الأحداثبقلم :محمد اعويفية
تُعد الصحافة، بنقلها للحقيقة كاملة ، من أهم الأدوات المستعملة في تشكيل الرأي العام وتوجيهه ومراقبة السلطة ومساءلتها. لكن حينما تتحول هذه الوسيلة إلى أداة احتكارية بيد فئة محدودة، فإنها تفقد دورها كسلطة رابعة شعبية تساهم في بناء مجتمع واع وديمقراطي، وتصبح وسيلة للتحكم والتوجيه الأحادي بدلا من التنوع والتوازن في نقل الحقيقة، الحقيقة التي وحده الجمهور من له حق المحاسبة عليها.
احتكار الصحافة يعني سيطرة جهة واحدة أو مجموعة خاصة من الأفراد على الوسائل الإعلامية الرئيسية، سواء كانت صحفا ورقية أو قنوات تلفزيونية أو منصات رقمية. هذه السيطرة لا تقتصر على التمويل، بل تمتد إلى توجيه الخط التحريري والتحكم في المعلومة والمحتوى، ما يؤثر دون شك في الإعلام ويفقده الحريةوالاستقلالية، ويجعله باهتا بلا مصداقية.
الاستحواذ والهيمنة على سوق الصحافة فعل سياسي محض، حيث تسعى كل الحكومات في العالم كله إلى إحكام قبضتها على الخطاب الإعلامي لتستخدمه كأداة تخدم مصالحها أولا، ومصالح فئة موالية لها على حساب فئة أخرى ذات توجهات وتطلعات معاكسة، في ضرب سافر للديمقراطية وخنق لكل صحافة مسؤولة تعكس الصورة الحقيقية للمجتمع والوطن،كما أن هذا الاحتكار يضرب التعددية في وجهات النظر ، ويزيد من تهميش الأصوات المعارضة أو المستقلة، ويضعف من قدرة المجتمع على الوصول إلى معلومات دقيقة ومتنوعة. فتتعدد القراءات لخبر واحد لتصل حد التناقض، ما يجعل الباب مشرعا أمام التأويلات ونشر الإشاعات والتضليل والتلاعب بالمعلومات.
الصحافة في عصر الانفتاح الرقمي لم تعد مهنة النخب المرتبطة بالمؤسسات والأحزاب، كما لم تعد مكتبا أو بطاقة هوية تُمنح على المقاس، وإنما أصبحت موقفا شجاعا وإفرازا لحياة جديدة؛ موقفا يُرجع المرض إلى سببه في محاولة جادة للمساهمة في البناء . كما أنها مسؤولية يتحملها أي ممارس واع مهتم بالشأن العام، يزاوج بين المهنية والمسؤولية، تكون رغبته صادقة في تسليط الأضواء على ما يحدث وتوثيقه بشكل حي ، وبالطريقة التي لم تعد تصدر من الصحف الرسمية والقنوات التلفزيونية. لذا، لا بد أمام هذه الانطلاقة التعبيرية بأشكالها المتنوعة و المذهلة من رفع الوعي القانوني وتعزيز التشريعات التي تضمن استقلالية الإعلام البديل وتشجيعه بمساحة أرحب من الحرية .
المعيار الوحيد والحقيقي للصحافة الحرة والمتنوعة هو الصدق والمهنية، واحتكارها يهدد الديمقراطية ويقوض أسس حرية التعبير. لذا، فإن الدفاع عن تعددية الإعلام واستقلاليته هو دفاع عن الحق في المعرفة، ليس كمتفرج، وإنما كمواكب و مشارك مع المواطن في معاركه اليومية بكل مسؤوليةوحرفية.
هيئة التحرير26 مايو، 2025
إقرأ الخبر من مصدره