تأتي على الإنسان لحظات لا تستطيع الكلمات فيها البوح بما يخالج الصدر من ضغوطات الحياة والهموم والأحزان… يفقد فيها القلم قدرته على التعبير بشتى لغات العالم، وإذا بلغة الصمت هي التي تهيمن على المكان ويتوقف الزمان عند تلك اللحظات التي كانت فيها الابتسامة تعبّئ الأمكنة.
ولا تقتصر لحظات الفرح على العائلة والأحبّة والمقرّبين، بل أيضا مع الأصدقاء، ذلك المخلوق الذي اكتسب مكانة تتعدّى في بعض الأحيان مكانة الأخوّة في الدّم. فمع الصديق – والصديقة – تتقاسم السّرّاء والضّرّاء، الفرح والقرح. سيقول البعض: “ليس هنالك شيء اسمه صداقة بين رجل وامرأة” بذريعة أن العواطف تتغلّب في معظم الأحيان على العقل والمنطق، إلّا أن بعض التجارب أثبتت العكس وكسرت تلك القاعدة وجعلتها استثناءً، ولعلّ الصديقة الشاعرة الرّاحلة ابتسام الحمري مثّلت ذلك الرّابط خير تمثيل على أرض الواقع.
فقد كانت – رحمها الله – صديقة وفيّة لأصدقائها وشعلة من الأمل، على الرغم من قسوة الحياة عليها ومحنتها مع مرض عضال. كانت تحارب بضراوة من أجل الأشخاص ذوي الهمم لكي تُوفَّر لهم وسائل الولوج إلى كافة المنشأت الأكاديمية والحكومية وكذا الأماكن العمومية. ووجدت في الشعر والأدب ملاذاً لها وفي نفس الوقت سببا لتكوين صداقات جديدة – من بينها كاتب هذه السّطور – سواء داخل المغرب والعالم العربي، وكذا على المستوى الدولي.
أول لقاء لنا كان عبر تقنية التناظر المرئي، في زمن الكوفيد، في إطار مبادرة اللقاءات الشعرية الافتراضية تحت شعار “الشعر جسر الثقافات وروح الإنسانية” بالتعاون مع الشاعرة والإعلامية مريم كرّودي. وكان ذلك الذي شاركتنا فيه #مجنونة_قيس (على اسم ديوانها الشعري الثاني) فاتحة لصداقة وطيدة ميّزها الاحترام والوفاء والصّدق.
لكنّنا نشاء والله يفعل ما يشاء، فاليوم هي الذكرى السنوية الأولى لوفاتها، وستظلّ تاريخ 13 من ماي يذكّرنا كل عام برحيل إنسانة استثنائية عن كل المقاييس البشرية. يصعب استيعاب تلك السرعة التي يمرّ بها الوقت، فلقد كنّا أمس نتسامر حول أحاديث في شتّى المواضيع والمجالات. لكن لا يسعنا إلّا أن نقول ما يُرضي ربّنا: إنّا لله وإنا إليه راجعون. فاللهم أفرغ علينا صبراً وعلى أهلها وذويها، كما ندعوك أن تجدّد عليها شآبيب رحمتك الواسعة وأن تُبدِلها داراُ خيراً من دارِها في جنّان عدن. إنّك سميع مُجيب.