قيادة الاتحاد الاشتراكي “فضيحة تابعة فضيحة”.. إلى أين يسير حزب القوات الشعبية؟

Écrit par

dans

تحوّلت المحطات التنظيمية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، التي لطالما شكلت فرصة للنقاش السياسي واختبار التصورات الفكرية، إلى ساحة مفتوحة للصراع “الكاريكاتوري” على الزعامة والنفوذ المحلي، في مشهد يعكس تحولات عميقة في بنية الحزب وتقاليده، كما جسده المؤتمر الإقليمي الأخير في الناظور، بحضور الكاتب الأول إدريس لشكر.

المؤتمر، الذي يفترض فيه أن يُعبر عن حيوية الحزب وانفتاحه على مختلف مكوناته، اتسم بلحظات توتر شديدة كادت أن تتحول إلى مواجهات مباشرة بالأيدي، إثر تصاعد الخلاف بين أنصار رئيس جماعة الناظور سليمان أزواغ، والبرلماني محمد أبركان، وسط صراع مكشوف بين أنصار الطرفين حول النفوذ المحلي مع اقتراب المؤتمر الوطني ورهانات انتخابوية مقبلة، غاب فيه النقاش السياسي لصالح منطق “الكراسي”.

ولربما يعيد هذا التوتر إلى الأذهان مؤتمرات سابقة في تاريخ الاتحاد الاشتراكي، غير أنه كما يقول كارل ماركس فإن التاريخ “يعيد نفسه فى المرة الأولى كمأساة، وفى المرة الثانية كمهزلة”، ففي الوقت التي كانت الخلافات تدور حول المواقف السياسية الواضحة، كمؤتمر 1984 ونقاش الحقل المؤسساتي، وسنة 1989، ونقاش العلاقة مع القصر وتعديل الدستور، ومواقف زعماء الاتحاد التاريخيين من قضية الصحراء والتي كلّفت عبد الرحيم بوعبيد الاعتقال رفقة قياديين بارزين سنة 1981، وحتى في أشد مراحل الاتحاد صعوبة كانقسام 8 ماي 1983 وخروج بنجلون ورفاقه، وبعدها خروج الأموي سنة 2001، كنا نرى خلافات بين زعماء سياسيين بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بعيدا عن منطق الأعيان وكبار المترشحين، الذي أصبح يبصم بنية الاتحاد الاشتراكي، بعيدا عن “القوات الشعبية”.

وفي محاولة لفهم ما يحدث، فـ”المرء بأعماله” والشيء بالشيء يذكر، فمنذ تولي ادريس لشكر، أعاد تشكيل الحزب على قاعدة الولاء، فمنذ سنة 2012، تحول الحزب إلى آلة تنظيمية محكمة الضبط، حيث يتم التحكم في انتداب المؤتمرين، وتوجيه قرارات الأجهزة، ومنح المناصب الحزبية على أساس الولاء والعدد، ليخفت ما تبقى من وهج الحزب الفكري والسياسي، شيئا فشيئا.

ولا ننسى البلوكاج الشهير في حكومة بنكيران، والدور الذي لعبه ادريس لشكر، آنذاك، ورغبته في الحصول على حقائب وزارية، ليعود بعد سنوات بعد أن ذهب بنكيران وحكومته ومن جاء بعده، ويسرد الوقائع التي كشف خلالها عن بعض جوانب المفاوضات حينها، ليعتبر نفسه هو من كان وراء “البلوكاج” الذي أطاح ببنكيران من رئاسة الحكومة، بعد أن شكل “تحالفا” مع أحزاب التجمع الوطني والاتحاد الدستوري للتفاوض على الحقائب الحكومية بعد أن علم أنه غير مرغوب فيه داخل الأغلبية المرتقبة حينها.

وسبق للكاتب الأول لحزب الوردة، أن عبر عن رغبته، بعد الإعلان عن نتائج انتخبات 2021، في الانضمام إلى الحكومة، حيث أشار إلى أن موقع حزبه حسب نتائج اقتراع 8 شتنبر، “ومرجعيته وبرنامجه وقوته السياسية، هو أن يكون جزءا من السلطة التنفيذية في هذه المرحلة”.

ولا يخفى على المتتبع للشأن السياسي، سحب لشكر لملتمس الرقابة، في أوج النقاش عن التنسيق بين مكونات المعارضة لتقديم هذا الملتمس، والذي حمل باقي فرق المعارضة مسؤولية تعثر هذه الخطوة، متهما إياها بمحاولة اختطاف المبادرة، التي كانت “من صميم تحركات حزبه”.

وهنا نشير إلى ما قاله الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، نبيل بنعبد الله، حيث اعتبر أن “أطرافا يسارية مختلفة، البعض منها للأسف عوض أن يقوي تواجد بديل تقدمي ديمقراطي مع الأسف هناك نوع من التماهي وربما التواطؤ من أجل إيجاد موقع في حكومة 2026 مع العلم أنه كان ينتظر ذلك في 2021 وكان ينتظر ذلك في التعديل الأخير وما جابش الله”.

وفي العلاقة التنظيمية الداخلية، فيبرز التوجه “التحكمي” والباحث عن “الموقع قبل الموقف”، بشكل صارخ خلال المؤتمر الوطني الأخير الذي فتح الطريق أمام ولاية ثالثة للكاتب الأول، رغم معارضة عدد من القيادات، التي رأت في ذلك “تطويعًا للنظام الداخلي” و”تصفيةً للتعددية الداخلية”.

وهنا يمكن التوقف عند المؤتمرات الإقليمية التي تُعقد في هذه الفترة استعدادًا للمؤتمر الوطني للحزب، والتي يبدو أن الكاتب الأول لا يتوانى عن إحكام السيطرة عليها، ولو تطلّب الأمر معاندة الزمن والمكان، من خلال تنظيم مؤتمرات على طريقة “الوجبات السريعة” (fast food)، ويكفي تأمل ملصقات تعلن عن ترؤسه لثلاث لقاءات تنظيمية في اليوم نفسه، بكل من سوق الأربعاء والقنيطرة ووزان، في مشهد يبدو أنه يسعى لترسيخ صورة “الزعيم الحاضر في كل مكان”، غير أن المفارقة أن هذا النوع من التدبير هو بالضبط ما كان الاتحاد الاشتراكي نفسه يتهم به وزارة الداخلية في فترات سابقة، حين كان يندد بما سماه آنذاك “طبخ مؤتمرات الأحزاب الإدارية”.

تحت قيادة لشكر، فقد الحزب الكثير من رصيده النضالي، وتراجع إشعاعه داخل النقاش العمومي، بل غاب عن الحراك الاجتماعي والسياسي لصالح أحزاب أخرى.

وتطرح هذه الوقائع مجتمعة تساؤلات عميقة حول مستقبل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية كقوة سياسية يسارية، فهل ما زال قادرًا على لعب دور وازن داخل المعارضة، أو حتى داخل الأغلبية حين يشارك؟ أم أن منطق “التغول” التنظيمي المتنامي لإدريس لشكر ومن معه، الذي يشبه ما دأب الحزب على انتقاده في خصومه، سيؤدي إلى القضاء على ما تبقى من حزب المهدي بنبركة وعبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمان اليوسفي، آخر الرجال المحترمين في الحزب.

وإذا ما استمر هذا التوجه، فهل يمكن للاتحاد الاشتراكي أن يستعيد وهجه السياسي، أم سيواصل الانكماش داخل لعبة تموقعات مغلقة، وقد لا يبقى من هذا الحزب التاريخي سوى يافطته وحنين بعض مناضليه.

إقرأ الخبر من مصدره