Étiquette : 1973

  • البوليساريو… نهاية مغامرة

    د.عبدالقادر الحافظ بريهما

    منذ أكثر من نصف قرن، ظل نزاع الصحراء واحدا من أكثر الملفات تعقيدا في المنطقة المغاربية، بعدما تشابكت فيه الحسابات السياسية والإيديولوجية مع رهانات الحرب الباردة وصراعات النفوذ الإقليمي. ففي خضم تلك المرحلة المضطربة من سبعينيات القرن الماضي، ظهرت جبهة البوليساريو كتنظيم تأثر بخطابات التحرر والثورات الاشتراكية التي كانت تكتسح عددا من دول العالم الثالث، قبل أن يتحول لاحقا إلى أحد أبرز عناصر التوتر في شمال إفريقيا. وبين شعارات الانفصال وأحلام “الجمهورية” المعلنة فوق الورق، امتد الصراع لعقود طويلة، دفع خلالها آلاف الصحراويين واللاجئات والشيوخ والاطفال ثمن الانتظار والمعاناة داخل فيافي تندوف، بينما كانت المنطقة بأسرها تخسر فرصا ثمينة للتنمية والاستقرار والتكامل المغاربي.

    وتعود بدايات هذا ” الحراك” إلى ظروف إقليمية ودولية خاصة، حيث تأسست بمدينة الزويرات الموريتانية سنة 1973 تحت اسم “الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب” (F.POLISARIO)، في سياق كانت فيه الأفكار الثورية والتحررية وجدت لها صدى واسعا لدى شباب طانطان آنذاك. غير أن هذا التنظيم الناشئ سرعان ما تحول إلى ورقة سياسية وإقليمية بعدما احتضنه النظام الجزائري سياسيا وعسكريا ودبلوماسيا، مستثمرا حالة التوتر التاريخي التي خلفتها حرب الرمال مع المغرب. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد النزاع مجرد خلاف محدود، بل تحول إلى صراع مفتوح استنزف المنطقة لعقود طويلة وأدخلها في حالة من الجمود السياسي والأمني.

    ومع مرور السنوات، أعلنت البوليساريو ما سمته “الجمهورية الصحراوية”، في خطوة اعتبرها متابعون محاولة لإضفاء طابع الدولة على كيان يفتقد للمقومات الأساسية لأي دولة قائمة. فلا سيادة فعلية على الأرض، ولا مؤسسات مستقلة، ولا اقتصاد قائم بذاته، ولا اعتراف دولي وازن يمنحه الشرعية السياسية الكاملة. ورغم ذلك، استمرت القيادة الانفصالية التائهة في الترويج لخطاب الحسم العسكري والانتصار الوهمي، معتمدة على الدعم السياسي والعسكري الذي تلقته من بعض الأنظمة والتنظيمات ذات الخلفية “الثورية” خلال تلك المرحلة.

    وفي المقابل، وجد آلاف الصحراويين أنفسهم داخل مخيمات مغلقة في تندوف، يعيشون أوضاعا إنسانية صعبة وسط ظروف قاسية من الفقر والحرمان والعزلة. وتحولت معاناة السكان مع مرور الوقت إلى ورقة سياسية تُستثمر في المحافل الدولية أكثر مما تُطرح باعتبارها قضية إنسانية تستوجب الحل. كما تحدثت تقارير وشهادات متطابقة على امتداد سنوات طويلة عن تجاوزات مرتبطة بالتضييق على الحريات واعتقالات وتعذيب داخل سجون الرشيد والذهببية وگويرت بيلا، في وقت كان فيه الشبان الصحراويين الذين زج بهم في حرب لاناقة لهم فيها ولاجمل، يبحثون فقط عن الأمن والاستقرار ولمّ شمل الأسر المشتتة بين المخيمات والأقاليم الجنوبية للمملكة.

    وخلال تسعينيات القرن الماضي، ومع إطلاق الأمم المتحدة لمسلسل التسوية وطرح خيار الاستفتاء، بدأت تعقيدات الملف تظهر بشكل أوضح، خاصة فيما يتعلق بتحديد الهوية الحقيقية للساكنة المعنية بالتصويت. فقد اصطدمت الأمم المتحدة بصعوبات كبيرة بسبب تضخم اللوائح واختلاط الانتماءات القبلية ووجود أسماء وافدة من مناطق متعددة من موريتانيا ومالي والنيجر وجنوب الجزائر، ما جعل تطبيق هذا الخيار أمرا شديد التعقيد. ومنذ تلك المرحلة، بدأ المنتظم الدولي يقتنع تدريجيا بأن الحلول النظرية والشعارات الإيديولوجية لم تعد قابلة للتطبيق، وأن الواقعية السياسية تفرض البحث عن تسوية عملية ودائمة تحفظ الاستقرار وتضمن كرامة السكان.

    وفي سياق إجراءات بناء الثقة التي أشرفت عليها الأمم المتحدة، شكلت الزيارات العائلية المتبادلة بين سكان المخيمات والأقاليم الجنوبية محطة فارقة في مسار هذا النزاع، بعدما وقف عدد كبير من الصحراويين على حجم التحولات التنموية التي شهدتها مدن الصحراء المغربية. فقد اكتشف الزوار مشاريع البنية التحتية الحديثة، وتوسع الخدمات الاجتماعية، والاستقرار الأمني، إضافة إلى دينامية اقتصادية وتنموية متسارعة غيرت ملامح المنطقة خلال السنوات الأخيرة. وفي المقابل، بدا واقع المخيمات غارقا في الانتظار والجمود، ما دفع عددا من المواطنين الصحراويين إلى اختيار العودة إلى أرض الوطن في إطار مبادرة “إن الوطن غفور رحيم”، اقتناعا بأن المستقبل الحقيقي يوجد داخل الوطن وليس في استمرار معاناة اللجوء.

    وخلال السنوات الأخيرة، دخلت البوليساريو في سلسلة من التحركات التي وُصفت بالمغامرات السياسية غير المحسوبة، كان أبرزها محاولة عرقلة معبر الكركرات سنة 2020 وقطع حركة العبور المدني والتجاري بين المغرب وعمقه الإفريقي. غير أن تدخل القوات المسلحة الملكية المغربية جاء بشكل سريع وحاسم، حيث تمت إعادة فتح المعبر وتأمينه دون الانزلاق إلى مواجهة واسعة، في خطوة اعتبرها متابعون تأكيدا على قدرة المغرب على التعامل بمنطق الدولة المسؤولة الحريصة على حماية الاستقرار الإقليمي وضمان انسيابية المبادلات التجارية الدولية.

    كما سعت قيادة البوليساريو في مغامراتها المتواصلة إلى الترويج لما تسميه “المناطق المحررة”، من خلال تنظيم تجمعات دعائية ونصب خيام واستقدام متعاطفين أجانب إلى المنكقة العازلة، في محاولة لإظهار وجود سيادة فعلية على الأرض. غير أن هذه التحركات سرعان ما فقدت تأثيرها أمام التحولات الميدانية والتكنولوجية التي جعلت المنطقة العازلة مكشوفة بالكامل، لتتراجع تلك المغامرات الدعائية تدريجيا أمام واقع جديد يؤكد أن الشعارات وحدها لم تعد قادرة على تغيير المعطيات الحقيقية على الأرض.

    وفي مقابل هذا المسار، اختار المغرب منذ سنة 2007 نهج مقاربة سياسية تقوم على الواقعية والتوافق، من خلال تقديم مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلا جديا وواقعيا وذا مصداقية، يضمن لسكان الأقاليم الجنوبية تدبير شؤونهم المحلية في إطار السيادة المغربية والوحدة الترابية للمملكة. ومع مرور السنوات، بدأت مواقف العديد من القوى الدولية الكبرى تتجه نحو دعم هذا الطرح، بعدما برز باعتباره الخيار الأكثر قابلية للتطبيق والأنسب لإنهاء نزاع طال أمده واستنزف المنطقة لعقود.

    كما شهدت السنوات الأخيرة تحولا لافتا في المواقف الدولية، تجسد في افتتاح عدد من الدول لقنصلياتها بالأقاليم الجنوبية، إلى جانب تزايد الدعم الدبلوماسي لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسا جديا وواقعيا للحل النهائي. وفي المقابل، تعيش القيادة الانفصالية ومن يدعمها حالة من العزلة السياسية المتزايدة، في ظل إدراك دولي متنام بأن استمرار هذا النزاع لم يعد يخدم سوى إدامة التوتر وتعطيل فرص التنمية والاستقرار في المنطقة المغاربية.

    وفي ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم، لم يعد هناك مكان للمشاريع الوهمية ولا للنزاعات التي تعيش على شعارات الماضي. فالتاريخ لا يرحم الكيانات التي تبني وجودها على الوهم والمغامرة، والواقع يفرض في النهاية منطقه على الجميع. وبعد عقود من المعاناة والتشرد وإهدار الزمن المغاربي، بات واضحا أن مستقبل الصحراء يُبنى اليوم بالتنمية والاستقرار والوحدة، لا بالشعارات والمغامرات والخطابات المتجاوزة. وبين وطن اختار الاستثمار في الإنسان والأرض، ومشروع استنزفته الانقسامات والعزلة، تبدو النهاية أقرب من أي وقت مضى إلى حسم سياسي يطوي آخر فصول هذا النزاع المفتعل، ويفتح الباب أمام الصحراويين للانخراط في مستقبل يصنعه الأمل بدل الانتظار، والبناء بدل الصراع، والوطن بدل التيه.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • « حوثنة » البوليساريو


    عبدالقادر الحافظ بريهما

    في خضم التحولات الكبرى التي عرفتها منطقة شمال إفريقيا خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي، وفي ظل أجواء الحرب الباردة والصراع الإيديولوجي بين المعسكرين الشرقي والغربي، ظهرت عدة حركات مسلحة وحركات “تحرر” في القارة الإفريقية والعالم العربي، مستفيدة من موجة تصفية الاستعمار والصراعات الحدودية التي أعقبت استقلال عدد من الدول. وفي هذا السياق الإقليمي والدولي المعقد، تأسست جبهة البوليساريو سنة 1973، في وقت كانت فيه إسبانيا تستعد لمغادرة الصحراء، بينما كان المغرب يعتبر الإقليم جزءًا من وحدته الترابية والتاريخية، استنادًا إلى روابط البيعة والامتداد التاريخي بين مختلف القبائل والحواضن الاجتماعية والعرش العلوي الشريف.

