ذكرى تأسيس البوليساريو… 53 سنة من الفشل

Écrit par

dans

د. عبد القادر الحافظ بريهما

بعد ثلاثة وخمسين عاما على تأسيس جبهة البوليساريو، تبدو حصيلة هذا التنظيم مثقلة بالإخفاقات السياسية والتنظيمية والدبلوماسية، بعدما تحولت شعارات “بناء الدولة” إلى حالة من الجمود المزمن الذي استنزف طاقات أجيال كاملة من الصحراويين. فبدل أن تتحول مخيمات الحمادة إلى فضاء للحياة الكريمة والتنمية، أصبحت عنوانا للانتظار الطويل ولإعادة تدوير نفس الخطاب الإيديولوجي الذي فقد بريقه وقدرته على الإقناع.

ومنذ 10 ماي 1973، ظلت قيادة الجبهة رهينة عقلية متجاوزة تعود إلى زمن الحرب الباردة، غير قادرة على استيعاب التحولات السياسية والاقتصادية التي يشهدها العالم اليوم. فالمجتمعات لم تعد تؤمن بالشعارات الثورية بقدر ما تبحث عن الاستقرار والتنمية وفرص العيش الكريم، وهو ما يفسر اتساع الهوة بين قيادة الجبهة وجيل جديد من الشباب الصحراوي الذي بات يميل إلى الحلول الواقعية بدل الاستمرار في نزاع مفتوح بلا أفق.

كما أن مظاهر تخليد ذكرى التأسيس خلال السنوات الأخيرة تعكس حجم التراجع الذي تعيشه الجبهة على مستوى التعبئة والتنظيم. فبعدما كانت هذه المناسبة تتحول إلى حملة دعائية واسعة، أصبحت تمر بفتور واضح وصمت غير مسبوق، في مؤشر على تنامي الإحباط داخل المخيمات وتراجع الحماس حتى في أوساط المناصرين التقليديين من ابناء الجزائريين والموريتانيين والماليين.

وعلى المستوى الميداني، لم تستطع الجبهة تحقيق أي تحول عسكري ذي تأثير، بل إن تحركاتها الأخيرة( قصف مدينة السمارة) ساهمت في تعقيد وضعها أكثر، خاصة بعد أزمة معبر الكركرات التي انتهت بتعزيز المملكة المغربية لحضورها الأمني والميداني بالاقاليم الصحراوية الجنوبية. وفي المقابل، واصل المغرب تنزيل مشاريع تنموية كبرى بالأقاليم الجنوبية، شملت البنيات التحتية والاستثمار وخلق فرص الشغل، ما عزز من واقع الاستقرار وربط المنطقة بدينامية اقتصادية متصاعدة.

أما حقوقيا، فقد عاد ملف الانتهاكات المرتكبة داخل مخيمات تندوف إلى الواجهة بقوة، مع تزايد شهادات الضحايا المطالبين بالحقيقة والإنصاف، وارتفاع الأصوات الحقوقية الدولية المنتقدة لواقع الاحتجاز وغياب الحريات داخل المخيمات. كما أصبحت معاناة السكان الإنسانية والاجتماعية محل اهتمام متزايد من قبل عدد من الهيئات والمنظمات الدولية.

ودبلوماسيا، تلقت الجبهة خلال السنوات الأخيرة انتكاسات متتالية، بالتزامن مع اتساع الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب، وافتتاح قنصليات أجنبية بمدينتي العيون والداخلة، إضافة إلى إدماج الأقاليم الجنوبية في شراكات اقتصادية وأمنية دولية كبرى. وهو ما يعكس تحولا متزايدا داخل المنتظم الدولي نحو دعم الحل الواقعي والعملي للنزاع.

وتأتي الذكرى الثالثة والخمسون هذه السنة في ظل القرار الأممي 2797، الذي جدد التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي ودائم قائم على التوافق، مع الإشادة المستمرة بمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها مقترحا جديا وذا مصداقية. وفي ظل هذه المعطيات، تبدو قيادة البوليساريو مطالبة أكثر من أي وقت مضى بالتخلي عن خطاب التصعيد والانخراط في منطق التسوية السياسية.

وفي هذا السياق، أصبح من الضروري فتح المجال أمام مختلف الفعاليات الصحراوية المؤمنة بالحل السياسي الواقعي للمشاركة في صياغة مستقبل المنطقة، وفي مقدمتها حركة صحراويون من أجل السلام التي تدعو إلى الحوار والتسوية السلمية بعيدا عن منطق الحرب والانغلاق. فبعد أكثر من نصف قرن من التعثر، بات من حق الصحراويين البحث عن بدائل سياسية جديدة تعبر عن تطلعاتهم الحقيقية في الأمن والاستقرار والكرامة والتنمية داخل إطار حل نهائي ومتوافق عليه.

إقرأ الخبر من مصدره