أزمة العطش بإقليم الحاجب: بين الحق في الماء وواقع الاستنزاف القانوني

Écrit par

dans

الأحداث

تعاني عدد من جماعات إقليم الحاجب، كغيرها من المناطق في المغرب، من أزمة عطش متفاقمة باتت تُلقي بظلالها على حياة المواطنين، خاصة مع توالي سنوات الجفاف وتزايد الطلب على الماء. هذه الأزمة، التي تتجاوز البعد البيئي لتلامس صميم الحقوق الأساسية للمواطنين، تضع على المحك المسؤوليات القانونية للسلطات العمومية، وتُبرز قصور الإطار التشريعي والتطبيقي في مواجهة الاستنزاف المفرط للفرشة المائية.

الحق في الماء: بين النص الدستوري والواقع المعيش

يُعدّ الحق في الماء من الحقوق الأساسية التي كرسها الدستور المغربي لسنة 2011 في فصله 31، الذي ينص على أن “تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنين والمواطنات على قدم المساواة، من… الماء”. هذا النص الدستوري يُلزم الدولة بتوفير الماء الصالح للشرب لكل مواطن، ويُحمّل الجماعات الترابية (المجالس الجماعية) جزءًا من هذه المسؤولية في نطاق اختصاصاتها المحلية.

إلا أن واقع الحال في عدد من جماعات إقليم الحاجب يُظهر فجوة كبيرة بين هذا النص الدستوري والواقع المعيش. ففي الوقت الذي يُكافح فيه السكان، خاصة في المناطق القروية النائية، للحصول على قطرة ماء، تظل الجهود المبذولة، رغم أهميتها، غير كافية لمواجهة حجم الأزمة. هذا النقص في التلبية يفتح الباب أمام مساءلة قانونية وإدارية للسلطات، حيث يُمكن للمتضررين التذرع بالتقصير في أداء الواجب الدستوري والقانوني.

الإطار القانوني لتدبير الماء: نصوصٌ قوية وتطبيقٌ ضعيف

يُعتبر القانون رقم 36.15 المتعلق بالماء، الصادر سنة 2016، إطارًا تشريعيًا حديثًا يهدف إلى تحديث تدبير الموارد المائية في المغرب. يرتكز هذا القانون على مبادئ أساسية كالتدبير المندمج للماء، وحماية الموارد المائية من التلوث والاستنزاف، وترشيد استعمال الماء. كما يمنح وكالات الأحواض المائية صلاحيات واسعة في تدبير الموارد المائية على المستوى الجهوي والمحلي، بما في ذلك منح تراخيص حفر الآبار واستغلال الفرشات المائية.

ومع ذلك، تكمن الإشكالية الكبرى في إقليم الحاجب، وفي مناطق أخرى، في ضعف آليات التطبيق والمراقبة. فالرغم من وجود مقتضيات قانونية واضحة تُجرم حفر الآبار غير المرخصة والاستنزاف المفرط للفرشات المائية، إلا أن هذه الممارسات لا تزال منتشرة على نطاق واسع، خاصة في القطاع الفلاحي.

الاستنزاف المفرط للفرشة المائية: مسؤولية مشتركة وعواقب وخيمة
يُشكل الاستنزاف المفرط للفرشة المائية في إقليم الحاجب جوهر الأزمة. فالرغم من أن الفرشة المائية هي ملك عمومي، إلا أنها تُستنزف بشكل جائر عبر حفر آبار عميقة ومتعددة، غالبًا ما تكون غير مرخصة، لتلبية حاجيات فلاحية متزايدة. هذا الاستنزاف يُؤدي إلى تدهور نوعية المياه، وانخفاض منسوبها، مما يُهدد بشكل مباشر الأمن المائي للمنطقة على المدى الطويل.

من منظور قانوني، تُعدّ هذه الممارسات مخالفة صريحة للقانون 36.15، الذي يفرض ضرورة الحصول على ترخيص للاستغلال، ويُجرم حفر الآبار دون ترخيص. كما أن تجاوز الكميات المسموح بها من الاستغلال يُعرض أصحابه للمساءلة. لكن السؤال يبقى: إلى أي مدى يتم تفعيل هذه المقتضيات القانونية على أرض الواقع؟.

إن أزمة العطش في إقليم الحاجب ليست مجرد مشكلة بيئية، بل هي قضية حقوقية وقانونية تضع المسؤولين أمام واجبهم في حماية الموارد المائية وضمان حق المواطنين في الماء. فهل ستُستثمر هذه الأزمة كفرصة لإعادة تقييم شامل لسياسات تدبير الماء، وتفعيل القوانين بشكل صارم، قبل أن يجف النبع وتصبح الأزمة واقعًا لا يُمكن تداركه؟

هيئة التحرير7 يوليو، 2025

إقرأ الخبر من مصدره