    وقد تشكلت الحركة الانفصالية “البوليساريو” في ظرف اتسم بتصاعد الخطابات الثورية والقومية داخل المنطقة المغاربية، حيث كانت الأنظمة العسكرية ذات التوجه الاشتراكي ترى في دعم الحركات المسلحة وسيلة لتعزيز نفوذها الإقليمي ومواجهة خصومها السياسيين. ومنذ السنوات الأولى، وجدت الجبهة دعمًا قويًا من النظام الجزائري الذي احتضن قيادتها فوق أراضيه بمخيمات تندوف، وفتح أمامها المجال للتدريب والتسليح والتحرك الدبلوماسي والإعلامي. وقد اعتبرت الجزائر النزاع حول الصحراء ورقة استراتيجية لإضعاف المملكة المغربية واستنزافها سياسيًا وعسكريًا، في إطار صراع جيوسياسي أوسع حول الزعامة الإقليمية في المغرب العربي.

    وفي المقابل، لعب نظام القذافي دورًا محوريًا في دعم البوليساريو خلال مرحلتي السبعينات والثمانينات، انسجامًا مع توجهاته الثورية آنذاك، حيث تبنى سياسة تقوم على تمويل وتسليح عدد من الحركات المسلحة في إفريقيا والعالم العربي. وقد وفرت ليبيا لقيادة الجبهة السلاح والمال والتدريب، وساهمت في تعزيز قدراتها العسكرية، خاصة خلال سنوات المواجهات المسلحة مع بلادنا. كما كانت طرابلس ترى في دعم البوليساريو جزءًا من مشروعها السياسي الرامي إلى توسيع النفوذ الليبي داخل منطقة الساحل والمغرب العربي.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    ومع مرور الوقت، تحولت البوليساريو من حركة ناشئة محدودة الإمكانيات إلى تنظيم مسلح مدعوم إقليميًا، مستفيدًا من الغطاء السياسي والعسكري الجزائري والليبي، إضافة إلى دعم بعض الأنظمة والمنظمات ذات التوجه الاشتراكي والثوري خلال فترة الحرب الباردة. وقد ساهم هذا الدعم في إطالة أمد النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، وتحويله إلى أحد أكثر الملفات تعقيدًا في منطقة شمال إفريقيا.

    وفي بداية الثمانينات، بدأت ملامح تقارب جديد بين البوليساريو وإيران تظهر بشكل تدريجي، خصوصًا بعد نجاح الثورة الإيرانية سنة 1979 وبروز سياسة “تصدير الثورة” التي تبنتها طهران. وفي هذا الإطار، جاءت زيارة وزير الخارجية الإيراني الأسبق علي أكبر ولايتي إلى مخيمات تندوف سنة 1982، في خطوة اعتبرها كثير من المراقبين مؤشرًا مبكرًا على رغبة إيران في بناء علاقات مع الحركات المسلحة والتنظيمات التي يمكن أن تخدم استراتيجيتها الإقليمية في إفريقيا والعالم العربي.

    ومع تطور الأوضاع الدولية والإقليمية، عاد ملف العلاقة بين إيران والبوليساريو إلى الواجهة بقوة خلال السنوات الأخيرة، بعد تقارير تحدثت عن دعم عسكري وتدريبي ولوجستي تقدمه طهران للجبهة عبر وسطاء وشبكات مرتبطة بـ”حزب الله”، إضافة إلى اتهامات مرتبطة بوصول طائرات مسيرة إيرانية الصنع إلى عناصر البوليساريو برعاية جزائرية. وقد أثارت هذه المعطيات مخاوف متزايدة من محاولة “حوثنة” المنطقة، عبر خلق نموذج ميليشياتي مشابه لما حدث في مناطق أخرى من الشرق الأوسط.

    وأمام تنامي خطر التنظيمات المسلحة وانتشار السلاح والطائرات المسيرة في منطقة الساحل والصحراء، بدأ المنتظم الدولي ينظر إلى نزاع الصحراء المغربية من زاوية أمنية واستراتيجية تتجاوز البعد السياسي التقليدي. فاستمرار النزاع ووجود تنظيم مسلح خارج إطار الدولة أصبح يثير مخاوف متزايدة لدى عدد من القوى الدولية، خصوصًا في ظل تنامي الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية في المنطقة المغاربية والساحل الإفريقي.

    ومن هنا، تعززت القناعة الدولية بضرورة الدفع نحو حل سياسي واقعي ونهائي لهذا النزاع، يقوم على مبادرة الحكم الذاتي التي تقدمت بها المملكة المغربية باعتبارها حلاً جديًا وذا مصداقية. كما أن تصاعد المخاوف من تنامي النفوذ الإيراني والحركات المسلحة العابرة للحدود ساهم في زيادة الضغط الدولي على الجزائر والبوليساريو من أجل الانخراط في تسوية سياسية تضمن استقرار المنطقة، وتحول دون تحويل شمال إفريقيا إلى فضاء مفتوح أمام الميليشيات والسلاح والأيديولوجيا الهدامة والفوضى الإقليمية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ذكرى تأسيس البوليساريو… 53 سنة من الفشل

    د. عبد القادر الحافظ بريهما

    بعد ثلاثة وخمسين عاما على تأسيس جبهة البوليساريو، تبدو حصيلة هذا التنظيم مثقلة بالإخفاقات السياسية والتنظيمية والدبلوماسية، بعدما تحولت شعارات “بناء الدولة” إلى حالة من الجمود المزمن الذي استنزف طاقات أجيال كاملة من الصحراويين. فبدل أن تتحول مخيمات الحمادة إلى فضاء للحياة الكريمة والتنمية، أصبحت عنوانا للانتظار الطويل ولإعادة تدوير نفس الخطاب الإيديولوجي الذي فقد بريقه وقدرته على الإقناع.

    ومنذ 10 ماي 1973، ظلت قيادة الجبهة رهينة عقلية متجاوزة تعود إلى زمن الحرب الباردة، غير قادرة على استيعاب التحولات السياسية والاقتصادية التي يشهدها العالم اليوم. فالمجتمعات لم تعد تؤمن بالشعارات الثورية بقدر ما تبحث عن الاستقرار والتنمية وفرص العيش الكريم، وهو ما يفسر اتساع الهوة بين قيادة الجبهة وجيل جديد من الشباب الصحراوي الذي بات يميل إلى الحلول الواقعية بدل الاستمرار في نزاع مفتوح بلا أفق.

    كما أن مظاهر تخليد ذكرى التأسيس خلال السنوات الأخيرة تعكس حجم التراجع الذي تعيشه الجبهة على مستوى التعبئة والتنظيم. فبعدما كانت هذه المناسبة تتحول إلى حملة دعائية واسعة، أصبحت تمر بفتور واضح وصمت غير مسبوق، في مؤشر على تنامي الإحباط داخل المخيمات وتراجع الحماس حتى في أوساط المناصرين التقليديين من ابناء الجزائريين والموريتانيين والماليين.

    وعلى المستوى الميداني، لم تستطع الجبهة تحقيق أي تحول عسكري ذي تأثير، بل إن تحركاتها الأخيرة( قصف مدينة السمارة) ساهمت في تعقيد وضعها أكثر، خاصة بعد أزمة معبر الكركرات التي انتهت بتعزيز المملكة المغربية لحضورها الأمني والميداني بالاقاليم الصحراوية الجنوبية. وفي المقابل، واصل المغرب تنزيل مشاريع تنموية كبرى بالأقاليم الجنوبية، شملت البنيات التحتية والاستثمار وخلق فرص الشغل، ما عزز من واقع الاستقرار وربط المنطقة بدينامية اقتصادية متصاعدة.

    أما حقوقيا، فقد عاد ملف الانتهاكات المرتكبة داخل مخيمات تندوف إلى الواجهة بقوة، مع تزايد شهادات الضحايا المطالبين بالحقيقة والإنصاف، وارتفاع الأصوات الحقوقية الدولية المنتقدة لواقع الاحتجاز وغياب الحريات داخل المخيمات. كما أصبحت معاناة السكان الإنسانية والاجتماعية محل اهتمام متزايد من قبل عدد من الهيئات والمنظمات الدولية.

    ودبلوماسيا، تلقت الجبهة خلال السنوات الأخيرة انتكاسات متتالية، بالتزامن مع اتساع الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب، وافتتاح قنصليات أجنبية بمدينتي العيون والداخلة، إضافة إلى إدماج الأقاليم الجنوبية في شراكات اقتصادية وأمنية دولية كبرى. وهو ما يعكس تحولا متزايدا داخل المنتظم الدولي نحو دعم الحل الواقعي والعملي للنزاع.

    وتأتي الذكرى الثالثة والخمسون هذه السنة في ظل القرار الأممي 2797، الذي جدد التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي ودائم قائم على التوافق، مع الإشادة المستمرة بمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها مقترحا جديا وذا مصداقية. وفي ظل هذه المعطيات، تبدو قيادة البوليساريو مطالبة أكثر من أي وقت مضى بالتخلي عن خطاب التصعيد والانخراط في منطق التسوية السياسية.

    وفي هذا السياق، أصبح من الضروري فتح المجال أمام مختلف الفعاليات الصحراوية المؤمنة بالحل السياسي الواقعي للمشاركة في صياغة مستقبل المنطقة، وفي مقدمتها حركة صحراويون من أجل السلام التي تدعو إلى الحوار والتسوية السلمية بعيدا عن منطق الحرب والانغلاق. فبعد أكثر من نصف قرن من التعثر، بات من حق الصحراويين البحث عن بدائل سياسية جديدة تعبر عن تطلعاتهم الحقيقية في الأمن والاستقرار والكرامة والتنمية داخل إطار حل نهائي ومتوافق عليه.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • معرض الكتاب بالرباط.. تقديم الجزء العاشر من موسوعة الكاتب والصحافي الراحل محمد باهي حرمة

    تم، اليوم السبت، في إطار فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، تقديم الجزء العاشر من موسوعة الكاتب والصحافي الراحل محمد باهي حرمة.

    ويضم الإصدار الجديد، الذي أشرف على تحريره الكاتب مبارك بودرقة وصدر عن منشورات “باب الحكمة”، تحت عنوان “يموت الحالم ولا يموت حلمه”، حصيلة المقالات التي نشرها الراحل بين عامي 1969 و1973.

    وفي هذا الصدد، أكد بودرقة أن محمد باهي حرمة كان ذا رؤية استشرافية دقيقة للأحداث العالمية، مبرزا مواقفه الوطنية الراسخة، لا سيما ما يتصل بالدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة والوحدة المغاربية.

