أيوب بلعاقور
Étiquette : z
-
فيدرالية اليسار تحذر من “أزمة مركبة” وتدعو لكسر ثنائية “الاستبداد والمحافظة”
هسبريس – علي بنهرار
بلغة شديدة اللهجة، عبر المكتب السياسي لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي عن مواقفه التي تأتي في “سياق دولي مضطرب”، معتبرا أن بلادنا تعيش ضمنه “وضعا داخليا مقلقا، يتسم بتفاقم الأوضاع الاجتماعية واتساع دائرة الهشاشة”.
المكتب السياسي ذاته أورد ضمن كلمته التي تلاها نائب الأمين العام للحزب علي بوطوالة، اليوم الأحد، أنه “رغم كل الشعارات المرفوعة حول الدولة الاجتماعية، فإن الواقع اليومي للمغاربة” يبرز “ارتفاعا مستمرا في الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وبطالة متفاقمة، خاصة في صفوف الشباب والنساء، وفوارق اجتماعية ومجالية تزداد حدة يوما بعد يوم”.
“بنية داخلية مقلقة”
وخلال انعقاد الدورة السابعة للمجلس الوطني للإطار السياسي اليساري، سجل “حزب الرسالة” أنه “مع هذا الاضطراب الدولي، يزداد الوضع الداخلي تأزما نتيجة صدمة مزدوجة”، معتبرا أن “الحرب في الخليج تؤثر بشكل مباشر على اقتصادنا، حيث فاق سعر برميل النفط 100 دولار، بينما بنيت ميزانية 2026 على فرضية 69 دولارا فقط؛ هذا الفارق يعني ضريبة مستوردة تدفع بأسعار المحروقات والنقل والمواد الغذائية إلى مستويات لا تطاق”.
في هذا الجو، قال بوطوالة إن “تعامل الحكومة يتركز حاليا على المراقبة فقط دون إجراءات ملموسة تحمي الفئات الضعيفة”، وتابع: “رغم بعض الإجراءات المحتشمة كإعلان منح دعم جزئي لقطاع النقل، فإنها تبقى غير كافية أمام تداعيات الحرب”.
وطالب الحزب سالف الذكر بـ”اتخاذ خطوات عاجلة على غرار تسقيف أسعار المحروقات لحماية القدرة الشرائية للمواطنين على المدى القصير، مع دعم خزينة الدولة بواسطة موارد خاصة أو قروض طارئة”، مشددا على ضرورة “خفض الضرائب على المحروقات والمواد الأساسية للتخفيف عن المستهلكين”.
وأكدت فيدرالية اليسار الديمقراطي أهمية “تأطير أسعار المواد الغذائية وغيرها من المواد الأساسية لضمان عدم تضخمها والحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين”، مسجلة أن “فئات واسعة من الشعب أصبحت تشعر بأن السياسات العمومية لا تستجيب لتطلعاتها، بل تعمق معاناتها”.
“كوارث ممتدة”
قال الحزب سالف الذكر: “إن ما شهدته بعض مناطق الشمال من فيضانات، وما كشفته من اختلالات تدبيرية، يعري بوضوح محدودية نموذج الحكامة الحالي، حيث غاب التواصل المؤسساتي الفعّال، ولم يتم إنصاف المتضررين في أقاليم شفشاون، وزان، تاونات والحسيمة، فضلا عن تعثر الدعم الموعود بإقليم العرائش، مما يطرح سؤال العدالة المجالية بحدة”.
وذكّر بوطوالة في كلمة المكتب السياسي بالاحتجاجات التي شهدها المغرب، لا سيما من جانب شباب “الجيل Z”، معتبرا أنها “تعكس عمق الأزمة الاجتماعية والسياسية”، وزاد: “بدلا من فتح حوار جدي، تم اللجوء إلى المقاربة الأمنية، وما رافقها من استعمال مفرط للقوة واعتقالات ومحاكمات طالت محتجين سلميين”.
وانتقد الحزب “التضييق” الذي “يمتد ليشمل مناهضي الفساد والتطبيع والنشطاء الحقوقيين، حيث تمت ملاحقة العديد منهم”، فضلا عن “استهداف صحافيين ونشطاء بتهم ذات طابع سياسي”، وطالب بـ”إطلاق سراح كافة المعتقلين على خلفية الاحتجاجات ووقف كافة المتابعات السياسية، وضمان الاحترام التام للحريات العامة”.
وشدد الحزب المعارض على أن “استمرار تمرير قوانين تراجعية، خاصة في مجموعة من المجالات (الإضراب، المسطرة الجنائية، المجلس الوطني للصحافة، والقانون المنظم لمهنة المحاماة…)، إلى جانب الامتناع عن إصلاح الاختلالات المرتبطة بالقوانين الانتخابية، يعكس غياب إرادة حقيقية للإصلاح الديمقراطي”.
إلى ذلك، يرى حزب الرسالة أن “المخرج من الأزمات المتعددة التي تمر بها بلادنا يمر حتما عبر مدخل سياسي ديمقراطي حقيقي”، مجددا التأكيد على “المقترحات الجوهرية التي تضمنتها مذكرتنا التفصيلية للإصلاح الانتخابي، والمتمثلة في إحداث هيئة وطنية مستقلة ودائمة للإشراف على الانتخابات، ضمانا لنزاهتها وحيادها بعيدا عن هيمنة الإدارة، واعتماد نمط انتخابي يرتكز على البرامج السياسية لا على ‘الأعيان’، مع تفعيل التسجيل التلقائي في اللوائح الانتخابية”.
