مهرجان مغرب الحكايات 2025… صوت التراث في وجه النسيان الرقمي

في مساء دافئ من ليالي الرباط، انفتحت ساحة باب الحد على مصراعيها لاستقبال عشاق ‏الحكاية، أولئك الذين جاؤوا من مدن المغرب وقراه، ومن بلدان بعيدة تحمل أسماء أنهار ‏وغابات وسهول لا تنام. في قلب العاصمة وباقي مدن الجهة، تحولت الساحة إلى فضاء أسطوري، حيث ‏تختلط أصوات “الحلايقية” بنغمات الطبول والدفوف، وتتناثر الكلمات في الهواء كأنها خيوط ‏ضوء تحيك ذاكرة الشعوب.‏

منذ اليوم الأول، حملت منصات المهرجان روحا مغايرة. لم تكن دروسا أكاديمية جافة، بل ‏لقاءات حميمية بين الحكماء والرواة الشباب. في زاوية من الخزانة العلمية بجامعة محمد ‏الخامس، جلس عشرات الطلبة في حلقة دائرية، يحدّقون في وجه حكاء من بنما وهو يعيد ‏سرد أسطورة الممر البحري كما رواها أجداده بلغة شعبية ممزوجة بالإيماء والإيقاع. وإلى ‏جانبه، كانت أمازيغية مغربية تسرد حكاية “تيسليت وإيسلي” بصوت مبلل بالحزن، كأنها ‏تقطر من جبل.‏

الورشات لم تكن فقط عن تقنيات السرد، بل كانت مساحة لتفكيك العلاقة بين الحكاية والماء. ‏كيف يتحول نبع صغير إلى أسطورة؟ كيف تروي الحكاية نضال الإنسان من أجل البقاء، أو ‏مقاومته للجفاف والقهر؟ أطر الورشات متخصصون في الأنثروبولوجيا، وكتاب، ‏ومسرحيون، جميعهم اتفقوا على شيء واحد: “الحكاية ماء يروي الذاكرة، ويحملها من جيل ‏إلى جيل”.‏

وفي باحة المسرح الوطني محمد الخامس، انطلقت الأمسيات الحكائية الكبرى لمهرجان مغرب الحكايات. أضواء ‏خافتة، موسيقى حية، وراو يقف وحيدا في المركز، يحيط به جمهور من كل الأعمار. من ‏بنغلاديش إلى البرازيل، ومن أطلس المغرب إلى نيبال، تناوب الرواة على المنصة كأنهم ‏سفراء لعالم قديم، جاءوا يهمسون بأسرار الزمان. هناك من روى قصة “إله المطر” في ‏الغانج، وآخر تحدث عن امرأة حولت دموعها إلى نهر، وثالث سرد ملحمة صياد يغامر ‏بحياته لاستعادة قطرة ماء مقدسة.‏

المائدة المستديرة الدولية لم تكن أقل شاعرية. “الماء ‏في المتخيل الإنساني” كان عنوانها، لكن ما قُدِّم خلالها تجاوز التحليل النظري. تحدث فيها ‏أكاديميون ومفكرون من إفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا عن رمزية الماء في الديانات ‏والأساطير، وعن كيف استُخدم كوسيلة للهيمنة أو للتحرر. وجاء تدخل السوسيولوجية ‏المغربية الشابة ليضيء جانبا خفيا: كيف غابت الحكايات عن المدارس، وكيف يمكن ‏إعادتها كمصدر تربوي.‏

في إحدى الورشات المسائية، اجتمع أطفال من أحياء الرباط مع رسامين وموسيقيين، ‏لابتكار “حكاية مرسومة”. كل طفل رسم جزءا من القصة، فيما تحولت الورقة إلى نهر ‏صغير يعبر مدنا من الورق، تسكنها شخصيات من الخيال الشعبي. ضحكاتهم ملأت ‏المكان، وكأن الحكاية لم تعد حكرا على الكبار.‏

التكريمات أيضا كانت فريدة. “الكراب”، الرجل الذي ظل لعقود يوزع الماء في الأزقة ‏الشعبية، أصبح هذا العام رمزا للحكاية المنسية. كُرّم بزيه التقليدي، وعلّق جرّته النحاسية ‏إلى جانبه، بينما كان يقف فخورا تحت التصفيق. كما تم الاحتفاء بالراوي الأسطوري “ولد ‏هنيا”، الذي قال في كلمته: “أنا لا أحكي الحكاية، أنا أتنفسها، أعيشها، وأموت فيها كل ليلة.”‏

لم يكن مهرجان مغرب الحكايات مجرد برنامج ثقافي، بل رحلة بين ضفتين: ضفة الواقع ‏وضفة الخيال. وبينهما، كان الماء، كما الحكاية، عنصرا للتأمل، للتذكر، وللسؤال: من ‏نحن دون ذاكرة؟ وماذا تبقى منا إن لم نروِ الحكايات؟

إقرأ الخبر من مصدره