محمد شقير
منذ تفجيرات الدارالبيضاء الدامية التي أودت بأكثر من 45 ضحية وخسائر شملت مؤسسات سياحية واجتماعية بالدارالبيضاء، والأجهزة الأمنية ممثلة في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني تخوض حربا استباقية ضد الخلايا الإرهابية بمختلف تلويناتها الفكرية والعقائدية ،والتي أسفرت منذ تأسيس المكتب المركزي للأبحاث القضائية عن تفكيك ما يفوق عن 90 خلية إرهابية و”توقيف 1514 شخصا ؛ من بينهم 35 قاصرا و14 امرأة، منهن اللائي تم توقيفهن في إطار الخلية النسائية التي جرى تفكيكها سنة 2016″. وعلى الرغم من أن هذه العمليات لم تمنع من تفجير مقهى أركانة بمراكش وما خلفه ذلك من خسائر بشرية ومادية ، وذبح ضحيتين نرويجيتين ، بالإضافة إلى حرص المكتب المركزي للأبحاث القضائية، على تصوير محجوزات هذه الخلايا الارهابية من السوائل والمساحيق والمواد المشبوهة والأسلحة البيضاء ، فما زال هناك من يحاول دائما التشكيك في مدى صحة هذه العمليات . وفي هذا السياق أكد بوبكر سبيك، الناطق الرسمي باسم المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، خلال الندوة الصحفية التي عقدها المدير العام بمقر المكتب المركزي للأبحاث القضائية بشأن الكشف عن ملابسات تفكيك خلية حد السوالم” أن التشكيك في التدخلات الأمنية لتفكيك الخلايا الإرهابية هو بروباغندا مغرضة تسعى إلى تقويض الثقة في الأجهزة الأمنية، وخلق حالة من الشك بين المواطنين، مما يخدم بشكل مباشر أجندات التنظيمات الإرهابية.’ وأوضح أن هذه المحاولات لا تهدف فقط إلى التشويش على العمل الأمني، بل إلى إفساح المجال أمام التنظيمات المتطرفة للتحرك بحرية أكبر والتخطيط لعملياتها التخريبية دون ضغط أمني.مضيفا أن السلطات الأمنية تعمل بشكل مستمر على محاربة هذه الدعاية المضللة من خلال تقديم معطيات دقيقة وشفافة حول العمليات الأمنية، وعرض المحجوزات التي يتم ضبطها، بما لا يترك مجالًا للشك في أن التهديد الإرهابي لا يزال قائمًا ويتطلب يقظة دائمة. من هنا يطرح التساؤل عن العوامل الكامنة وراء مظاهر هذا التشكيك الممنهج والمتواتر حول عمليات تفكيك الخلايا الإرهابية التي تجند لها الأجهزة الأمنية كل جهودها وإمكانياتها البشرية واللوجستيكية ؟؟
- الحرب السرية وتفكيك الخلايا الارهابية
إن مواجهة الجرائم الإرهابية يندرج ضمن الحروب الاستخباراتية، حيث أن المواجهة تدور سرًا، وفي الخفاء عادة. إذ تختلف هذه الجرائم عن باقي الجرائم الأخرى كجرائم الحق العام من قتل مع سبق الإصرار أو التمثيل بالجثت أوقتل الأصول . فبخلاف هذه الجرائم التي يتم التعامل معها في واضحة النهار واتباع المسطرة القضائية العادية من بحث وتحري واعتقال في العلن وبواسطة الشرطة القضائية ، تتم ملاحقة المجرمين الإرهابيين بشكل خفي يعتمد على السرية والتتبع بشكل غالبا ما لا يشعر به ليس فقط المحيط الذي يتحرك فيه مخططو العمليات الإرهابية بل المخططون ومنفذو هذه العمليات . فكما يتحرك هؤلاء بسرية تامة وباتخاذ كل الاحتياطات الدقيقة،تنهج الأجهزة الأمنية المختصة نفس النهج ، وبشكل لا يثير انتباه المحيط الذي يتحرك فيه مخططوا ومنفذوا العمليات الإرهابية ولا حتى هؤلاءالمخططون والمنفذون الإرهابيون أنفسهم . إذ أن حركة غير محسوبة من طرف الأجهزة الأمنية أو أحد عناصرها قد تؤدي إلى إفشال العملية الأمنية التي تكون قد تطلبت فترة طويلة ومضنية من المراقبة والتتبع والتحليل. وبالتالي فحين يُخفق المسؤولون فيها، فإن الجمهور لا يشعر إلا بعجزهم عن خوضها على النحو الصحيح، والحيلولة دون وقوع الهجمات الإرهابية، وما أن يحدث ذلك، حتى يطغى الشعور بمدى العجز وقلة الحيلة عن حماية المواطنين، وهذا هو الغرض الذي يريد أن