أمام كل هذا الوضع، اعتبرت فيدرالية اليسار الديمقراطي أن “بلادنا تعيش اليوم أزمة مركبة تتجلى ملامحها في عجز النموذج التنموي الحالي عن الاستجابة لتطلعات المواطنين وتحقيق العدالة الاجتماعية”، وكذا “اتساع هوة انعدام الثقة بين الدولة والمجتمع”، فضلا عن “استفحال الأزمة السياسية والديمقراطية نتيجة ضعف أدوار الوساطة الحزبية والمؤسساتية”.
في التحالف الانتخابي
تطرق بوطوالة أيضا إلى محطة شتنبر 2026 التي يعتبرها الحزب “استحقاقا سياسيا يستوجب تعبئة مسؤولة، تتجاوز منطق التنافس على المقاعد لتشكل فرصة لترسيخ موقع الحزب كفاعل مؤثر في المشهد الوطني”، معتبرا أنها “معركة سياسية بامتياز، نراهن من خلالها على تثبيت فيدرالية اليسار الديمقراطي كقوة اقتراحية ونضالية قادرة على التحول إلى بديل حقيقي وملموس”.
وأشار نائب الأمين العام إلى أن الحاجة قائمة إلى تصور “يعبر عن تطلعات الفئات الشعبية والطبقة الوسطى”، وتابع قائلا: “إن الفيدرالية اليوم تطرح نفسها كقطب ثالث لا غنى عنه، يتجاوز المقاربات التقليدية التي استنفدت حلولها ليجيب بوضوح عن أسئلة المرحلة وتحدياتها الراهنة”.
وأوضح المكتب السياسي أنه، وهو يخوض مفاوضات جادة ومسؤولة لبناء تحالف يساري انتخابي مع الحزب الاشتراكي الموحد، يعتبر أن “ما تحقق من توافق حول العديد من الدوائر هو خطوة متقدمة، ليس فقط في اتجاه تنسيق انتخابي تقني، بل في أفق بناء قطب يساري ديمقراطي موحد، قادر على كسر ثنائية الاستبداد والمحافظة، وفتح أفق سياسي جديد قائم على العدالة الاجتماعية، والديمقراطية الحقيقية، وربط المسؤولية بالمحاسبة”.
-
جيل « زيد » والعمل السياسي

مصطفى صغيري
جيل زيد والعمل السياسي، حين تفرض الأجيال الرقمية أسئلة جديدة على الوساطة الحزبية: قراءة في تحولات علاقة الشباب بالعمل السياسي في ظل التحولات الرقمية ورؤية تجديد الحياة السياسية بالمغرب“الديمقراطية ليست فقط مؤسسات وقوانين، بل هي قبل كل شيء قدرة المجتمع على تجديد نُخَبه السياسية.” ماكس فيبر
لم تعد التحولات التي يعرفها المجال السياسي في العالم المعاصر مرتبطة فقط بتغير موازين القوى بين الأحزاب أو بتداول النخب على السلطة، بل أصبحت تعكس تحولات أعمق في طبيعة العلاقة بين المجتمع والمؤسسات السياسية. ففي عصر الرقمنة وتسارع تدفق المعلومات، لم يعد المواطن مجرد متلقٍ للخطاب السياسي، بل أصبح فاعلاً في تشكيل النقاش العمومي وفي التأثير في اتجاهات الرأي العام، وفي قلب هذه التحولات يبرز دور الأجيال الجديدة، وخاصة ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ جيل زيد، الذي يعيد اليوم طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل المشاركة السياسية وحول قدرة المؤسسات التمثيلية، وفي مقدمتها الأحزاب السياسية، على مواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع.
فالديمقراطيات المعاصرة تشهد تحولات عميقة تمس طبيعة العلاقة بين المجتمع والمؤسسات السياسية، وهي تحولات لم تعد مرتبطة فقط بالتوازنات الحزبية أو بتغير النخب الحاكمة، بل أصبحت تعكس تحولات بنيوية في طبيعة المجتمعات نفسها. فقد أدى تسارع التغيرات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية خلال العقود الأخيرة إلى إعادة تشكيل المجال العمومي وإلى ظهور أنماط جديدة من التفاعل مع الشأن العام، خاصة في ظل الانتشار الواسع للتكنولوجيات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
لقد أصبح الفضاء السياسي اليوم أكثر اتساعاً وتعقيداً مما كان عليه في السابق، حيث لم يعد مقتصراً على المؤسسات السياسية التقليدية مثل الأحزاب أو البرلمانات أو وسائل الإعلام الكلاسيكية، بل أصبح فضاءً متعدد المستويات تتقاطع داخله منصات رقمية وشبكات اجتماعية ومبادرات مدنية متنوعة. وقد أتاح هذا التحول إمكانيات جديدة للتعبير السياسي وللمشاركة في السجال العمومي، خاصة بالنسبة للأجيال الشابة التي نشأت في بيئة رقمية مختلفة جذرياً عن السياقات التي تشكلت فيها التجارب السياسية للأجيال السابقة.
وفي قلب هذه التحولات يبرز ما أصبح يُعرف في الأدبيات السياسية المعاصرة بـ جيل زيد (Generation Z)، وهو الجيل الذي نشأ في ظل الثورة الرقمية وفي عالم يتسم بتدفق غير مسبوق للمعلومات وباتساع غير محدود لفضاءات التواصل. ويتميز هذا الجيل بخصائص اجتماعية وثقافية مختلفة عن الأجيال السياسية السابقة، إذ تشكل وعيه السياسي في بيئة رقمية مفتوحة تتسم بسرعة تداول المعلومات وبإمكانية التفاعل الفوري مع القضايا العامة.
