الخط :
A-
A+
في مشهد يعكس التناقض الفاضح بين الشعارات والسياسات، تعلن قطر في كل محفل عن دعمها “الثابت” للقضية الفلسطينية، وتُزايد على أنظمة عربية أخرى، عبر أذرعها الإعلامية بحجة تخليها عن الشعب الفلسطيني، لكن خلف هذا الخطاب العاطفي، تُدار حسابات معقدة ومصالح استراتيجية، أبرزها قاعدة العديد العسكرية الأمريكية التي تحتضنها الدوحة وتستثمر فيها عشرات المليارات، رغم دورها المباشر وغير المباشر في تمكين آلة الحرب الإسرائيلية.
قاعدة العديد.. بوابة النار الأمريكية في الشرق الأوسط
تقع قاعدة العديد الجوية على بُعد 30 كيلومترًا جنوب غرب العاصمة القطرية الدوحة، وتُعدّ اليوم من أكبر القواعد العسكرية الأمريكية خارج حدود الولايات المتحدة، حيث تستضيف هذه القاعدة أكثر من 11 ألف جندي أمريكي، إضافة إلى مقر القيادة المركزية (CENTCOM)، التي تُشرف على العمليات العسكرية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
هذه القاعدة لم تكن يومًا مجرد موقع عسكري، بل هي القلب النابض للسياسات الأمريكية في المنطقة، والتي تشمل الضربات الجوية، والتنسيق الاستخباراتي، وإعادة التموين، وتقديم الدعم اللوجستي، ليس فقط في مواجهة الجماعات المسلحة في العراق وسوريا، بل أيضًا وهذا هو المثير في دعم إسرائيل بشكل غير مباشر أثناء فترات التصعيد مع “حزب الله”، و”حماس”، وحتى أثناء العدوان على غزة.
ترامب يعلن من الدوحة: قطر تستثمر 10 مليارات دولار في القاعدة
خلال زيارته للدوحة في إطار جولة خليجية، أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، صراحةً، عن اتفاقية استثمار قطري ضخم في قاعدة العديد، بقيمة 10 مليارات دولار، حيث أوضح أمام جنوده أن هذه الاستثمارات ستُستخدم لدعم وتوسعة وتحديث القاعدة في السنوات المقبلة، ما يجعلها أكثر قدرة على تنفيذ مهامها العسكرية في المنطقة، بما فيها – وإن لم يُذكر صراحة – دعم العمليات المرتبطة بإسرائيل.
ففي الوقت الذي تعلن فيه قطر أنها تقف إلى جانب الشعب الفلسطيني، تساهم أموالها في دعم بنية تحتية عسكرية تُستعمل ولو جزئيًا في ضرب هذا الشعب، أو على الأقل في تمكين الطرف الذي يحاربه. ليست المسألة هنا مجرد استضافة لقاعدة أمريكية، بل تمويل طوعي لها بمليارات الدولارات.
هذا التناقض يطرح سؤالًا مشروعًا، كيف يمكن لدولة أن تُموّل واحدة من أبرز أدوات النفوذ العسكري الأمريكي في المنطقة، ثم تدّعي الدفاع عن الفلسطينيين الذين يقعون ضحايا مباشرة أو غير مباشرة لهذا النفوذ؟
قطر.. بين واشنطن وغزة
تحاول قطر الترويج لنفسها كفاعل توازني، يحتفظ بعلاقات استراتيجية مع واشنطن، بينما يُموّل مشاريع إنسانية في غزة، ويتواصل مع الفصائل الفلسطينية. لكنها في المحصلة تُمارس لعبة مزدوجة، تهدئة مشاعر الشعوب العربية عبر الدعم المالي المحدود لغزة، وكسب رضا واشنطن من خلال تمويل قاعدة تُستخدم في ترسيخ الهيمنة الأمريكية – الإسرائيلية في المنطقة.
لم تعد الشعارات تكفي لتغطية التناقضات الصارخة، لأن من يدعم فلسطين لا يُمول القواعد التي تُطلق منها الطائرات التي تُحاصرها، ومن يتحدث عن مقاومة الاحتلال لا يُكرّس أموال شعبه لبناء بنية تحتية لحماية المحتل.د، لذلك، فقد آن الأوان لمساءلة من يرفعون شعارات القضية، بينما يضعون أموالهم في جيب من يفتك بها.