مهرجان العيطة بآسفي احتفاء بالتراث وسط زخم الحداثة

Écrit par

dans

الأحداث

في فصل الصيف، حين تشتد الحرارة وتزداد الحاجة إلى الترفيه والهروب من روتين الحياة اليومية، تتحول المدن والقرى المغربية إلى فضاءات نابضة بالحياة من خلال تنظيم المهرجانات الصيفية. هذه التظاهرات الثقافية والفنية لم تعد مجرد حفلات موسيقية عابرة، بل أصبحت جزء من هوية المجتمع المحلي، ووسيلة لإعادة الاعتبار للتراث الشعبي. ومن بين أبرز مظاهر هذا التراث التي تحضر بقوة في هذه المهرجانات: فن العيطة الذي اشتهرت به منطقة عبدة ومدينة آسفي على وجه التحديد والدقة.

العيطة ليست فقط لونا غنائيا، بل هي تعبير عن تاريخ طويل من المعاناة والفرح، من المقاومة والحب. ولدت من رحم القرى المغربية، وكانت لسان حال الفلاحين والقبائل، تعبر عن حياتهم اليومية، عن نضالهم ضد الاستعمار، وعن همومهم العاطفية والاجتماعية. في كل “عيطة”، هناك حكاية تروى، وموقف يعبر عنه، وإيقاع يأخذك في رحلة داخل وجدان الإنسان المغربي.

أصبح مهرجان “العيطة” بآسفي، منصة للاحتفال بهذا التراث الشعبي، حيث تلتقي الأجيال المختلفة، ويعاد إحياء أغان كانت مهددة بالنسيان والاندتار. جمهور هذه التظاهرات لا يقتصر على كبار السن أو عشاق الفولكلور، بل يشمل أيضا الشباب، الذين يجدون في العيطة نوعا من التمرد الفني، وحالة وجدانية متفردة تغري بالمتابعة .

هذه الفضاءات لا تتيح فقط عرض هذا الفن، بل تفتح المجال أمام حوار بين العيطة وأنواع موسيقية حديثة، حيث أصبحت بعض الفرق الشابة تدمج بين أغاني العيطة و الايقاعات الموسيقى العصرية ، مما يمنحها بعدا جديدا دون أن يفقدها أصالتها وعراقتها.

بعيدا عن البعد الفني، تساهم هذه المهرجانات في تنشيط الحركة الاقتصادية المحلية، من خلال خلق فرص عمل موسمية، وجذب السياح، وتنشيط الصناعات التقليدية والمأكولات المحلية. كما تشكل فرصة لعرض منتجات الثقافة المحلية وتسويقها داخل المغرب وخارجه.

ورغم هذا الزخم، تواجه المهرجانات تحديات عدة، من بينها ضعف الدعم المادي المخصص لها وكيفية الترويج إعلاميا لانشطتها . كما أن بعض الأصوات تنتقد ما تراه تسليعا لفن العيطة، وتطالب بمزيد من الجدية والتفكير العميق في تقديم هذا اللون الغنائي بخلق فضاءات أخرى موازية في بعض الأحياء إسوة بالطريقة التي يقدم بها مهرجان گناوة بالصويرة عوض تمركزه في ساحة مولاي يوسف.

المهرجانات الصيفية ليست مجرد مناسبات ترفيهية، بل هي حاجة ثقافية ومجتمعية، ومسؤولية جماعية للحفاظ على تراث غني مثل العيطة بتكريم روادها من العمالقة كشيخة خديجة المركوم و الفنان الكبير المحفوظي وشيخة حفيظة وحجيب وغيرهم من الفنانين الذين بصموا على مسيرات فنية خالدة .

في الحين الذي تمتزج فيه حرارة الصيف بإيقاعات الكمان والبندير، ويعلو صوت العيطة ويصدح بين الجموع، يدرك عندها الإنسان الشغوف بهذا النوع من الفن أنه ما زال متصلا مرتبطا بجذوره، وأن للفن الشعبي قدرة استثنائية على تجاوز الزمن، وبناء الجسور بين الأمس واليوم.

هيئة التحرير18 يوليو، 2025

إقرأ الخبر من مصدره