غير أن العلاقة بين هذا الجيل والسياسة لا يمكن فهمها فقط من خلال المؤشرات التقليدية للمشاركة السياسية، مثل نسب التصويت أو معدلات الانخراط في الأحزاب السياسية. فهذه المؤشرات، على أهميتها، لا تعكس بالضرورة التحولات العميقة التي يعرفها المجال السياسي في عصر الرقمنة. فالشباب اليوم لا يعبرون عن مواقفهم السياسية فقط من خلال المؤسسات الحزبية أو المشاركة الانتخابية، بل أيضاً من خلال أشكال جديدة من التفاعل مع الشأن العام، تتراوح بين النقاشات الرقمية والمبادرات المدنية والانخراط في قضايا اجتماعية وثقافية تتجاوز الأطر التقليدية للعمل السياسي.
ومن هنا، فإن ما يوصف أحياناً بـ عزوف الشباب عن السياسة قد لا يعكس بالضرورة تراجعاً في الاهتمام بالشأن العام، بقدر ما يعكس تحولات في طبيعة العلاقة بين الأجيال الجديدة والمؤسسات السياسية التقليدية. فالمسألة لا تتعلق فقط بضعف المشاركة السياسية، بل أيضاً بوجود فجوة متزايدة بين منطق اشتغال الأحزاب السياسية وبين التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع.
وفي إطار التجربة المغربية، يكتسي هذا الطرح أهمية خاصة بالنظر إلى التحولات التي يعرفها المجتمع خلال العقود الأخيرة، سواء على مستوى التحولات الديموغرافية أو على مستوى انتشار التعليم العالي أو على مستوى توسع الفضاء الرقمي. فقد أصبح الشباب اليوم يشكلون إحدى الفئات الاجتماعية الأكثر حضوراً في الجدال العمومي، سواء عبر المنصات الرقمية أو من خلال المبادرات المدنية والثقافية التي تعكس اهتماماً متزايداً بالقضايا العامة.
غير أن هذه الدينامية المجتمعية لا تجد دائماً ترجمتها الكاملة داخل المؤسسات السياسية التمثيلية، وهو ما يعيد طرح سؤال مركزي يتعلق بطبيعة الوساطة السياسية في المغرب وبمدى قدرة الأحزاب السياسية على مواكبة التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع.
ومن هذا المنطلق، يطرح سؤال أساسي نفسه بإلحاح:إلى أي حد تستطيع الأحزاب السياسية في المغرب إعادة بناء علاقتها مع الأجيال الجديدة، وخاصة جيل زيد، بما يسمح بتجديد الوساطة السياسية وتعزيز الثقة في العمل الحزبي؟
تحولات المجال العمومي في عصر الرقمنة
لقد أدى التطور التكنولوجي الهائل خلال العقود الأخيرة إلى إعادة تشكيل المجال العمومي الذي يتم فيه تداول الأفكار السياسية وتشكيل الرأي العام، فوسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات للتواصل الشخصي، بل أصبحت فضاءات حقيقية للنقاش السياسي وللتعبير عن المواقف والاتجاهات المختلفة.
وقد سبق للفيلسوف الألماني يورغن هابرماس أن تحدث عن مفهوم الفضاء العمومي باعتباره المجال الذي يتم فيه تداول القضايا العامة بشكل عقلاني بين المواطنين، بما يسمح بتشكيل إرادة عامة قائمة على السجال والحوار، غير أن التحولات الرقمية التي يعرفها العالم اليوم جعلت هذا الفضاء أكثر اتساعاً وتعقيداً، حيث أصبح الحوار السياسي يتم في فضاءات متعددة ومتداخلة تتجاوز الحدود التقليدية للمؤسسات السياسية ووسائل الإعلام الكلاسيكية.
وقد أشار عالم الاجتماع مانويل كاستلز إلى أن التحولات الرقمية أدت إلى بروز ما يسميه بـ”مجتمع الشبكات”، حيث أصبحت شبكات التواصل فضاءات مركزية لإنتاج النقاش العمومي وتشكيل الرأي العام، خاصة لدى الأجيال الشابة.
وفي هذا الإطار، أصبح الشباب أكثر حضوراً في التداول العمومي من خلال المنصات الرقمية، حيث يعبرون عن مواقفهم تجاه القضايا السياسية والاجتماعية بطرق مختلفة عن الأشكال التقليدية للمشاركة السياسية، وهو ما يعني أن المشاركة السياسية لم تعد مرتبطة فقط بالانخراط الحزبي أو المشاركة الانتخابية، بل أصبحت تتخذ أشكالاً متعددة تتراوح بين التعبير الرقمي، والمبادرات المدنية، والانخراط في الحركات الاجتماعية الجديدة.
أزمة الوساطة الحزبية في الديمقراطيات المعاصرة
تشير العديد من الدراسات في علم السياسة إلى أن الديمقراطيات المعاصرة تعرف ما يسمى بـ أزمة الوساطة الحزبية، وهي الأزمة التي تنشأ عندما تصبح الأحزاب السياسية عاجزة عن ترجمة التحولات الاجتماعية والثقافية داخل المجتمع إلى مشاريع سياسية قادرة على تمثيل تطلعات المواطنين.
وقد أشار عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو إلى أن الخطاب السياسي قد يتحول في بعض الأحيان إلى ما يشبه الرأسمال الرمزي الذي يسعى إلى إنتاج صورة معينة عن الفعل السياسي دون أن يعكس بالضرورة التحولات الفعلية التي يعرفها المجتمع.
وفي الطرح المغربي، يبرز هذا الاشكال سؤالاً مهماً حول قدرة الأحزاب السياسية على تطوير خطاب سياسي جديد قادر على التفاعل مع التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع المغربي، خاصة في ظل صعود أجيال جديدة أكثر تعليماً وأكثر انفتاحاً على العالم وأكثر ارتباطاً بالفضاء الرقمي.