يصل له “الإرهابيون”، والذين تتلخص مهنتهم – بحكم طبيعتها- في بث الرعب في قلوب المواطنين، وترسيخ شعورهم بعجز أجهزة الدولة أمام عملياتهم الإرهابية ، وترسيخ فكرة الاقتناع بقوة التنظيمات الإرهابية في القيام بعملياتهم وتكرار حدوثها وقتما أرادوا. كما أنه مما يزيد من صعوبة تتبع الخلايا الارهابية ، هو زئبقيتها وحرصها على التحرك من خلال خلية أفراد لا يتجاوز عددها الثلاثة أو أربعة أفراد أو من خلال ما يسمى بالذئاب المنفردة أو من خلال تنظيمات أسرية على غرار خلية حد السوالم . بالاضافة إلى سعي التنظيمات الإرهابية المستمر لتجنيد عناصر ومقاتلين مجهولي الهوية، لا تتوفر السلطات الأمنية والاستخباراتية على سجل سوابقهم على غرار مجرمي الحق العام أو أصحاب السوابق العدلية من مشبوهين وغيرهم مما يتطلب جهودا سرية ومضنية لتجميع المعلومات حول هوية المسؤولين المحتملين عن تدبير وتنفيذ الهجمات الإرهابية ، بما في ذلك تفاصيل السجل الإرهابي لكل منهم.
- المباغتة الاستباقية في تفكيك الخلايا الارهابية
إن زئبقية الخلايا الإرهابية المتمثلة في نشاطها الذي يقوم على السرية يجعل من الضروري اللجوء إلى آليات جد دقيقة لاحتواء هذه الزئبقية التنظيمية للخلايا الإرهابية. فتواصل هذه الخلايا من خلال الأجهزة الالكترونية مع قيادات محلية أو خارجية تتواجد على بعد أميال من المملكة سواء للتشبع بالفكر المتطرف لتنظيمات متشددة أو للمبايعة الافتراضية ، والتحرك ضمن جماعات مغلقة تتكون من أفراد لا يتعدون في الغالب أربعة أشخاص أو أقل ، واشتغال هؤلاء الناشطين في أنشطة غير مهيكلة (فراشة ، مياومون، صناع باعة متجولون… ) والإقامة في تجمعات طرفية ومهمشة يجعل من الصعب تتبع هذه الخلايا ومراقبتها دون الاستناد إلى معلومات استخباراتية جد دقيقة وآنية ومتواصلة تتطلب التنسيق الاستخباراتي بين عدة أجهزة أمنية داخلية وخارجية والعمل اليومي على تحليل هذه المعلومات وتحيينها والمقارنة فيما بينها. وبالتالي ، فقد اعتمدت الأجهزة الأمنية بالأساس لاحتواء هذه الزئبقية التنظيمية على مقاربة أمنية شاملة تتمحور بالأساس على الاستباقية والردع الوقائي. إذ أن فعالية هذه المقاربة تتمثل هي إفشال أي مخطط إرهابي قبل تنفيذه ، وتحديد الوقت المناسب لتنفيذ عملية المباغتة الاستباقية . وقد ظهر هذا بالخصوص في عملية تفكيك خلية حد السوالم .إذ على الرغم من طبيعة تركيبة هذه الخلية كخلية تتكون من ثلاثة أشقاء وشخص رابع يقيمون في تجزئتين متقاربتين بمنطقة شبه حضرية بإقليم برشيد لا يخضع لتأطير أمني حضري يتمثل في مفوضية للشرطة ، فقد نجحت الأجهزة الأمنية في إفشال مخططها الإرهابي في وقت اعتبرته جد مناسب من خلال اللجوء إلى المباغتة الاستباقية المتمثلة في التوفر على المعلومات الدقيقة وتوقيت التدخل الأمني . وهكذا عكست تصريحات مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية، الشرقاوي حبوب هذا المعطى الأمني من خلال إشارته ” بأن تفكيك خلية إرهابية مكونة من أربعة أشخاص، صبيحة اليوم الأحد بمنطقة حد السوالم ضواحي مدينة برشيد، يندرج في إطار الجهود المبذولة من طرف المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني من أجل مكافحة الجريمة الإرهابية والتصدي للخطر الإرهابي، وأن هذه العملية، التي قام بها المكتب المركزي للأبحاث القضائية بناء على معلومات أمنية دقيقة وفرتها المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، نفذتها القوة الخاصة التابعة للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني ومتخصصون في الرماية عالية الدقة ومروحية تابعة للدرك الملكي قامت بتمشيط من الأعلى، بالإضافة إلى خبراء المتفجرات وكلاب مدربة للشرطة.”