    وأبرز بودرقة، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن محمد باهي، رغم كونه عصاميا لم يلج المدارس أو الجامعات، امتلك قدرة استثنائية على تحليل القضايا الدولية واستشراف المستقبل، موضحا أن أهمية كتابات الراحل تكمن في إتاحتها “فهما عميقا لسياق الصراعات الجيو-سياسية ومآلاتها الراهنة”.

    وأوضح، في سياق استعراضه للمضامين الغنية والتوثيقية لهذا المنجز، أن كتابات الراحل تعكس أفقا موسوعيا وتعدد جبهات الاشتغال الصحافي والفكري، وذلك عبر مواكبته للقضية الفلسطينية، مرورا بتشريح “تراجيديا المشرق العربي”، وصولا لتفكيك المشهد السياسي الفرنسي بخباياه وتياراته المختلفة، فضلا عن رصده الدقيق لتعقيدات العلاقات الدولية.

    من جانبه، قال الباحث الجامعي الطيب بياض إن الاحتفاء بمسار الكاتب والصحافي الراحل محمد باهي حرمة يشكل استحضارا لقامة إعلامية وفكرية مغربية فذة، “تمثل اليوم بوصلة ومنارة تنير درب الأجيال الحاضرة”، مبرزا أن الغاية من استعادة هذا التراث الفكري الغني تتمثل في تقدير اجتهادات الراحل وعمقه في مقاربة قضايا عصره المتشعبة، متسلحا في ذلك برؤية تزاوج ببراعة بين نباهة الصحافي ورصانة المثقف.

    وتوقف الباحث عند البصمة التي طبعت مسار الراحل وجعلته أيقونة لدى جيل كامل من المغاربة، خاصة عبر زاويته الشهيرة “رسالة باريس”، مشيرا إلى الزخم الذي راكمه مشروعه التوثيقي الذي توج ببلوغ موسوعته “يموت الحالم ولا يموت حلمه” جزأها العاشر.

    ودعا إلى ضرورة إحياء هذا الإرث واستيعاب حمولته، معربا عن أمله في التأسيس لتفاعل معرفي مثمر، يجعل من تجربة محمد باهي حرمة قدوة مهنية ومعرفية تلهم الإعلاميين وكافة المهتمين بالشأن الثقافي.

    من جهته، أكد الباحث في التاريخ الراهن هشام الكثيري، أن كتابات الراحل تجاوزت النطاق الكلاسيكي للصحافة المواكبة للحدث الآني، لتلامس قضايا جوهرية بأفق وعمق تاريخي فاق في بعض الأحيان مناهج المؤرخين أنفسهم، مسجلا أن أي محاولة لتأطير إسهاماته ضمن جنس معرفي واحد، سواء كان صحافة أو تاريخا أو فلسفة، تظل قاصرة عن الإحاطة بعمقه الفكري المتفرد.

    وفي معرض إبرازه للأهمية الراهنة لقراءة مقالات محمد باهي، اعتبر الكثيري أن نصوص الراحل تمثل “نبوءات تاريخية” تحاكي في دقتها قضايا الراهن المتسارع، مشيرا إلى أن كتاباته السابقة قادرة على تشريح أزمات الحاضر وكأنها كتبت اليوم.

    تجدر الإشارة إلى أن الدورة الحادية والثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب، المنظمة تحت رعاية الملك محمد السادس، تعرف مشاركة 891 عارضا، من بينهم 321 عارضا مباشرا و570 عارضا غير مباشر، يمثلون المغرب و60 بلدا من العالم العربي وإفريقيا وأوروبا وآسيا وأمريكا.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • دروس من التاريخ: هل تكون حرب إيران أزمة السويس الجديدة؟

    صورة مركبة يظهر فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في المقدمة، وفي الخلفية صور بالأبيض والأسود لقناة السويس وهي مسدودة بالسفن، ولافتة من أزمة النفط عام 1973 تُظهر محطة وقود نفد منها البنزين.BBC/Getty images

    يبدو أنّ الحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران قبل شهر، باتت تتسم بقدر من “الانتظام في فوضويتها”.

    ليس مفاجئاً أيضاً أن تسهم منشورات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم الاضطرابات وهزّ الأسواق العالمية، وإن كان ذلك لفترة وجيزة.

    لكن تعليقات ترامب ليست العامل الوحيد الذي يرسم مسار هذه الحرب، إذ يبدو أن للتاريخ دوراً أيضاً.

    وفي الأسابيع التي تلت اندلاع الصراع، لجأ الخبراء بشكل متزايد إلى الماضي لفهم ما يجري، ومحاولة استشراف اتجاهاته.

    وتبرز ثلاث محطات تاريخية رئيسية من بين عدد من الأمثلة الأخرى.

    السويس أزمة السويس. من الجو، تظهر سفن الحصار التي غرقت عند مدخل قناة السويس في بورسعيد. في أقصى اليمين، إحدى سفن الإنقاذ التي بدأت بالفعل أعمال تنظيف القناة.Hulton-Deutsch/Hulton-Deutsch Collection/Corbis via Getty Imagesأدرك الرئيس المصري جمال عبد الناصر جدوى إغلاق قناة السويس لصد هجوم القوات الأنجلو-فرنسية

    منذ أن أطلق الحوثيون المدعومون من إيران في اليمن صواريخ على إسرائيل يوم الجمعة، في أول هجوم من نوعه منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، انفتحت جبهة جديدة في الصراع.

    ويثير دخول الجماعة المدعومة من إيران مخاوف من اتساع الاضطراب في الاقتصاد العالمي، إذ تمتلك الجماعة المسلحة القدرة على استهداف الملاحة في البحر الأحمر، ولا سيما قناة السويس.

    ولا تستطيع الجماعة عملياً إغلاق الممر المائي الحيوي، الذي يمر عبره نحو 30 في المئة من حركة الحاويات العالمية وحوالي 15 في المئة من إجمالي تجارة السلع عالمياً، لكنها قادرة على تعطيل الوصول إلى القناة بدرجة كبيرة.

    ويضاف إلى ذلك التوترات التي تحدثها إيران في مضيق هرمز الحيوي، ما يجعل التأثير المحتمل على الاقتصاد العالمي، وفق خبراء، كارثياً.

    وفي ظل هذه التطورات، يشير محللون إلى أن أزمة السويس قبل 70 عاماً، والمعروفة أيضاً في مصر بـ”العدوان الثلاثي”، تشكّل مثالاً على التداعيات الأوسع التي قد تترتب على حروب الشرق الأوسط اليوم.

    في عام 1956، قام الرئيس المصري جمال عبد الناصر بتأميم شركة قناة السويس العالمية، التي كانت خاضعة لنفوذ بريطاني فرنسي، ما منح مصر السيطرة على أحد أهم مسارات الملاحة والنفط في العالم. ورداً على ذلك، حاولت فرنسا وبريطانيا وإسرائيل استعادتها، لكن من دون جدوى

    استُقبل الرئيس المصري جمال ناصر بحفاوة بالغة لدى عودته إلى القاهرة من الإسكندرية خلال أزمة السويس. في هذه الصورة بالأبيض والأسود، حمله أنصاره على أكتافهم ولوّح بمنديل أبيض. وكان يرتدي بدلة.Hulton-Deutsch Collection/CORBIS/Corbis via Getty Imagesتحوّل الرئيس المصري جمال ناصر إلى بطل بنظر كثيرين في المنطقة بسبب تعامله مع أزمة السويس.

    بالنسبة لترامب، وحليفه السابق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يقدّم التاريخ إشارات تحذيرية واضحة.

    ويقول جيريمي بوين، المحرر الدولي في بي بي سي: “أكثر ما يلفت في تلك اللحظة أنّها شكّلت نهاية فعلية لبريطانيا كقوة عالمية. فقد حافظت على نفوذ إمبراطوري في الشرق الأوسط منذ الحرب العالمية الأولى، وكان ذلك بداية أفوله أيضاً”.

    وتحمل الأساليب التي تعتمدها طهران والحوثيون اليوم، عبر تقييد الوصول إلى ممرات اقتصادية حيوية للاقتصاد العالمي، أصداءً من ردّ جمال عبد الناصر آنذاك.

    فبحلول الوقت الذي وصلت فيه القوات البريطانية والفرنسية إلى الشاطئ الشمالي لقناة السويس، كان عبد الناصر قد أغرق عشرات السفن، ما أدى إلى إغلاق القناة وقطع شريان حيوي يربط أوروبا بحقول النفط في الخليج، بحسب المؤرخ الأمريكي ألفريد دبليو مكوي.

    وتدخّل الرئيس الأمريكي آنذاك دوايت أيزنهاور، خشية اتساع مواجهة خطيرة في سياق الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي، وأجبر بريطانيا وفرنسا على الانسحاب.

    ويكتب مكوي: “بحلول ذلك الوقت، كانت بريطانيا قد واجهت عقوبات في الأمم المتحدة، وكانت عملتها على حافة الانهيار، وتبددت هيبتها الإمبراطورية، فيما كانت إمبراطوريتها العالمية تتجه نحو الزوال”.

    صورة للوحة إعلانية خارج محطة وقود في الولايات المتحدة خلال أزمة النفط عام 1973، كُتب عليها Smith Collection/Gado/Getty Imagesاستمر تأثير أزمة النفط عام 1973 على الناس في الولايات المتحدة لمدة عقد من الزمان.

    لكن بوين يرى أن أوجه الشبه مع الصراع الحالي ليست دقيقة تماماً.

    ويقول: “لا أقارن بالضرورة قوة الولايات المتحدة اليوم بما كانت عليه بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية، بل المقصود أن الدول القوية تصعد ثم تتراجع. ومع صعود الصين، إذا نظر الناس مستقبلاً إلى تراجع الولايات المتحدة، فقد يكتب المؤرخون عن هذه الحرب باعتبارها محطة على هذا المسار؛ حرباً دخلتها من دون تفكير كافٍ في عواقبها”.

    ولفهم التداعيات المحتملة، من المفيد النظر إلى الدروس التي يقدمها التاريخ خلال السبعين عاماً الماضية.

    صدمات أسعار النفط في عام 1973

    في العقود اللاحقة، تكرر استخدام إغلاق الممرات الاقتصادية الحيوية كوسيلة لإلحاق أكبر قدر من الضرر، ما يجعل حدوث ذلك اليوم أمراً متوقعاً، بحسب مراقبين.

    ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما جرى بعد أقل من عشرين عاماً على أزمة السويس.

    ويقول بوين: “في عام 1973 اندلعت حرب بين إسرائيل ومصر وسوريا. وكان الهجوم مفاجئاً من جانب المصريين والسوريين، فيما عرف بحرب أكتوبر (يوم الغفران). وقد ضخت الولايات المتحدة كميات كبيرة من السلاح لإسرائيل”.