الشباب في صلب الرؤية الملكية لتجديد الحياة السياسية
ويشكل إشراك الشباب في الحياة العامة أحد المرتكزات الجوهرية في الرؤية الملكية لإصلاح وتطوير الحياة السياسية بالمغرب. فقد أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس في العديد من الخطب والتوجيهات الملكية على أن مستقبل الديمقراطية بالمغرب يظل مرتبطاً بقدرة المؤسسات السياسية على استيعاب طاقات الأجيال الصاعدة وعلى تمكين الشباب من المشاركة الفعلية في تدبير الشأن العام. وتنطلق هذه الرؤية من قناعة مفادها أن تحديث الحياة السياسية لا يمكن أن يتحقق فقط من خلال تطوير النصوص القانونية أو إصلاح المؤسسات، بل يتطلب أيضاً تجديداً مستمراً للنخب السياسية بما يعكس التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع المغربي.
وقد شكل دستور سنة 2011 ترجمة مؤسساتية لهذا التوجه، حيث نص الفصل 33 من الدستور على ضرورة اتخاذ السلطات العمومية التدابير الملائمة لتوسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد، مع إحداث آليات مؤسساتية تهدف إلى تعزيز انخراطهم في الحياة العامة. ويعكس هذا التوجه الدستوري إرادة واضحة لجعل الشباب فاعلاً أساسياً في الدينامية الديمقراطية، وليس مجرد فئة اجتماعية موضوعاً للسياسات العمومية.
وفي هذا النطاق، لم تعد قضية الشباب تُطرح في الخطاب الإصلاحي بالمغرب باعتبارها قضية اجتماعية مرتبطة بإشكالات التعليم أو التشغيل فحسب، بل أصبحت تُطرح باعتبارها قضية سياسية واستراتيجية ترتبط بتجديد النخب وبمستقبل الديمقراطية في البلاد. فالشباب، في التصور الملكي، يمثل رأسمالاً بشرياً واستراتيجياً قادراً على الإسهام في تطوير الحياة السياسية وتعزيز دينامية الإصلاح، خاصة في سياق مجتمع يشهد تحولات متسارعة على المستويات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية.
ومن هذا المنطلق، يشكل تمكين الشباب من الولوج إلى فضاءات القرار العمومي ومن المشاركة الفعلية في الحوار السياسي أحد الشروط الأساسية لتجديد الحياة الحزبية وتعزيز الثقة في المؤسسات التمثيلية. فالأحزاب السياسية، باعتبارها إحدى القنوات الرئيسية للوساطة بين المجتمع والدولة، تجد نفسها اليوم مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتطوير آليات جديدة للتأطير السياسي قادرة على استيعاب طاقات الشباب وعلى إشراكهم في صياغة الرؤى السياسية وفي بلورة السياسات العمومية.
إن الرؤية الملكية لتجديد الحياة السياسية لا تقتصر على الدعوة إلى إشراك الشباب في العمل السياسي، بل تتجاوز ذلك نحو إرساء نموذج سياسي يقوم على تجديد النخب وتعزيز الكفاءة وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يسمح بإضفاء دينامية جديدة على الحياة الحزبية وبناء مؤسسات سياسية أكثر قدرة على مواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.
غير أن ترجمة هذا التوجه الإصلاحي إلى دينامية سياسية فعلية تظل رهينة بقدرة الفاعلين السياسيين، وفي مقدمتهم الأحزاب، على مواكبة هذه الرؤية وعلى تحويلها إلى ممارسات تنظيمية وخيارات سياسية ملموسة. فالأحزاب السياسية، باعتبارها إحدى القنوات الأساسية للوساطة بين المجتمع والدولة، تتحمل مسؤولية مركزية في تأطير الشباب وفي إدماجهم داخل الحياة السياسية. ولذلك فإن نجاح مشروع تجديد الحياة السياسية في المغرب يظل مرتبطاً بمدى قدرة الأحزاب على تجديد خطابها السياسي وعلى تطوير آليات اشتغالها التنظيمية بما يسمح لها باستيعاب التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع، وخاصة تلك المرتبطة بصعود الأجيال الجديدة.
الأحزاب السياسية بين الشرعية التاريخية ومتطلبات التجديد
وتواجه الأحزاب السياسية في الديمقراطيات المعاصرة تحدياً مركباً يتمثل في كيفية التوفيق بين الحفاظ على رصيدها التاريخي والرمزي من جهة، والقدرة على مواكبة التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة التي يعرفها المجتمع من جهة أخرى. فالأحزاب التي تشكلت في سياقات سياسية مختلفة وأسهمت في مراحل معينة في تأطير المجتمع وفي بناء التعددية السياسية، تجد نفسها اليوم أمام واقع اجتماعي جديد يتسم بتغيرات عميقة في أنماط التواصل وفي أشكال التعبير السياسي، خاصة في ظل التحولات التي أحدثتها الثورة الرقمية وفي سياق صعود أجيال جديدة أكثر تعليماً وانفتاحاً على العالم وأكثر ارتباطاً بالفضاء الرقمي، لذلك لم يعد الرصيد التاريخي للأحزاب السياسية وحده كافياً لضمان استمرار دورها في الوساطة بين المجتمع والدولة، بل أصبح هذا الدور رهيناً بقدرتها على قراءة التحولات المجتمعية قراءة دقيقة وعلى تجديد خطابها السياسي وأدوات اشتغالها التنظيمية بما يسمح لها بالتفاعل مع التحولات العميقة التي يعرفها المجال العمومي.
وقد أشار العديد من الباحثين في علم السياسة إلى أن الديمقراطيات المعاصرة تعيش ما يمكن وصفه بـ أزمة الوساطة الحزبية، وهي الأزمة التي تظهر عندما تصبح الأحزاب أقل قدرة على ترجمة التحولات الاجتماعية والثقافية داخل المجتمع إلى مشاريع سياسية تعكس تطلعات المواطنين، وفي هذا المجال، يرى المفكر الفرنسي بيير روزنفالون أن الديمقراطيات الحديثة لم تعد تعاني فقط من أزمة في التمثيل الانتخابي، بل من أزمة أعمق تتعلق بتراجع الثقة في المؤسسات السياسية وباتساع الفجوة بين المواطنين والفاعلين السياسيين، كما يشير عالم السياسة برنارد مانين إلى أن الديمقراطية التمثيلية تشهد تحولات بنيوية تجعل الأحزاب السياسية مطالبة بإعادة تعريف أدوارها التقليدية في ظل تغير أنماط المشاركة السياسية وظهور فاعلين جدد داخل المجال العمومي.
