كلما اقترب عيد الأضحى، طفت على السطح أسئلة قديمة بأثواب جديدة: هل يستحق الناس هذا العيد في ظل الأزمة؟ هل يجوز لهم أن يشتروا الأضاحي، أو حتى يتلذذوا بقطعة كبد مشوية، بينما البلاد تمرّ بضائقة اقتصادية خانقة؟ وكأن المواطن العادي، الذي بالكاد يؤمّن قوت يومه، أصبح فجأة المسؤول الأول عن انهيار السوق وسوء تدبير الموارد.
هذا النوع من الخطاب، المنتشر في الفضاء العمومي وعلى صفحات مواقع التواصل، لا يخلو من قسوة. هو خطاب يُحمّل الناس أوزاراً ليست من صُنعهم، ويطلب منهم أن يكونوا خبراء اقتصاد وفلاحة وسياسات عمومية، بينما هم في الواقع مجرد أُسر تبحث عن لحظة فرح، عن تقليد اجتماعي يمنحها شعوراً بالاستمرارية والانتماء.
عيد الأضحى، في وجدان المغاربة، ليس فقط طقساً دينياً. هو أيضاً مناسبة جماعية تُحيي الروابط الأسرية، وتكسر رتابة العام بهمّة مشتركة. لذلك، فإن استهداف البسطاء باللوم والسخرية لأنهم “أصرّوا” على شراء خروف العيد، حتى إن كان بالتقسيط أو بالمديونية، يعكس خللاً أخلاقياً في فهم العدالة الاجتماعية.
الخلل الحقيقي ليس في الناس، بل في المنظومة التي تركت السوق يُدار بالاحتكار والمضاربة، وغضّت الطرف عن مافيات الأعلاف وغياب المراقبة الجدية. الفلاح الصغير اختفى، والكسّاب المحلي بات عاجزاً عن المنافسة، في حين تُغرق الأسواق بأغنامٍ تُربّى كيفما اتفق، وتُسوَّق بأسعار تفوق قدرة أغلب المواطنين.
ثم نأتي لنتساءل: لماذا يُصر الناس على شراء الأضاحي؟ والجواب بسيط: لأن لا أحد وفّر لهم بديلاً محترماً. لأن الدولة لم تُقنّن مسارات الأزمة، ولم توفّر وسائل للتكيّف الجماعي، ولم تفتح نقاشاً وطنياً صريحاً حول مآلات عيد الأضحى في ظل التغيرات المناخية والتقلبات الاقتصادية. كل ما يحدث هو ترك المواطن في مهبّ العادة والدين والعاطفة، ثم لومه لأنه لم يقرأ تقارير وزارة الفلاحة أو يتابع مؤشرات السوق.
المواطنة لا تُبنى بالتقريع، بل بالحماية. والمسؤولية لا تُزرع عبر التوبيخ، بل عبر بناء ثقة متبادلة بين الدولة والمجتمع. وإذا كانت هناك أزمة تستدعي تغييراً في السلوك الجماعي، فذلك لا يأتي عبر جلد الناس، بل بوجود مؤسسات تؤمن بالحوار، وتضع البدائل الواقعية، وتُحاسِب من تسبب في الأزمة.
المطلوب اليوم ليس دعوة البسطاء للتنازل عن فرحتهم، بل دعوة المسؤولين لمساءلة أنفسهم: من تسبب في غلاء الأسعار؟ من ترك السوق عشوائياً؟ من حوّل موسماً دينياً إلى مناسبة للاحتكار والربح الفاحش؟ الأجوبة ليست في الأحياء الفقيرة، بل في دهاليز السياسات الفاشلة.
ختاماً، دعونا لا نُهين الناس لأنهم تمسكوا بعيدهم، بل لنسأل بجرأة: هل فعلنا ما يكفي لنمنحهم خياراً أفضل؟ لأن الكرامة لا تُختزل في وعظ ومزايدات حول الوطنية، بل تُبنى على عدالة اجتماعية حقيقية، تبدأ من الأعلى وتنزل لا العكس.
باحث في علم الاجتماع