- الحملات التواصلية لمكافحة مظاهر التشكيك
حرصت الأجهزة الأمنية المختصة، وبالأخص بعد إنشاء المكتب المركزي للأبحاث القضائية بإحاطة عمليات تفكيكها للخلايا الإرهابية بتغطية إعلامية من طرف مختلف وسائل الاعلام من قنوات رسمية ومواقع الكترونية . حيث يتم عادة تصوير عناصر المكتب المركزي للأبحاث القضائية (البسيج) وهي تقتحم أوكار المتهمين وتقودهم ملثمين إلى سيارات الشرطة بشكل استعراضي .حيث تنقل وسائل الاعلام صور قناصة فوق الاسطح ، وأمنيون يتسلقون الجدران ، وسيارات مطوقة للتجمعات السكنية ، بغرض تكريس هيبة الدولة والتأثير في الأذهان من خلال نشر الإحساس بالأمن العام لدى شرائح وفئات المواطنين . وفي نفس الوقت بعث رسالة خفية إلى مدبري العملية ومخططيها بفشل العملية المرتقبة والتأكيد على يقظة الأجهزة الأمنية وفعاليتها. أما فيما يتعلق بالرأي العام ، فيتم عادة إظهار المحجوزات التي كان سيتم الاعتماد عليها في المخطط الإرهابي . وبهذا الصدد أكد مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية فيما يتعلق بتفكيك خلية حد السوالم “أن التفتيشات وإجراءات البحث المنجزة تحت إشراف النيابة العامة، مكّنت من حجز كميات مهمة من السوائل والمساحيق والمواد المشبوهة والأسلحة البيضاء بالمكان الذي تم التدخل فيه، والتي ستحال على المختبر الوطني للشرطة العلمية والتقنية من أجل إخضاعها للخبرة ومعرفة نتيجتها. كما كشفت الأبحاث والتحريات أن “اثنين من الأشقاء الموقوفين قاما بزيارات استطلاعية في أماكن متفرقة وأوقات مختلفة، وثقوا خلالها بالصور وبتسجيلات الكاميرا العديد من الأهداف المحتملة لمخططاتهم الإرهابية.”
وقد استعرض عبد الرحمان اليوسفي العلوي، رئيس القسم التقني وتدبير المخاطر بمديرية الشرطة القضائية، تفاصيل دقيقة حول مختلف الآليات والمواد والمساحيق التي تم ضبطها في حوزة الأفراد المشكلين لخلية حد السوالم، حيث أكد هذا الأخير ضمن الندوة الصحافية التي عقدت بمقر المكتب المركزي للأبحاث القضائية بمدينة سلا” أن نتائج الخبرة العلمية التي أنجزها المختبر الوطني للشرطة العلمية التابع لمديرية الشرطة القضائية تشير إلى أن هذه المحجوزات المختلفة في الشكل والنوع بإمكانها تمكين عناصر الخلية الإرهابية من صناعة متفجرات خطيرة : مواد كيميائية، وهي عبارة عن مساحيق وسوائل مختلفة في اللون والشكل، و مسامير وبعضا من الأسلاك المستخدمة في عمليات التلحيم، و معدات وأدوات توظف عادة داخل المختبرات.ومن بين هذه المواد التي شملها التحقيق، “نترات الأمونيوم، بيكاربونات الصوديوم، حمض الهيدروكلوريك، الكبريت، الكبريت المجهري الصافي بنسبة 99 في المائة، ماء الأوكسجين، ثم مادة الوايت سبيريت، إلى جانب فحم الخشب ومسحوق الفحم ومسحوق السكر ومسحوق آخر يمكنه الاشتغال بأقل شرارة”. و تم اكتشاف مبيد للفئران “Raticide”، أنبوب “PVC”، ألصقة سوداء، سلك القصدير “Fil d’étain”، جهاز مولتيميتر، إلى جانب مواد أخرى. وقد كشف هذا المسؤول الامني أن هذه المواد الكيميائية المحجوزة عادة ما تستخدم في صناعة العبوات المتفجرة التقليدية، التي تكون في بعض الأحيان أكثر ضررا وقوة من المتفجرات الأخرى. مبرزا أن هذه المواد معدة في الأساس للاستعمال المدني والفلاحي أو الصناعي أو الأغراض الطبية.” “لكن مع الأسف يتم تغيير منحى استغلال هذه المواد لأهداف إرهابية وإجرامية تخريبية كما هو الحال بالنسبة لهذه القضية التي تم إجهاضها بفضل يقظة المصالح الاستخباراتية التابعة للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني”.