عشية فاتح ماي العيد الأممي للعمال أكاد أجزم أن الطبقة الشغيلة وعموم الموظفين يتذكرون بحسرة السنوات العجاف التي كان فيها الحوار الاجتماعي متوقف ولا ينتج أثرا اقتصاديا واجتماعيا لفائدتهم، ذلك أن العلاقة بين النقابات والحكومة خلال عشر سنوات الماضية كانت تطبعها الهشاشة وغياب الأفق الديمقراطية المكرس للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لفائدة الطبقة العاملة وبالتالي انحسار منسوب الثقة في الحوار الاجتماعي.
لذلك كانت جولات الحوار الاجتماعي على قِلَّتها يُرافقها الخفوت وانحسار الثقة مع المنظمات النقابية، الشيء الذي كان يوحي بكون الحكومات السابقة تعتبر أن الحوار ما هو إلا ترف وفكرة هامشية ولا تستحضر الظروف الإيجابية خلال الفترات السابقة لحلحلة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للفئات الشعبية.
وأمام هذا الوضع المقلق لفكرة الحوار الاجتماعي، كانت هذه الحكومة مطالبة برد الاعتبار لهذا الفضاء المؤسساتي الملائم، والجواب على المطالب المشروعة لعموم العمال والموظفين، إيمانا منها بمحورية الحوار الاجتماعي في مسار بناء الدولة الاجتماعية التي شكلت التزاما راسخا لحكومة 08 شتنبر 2021، مع العلم أن الحكومة منذ تنصيبها جعلت الحوار الاجتماعي محطة مفصلية في إعادة الثقة بين الأطراف الثلاثة للحوار بالرغم من كل الاكراهات والصعوبات الوطنية والدولية.
ولعل فاتح ماي لهذه السنة لا يمكن اعتباره يوما عاديا للطبقة العاملة المغربية وإنما فرصة حقيقية للاحتفاء الجماعي بما تحقق خلال السنوات السابقة، والاقرار كذلك بمجموعة من المرتكزات التي تكرست خلال كل الحوارات سواء المركزية أو القطاعية بكثير من الهدوء والانصاف والديمقراطية.
فخلال الثلاث سنوات الماضية من عمل الحكومة اتضح بالملموس أن الحوار الاجتماعي ليس ترفا سياسيا، في الوقت الذي أصبح لفاتح ماي رمزية خاصة بعد إعادة النظر في طبيعة الخطاب وخلق أفق سياسي جديد ينطلق من فكرة مركزية مفادها ضرورة مأسسة الحوار الذي استفاد كثيرا من إرادة سياسية واقعية ومواكبته بجملة من الإصلاحات التشريعية الجريئة.
ولعل مأسسته اتخذت طابعا خاصا، على اعتبار أن الحكومة تعاملت مع الفرقاء الاجتماعيين والاقتصاديين بمنطق التعاون والتعاضد المفضي إلى تحقيق الانصاف الاجتماعي في كتلة الأجور والتغطية الصحية وفي ضمان شروط العمل، وبالتالي تكريس مبادئ الكرامة وحقوق الانسان كما هي متعارف عليها دوليا.
لذلك يشكل العيد الاممي في المغرب لحظة حقيقية لتقييم مسارات الحوار الاجتماعي ومدى تَمَّكُن الحكومة من تنزيل برنامجها وتعاقدها السياسي والاجتماعي مع مختلف الفئات، ونقل الحوار من آلية موسمية الى فضاء للديمقراطية وتدبير الاختلاف وتقريب وجهات النظر بين جميع الفاعلين.
ولعل اتفاق ميثاق مأسسة الحوار الاجتماعي في 30 أبريل 2022 سيبقى لحظة بارزة في تاريخ الحكومة الحالية وما حمله من إرادة سياسية معلنة من طرف السلطة التنفيذية مدعومة بتطلعات الهيئات النقابية والباطرونا، حيث تظافرت عوامل مختلفة مكنت من حسم عدد من الملفات الحساسة التي ظلت عالقة خلال السنوات السابقة.
وفي نفس الوقت نسجل نجاح الحكومة في التوفيق بين الاستجابة للمطالب الاجتماعية والاقتصادية للطبقة العاملة والحفاظ على التوازنات المالية والماكرو إقتصادية، إذ استطاعت الى حدود سنة 2025 تحسين الأجور في القطاعات ذات الأولوية خصوصا التعليم والصحة وإقرار الزيادة العامة في الأجور لفائدة كل الموظفين والاجراء في القطاعين العام والخاص وهو ما سيكلف المالية العمومية ميزانية إجمالية تفوق 45 مليار درهم الى حدود سنة 2026.
وأمام كل المكتسبات المحققة يبدو أن الحكومة والفرقاء الاجتماعيين والاقتصاديين مطالبين اليوم بفعل الرهانات الجديدة المطروحة على طاولة الحوار، التأسيس لمنطق جديد في التعامل مع هذه الآلية يرتكز على 4 مرتكزات رئيسية تتضمن الشفافية والجرأة والوضوح في التوجهات إضافة إلى عامل مشاركة جميع الأطراف في بلورة الحلول، وبالتالي توفير كل الظروف والضمانات الأساسية لمسلسل الوساطة بين الفاعلين بهدف إستكمال مسار تنفيذ باقي الالتزامات المتفق عليها وإطلاق مشاورات حقيقية ومنطقية حول بعض القضايا الاجتماعية المستعجلة على رأسها ملف التقاعد.