    ويضيف: “بعد ذلك، ردّ العالم العربي بفرض حظر نفطي أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط، وتسبب بأضرار واسعة في أوروبا الغربية”.

    وكان وزير النفط السعودي آنذاك، الشيخ أحمد زكي يماني، واضحاً في عام 1973 بشأن كيفية استخدام موارد مثل النفط، بما لها من تأثير على الأسواق العالمية، كأداة نفوذ. ووصف سيطرة الدول العربية الكبيرة على الإنتاج بأنها “سلاح نفطي” يمكن أن يؤدي إلى “انهيار” سريع في اقتصادات العالم.

    واستمر الحظر خمسة أشهر، لكن خبراء يقولون إن تأثيره امتد لسنوات طويلة. فقد شهدت الولايات المتحدة، وكذلك الدول المعتمدة بشكل كبير على النفط في صناعاتها، ارتفاعاً حاداً في معدلات التضخم، ترافق مع زيادة في أسعار الفائدة مع سعي البنوك المركزية إلى احتواء ارتفاع تكاليف المعيشة.

    صورة ضبابية بعض الشيء بالأبيض والأسود لدبابات سنتوريون أردنية بريطانية الصنع تصل إلى مرتفعات الجولان لدعم السوريين خلال حرب يوم الغفران Hulton Archive/Getty Imagesلم تقتصر حرب أكتوبر أو حرب يوم الغفران عام 1973 على ساحة المعركة فحسب، بل امتدت لتشمل أسواق النفط الدولية أيضاً.

    رغم أن النفط لم يعد يهيمن على الاقتصاد العالمي كما كان قبل أكثر من خمسين عاماً، مع تراجع حصته من الطلب العالمي وتزايد الاستثمار في مصادر طاقة أكثر تنوعاً، لا سيما في الغرب، فإنه لا يزال مورداً أساسياً، وتقدم أحداث عام 1973 وما تلاها دروساً مهمة لترامب.

    ورغم أن الولايات المتحدة تنتج اليوم طاقة أكثر مما تستهلك، خلافاً لما كان عليه الحال قبل نصف قرن، فإنها لا تزال تستورد كميات كبيرة من النفط الخام، وتظل عرضة لتقلبات أسعاره في السوق العالمية، وهو ما ينعكس في نهاية المطاف على المستهلكين الأمريكيين.

    كما قد تتأثر الولايات المتحدة بشكل غير مباشر عبر الضغوط التي تواجه شركاءها التجاريين الرئيسيين في آسيا، الذين لا يتمتعون بتنوع كبير في مصادر الطاقة، وكانوا من الأكثر تضرراً من النقص الحالي في النفط.

    ويقول بوين: “ما يحدث الآن ليس أن السعودية والإمارات وغيرهما قرروا عدم بيع نفطهم لعملائهم في أوروبا، بل إن إيران، وربما الحوثيين أيضاً، يجعلون وصول هذه الإمدادات إلى الأسواق أكثر صعوبة. النفط بالغ الأهمية، وأي انقطاع في هذه الإمدادات سيؤدي إلى اضطراب واسع على مستوى العالم”.

    الحرب الإيرانية-العراقية

    يقول مؤرخون إن الحرب بين إيران والعراق، التي طغت أحداثها على ثمانينيات القرن الماضي، تقدّم لترامب أمثلة أحدث وأكثر دلالة على كيفية تمكّن خصوم واشنطن من تعطيل الممرات الاقتصادية الحيوية.

    وخلال المراحل الأخيرة من تلك الحرب، تعرّضت الملاحة في مضيق هرمز للاستهداف من جانب كل من طهران وبغداد، في محاولة، كما يقول محللون، لجرّ القوى العالمية إلى الصراع.

    وبحلول منتصف إلى أواخر ثمانينيات القرن الماضي، بلغت الهجمات مستوى من الشدة دفع الكويت إلى طلب مساعدة دولية لتأمين عبور سفنها عبر الممر المائي.

    ووافقت واشنطن على تقديم تلك المساعدة، خشية أن تسبقها موسكو، خصمها في الحرب الباردة.

    سفينة حربية أمريكية في الخلفية تبحر بجانب سفينة شحن خلال عملية إرنست ويل في مضيق هرمز.Barry Iverson/Getty Imagesأبرزت عملية “الإرادة الجادة” خلال الحرب الإيرانية-العراقية بعض أوجه القصور الأمريكية في إدارة الأعمال العدائية في مضيق هرمز

    بدأت عملية “الإرادة الجادة” (إرنست ويل)، وهي مهمة لمرافقة ناقلات النفط، في يوليو/تموز 1987، لكنها سرعان ما تحولت إلى مصدر إحراج كبير للولايات المتحدة، بعدما تعرضت الناقلة “بريدجتون”، التي كانت ضمن الحماية، لألغام إيرانية في طريقها إلى الكويت.

    ويقول خبراء إن الحادثة كشفت محدودية قدرات واشنطن على إزالة الألغام في المضيق، وهي مشكلة استمرت في التأثير على سير العملية.

    ومع الانتقال إلى الصراع الحالي، تبرز أوجه شبه واضحة مع دعوة ترامب الأخيرة إلى دعم عملياتي من دول أخرى للحفاظ على انفتاح مضيق هرمز عبر مرافقة بحرية للسفن.

    لكن التحدي اليوم يبدو أكبر بالنسبة لواشنطن، بحسب محللين، مع اتساع أدوات الحرب لتشمل، على سبيل المثال، الطائرات المسيّرة، إضافة إلى أن إيران لم تعد منخرطة في حرب طويلة مع العراق.

    ويقدم التاريخ دروساً عديدة للأطراف المنخرطة في الحرب الجارية في الشرق الأوسط، ولا سيما الأطراف الرئيسية فيها، إذ من المرجح أن يؤثر مدى استيعاب هذه الدروس في اتجاه الاضطرابات العالمية ومدتها.

    • كيف يمكن أن يؤثر إغلاق هرمز على الغذاء والأدوية والهواتف الذكية؟
    • قصة الهجوم الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي على مصر
    • قناة السويس وترامب: هل للولايات المتحدة علاقة بالقناة؟
    • أين يذهب النفط الذي لا يمكنه عبور مضيق هرمز؟
    • فكر بها فرعون ومرت على كل العصور.. ما حكاية قناة السويس؟


    إقرأ الخبر من مصدره

  • فيلم « أيام الجنة ».. حين يقود الحب إلى الندم ويكشف الخداع لعنة الطمع


    عبدالله الساورة

    -2-

    في فيلم Days of Heaven / “أيام الجنة”، لا ندخل إلى حكاية حب عابرة، وإنما إلى تأمل كوني يضع الإنسان عارياً أمام الطبيعة والزمن والمصير. ومنذ اللقطة الأولى، ينسج المخرج تيرنس ماليك عالماً يتنفس الضوء ويهمس بالشك. أي معنى للبراءة حين تختلط بالرغبة؟ وأي قيمة للحلم إذا كان مؤسساً على خدعة صغيرة تكبر في الظل؟ وتبدو الحقول الذهبية فردوساً / جنة أرضية، لكن تحت جمالها يسكن قلق خفي. وهنا، تنحت سينما الشك صورتها ببطء، وتدعونا إلى الإصغاء إلى الصمت أكثر من الحوار، إذ حين يقول صوت الراوية والأخت الصغيرة لشخصية بيل في الفيلم: “إن الناس يحبون بعضهم بعضاً ثم ينسون لماذا”، يكشف جوهر المأساة الإنسانية. فهل الجنة مكان نبلغه أم لحظة تتبدد بمجرد أن نحاول امتلاكها؟ ذاك هو فلسفة الفيلم.

    نيران نار الحب والندم

    يشكل فيلم Days of Heaven / “أيام الجنة” (1978/94 دقيقة)، للمخرج الأمريكي تيرنس ماليك، علامة فارقة في تاريخ السينما الأمريكية الحديثة، ويُعد أحد أكثر الأعمال شاعرية وغموضاً في تجربة تيرنس ماليك. ومنذ مشاهده الأولى، لا يقدم الفيلم نفسه بوصفه حكاية تقليدية عن الحب والخداع والغيرة، بل بوصفه مرثية بصرية عن البراءة المفقودة، وعن الحلم الأمريكي حين يتحول إلى وهم ذهبي يلمع في الأفق ثم يتبدد مثل سنابل القمح تحت ريح لا تُرى.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وتدور القصة حول بيل (ريتشارد جير) وآبي عشيقته (برووك أدامز) وأخته الصغيرة ليندا (ليندا مانس) الذين يغادرون شيكاغو الصناعية هرباً من الفقر والعنف والسرقة، ويتجهون إلى حقول تكساس للعمل في مزرعة قمح يملكها مزارع شاب يحتضر (سام شيبارد). ويتظاهر بيل بأن آبي أخته حتى لا يثير الشبهات، ثم يشجعها على الزواج من المزارع طمعاً في إرثه. وتنقلب الخطة الباردة إلى مأساة حين يتداخل الحب الحقيقي بالغيرة والشك، فيتحول الحقل المفتوح إلى فضاء خانق تغمره النار والدم.

    ولا يكمن عمق الفيلم في هذه الحبكة البسيطة، وإنما في الطريقة التي يُعاد بها تشكيل العالم عبر الصورة والصوت. ولا يصنع ماليك فيلماً عن الخيانة بقدر ما يصنع تأملاً في هشاشة الإنسان أمام الزمن والطبيعة والموت. ولا تمثل الحقول الشاسعة مجرد خلفية، فهي كيان حي يراقب الشخصيات ويحتضنها ثم يبتلعها. ويمنح الضوء الذهبي عند الغروب، الذي صوّره مدير التصوير نستور ألمندروس، المشاهد إحساساً بأننا أمام لوحة متحركة تستعيد روح الرسم الانطباعي، حيث اللحظة العابرة أهم من الحدث نفسه.

    وثقافياً وفكرياً، ينتمي الفيلم إلى تقاليد أدبية أمريكية عميقة تستحضر كتابات هنري ديفيد ثورو ووالت ويتمان، حيث الطبيعة مرآة للروح ومختبر للحرية. كما يتقاطع مع إرث الرواية الواقعية التي تفكك أسطورة الحلم الأمريكي وتكشف طبقاته القاسية. وفي فيلم “أيام الجنة”، لا تظهر الصناعة إلا كذكرى خانقة في بداية الفيلم، أما الحقول فتوحي بإمكانية الخلاص، غير أن هذا الخلاص يتبدد لأن الإنسان يحمل معه بذور سقوطه أينما ذهب.

