون المثال أكثر وضوحاً، وكذلك الحال في تركيا فإن نار الحرب تشتد أكثر فأكثر.
لقد دخلت القوات التركية منذ ثمانينات القرن الماضي إلى الأراضي العراقية، وشنت الحروب والقصف الجوي، بموافقة أو معارضة الحكومة، لكن المسألة ازدادت تعقيداً ولعبت القوى الدولية التي تكره الطرفين في تأجيجها، مع أن تعقيدات العلاقات بين تلك الدول ذاتها لا تساعد على ذلك. كما أن سوريا الجديدة تريد أن تكون جديدة في التعامل مع الشعب من دون تكرار أخطاء النظام الساقط، والظرف الذي تمرّ به لا يعينها على الدخول في قتال داخلي أهلي تستغله الأعداء المتربصون بالنفخ في ناره.
والخط الثاني هو الجهد السياسي التصالحي الجاري الآن في تركيا وسوريا، ويبدو أن الدولة العميقة التي عرقلت في السابق جهود الرئيس رجب طيب أردوغان في هذا المجال موافقة هذه المرة في شخص دولت بهتشلي. كما يبدي الطرف المقابل حماسة في إنجاح هذا المسار وأن تسفر الجهود عن نتيجة مفرحة. وأبدت القيادة السياسية في إقليم كوردستان عن دعمها، والقيادة العسكرية الكُردية في سوريا كذلك. فالعمل على هذا المسار هو الصحيح، وهو الموافق لروح الدين والإنسانية.
وهذه دعوة إلى السلام الأهلي.