وتزداد حدة هذا التحدي في ظل ما يسميه عالم الاجتماع زيغمونت باومان بـ “الحداثة السائلة”، حيث تتسم العلاقات الاجتماعية والسياسية بدرجة عالية من السيولة والتغير المستمر، وهو ما ينعكس بدوره على طبيعة العلاقة بين المواطنين والمؤسسات السياسية، ففي مثل هذا السياق، لم يعد الانتماء الحزبي ثابتاً كما كان في المراحل السابقة، بل أصبح أكثر هشاشة وقابلية للتحول، وهو ما يفرض على الأحزاب السياسية البحث عن صيغ جديدة للتفاعل مع المجتمع قادرة على استيعاب هذه التحولات.
وفي ضوء هذه التحولات، لم يعد السؤال المطروح أمام الأحزاب السياسية يقتصر على كيفية استقطاب أعضاء جدد أو توسيع قواعدها الانتخابية، بل أصبح يتعلق أساساً بقدرتها على تجديد دورها كفاعل أساسي في الوساطة الديمقراطية بين المجتمع والدولة، فالأحزاب التي تمتلك رصيداً تاريخياً وسياسياً مهماً يمكنها أن تلعب دوراً محورياً في تجديد الحياة السياسية إذا ما استطاعت تحويل هذا الرصيد إلى قوة اقتراحية قادرة على مواكبة التحولات المجتمعية وعلى استيعاب طاقات الأجيال الجديدة وإشراكها في صياغة الرؤى السياسية للمستقبل.
وانسجاما مع هذا التصور، يبرز التفكير المتزايد حول فكرة التعاقد المجتمعي باعتبارها إحدى المقاربات التي تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الأحزاب السياسية والمجتمع على أساس وضوح الالتزامات السياسية وربط المسؤولية بالمحاسبة، فهذه الفكرة تعكس توجهاً متنامياً في الفكر السياسي المعاصر يقوم على الانتقال من منطق الخطاب السياسي العام إلى منطق الالتزام السياسي القابل للتقييم، بما يسمح بتعزيز ثقافة المساءلة داخل الحياة السياسية وبإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات التمثيلية.
وفي السياق المغربي، بدأ هذا النقاش يجد صداه داخل بعض المبادرات السياسية التي تسعى إلى تجديد العلاقة بين الأحزاب والمجتمع، وفي هذا الإطار، برزت أيضاً مبادرات داخل بعض الأحزاب، من بينها ما طرحه الأمين العام لحزب الحركة الشعبية محمد أوزين حول فكرة التعاقد المجتمعي باعتبارها مقاربة للتواصل السياسي تقوم على تعزيز المصداقية في الخطاب السياسي وربط البرامج الانتخابية بآليات واضحة للتتبع والتقييم، وتندرج هذه المبادرة ضمن الجدل المتزايد داخل الحقل الحزبي المغربي حول سبل تجديد العلاقة بين الأحزاب السياسية والمجتمع وإعادة بناء الثقة في العمل السياسي، وتكتسي مثل هذه المبادرات أهمية خاصة في ظل الحوار المتزايد حول أزمة الثقة في العمل الحزبي، إذ إنها تطرح سؤال العلاقة بين الخطاب السياسي والممارسة الفعلية داخل المجال العمومي، غير أن أهمية هذا الطرح لا تكمن فقط في المبادرات الحزبية في حد ذاتها، بل في ما يفتحه من أفق أوسع للتفكير في مستقبل الوساطة الحزبية وفي الكيفية التي يمكن من خلالها تطوير نماذج جديدة للتفاعل بين الأحزاب والمجتمع.
ولا تقتصر المقاربة المطروحة حول سبل تجديد العلاقة بين الأحزاب السياسية والشباب على تجربة حزب بعينه داخل المشهد الحزبي المغربي، بل تندرج ضمن دينامية أوسع يشهدها الحقل الحزبي، حيث أصبحت عدة تنظيمات سياسية تدرك أن التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة، وصعود أجيال جديدة أكثر ارتباطاً بالفضاء الرقمي وأكثر تطلعاً إلى أنماط مختلفة من المشاركة السياسية، يفرضان إعادة التفكير في أساليب التأطير الحزبي وفي طبيعة الخطاب السياسي الموجه إلى الشباب، ففي تجارب حزبية أخرى، مثل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أو حزب الاستقلال أو حزب التقدم والاشتراكية، يبرز بدوره نقاش متزايد حول مسألة تجديد النخب وتعزيز حضور الشباب داخل الهياكل التنظيمية للأحزاب، غير أن هذا الجدل يظل في كثير من الأحيان محكوماً بتحديات تنظيمية وثقافية مرتبطة بطبيعة البنيات الحزبية وباستمرارية القيادات التقليدية داخل عدد من الأحزاب.
إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الأحزاب السياسية اليوم لا يكمن في استقطاب الشباب إلى صفوفها فقط، بل في قدرتها على إشراكهم فعلياً في صياغة الرؤى السياسية وصناعة مستقبل العمل الحزبي، ومن هنا تبرز أهمية تطوير خطاب سياسي جديد قادر على التفاعل مع التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع المغربي، وقادر في الوقت نفسه على إعادة بناء الثقة بين الأحزاب السياسية والمجتمع.