    ويتنفس الفيلم، فلسفياً، من أسئلة الوجود والبراءة الأولى. فصوت ليندا الطفولي الذي يرافق الأحداث يشكل هوية خطابية خاصة. وتعليقها العفوي لا يشرح الوقائع، بل يفتحها على غموض شاعري. ومنح مهمة الراوي للطفلة ليندا، بعفويتها البسيطة، يختصر رؤية ماليك للعلاقات الإنسانية بوصفها بحثاً دائماً عن معنى يتعذر الإمساك به. ولا يمثل الصوت هنا أداة تفسير، وإنما تيار وعي يضفي على الصورة بعداً تأملياً، ويحررها من تبعات السرد الخطي.

    نيران الهشاشة الطبقية

    تقوم هوية الفيلم على الاقتصاد المتقشف في الحوار، وعلى ترك مساحات واسعة للصمت. والصمت في سينما ماليك ليس فراغاً، فهو نوع من الامتلاء الداخلي. وتنساب الكاميرا بين الأعشاب، وتلاحق حركة الريح والوجوه الشاردة، وبذلك يتحول الزمن إلى بطل خفي. ونحن لا نشاهد تسلسلاً درامياً متسارعاً، وإنما إيقاعاً بطيئاً يتيح للمتلقي أن يتأمل وأن يشعر بثقل اللحظة. وتجعل هذه الخصوصية فيلم “أيام الجنة” قريباً من الروح التي سيعمقها ماليك لاحقاً في فيلم “الخط الأحمر الرفيع” (1998)، حيث يقول أحد الجنود بصوت داخلي: “ما هذا الشر الذي يسكن الطبيعة، ومن أين جاء؟”، وهو السؤال ذاته الذي يلوح في “أيام الجنة”، ولكن بصيغة أكثر هدوءاً وأقل مباشرة.

    وترتبط جماليات الفيلم باختياره زمن القصة في مطلع القرن العشرين، وبالضبط في سياق أمريكا الزراعية قبيل الحرب العالمية الأولى. ويعكس الفيلم تحولات اجتماعية مرتبطة بالفقر والهجرة والعمل الموسمي، كما يلامس فكرة الحلم الأمريكي وهشاشته الطبقية. وهذا التحديد الزمني يمنح العمل مسافة تاريخية تسمح بتأمل نشأة الرأسمالية الزراعية وتحولات المجتمع الأمريكي. والمزارع الثري الذي يعيش وحيداً في بيت كبير وسط الحقول، يمثل طبقة تملك الأرض لكنها تفتقد الطمأنينة. فالمال لا ينقذه من المرض ولا من الشك فيمن حوله. وهكذا ينقلب الوعد بالجنة إلى عزلة قاسية. ويترك المخرج هذا المزارع بلا اسم، في رمزية لطبقة كاملة.

    ويعتمد الفيلم في بنيته السردية على الحذف والاختزال. فلا نعرف تفاصيل كثيرة عن ماضي الشخصيات، ولا نتابع كل مراحل تطور العلاقة. ما يهم هو اللحظات الكثيفة التي تتجمع مثل ومضات، حين تشتعل النيران في الحقول، نشعر بأن الطبيعة نفسها تثور ضد الطمع البشري. ولا تُعتبر النار حدثاً عرضياً، فهي ذروة رمزية تعلن نهاية الوهم. وبعد ذلك، تتفكك العلاقات ويهرب العشاق ويُقتل بيل في مشهد سريع يفتقر إلى الميلودراما. إنه موت عابر، لكنه حاسم، كما لو أنه جزء من دورة طبيعية لا تتوقف.

    البسيط وأثر المقدس

    تكتسب تجربة فيلم “أيام الجنة” معناها الكامل حين توضع ضمن مسار ماليك السينمائي بشكل موسع. ففي فيلم “الأراضي القاحلة” (1973)، كان المخرج قد رسم صورة لعاشقين هاربين في فضاء أمريكي مفتوح، حيث العنف يتجاور مع البراءة. وفي فيلم “شجرة الحياة” (2011)، سيبلغ تأمله الكوني ذروته حين يطرح سؤال النعمة والطبيعة، ويقول بصوت داخلي: “أين كنت حين أسست الأرض؟”. ويكشف هذا الامتداد أن فيلم “أيام الجنة” ليس عملاً معزولاً، وإنما حلقة في مشروع فلسفي يبحث عن مكان الإنسان بين الأرض والسماء.

    ويمكن قراءة الفيلم بوصفه نقداً للتمثلات الكلاسيكية في السينما الهوليوودية. إنه ينتمي إلى موجة السينما الأمريكية الجديدة التي سعت إلى تحطيم القوالب السردية التقليدية، وإعادة الاعتبار للصورة بوصفها لغة قائمة بذاتها. وقد استخدم المخرج الضوء الطبيعي والتصوير في ساعة الغروب، الذي يخلق إحساساً بأن الزمن يميل دائماً نحو الأفول، وحتى لحظات الفرح تبدو مهددة. فالجنة التي يعد بها العنوان ليست مكاناً مستقراً، وإنما حالة مؤقتة سرعان ما تتبدد.

    وعلى مستوى الأداء، يمنح الممثلون الشخصيات بساطة بعيدة عن الاستعراض. ولا يمثل بيل بطلاً مأساوياً كلاسيكياً، فهو شاب محدود الأفق تحركه الرغبة في النجاة. وشخصية آبي امرأة ممزقة بين الطمع والحب. أما المزارع، فشخصية تثير التعاطف رغم ضعفه. وهذا التوازن الأخلاقي يمنع الفيلم من السقوط في ثنائية الخير والشر، ويعزز رؤيته الإنسانية التي ترى الجميع ضحايا هشاشتهم.

    وتقوم اللغة البصرية للمخرج تيرنس ماليك على الجمع بين العلو والانغماس. فهناك لقطات السماء الواسعة، تقابلها تفاصيل دقيقة لوجوه متأملة. وهذا التوتر بين الكلي والجزئي يعكس خلفيته الفلسفية، وتأثره بالفكر الوجودي، حيث السؤال عن المعنى يتجاوز حدود الفرد ليطال الكون بأسره. وفي فيلم “أيام الجنة”، لا نجد خطباً مباشرة عن الله أو المصير، لكن الإحساس بالرهبة حاضر في كل إطار، كما لو أن الكاميرا تبحث عن أثر المقدس في أبسط الأشياء.

    ويبقى الفيلم، بعد عقود من صدوره (1978)، عملاً مفتوحاً على القراءة والتأويل. ويمكن قراءته بوصفه قصة حب فاشلة، أو نقداً للحلم الأمريكي، أو تأملاً في الطبيعة، أو قصيدة عن الزمن. وتكمن قوته في هذه القدرة على الجمع بين البساطة والعمق. وحين تغادر ليندا الحقول في النهاية، وتواصل رحلتها نحو أفق جديد، نشعر بأن الحياة تستمر رغم الخسارة. فقد تضيع الجنة، لكن البحث عنها لا يتوقف. وهكذا يضعنا ماليك أمام سؤال دائم: كيف يمكن للإنسان أن يحيا ببراءة في عالم تحكمه الرغبة والخوف؟ إن فيلم “أيام الجنة” لا يقدّم جواباً نهائياً، وإنما يتركنا في حضرة صورة مضاءة بضوء الغروب، حيث الجمال والألم يتعانقان بروح السنابل وفي صمت طويل.

    ثمن الخداع ولعنة الطمع

    تبلغ شاعرية “أيام الجنة” ذروتها في مشاهده الجمالية التي تحولت إلى ذاكرة بصرية خالدة في تاريخ السينما. والمشهد الذي تمشي فيه الشخصيات وسط حقول القمح عند الغروب لا يبدو مجرد انتقال مكاني، بل هو طقس عبور داخلي، حيث الضوء الذهبي يلامس الوجوه، ويمنح الإحساس بأن الزمن يتباطأ كي يكشف هشاشة اللحظة. وفي تلك اللقطات الطويلة حيث تتمايل السنابل مع الريح، نشعر بأن الطبيعة ليست خلفية صامتة، بل هي ذات تشارك في صناعة المصير. وتكمن الفكرة هنا في العلاقة بين الإنسان والأرض. هل نحن ضيوف عابرون، أم كائنات تتوهم السيطرة على ما لا يُمتلك؟

    ومن أكثر المشاهد رسوخاً، لحظة اشتعال الحقول، حيث تلتهم النار القمح كما لو أنها عقاب كوني، أو انفجار مكبوت للرغبة والطمع. وتتحول الصورة إلى جحيم مضاء بلون برتقالي كثيف، بينما يركض العمال في فوضى شبه صامتة. ولا يقدم المشهد خطاباً مباشراً عن العدالة أو الذنب، لكنه يفتح سؤالاً عن ثمن الخداع. ولا تُعتبر النار مجرد حادث عرضي، فهي استعارة لانهيار الحلم. وتتحول الجنة التي وعد بها العنوان في لحظة إلى رماد. وهذه المفارقة البصرية تمنح الفيلم بعده التراجيدي دون أن يسقط في الميلودراما.

    ويختصر مشهد البيت الخشبي المعزول وسط السهل عزلة الشخصيات، حيث البناء صغير أمام الامتداد الشاسع للسماء. وغالباً ما تضعه الكاميرا في أطراف الكادر، كأنه نقطة هشة في كون لا مبال. وهنا تتجلى خلفية تيرنس ماليك الفلسفية، حيث الإنسان كائن محدود يفتش عن معنى في فضاء لا نهائي. ويوازي الصمت داخل البيت صمت الطبيعة في الخارج. فكل حركة تبدو محاطة بإحساس خفي بالزوال.

    وتلتقط اللقطات وجوه الشخصيات في تأمل صامت، تشكل بعداً آخر من جماليات الفيلم. فشخصية آبي وهي تنظر من النافذة إلى الحقول تبدو معلقة بين خيارين. وشخصية بيل وهو يراقبها بعين قلقة يكشف صراعاً داخلياً بين الحب والمصلحة. ولا تحتاج هذه النظرات إلى حوار طويل. وتكفي الصورة وحدها لتوصيل القلق. والفكرة هنا نفسية وأخلاقية في آن واحد: كيف يتحول السعي إلى حياة أفضل إلى بذرة خيانة؟ وكيف يتسلل الشك إلى قلب علاقة قامت أصلاً على التمثيل؟

    ويضفي صوت ليندا الطفولي الذي يرافق بعض هذه المشاهد مسافة شعرية، حين تتحدث عن الناس الذين يحبون بعضهم ثم يرحلون. وتبدو كأنها شاهدة بريئة على مأساة أكبر من فهمها. وهذا التباين بين البراءة والحدث العنيف يعمق أثر الصورة. ولا تُعتبر الطفولة في الفيلم ملاذاً آمناً، فهي مرآة تكشف عبث الكبار.

