محمد اعويفية.. العزوف الجماعي على كل ما هو ثقافي كسل مدمر

Écrit par

dans

الأحداثمحمد اعويفية

بالصفير، الطريقة التي تستهويني دائما وأنا في الطريق إلى العمل، كي أخرج من عالم الملل والرتابة اليومية، أردد بعض ما أحفظ من “العيوط”، خصوصًا أغاني الرائعة خديجة المرگوم، وجدت نفسي أفكر في مسؤوليةٍ تشبه الذنب أحاول إبعادها عن ذهني فتزداد ثقلًا مع كل خطوة أخطوها نحو الأمام.  مسؤولية  تدفعني إلى ضرورة وحتمية الكتابة عما وقع وتصوري له، وإلا سأحاسب نفسي وألومها  على تجاهلي له وتركه يمر هكذا بلا ردة فعل كشيء مهم و فريد يميزنا عن باقي الكائنات، شيء  يموت فينا جميعًا ببطء، نقتله بأيدينا بلا شعور . هنا، لابد أن نقف ونصرخ قبل أن تصيب الهمة فتور وتضمحل، ضد هذا الظلم الذي حاق بنا، صرخة المدافع عن الثقافة التي ما إن تخلينا عنها حتى تفاقمت كل أمراضنا وعللنا الإجتماعية. وتلك، لعمري، حقيقة لابد من الإعتراف والإقرار بها. فرفع هذا الظلم مسؤوليتنا جميعًا، ولا ينبغي أن نقذف بها خارجًا أو نلصقها بغيرنا .  منتوج الفعاليات من الشباب له سحره وجاذبيته المحفزة وطعمه الحلو لجذب جمهور واسع وغفير وجعله يستمتع . إلا أن ما رأيته يوم عرض الفيلم الوثائقي حول آسفي للصحفية الباحثة بسمة الكلخة،  وحين قدم الكاتب والمخرج المسرحي ميراني الناجي مسرحيته “كاوس”، وقبلهما بفترة قصيرة في حفل تكريم الكاتب الكبير ياسين كني الحائز على جوائز دولية مهمة، أمر مفزع ومرعب. فغياب الجمهور، خصوصا من الطبقة التي تعد نفسها مثقفة، يظهر حجم القطيعة التي تتسع وتزداد يومًا بعد آخر مع كل ما هو ثقافي. فمن المؤسف حقًا ألا يحضر مثل هذه الأمسيات الأدبية والمحاضرات والمعارض سوى من يسهر عليها وأهالي وأصدقاء من نُظمت على شرفهم هذه اللقاءات، رغم مجانيتها والقاعات العصرية المريحة التي تحتضنها. وبالمقابل، تجد حشودًا من الجماهير في ظروف غير إنسانية تحضر حفلات تافهة بلا قصد أو معنى سوى  ترذيل الواقع وتسفيهه.  أمام نمط الحياة المتسارع وكثرة الإلتزامات اليومية، تبقى الثقافة عمومًا بعيدة عن الإهتمام وخارجة عن انشغالات الناس، التي صارت أعينها اليوم منفتحة على أشياء أخرى لها مردود ونفع مادي محض. فهي تعتبر الثقافة وكل ما يمت بها شيئًا زائدا وغير ضروري للحياة، بل إن منها من يعتبر المجانية عنوان النفور والرداءة. يبدو أن هناك خللًا ما في العلاقة بين بعض الناس والثقافة، خلل يهدد إرث المدينة التي لطالما اعتُبرت حاضرة منذ القدم ورمزًا للتنوير والإشعاع الديني والتاريخي بين المدن المغربية والعربية، بما لها من خصائص حضارية وثقافية ميزتها عن غيرها.  أكاد أوقن بخطورة  وضرر هذا العزوف ككسل جماعي  سيقتل منا دون شك غدنا ومستقبلنا وسيفتح الباب للتطرف لأنه ينذر بظهور الأفكار الظلامية المتشددة، خصوصًا وسط الشباب. لذا، وجب معالجة الوضع والإنتباه إليه باستغلال كل الأنشطة الثقافية كقوة ناعمة تشكل الوعي والهوية، وتعكس القيم والمعارف والتقاليد على اعتبار مساهمتها الفعالة فكريا في  بناء الإنسان الذي هو أساس كل تنمية، والترويج لها باستراتيجيات التسويق الحديثة المختلفة وتغطيتها إعلاميًا، مع إشراك المدارس والجامعات لإعطائها  توهجا وجاذبية وإشعاعا أكبر .

هيئة التحرير23 فبراير، 2025

إقرأ الخبر من مصدره