غير أن أهمية هذا الانشغال لا تكمن فقط في المبادرات الحزبية في حد ذاتها، بل في ما يفتحه من أفق أوسع للتفكير في مستقبل الوساطة السياسية في المغرب وفي سبل تطوير العلاقة بين الأحزاب والمجتمع في سياق التحولات العميقة التي يعرفها المجال العمومي.
إن تجديد الحياة الحزبية لا يرتبط فقط بتجديد القيادات أو تطوير الخطاب السياسي، بل يتطلب أيضاً إعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين الحزب والمجتمع وفي الدور الذي يمكن أن تلعبه الأحزاب باعتبارها مؤسسات للوساطة الديمقراطية القادرة على ترجمة التحولات الاجتماعية إلى مشاريع سياسية تعكس تطلعات المواطنين وتساهم في تعزيز الثقة في العمل السياسي.
خاتمة
إن التحولات التي يشهدها المجتمع المغربي اليوم، سواء على مستوى البنية الاجتماعية أو على مستوى أنماط التفاعل مع المجال العمومي، تفرض إعادة التفكير في العديد من المسلمات التي حكمت العلاقة بين المواطن والعمل السياسي خلال العقود الماضية، فصعود أجيال جديدة أكثر تعليماً وانفتاحاً على العالم وأكثر ارتباطاً بالفضاء الرقمي لم يعد مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل أصبح عاملاً بنيوياً في إعادة تشكيل قواعد المشاركة السياسية وفي إعادة تعريف دور الأحزاب والمؤسسات التمثيلية داخل المجال العمومي.
ومن هذا المنطلق، فإن التساؤل حول علاقة جيل زيد بالسياسة لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره مؤشراً على أزمة في المشاركة السياسية أو على عزوف الشباب عن العمل الحزبي، بل ينبغي فهمه أيضاً باعتباره فرصة تاريخية لإعادة التفكير في طبيعة الوساطة السياسية وفي سبل تجديدها، فالمجتمعات التي تنجح في استيعاب طاقات الأجيال الجديدة وتحويلها إلى قوة اقتراحية داخل الفضاء العمومي تكون أكثر قدرة على تجديد نخبها السياسية وعلى مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم المعاصر.
وفي السياق المغربي، يبدو أن الرهان الحقيقي لم يعد مرتبطاً فقط بقدرة الأحزاب السياسية على الفوز بالمواعيد الانتخابية أو على الحفاظ على مواقعها داخل المؤسسات التمثيلية، بل أصبح مرتبطاً أساساً بقدرتها على إنتاج رؤى سياسية ومجتمعية قادرة على إعادة بناء الثقة بين المواطن والعمل السياسي، فالثقة، في نهاية المطاف، هي الشرط الأساسي لاستمرارية أي تجربة ديمقراطية، وهي أيضاً الأرضية التي يمكن من خلالها بناء تعاقد جديد بين المجتمع والفاعلين السياسيين حول أولويات الإصلاح والتنمية.
إن المستقبل السياسي للمغرب سيتشكل، إلى حد بعيد، بقدر ما تستطيع الحياة الحزبية أن تنفتح على التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع، وأن تفسح المجال أمام جيل جديد من الفاعلين القادرين على الجمع بين الوعي بالتحولات العالمية والارتباط العميق بقضايا المجتمع، وهذا ما تعكسه بعض المبادرات الحزبية التي تسعى إلى إعادة بناء العلاقة بين الأحزاب والمجتمع، من خلال مبادرة التعاقد المجتمعي، فالديمقراطية ليست فقط نظاماً لتدبير السلطة، بل هي أيضاً قدرة مستمرة على تجديد النخب وإعادة بناء الثقة بين المجتمع ومؤسساته.
وعليه، تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحاً إلى تجديد الوساطة الحزبية من خلال فتح المجال أمام كفاءات جديدة قادرة على الجمع بين المعرفة الأكاديمية وفهم التحولات الاجتماعية التي يعرفها المجتمع المغربي، بما يسمح بإضفاء دينامية جديدة على الحياة السياسية ويعيد الاعتبار لدور الأحزاب باعتبارها فضاءات للتأطير الديمقراطي وصياغة المشاريع المجتمعية.
وفي نهاية المطاف، فإن قدرة الحياة السياسية في المغرب على مواكبة تحولات المجتمع ستظل مرتبطة بمدى قدرتها على تجديد نخبها وعلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والسياسة، لأن الديمقراطيات الحية ليست تلك التي تحافظ فقط على مؤسساتها، بل تلك التي تمتلك القدرة المستمرة على تجديد نفسها والانفتاح على طاقات أجيالها الصاعدة.
-باحث في السياسات العمومية والحكامة – دكتور في القانون العام والعلوم السياسية.
إقرأ الخبر من مصدره
-
د.بلقاضي: الرهان على “جيلZ” والقطع مع شخصنة الأحزاب مدخل للإصلاح
أكد الدكتور ميلود بلقاضي، رئيس المرصد المغربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية، خلال حلوله ضيفا على برنامج “صدى الأحداث” على قناة “ميدي 1″، أن المشهد الحزبي المغربي يحتاج إلى ثورة في الآليات ليتماشى مع التحولات المجتمعية. وأوضح بلقاضي أن الانتقال إلى النمط اللائحي لم ينهِ معضلة “شخصنة المؤسسات”، حيث لا يزال الناخب يربط الحزب بهوية الزعيم بدلا […]
The post د.بلقاضي: الرهان على “جيلZ” والقطع مع شخصنة الأحزاب مدخل للإصلاح appeared first on بلبريس.