    ويحمل المشهد الذي يسير فيه العشاق ليلاً تحت سماء مضاءة بالنجوم طابعاً حلمياً. فالظلال الناعمة والهواء الهادئ يخلقان إحساساً بأن العالم يمكن أن يكون جميلاً وبسيطاً، غير أن هذا الصفاء مؤقت. فسرعان ما يعود التوتر، ويطل المرض والغيرة. وهكذا يبني الفيلم جدلية بين الصفاء والتهديد، وبين الضوء والظلمة. وهذه الثنائية ستتكرر لاحقاً في فيلم “الخط الأحمر الرفيع”، حين تتحول الطبيعة الجميلة إلى مسرح حرب دامية، ويُطرح السؤال عن الشر الكامن في قلب العالم. كما ستبلغ بعداً كونياً في فيلم “شجرة الحياة”، حين يتجاور خلق الكون مع مأساة عائلة صغيرة.

    وتتجسد القضايا الكبرى في فيلم “أيام الجنة” عبر تفاصيل بسيطة: يد تلامس سنبلة، ونظرة عابرة، وظل يمتد على جدار. وتحمل هذه العناصر الصغيرة ثقلاً وجودياً. ويرفض الفيلم التفسير المباشر، ويترك المتلقي في مواجهة الصورة، لذلك تظل مشاهده الجمالية مفتوحة على قراءات متعددة. ويمكن أن نراها قصيدة عن الفقدان، أو نقداً للحلم الأمريكي، أو تأملاً في علاقة الإنسان بالطبيعة.

    ولا تنبع قوة هذه المشاهد فقط من جمالها البصري، وإنما من قدرتها على تحويل الحدث العادي إلى تجربة تأملية. ولا تُعتبر النار مجرد احتراق قمح، بل هي احتراق وهم. ولا يمثل الغروب نهاية يوم، وإنما علامة على أفول براءة. ولا يمثل البيت المعزول مسكناً، بقدر ما يمثل استعارة لعزلة الروح. وبهذه اللغة الهادئة والمكثفة، يرسخ الفيلم مكانته كعمل يدهش العين ويوقظ الفكر في آن واحد.

    خلف وعود الحب

    لا يتجسد البطل في فيلم “أيام الجنة” في شخصية واحدة مكتملة الملامح، وإنما يتوزع على كائنات هاربة تبحث عن ملاذ في أرض تبدو بلا حدود. ولا يمكن اعتبار شخصية بيل بطلاً تقليدياً، فهو شاب مسحوق تدفعه قسوة المدينة والفقر إلى اختراع حيلة للبقاء. إنه يمثل الإنسان الحديث حين يختزل الحلم في فرصة مادية سريعة، حين يهمس لآبي بأن زواجها من المزارع لن يدوم طويلاً، وأنهما سيعيشان بعدها أحراراً. ويكشف منطقه النفعي الذي يتخفى خلف وعد بالحب. وهذه البراغماتية الهشة سرعان ما تتصدع أمام تعقيدات العاطفة.

    ولا تتأسس شخصية آبي، بدورها، كضحية خالصة ولا متآمرة كاملة. إنها امرأة تتأرجح بين رغبة في الأمان ونداء داخلي للحب. وفي إحدى لحظات التوتر، تقول بصوت مكسور إنها لم تطلب أن تصبح جزءاً من لعبة لا تفهم نهايتها. وتختصر عبارتها البعد النفسي للشخصية، حيث يتحول التظاهر إلى عبء أخلاقي. ويمثل المزارع المريض وجهاً آخر للبطولة المنكسرة. لا تمنحه ثروته سلطة حقيقية على قلب من يحب، حين يصرح بهدوء بأنه “لا يريد أن يكون وحيداً بعد الآن”، ويكشف هشاشة إنسان يبحث عن دفء في عالم بارد.

    ولا يؤسس المكان في الفيلم مجرد خلفية طبيعية، بل هو بطل مواز. وتتحول الحقول الشاسعة التي صورها تيرنس ماليك إلى فضاء رمزي مفتوح على التأويل. إنها تعد بالخصب والوفرة، لكنها تخفي في عمقها احتمالاً دائماً للفقدان. وتوحي السنابل الذهبية بالجنة، لكن الريح التي تعصف بها تذكر بأن الاستقرار وهم عابر. ويحمل المكان هنا بعداً اجتماعياً واضحاً. فنحن أمام مجتمع زراعي في مطلع القرن العشرين، حيث تتشكل علاقات العمل على أساس الملكية والهيمنة. ويتحرك العمال الموسميون مثل قافلة تبحث عن رزق مؤقت، فلا جذور لهم في الأرض التي يفلحونها. ويعكس هذا الانفصال وضعاً طبقياً هشّاً، حيث الحلم الأمريكي لا يتاح للجميع بالقدر نفسه.

    لحظات الهشاشة والانسجام المؤقت

    يتجلى البعد الاجتماعي في فيلم “أيام الجنة” في فكرة التنقل الدائم. فالشخصيات تهرب من المدينة الصناعية إلى الريف، ظناً بأن الطبيعة أكثر رحمة، غير أن الطبيعة لا تمنح خلاصاً أخلاقياً. إنها محايدة أمام رغبات البشر. وبهذا المعنى، يطرح الفيلم سؤالاً عن العدالة. هل المكان قادر على تطهير من يسكنه، أم أن الإنسان يحمل صراعاته معه أينما ذهب؟ وتبدو النار التي تلتهم الحقول كأنها رد رمزي على اختلال التوازن بين الطمع والبراءة.

    وعلى المستوى النفسي، يعيش الأبطال حالة قلق مستمر. ويخشى بيل انكشاف خطته. وشخصية آبي تمزقها مشاعر متناقضة. والمزارع يتآكله الشك. وهذا التوتر الصامت يتجسد في نظرات طويلة وفي مسافات جسدية بين الشخصيات. حين تقول ليندا بصوتها الطفولي “إن الناس يحبون بعضهم بعضاً ثم ينسون السبب”، تبدو كأنها تلخص المأساة كلها. ويمنح صوتها الطفولي داخل الفيلم بعداً تأملياً، ويكشف أن العالم أكبر من حيل الكبار.

    ورمزياً، يمكن قراءة القصة كحكاية عن السقوط من براءة مفترضة. ويوحي العنوان بجنة أرضية، لكن الأحداث تكشف أن الجنة ليست مكاناً، بل هي لحظة هشة من انسجام مؤقت. وحين يشتعل الحقل ويتحول الضوء الذهبي إلى وهج أحمر، يتجسد الانتقال من الحلم إلى الكارثة. وتظهر النار، لكنها تدمر كل شيء وتكشف المستور. إنها صورة مكثفة لعلاقة الإنسان برغباته.

    وفي المشهد الأخير، حين تواصل ليندا رحلتها مع صديقة جديدة وتقول إن الحياة تمضي مهما حدث، يطل أفق مفتوح. ولا تقدم النهاية عقاباً صارماً ولا خلاصاً مطلقاً. إنها تعترف باستمرار الدورة الإنسانية. والبطل الحقيقي ربما هو الزمن الذي يمر دون اكتراث. يتغير المكان وتختفي الوجوه، لكن الريح تظل تعبر الحقول. وبهذه الرؤية الشفافة، يجعل الفيلم من الحكاية البسيطة تأملاً عميقاً في الإنسان والمجتمع والرمز، ويتركنا أمام سؤال مفتوح عن معنى البراءة في عالم تحكمه الحاجة والخوف.

    ختاماً

    في فيلم “أيام الجنة”، لا تنتهي الحكاية عند احتراق الحقول أو سقوط العشاق، وإنما تبدأ أسئلة أعمق عن معنى البراءة حين تصطدم بالرغبة، وعن الحلم حين يتآكل من الداخل. ويكشف الفيلم أن الجنة ليست مكاناً نصل إليه، بقدر ما هي وهج لحظة عابرة لا يمكن امتلاكها. وتظل الطبيعة شاهدة صامتة على ضعف الإنسان، وعلى توقه الدائم إلى الخلاص. وكما يهمس الصوت في فيلم “الخط الأحمر الرفيع”: “ما هذا الشر، وأين جذره؟”، فإن السؤال يبقى مفتوحاً في قلب الصورة، وقلب سؤال السينما، حيث الجمال والألم يتجاوران في صمت طويل.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • وفاة رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق ليونيل جوسبان عن 88 عاما

    الصحيفة – وكالات

    توفي ليونيل جوسبان، رئيس الوزراء الاشتراكي الفرنسي الأسبق، عن عمر ناهز 88 عاما، حسبما أعلنت عائلته، اليوم الاثنين.

    ويعد جوسبان، الذي شغل منصب رئيس الحكومة خلال فترة التعايش السياسي بين عامي 1997 و2002، من أبرز الشخصيات السياسية في تاريخ فرنسا الحديث، وكان له تأثير عميق على الحزب الاشتراكي والسياسة الفرنسية بشكل عام.

    انضم جوسبان إلى الحزب الاشتراكي في نهاية عام 1971، وسرعان ما تسلق سلالم القيادة في الحزب حتى انضم إلى اللجنة التنفيذية عام 1973، وعين سكرتيرا وطنيا للحزب، وكان مقربا من فرانسوا ميتران، زعيم الحزب.

    كما أصبح عضوا في المجلس البلدي…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • فكر مالك بن نبي


    عزيز بعزي
    جوانب من الرؤية الإصلاحية في فكر مالك بن نبي

    لحياة المفكر الجزائري مالك بن نبي ( 1905- 1973م) صلاحية التعبيرعن فكره، وفي الوقت نفسه ففكره فيه صلاحية للتعبير عن حياته، وكل واحد منهما بالضرورة هو شهادة لصحة الآخر، وإذا كان فكره ولد من تجربته، فمن بِنْيَةِ أَسَّس لها خرجت أعماله. وكل منهما أعني بذلك الفكر والعمل يترابطان أداء، ولا يساورنا شك في كونهما متداخلان متشابكان حتى إنه لا يفصل بينهما سوى خط وصل بينهما في معنى واحد.