وكشف اليوسفي العلوي أنه “تبين من خلال الخبرة التقنية التي تم القيام بها على المحجوزات أنها تدخل في تهيئة العبوات المتفجرة، خصوصا أنبوب PVC الذي يستعمل كوعاء للمواد المتفجرة، ثم البطاريات والأسلاك الكهربائية المستعملة عادة في تركيب الدارة الكهربائية، والأشرطة اللاصقة المعدّة بهدف تثبيت وربط مكونات العبوات المتفجرة، علاوة عن المسامير الحديدية التي يتم وضعها داخل العبوات المتفجرة التقليدية حتى تكون أكثر فتكا والتي تخلق أكبر عدد من الضحايا سواء قتلى أو جرحى”، موضحا أن “سم الفئران تتم إضافته عادة إلى العبوات المتفجرة حتى تكون أكثر فتكا بالنسبة للضحايا، خصوصا الجرحى منهم”.أما بالنسبة للمجموعة الأخيرة من هذه المواد التي تم اكتشافها في حوزة أفراد الخلية المفككة، فيتضح أنه “تم اقتناؤها من أجل تهيئة العبوات المتفجرة، وذلك عبر الاعتماد على المواد الكيمائية سالفة الذكر، ويتعلق الأمر بآلة للقياس المتعدد مستعملة لقياس كثافة وقوة التيار، ثم آلة خاصة بالتلحيم لتثبيت عناصر الدارة الكهربائية وربطها بالعبوات المتفجرة، ثم ميزان الكتروني لوزن المواد الكيميائية عند إعداد الخليط المتفجر”.
وخلص المسؤول ذاته إلى أنه على ضوء نتائج الخبرة العلمية والتقنية التي تم القيام بها، يتضح أن “خطورة وجاهزية هذه الخلية تتمثل في كون المواد التي خضعت للخبرة هي أساسية في تهيئة عدد من المتفجرات المختلفة من حيث مكوناتها الكيميائية ومن ناحية حساسيتها وخطورتها وكذلك قوتها الانفجارية”، مفيدا بأن “العنصر الآخر يتعلق بتوفر كل المواد والمعدات الضرورية الخاصة بمباشرة التهييء والتنفيذ الوشيك لهذا المخطط الإرهابي”.
وإجمالا ، فيمكن القول بأن تفكيك الخلايا الإرهابية يندرج ضمن حرب سرية طويلة ومضنية ، تعتمد بالأساس على المعلومات الدقيقة التي توفرها الأجهزة الاستخباراتية، والمباغتة الاستباقية التي يتطلبها إجهاض المخططات الإرهابية قبل تنفيذها بالإضافة إلى التنسيق الإقليمي والدولي مع الأجهزة الأمنية الداخلية و الأجنبية نظرا لأن المنظومة الإرهابية تتحرك وفق تمدد عابر للقارات والدول من خلال استعمال شبكات التواصل العنكبوتي . لكن كل هذا ينبغي أن يدعم بتعزيز ثقة المواطنين في أجهزتهم الأمنية، ليس فقط من خلال الندوات الصحفية التي تعقد عقب كل عملية تفكيك لخلية إرهابية في منطقة من مناطق المملكة ، بل ينبغي بالأساس ترسيخ وعي شامل بخطورة الظاهرة الإرهابية التي تقوم على فكر متطرف يوظف الفضاء الأزرق والهشاشة الاجتماعية في تجنيده للأفراد والخلايا للمس بالامن العام وزرع الشك في إمكانية القضاء عليه ومحاربته. ومن ثمة ضرورة أن يتم إدماج ظاهرة الإرهاب في المقررات الدراسية وكذا الجامعية سواء من خلال جذورها التاريخية أو الفكرية وملابساتها الإقليمية والدولية بالإضافة إلى إعداد برامج تلفزية وإذاعية تحلل مثل هذه الظاهرة بشكل مبسط واستضافة معتقلين إرهابيين سابقين استفادوا من مبادرة مصالحة للتحدث عن تجربتهم العملية فيما يتعلق بتأثرهم بالافكار المتطرفة و طرق استقطابهم من طرف الخلايا الإرهابية.