-
من الزنقة للانتخابات… شوفو كيفاش الاحتجاجات ولات تعكس أزمة السياسة فالبلاد

فاطنة لويزا ـ كود//
وحنا اليوم على بعد شهور قليلة من الانتخابات، والأحزاب السياسية كتهيّأ باش تقدم البرامج الانتخابية ديالها للمغاربة. هاد البرامج، فالأصل ديالها، خاصها تكون بمثابة واحد التعاقد واضح بين الأحزاب والمواطنين. تعاقد كيقول للناس: هادي هي الوعود ديالنا، وهادي هي الحلول اللي كنقترحوها للمشاكل اللي كتعاني منها البلاد، وهاد الشي هو اللي غادي ندافعو عليه إلا وصلنا لمواقع القرار.
ولكن السؤال اللي كيتطرح اليوم هو: واش فعلاً هاد البرامج غادي تجاوب على الأسئلة الحقيقية اللي كيتعايشو معها المغاربة كل نهار؟
حيت الواقع كيقول بأن المغاربة عندهم عشرات الأسئلة اللي كتطرح يوميا فالمجال الاجتماعي والاقتصادي.. أسئلة على الشغل، على القدرة الشرائية، على الصحة، على التعليم، على السكن، وعلى العدالة بين الجهات والمناطق.. أسئلة كتخص الحياة اليومية ديال الناس، وكتخص حتى الإحساس ديالهم بالكرامة وبالإنصاف..
المشكل أن بزاف من هاد الأسئلة بقات لسنوات طويلة كتدور بلا أجوبة سياسية واضحة ومقنعة.. ومع الوقت، ما بقاتش غير تساؤلات اجتماعية، بل تحولات لمطالب احتجاجية وسياسية. مطالب خرجات فموجات مختلفة من الحراكات الاجتماعية اللي عرفها المغرب، وآخر تعبير عليها بان حتى فالنقاشات والاحتجاجات اللي احتضنها ما أصبح البعض كيسمّيه حركة جيل Z، حيث جزء من الشباب بدا كيعبر على الغضب ديالو مباشرة فالشارع، أو عبر المواقع الاجتماعية..
من هنا كيبان أن المغرب ماشي غير قدام موعد انتخابي عادي، ولكن قدام لحظة سياسية واجتماعية مهمة.. لحظة كتطرح سؤال كبير ..
واش المؤسسات السياسية قادرة فعلا تستوعب التحولات اللي كيعرفها المجتمع.. ولا أن الشارع ـ الزنقة، الدرب، الدوار، الحومة ـ ولى هو الفضاء البديل للتعبير السياسي والاجتماعي ..
اليوم اللي كيتابع المشهد الاجتماعي والسياسي فالمغرب يقدر يلاحظ بسهولة أن طريقة الاحتجاج تبدلات بشكل كبير وواضح فالسنوات الأخيرة. الاحتجاج ما بقاش هو داك الفعل اللي كان كيتم غالبا داخل الأحزاب والنقابات والجمعيات، بل ولى كيظهر أكثر عبر حركات احتجاجية مستقلة. تنسيقيات فئوية (التعليم – طلبة الطب – الممرضين ) ومبادرات شبابية كتتولد مباشرة من الشارع أو من الفضاء الرقمي..
هاد التحول ماشي غير تبديل فالشكل، بل هو تعبير عن تحول أعمق فالعلاقة بين المجتمع والسياسة.. بمعنى آخر المغرب اليوم كيشهد انتقال تدريجي من “الاحتجاج المؤطر” إلى “الاحتجاج المستقل”.. اللي كيستمد الشرعية ديالو مباشرة من الميدان، وما بقاش كيسنى الوساطة ديال الأحزاب ولا النقابات ولا حتى الجمعيات باش يعبر على المطالب ديالو..
باش نفهمو هاد التحول، خاصنا نرجعو شوية لتاريخ الاحتجاج فالمغرب. البلاد عرفت تاريخ طويل من الحركات الاجتماعية، من انتفاضات المدن فالثمانينات والتسعينات المرتبطة بغلاء المعيشة والبطالة، حتى وصلنا للمحطة ديال 20 فبراير..
هاد الحركة كانت لحظة سياسية فارقة فالتاريخ القريب ديال المغرب. آلاف الشباب خرجو للشوارع فمدن كثيرة، ورفعو شعارات الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد. ورغم أن الزخم ديالها نقص مع الوقت، إلا أنها خلات أثر كبير فالثقافة الاحتجاجية عند الشباب، لأنها أكدت فكرة مهمة الشارع/ الزنقة/ الساحة يقدر يكون فضاء للتعبير السياسي المباشر…
من بعد هاد المرحلة، ظهرت موجة أخرى من الحراكات، ولكن هذه المرة بطابع محلي قوي.. المثال الأبرز كان احتجاجات الريف.. اللي بدا من حادثة مأساوية ولكن تحول بسرعة لحركة اجتماعية واسعة طالبت بالتنمية، بالمستشفى بالجامعة وبالخدمات الأساسية..
وكذلك مدينة جرادة كانت عرفت باحتجاجات اجتماعية قوية حيث خرجات الناس تحتج على البطالة وعلى الأوضاع الاقتصادية الصعيبة بعد إغلاق مناجم الفحم.. او تارة او صفرر او زاكورة او خريبكة كلها مناطق كانت عرفات احتجاجات على مطالب محددة ..
هاد الحراكات كشفت واحد التحول السوسيولوجي مهم الاحتجاج فالمغرب ما بقاش كيتولد غير فالمدن لكبرى، بل ولى كيطلع بزاف من “الهامش”، من المدن الصغرى والبوادي والمناطق اللي كتحس بأنها بعيدة على القرار وعلى التنمية..
ولكن التغيير ماشي غير فالمكان.. بل حتى فطريقة التنظيم.. بزاف من الحراكات الجديدة ما بقاش فيها تنظيم كلاسيكي بقيادة مركزية واضحة.. عوض ذلك، برزت تنسيقيات ولجان محلية كتشتغل بطريقة أفقية ومرنة، والقرارات فيها كتتاخذ بشكل جماعي..