    بامتحان بصيرته لمعرفة قدرتها على استيعاب حقائق عصره الخاص، تمتحن قيمة المفكر، وهي الوسيلة الوحيدة لمعرفة ما إذا كان مالك بن نبي مجرد مهندس ذكي للمناهج والأفكار أم أنه الروح الصادقة لعصره المعبرة عن نفسها بإنجازاته وبديهيته ووجدانه؛ ولن يصبح المفكر عاملا على خدمة أمته ما لم يتسلح بالقدرة على فهم الواقع بعيدا عن التضحية بالحقيقة في مجال البحث العلمي بغية إرضاء العواطف الذاتية لأفراد مجتمعه – حتى لو كانت العواطف مشروعة – ولا يمثل هذا النهج الطريق الأفضل لدخول حلبة التاريخ، بل قد يكون هو الطريق الأفضل لتأجيل الحل عمليا، وبما أن الأمورعلى هذا النحو، فالتوصل إلى خطاب عربي وإسلامي ذكي ومرن ومنفتح، أي قابل للمراجعة الإبستمولوجية، كما أكد المفكر السوري هاشم صالح، عملية ليست سهلة على الإطلاق ضمن الظروف التي نعيشها، بحكم أن الضغوط الداخلية والخارجية تحول دون انبثاقه وترسخه في الساحة العربية- الإسلامية، ومع ذلك فالحاجة إليه قد أصبحت ماسة ضمن هذه الظروف بالذات.

    ***
    بعيدا عن النزعة الذرية وافتقاد الرؤية الإصلاحية للبعد التركيبي للمشكلة الحضارية، تسلح بن نبي برؤية نقدية وتحليلية، استوعب من خلالها معظم علوم عصره وحيثيات واقعه، وقد تبدى ذلك بجلاء في صياغاته الفكرية والمنهجية. ومنذ مطلع شبابه انكب على دراسة مشكلات بلاده الجزائر دون فصلها عن المشكلات السائدة في سائر البلدان المتخلفة، وفي خمسينات وستينات القرن المنصرم؛ حيث أصبحت معظم الدول العربية والإسلامية مستقلة عن الحكم الأجنبي الغشيم، عُرف بأفكاره الداعية للتحرر الفكري، ولذا عده المؤرخ والمفكر اللبناني “وجيه كوثراني” حلقة وسيطة بين “النهضة” الإسلامية الإصلاحية الأولى “زمن محمد عبده” وبين ما كان يمكن أن تؤديه هذه الإصلاحية في زمن مالك بن نبي وما بعده.

    لكن اللاحقين الإسلاميين منهم والقوميين لم يتواصلوا معه لا في دعوتهم القومية ولا في إسلامهم السياسي، لذا بدت كتاباته نشازا في الحقل الإسلامي، في مقابل التعبئة السياسية السائدة وقتذاك كشكل من أشكال ” النهوض الإسلامي”. وقد خلص في نهاية المطاف إلى أن المشروع النهضوي له إيقاعه الحضاري البطيء، وزمنه الثقافي الذي يتجاوز المعطى السياسي الآني. وحسب حسن حنفي فمالك بن نبي يشكل – بالنسبة لجيله -” مفكرا إسلاميا تقدميا إصلاحيا”، وينبهنا في ثنايا كتاباته إلى أصول الحركة الإصلاحية ومصادرها الأولى عند الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي ومحمد إقبال، كما يشير إلى حركات الإصلاح التي ينتسب إليها. وبأسئلة النهضة وما يتعلق بأجوبة الرموز النهضويين الذين سبقوه إلى طرحها ظل بن نبي محاصرا بشكل جلي، وعلى الرغم من أن المجتمع اليقيني المهزوم يضيع فيه التراكم وتبادل الرأي والحوار، فقد راهن كمثقف على التراكم المعرفي في ما يعنيه من حركة وحوار ونقد، فهو إذاً لم يكن – كما خلص المفكر السوري جودت سعيد – ” مفسرا للقرآن ولا فقيها يصدر الفتاوى، ولكن كان مفكرا يأمرنا أن نتأمل الأحداث”، ومن جهوده الفكرية يبتغي البحث عن التغيير في عصره الذي عرف اتجاهات تغييرية وحركات فكرية، وإيديولوجية سياسية واجتماعية، حاولت إدخال جملة من الأحكام والمفاهيم الجديدة مثل النهضة، اليقظة، الإصلاح، التحرك، الثورة، التطور، النمو، التقدم وغيرها من المفردات التي شاعت لدى رواد الفكر والسياسة والإصلاح، وفي القرنين التاسع عشر والعشرين، بزغت اتجاهات فكرية كالاتجاه الإصلاحي التوفيقي والاتجاه الليبرالي والاتجاه الماركسي، ويمكن أن ندمج هنا منطلقات وتصورات مالك بن نبي في الاتجاه الإسلامي لما بذله من جهد مضني بغية أن يضع تفسيرا لأمراض العالم الإسلامي عامة والجزائر خاصة، محددا زوايا التغيير الاجتماعي الذي سيستهدف إقامة الحضارة، مادامت مشكلة الإنسان بالنسبة إليه هي مشكلة الحضارة.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    ***
    ولتحقيق مسعاه هذا، أعار أهمية كبرى في دعواته الإصلاحية لما يسمى بالثورة، ولها معنى خاص في تصوره، فهو يقصد بها الثورة على القديم وعلى القيم البالية، وكذلك الثورة على الأفكار التي تقف في طريق النهضة والتقدم، وهو يؤمن أيضا بأن الثورة تعني الثورة السياسية والمسلحة، فقد آمن بالثورة التي خاضها الجزائريون ضد المستعمر الفرنسي. وفي سياق متصل بذلك، فَكّر بن نبي في فعل الثورة والشروط التي تقود إلى نجاحها على جميع المستويات، فالثورة في تقديره ” لا ترتجل إنها اطراد طويل يحتوي ما قبل الثورة، والثورة نفسها وما بعدها، والمراحل الثلاث هذه لا تجتمع فيه بمجرد إضافة زمنية، بل تمثل فيه نموا عضويا وتطورا تاريخيا مستمرا، وإذا حدث أي خلل في هذا النمو وفي هذا التطور فقد تكون النتيجة زهيدة تخيب الآمال”. وتلك المراحل الثلاثة ليست متروكة لصدفة التاريخ، بل بالعكس فإرادة الإنسان وعقله تتدخل فيه من أجل أن تثمر وتعطي النتائج المرجوة منها، وتبلغ هدفها في التغيير.

    ***

    حقيقة، لم يقرأ المنجز الفكري لبن نبي ودعواته بالشكل المطلوب، مما يتيح لنا مشروعية البحث عن الأسباب التي كانت وراء ذلك، وهي بالذات أسباب ذاتية وأخرى موضوعية.

    في الغالب ينصب التركيز على الأسباب الموضوعية دون الإشارة إلى العوامل الذاتية، ربما لكونها تتعلق بنخبوية الفكر والتعامل مع الأدب الصعب الذي يعطي القيمة للدلالات العقلية وإن كان على حساب الوضوح والبيان، وهذا الأثر اكتسبه بن نبي من الأدب والثقافة الفرنسية، وبالتحديد من أحد المكونات الأساسية في الفكر الفرنسي، وهو الفكر الديكارتي، هذا دون أن نغفل بعض الإشكالات الفنية والأدبية الناتجة من ترجمة مؤلفاته.

    بالطبع، لم يتحول فكر مالك بن نبي إلى مؤسسة؛ ففي حياته لم يؤسس حركة أو مؤسسة ترتكز على نظريته الثقافية، وتواصل القراءة في تراثه وتحريره، والحق أن هذه النقطة بالذات تأتي على رأس الأسباب الموضوعية التي حالت دون قراءة أفكاره، وبطبيعة الحال، فإنه ليس هو الوحيد من المفكرين الإسلاميين الذي لم يقرأ فثمة الكثير الذين يشملهم هذا الموقف.

    لكن ما يثير العجب إذا دققنا النظر في واقع المنجز الفكري لمالك بن نبي اليوم أن الاهتمام به بدأ يتحسن، إن لم نقل يتصاعد نسبيا، متفارقا كليا عن الحقب الثلاث السابقة – أقصد بها الستينات والسبعينات والثمانينات – ومتميزا عنها، وخلال العقدين الآخرين من القرن الحادي والعشرين تغير الوضع كليا، حيث شهدنا طفرة كبيرة ظلت متصاعدة على مستوى الكتابات والدراسات والأطروحات المنشورة عن فكره، ولذا يظهر أن هذه طفرة قلبت صورة التصور السلبي السابق.

    بذلك دخل فكر بن نبي في طور فكري جديد، يمكن أن يؤرخ له بوصفه الطور الذهبي، وأصبح مقروءا ومتابعا ومستكشفا، ومتفوقا من هذه الجهة على كثيرين علماء ومفكرين سابقين له ولاحقين؛ حيث باتت أفكاره ونظرياته حاضرة في الدرس الجامعي، ومتداولة في الحقل الأكاديمي، ونشطة في البحث الفكري، ولم تعد مهجورة أو مهملة. كما أن كثيرا من الدراسات الاقتصادية والفكرية في العالم الإسلامي بدأت تعود أدراجها إلى منطلقات منظومته الفكرية المهمة بعد أن تخلفت عنها خمسين عاما.

    ***
    كل هذا يدعونا صراحة إلى التأكيد على أن القراءة الجديدة للمنظومة الفكرية لمالك بن نبي تحتمها في الحقيقة اعتبارات عدة نجملها في ما يلي: – أولها أن مالك بن نبي، في فهمه وتمثله للثقافة الإسلامية في أبعادها الإنسانية والعالمية، لم ترق لا لمثقفي التيار القومي ولا لمثقفي التيار الإسلامي آنذاك، فبقيت محاصرة، أوعلى هامش الفعل السياسي. ثانيهما أن مالك بن نبي لم يقرأ جيدا وبموضوعية، لا في زمن فكره – يقصد بذلك زمن ثورات العالم الثالث القومية والوطنية – ولا في الزمن اللاحق – أي زمن الثورة الإسلامية والصحوات الإسلامية الجديدة -.

