بريس تطوان
كان تأسيس المدرسة الإعدادية للفنون الجميلة سنة 1945، استجابة لوضع اجتماعي طارئ بعد حلول نخبة مدنية مرافقة لجيش الإسباني بمدينة تطوان، وحاجتها لمؤسسات ثقافية وفنية، في الآن ذاته الذي مثل طموحا شخصيا للفنان الغرناطي ماريانو بيرتوتشي، لتكوين فضاء حاضن لتقاطعات الفن الإسباني والموضوعات المغربية، في بحث عن توطين أساليب وتقنيات الفن الإسباني في الشمال المغربي.
والشيء الأكيد أن تاريخ أداء “مدرسة الفنون الجميلة” بتطوان، في شتى مراحلها، لم يكن لينفصل عن عقيدتها الفنية الأساس، المنحازة للقواعد والنزعة الأكاديمية، مع استيعاب متحفظ لصيغ الحداثة بمختلف تجلياتها، المتعددة المشارب والمنازع، التي أسهمت في بروز فنانين بصيت عالمي من أحمد العمراني إلى محمد ادريسي، ومن سعيد المساري وخديجة طنانة إلى محمد بنيعيش، ومن حسن الشاعر ويونس رحمون إلى صفاء الرواص، على سبيل المثال لا الحصر، بيد أن تأثيرها في مجالها الوطني ثم في محيطها المتوسطي تجلى،مع مرور السنين، في مظاهر أغنى وأكثر عمقا واتساعا، عبر تشكيل صيغ وأساليب واقتراحات جمالية دانت بأصولها الأكاديمية لوجود المدرسة، وما احتضنته من دينامية إبداعية، وقدرة على الانفتاح والتواصل مع مختلف الاجتهادات العالمية، في حقول الفن المتسارعة التطور. كما أن ارتباطها بفضاء تطوان بما يمثله من ذاكرة لتقاطع التأثيرات المغربية والإيبيرية، والعربية والأندلسية، والإسلامية والمسيحية واليهودية،… مكنها من روافد ثقافية استثنائية قلما توفرت في حواضر مغربية أخرى.
في هذا السياق يمكن وسم التطور الفني لمدرسة تطوان التشكيلية بوصفه مغامرات واختيارات فردية، حيث غالبا ما استكمل تشكيليوها تكوينهم خارج مدارات المدرسة والمدينة، في مدريد وبروكسل وباريس ومدن غربية أخرى، وهو الامتداد الذي جعل المدرسة تنطوي على عمق مجازي حيث لا تأتلف حول ميثاق فني، ولا تستند إلى قواعد ورؤى ثابتة، بقدر ما تلتئم على مبدأ الانطلاق من المؤسسة (المعهد الوطني للفنون الجميلة) والمدينة (تطوان)، ثم العودة إليهما. بالموازاة مع الاشتغال على عدد من الموضوعات المستمدة من محيطهما المفتوح. من هنا يمكن فهم ذلك التنوع والتباعد بين مكونات المدرسة الفنية واختيارات المنقمين إليها، من واقعية بحس انطباعي إلى تشخيص كلاسيكي، إلى سوريالية رمزية، وتعبيرية مستحدثة، إلى تجريد بتلاوين ورهانات متباعدة، ومن نحت وصباغة وحفر، إلى آخر اجتهادات الفن المعاصر في فنون التجهيز والفوتوغرافيا والفيديو والبيرفورمانس، حيث لا تكاد تمر سنة دون أن تمنح “المؤسسة” أسماء جديدة واعدة بمسارات فنية، تخصب المدرسة في تعابيرها وتقنياتها وأساليبها البصرية وتبدد أسطورة “تشخيصيتها” المؤبدة، وكلاسيكيتها المزعومة.
من هنا يمكن تفهم المواربة والتحفظ أحيانا في استعمال نعت “المدرسة” في العديد من التحليلات النقدية للتجربة التشكيلية لفناني تطوان، بما أن الأمر في النهاية لا يعكس تواؤما ولا يؤول إلى تماثل في الأساليب والاختيارات، بيد أن هذا التحفظ لا ينفي استناد المسارات الفردية والحركة الفنية المواكبة لها والصناعة الرافدة لها، إلى مؤسسة ذات جوهر تعليمي وبأفق جمالي وفكري، هو الذي يجعل نعت “المدرسة” مستساغا.
العنوان: تطوان إرث وطموحات متوسطية
إشراف: كريمة بنيعيش / سعيد الحصيني
(بريس تطوان)
يتبع…