    ثالثهما أن مالك بن نبي، يمثل ثقافة عالمية توليفية متمحورة حول الإسلام وصادرة عن عملية استقراء تام للقرآن الكريم. وفي ضوء تراكم معرفي شمولي ورصد اجتماعي للواقع، فبن نبي يملك عبر هذه الخاصية فرادة يمتاز بها عن غيره في تاريخ التجربة الفكرية التي عاشها المسلمون في نهضتهم. وقد كانت منطلقاته هي هذا العالم بما رحب من علاقات بين الشرق والغرب، ومن منظومات قيم حضارية وامتدادات في التاريخ والثقافة والوعي الإنساني، انعكس على عناوين وصفحات كتبه ومقالاته، فمن “وجهة العالم الإسلامي” إلى “شروط النهضة” و”ميلاد مجتمع شبكة العلاقات الاجتماعية” و”مشكلة الثقافة” إلى “الفكرة الإفريقية – الأسيوية” و”المسلم في عالم الاقتصاد” و”الصراع في البلاد المستعمرة” إلى تدوين تجربته التي ضمها في كتاب “مذكرات شاهد للقرن” شكل مالك بن نبي رحلة فكرية ضجت بجدل أفرزته الوقائع السائدة في هذا العالم المنقسم عمليا إلى مستعْمِر ومستعْمَر ما أدخله في ضرورات منهجية، لتحديد طرفي المشكلة المعاصرة الكبرى، بغية البحث عن مخارج معقولة، بعيدا عن الخناقات الفكرية، ويظهر أنه لم ينقلب على صبغته الإسلامية من أجل أن يمتد نظره إلى واقع الفكر العالمي، كما أن العكس لم يحصل.

    بالنظر إلى النزعة التجريدية التي نراها في أكثر الصياغات الفكرية الإسلامية، فإنها لم تكن قادرة على حجب مالك بن نبي صراحة عن الدخول في بحث وقائع حية ومعاشة في العالم الإسلامي، ومنها على سبيل المثال قضايا تتعلق بشؤون التعليم، التربية، التنمية والبيئة… وقد صاغ بن نبي اجتهاداته الفكرية متمسكا بما يسميه ” الذاتية الإسلامية” التي تحتم بشكل عام على مسلم القرن العشرين استحضار المقومات العقيدية والفكرية التي صاغت وبلورت التجربة الإسلامية في التاريخ، عكس بعض الرؤى الفكرية الداعية إلى التمسك بالفكر الغربي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الأرجنتين ترفع السرية عن أرشيف الاستخبارات حول فترة الدكتاتورية

    الصحيفة – وكالات

    أطلقت الحكومة الأرجنتينية عملية لرفع السرية عن وثائق استخباراتية تغطي الفترة ما بين 1973 و1983، مما يمثل مبادرة غير مسبوقة في مجال الشفافية بشأن السنوات التي سبقت وخلال الدكتاتورية العسكرية الأخيرة.

    ويندرج هذا الإجراء، الذي يأتي قبل أيام قليلة من الذكرى الخمسين لانقلاب 24 مارس 1976، في إطار إرادة معلنة لـ « توفير معلومات ذات صلة » في سياق « تحجب فيه المعلومات المضللة والتفسيرات الخاطئة فهم الماضي القريب »، وفقا لبيان صادر عن كتابة الدولة في الاستخبارات.

    وفي مرحلة أولى تم نشر 26 وثيقة تضم ما مجموعه 492 صفحة للعموم، تشمل قرارات وتقارير ومذكرات إدارية…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • فيلم “معركة تلو الأخرى” لبول توماس أندرسون يتصدر جوائز الأوسكار لعام 2026

    هيمن فيلم (معركة تلو الأخرى) على حفل توزيع جوائز الأوسكار الثامن والتسعين بعدما حصد ست جوائز أبرزها أفضل فيلم وأفضل مخرج لبول توماس أندرسون، متقدما على فيلم (سينرز) الذي نال أربع جوائز بينها أفضل ممثل لمايكل بي. جوردان، بينما حصد فيلم (فرانكنستاين) ثلاث جوائز في الفئات التقنية، في حين فازت جيسي باكلي بجائزة أفضل ممثلة عن فيلم (هامنت).

    وإضافة إلى جائزتي أفضل فيلم والإخراج، نال فيلم (معركة تلو الأخرى) أيضا جوائز أفضل ممثل مساعد لشون بن، وأفضل سيناريو مقتبس، وأفضل توزيع أدوار (كاستينج)، إضافة إلى أفضل مونتاج.
    وقال أندرسون وسط ضحكات الحضور أثناء تسلمه جائزة أفضل مخرج “يبذل المرء جهدا كبيرا للفوز بواحدة من هذه الجوائز”. كما صرّح بعد تسلمه جائزة أفضل سيناريو مقتبس “كتبتُ هذا الفيلم لأبنائي لأعتذر لهم عن الفوضى التي أوجدناها في هذا العالم الذي نسلمه لهم”، لكن “مع التشجيع أيضا على أن يكونوا الجيل الذي نأمل أن يجلب لنا بعضا من المنطق السليم والنزاهة”.

    يروي فيلم “وان باتل أفتر أناذر” قصة ثائر سابق يؤدي دوره ليوناردو دي كابريو، يُضطر لاستئناف نشاطه عندما يتعرض للاستهداف مع ابنته من جانب ضابط عسكري فاسد يؤدي دوره شون بن الذي فاز بجائزة أفضل ممثل بدور ثانوي، ما يجره إلى مواجهة خطيرة تتطور إلى صراع سياسي أكبر. كما فاز الفيلم بجائزة أفضل مونتاج وبالجائزة الافتتاحية في الأمسية لأفضل طاقم ممثلين.

    ويُعدّ أندرسون أحد أهم مخرجي السينما الأمريكية المعاصرة، لكنه لم يفز بجائزة أوسكار قبل الأحد، رغم ترشيحه 11 مرة سابقا عن أفلام لاقت استحسانا كبيرا، من بينها “ذير ويل بي بلاد” و”بوغي نايتس”.

    وفاز فيلم (سينرز) بجوائز أفضل سيناريو أصلي وأفضل موسيقى تصويرية وأفضل تصوير سينمائي.

    وذهبت جائزة أفضل ممثل إلى مايكل بي. جوردان عن فيلم (سينرز)، بينما فازت جيسي باكلي بجائزة أفضل ممثلة عن فيلم (هامنت). كما نالت إيمي ماديجان جائزة أفضل ممثلة مساعدة عن فيلم (ويبنز).

    وصرحت باكلي للصحافيين خلف الكواليس أن فوزها بالجائزة في يوم عيد الأم في وطنها إيرلندا منحها شعورا “غريبا”. وقالت “أشعر أن من دواعي سروري أن أستكشف الأمومة من خلال هذه الأم الرائعة، أغنيس”.

    وفازت إيمي ماديغان بجائزة الأوسكار لأفضل ممثلة بدور ثانوي عن دورها كساحرة مختلة عقليا في فيلم الرعب “ويبنز”. وقالت الفنانة المخضرمة التي حصدت جائزة الممثلين Actors Award قبل أسبوعين “كنت أستحم الليلة الماضية، وفكرت “حسنا، لا بد أن هذا يوم مميز، لأنني أحلق ساقي‘’.

    وفاز الفيلم الدرامي العائلي النروجي “سنتيمنتال فاليو” بجائزة أفضل فيلم دولي. كما حصد فيلم “كيبوب ديمون هانترز” جائزة أفضل فيلم رسوم متحركة وأفضل أغنية أصلية عن أغنية “غولدن”.

    ومنحت جائزة أفضل فيلم أجنبي لفيلم (سنتمينتال فاليو) من النرويج، بينما فاز فيلم (مستر نوبادي أجينيست بوتين) بجائزة أفضل فيلم وثائقي طويل، وفيلم (أول ذي إيمبتي رومز) بجائزة أفضل فيلم وثائقي قصير.

    وأضفى المذيع المخضرم كونان أوبراين جوا من المرح والفكاهة على الحفل بأسلوبه المميز الزاخر بالسخرية اللاذعة. وتضمن ذلك انتقادا لاذعا لحلفاء الرئيس دونالد ترامب الذين اعترضوا بشدة على اختيار الفنان البورتوريكي باد باني نجما لعرض ما بين شوطي مباراة السوبر بول. وقال مخاطبا كبار نجوم هوليوود “أود أن أنبهكم إلى أن الليلة قد تأخذ منحى سياسيا”.

    وشهدت الأمسية فقرة مطولة خُصصت لتأبين الراحلين في هوليوود، تخللتها تحية مؤثرة، لكل من المخرج روب راينر الذي طُعن حتى الموت في منزله في دجنبر، وللممثل روبرت ريدفورد، كما تضمنت أداء مسرحيا نادرا من باربرا سترايساند.

    وقال بيلي كريستال الذي اختاره راينر ليشارك ميغ رايان بطولة فيلم “ون هاري مت سالي” أواخر الثمانينيات، إن تأثير راينر على هوليوود كان هائلا.

    وأضاف “ستبقى أفلام روب خالدة لأنها كانت تدور حول ما يُضحكنا ويُبكينا، وما نطمح إليه: أي ما هو أفضل بكثير في نظره، وأكثر لطفا ومرحا وإنسانية”.

    سترايساند البالغة 83 عاما، والتي شاركت ريدفورد بطولة فيلم “ذي واي وي وير” الكلاسيكي عام 1973، قالت عن الممثل الراحل إنها أحبت رجلا كان يناديها بمودة “بابس”.

    وأضافت “كان ممثلا بارعا ومتقنا لأدواره. كان بوب يتمتع بشخصية قوية، سواء على الشاشة أو في حياته الشخصية”، و”كنت أصفه بأنه راعي بقر مثقف شق طريقه الخاص. أفتقده الآن أكثر من أي وقت مضى”.

    وفي ما يأتي قائمة الفائزين في الفئات الرئيسية لحفلة توزيع جوائز الأوسكار بنسخته الثامنة والتسعين.
    – أفضل فيلم: “وان باتل أفتر أناذر”

    – أفضل مخرج: بول توماس أندرسون عن “وان باتل أفتر أناذر”

    – أفضل ممثل: مايكل بي. جوردان عن دوره في “سينرز”

    – أفضل ممثلة: جيسي باكلي عن دورها في “هامنت”

    – أفضل ممثل في دور ثانوي: شون بن عن دوره في “وان باتل أفتر أناذر”

    – أفضل ممثلة في دور ثانوي: إيمي ماديغان عن دورها في “ويبنز”

    – أفضل سيناريو أصلي: راين كوغلر عن “سينرز”

    – أفضل سيناريو مقتبس: بول توماس أندرسون عن “وان باتل أفتر أناذر”

    – أفضل فيلم دولي: “سنتيمنتل فاليو” (النرويج)

    – أفضل فيلم رسوم متحركة طويل: “كيبوب ديمون هنترز”

    – أفضل وثائقي: “مستر نوبادي إغينست بوتين”

    إقرأ الخبر من مصدره