هاد النوع من التنظيم كيمنح الحركات الاحتجاجية مرونة كبيرة، وكيخليها أقل قابلية للاحتواء السياسي كيف هو معروف.. لأن المحتجين ما بقاشو كيشوفو الأحزاب لشكر، ابن كيران، بنعبد الله، اوزين او حتى منيب أو غيرها.. والنقابات كمرجعية ضرورية للتعبير عن المطالب ديالهم، بل كيشوفو أن الشرعية كتجي مباشرة من الشارع / الساحة ..
وفنفس الوقت، لعب التقدم الرقمي دور كبير فهاد التحولات. المواقع الاجتماعية ولات فضاء أساسي للنقاش العمومي والتعبئة.. فيديو واحد أو هاشتاغ واحد يقدر يشعل نقاش وطني كامل فمدة قصيرة، ويحول قضية محلية بسيطة لموضوع كيهم الرأي العام كامل..
ولكن رغم هاد القوة ديال التعبئة الرقمية، فهي كتكون سريعة وقصيرة العمر.. لأن الاحتجاج اللي كيستمر فعلا كيحتاج تنظيم ميداني وملف مطلبي واضح، وقدرة على التفاوض..
وفالعمق، صعود هاد الأشكال الجديدة من الاحتجاج كيعكس أزمة أعمق.. أزمة الوساطة السياسية.. الأحزاب والنقابات اللي كان مفروض فيها تكون الجسر بين المجتمع والدولة، ولات عند جزء مهم من المواطنين ما عندها حتى مصداقية او ما تستأهل الثقة ..
وبدل ما تكون قناة لنقل المطالب الشعبية لمراكز القرار (هاذ المركز اللي بعض المغاربة اختصارا بالرباط)، ولات فبعض الأحيان هياكل بطيئة، أو منشغلة بصراعاتها الداخلية .. أو بعيدة على التحولات الاجتماعية اللي كيعرفها المجتمع…
هاد العطب خلق فراغ سياسي واضح. ومع هاد الفراغ، خرجت السياسة من القنوات الرسمية، وولات كتتجسد مباشرة فالشارع. الاحتجاج هنا ماشي غير غضب اجتماعي، بل حتى محاولة من المجتمع باش يسترجع السياسة من المقاربات التقنقراطية اللي اختزلت النقاش العمومي فالأرقام والمؤشرات الاقتصادية..
لكن ضعف الوساطة كيخلق حتى وضعية حساسة، حيث كتلقى الدولة نفسها أحيانا فمواجهة مباشرة مع “شارع بلا قيادة”. وما كاينش مخاطب مؤسساتي واضح يقدر يتفاوض باسم المحتجين أو يقنعهم بحلول معينة..
وفالغالب، الحركات الاجتماعية فالمغرب ما كتكونش مدفوعة غير بالمطالب المادية. المحرك الحقيقي ديالها هو الكرامة.. المواطن اللي كيخرج يحتج اليوم باغي يحس أن صوته مسموع.. وأنه ماشي مجرد رقم، بل مواطن عنده الحق يكون حاضر فالنقاش حول مستقبل البلاد…
لهذا السبب، الحركات الاحتجاجية يمكن نشوفوها كذلك كنوع من ’’منبه / كلاكصون‘‘. رسالة كتقول بأن أدوات التدبير السياسي التقليدية ولات محدودة، وأن المجتمع كيبحث على طرق جديدة باش يعبر على نفسه..
وهنا كتجي الانتخابات المقبلة كواحدة من اللحظات الحاسمة فهاد المسار.. لأنها ما خاصهاش تكون غير محطة انتخابية عادية بل فرصة باش تسترجع السياسة الدور ديالها كوسيط بين المجتمع والدولة..
فالأسئلة اللي كيرفعها الشارع اليوم ـ سواء فالحراكات الشارع أو فالنقاشات اللي كيخلقها جيل جديد – جيد زيد مثلا – ف المواقع الاجتماعية ـ هي نفسها الأسئلة اللي خاص البرامج الانتخابية تجاوب عليها بوضوح: الشغل، التعليم الصحة، العدالة الاجتماعية، الإنصاف المجالي، الكرامة، وجودة الخدمات العمومية..
إلى قدرت الانتخابات المقبلة تفرز مؤسسات قوية ونخب سياسية قادرة تقترح حلول واقعية لهد المطالب، فذلك يمكن يكون بداية لإعادة بناء الثقة بين المواطن والسياسة.. أما إلا بقات البرامج الانتخابية بعيدة على هموم الناس اليومية، فالغالب أن الشارع غيبقى هو الفضاء الرئيسي للتعبير السياسي..
وبمعنى آخر، الرهان الحقيقي ديال الانتخابات المقبلة ماشي غير فعدد المقاعد اللي غادي يجيبها كل حزب، ولا فشكون غادي يدخل للحكومة، ولا حتى فشكون غادي يكون رئيس الحكومة..
الرهان الحقيقي هو واش الأحزاب قادرة تحول مطالب الاحتجاج إلى سياسات عمومية حقيقية وملموسة؟
إلى وقع هاد الشي، يمكن نفتح صفحة جديدة فالعلاقة بين المجتمع والدولة. أما إلا ما وقعش، فالغالب أن الزنقة غتبقى هي المكان اللي كيلقا فيه المجتمع الصوت ديالو..
-
تأجيل ثاني جلسات محاكمة زينب الخروبي ناشطة “جيل Z”
قررت المحكمة الابتدائية الزجرية بالدار البيضاء، يوم الاثنين، تأجيل النظر في ملف الناشطة زينب الخروبي إلى غاية جلسة 23 مارس الجاري، وذلك استجابة لطلب هيئة الدفاع التي التمست مهلة إضافية للاطلاع على الملف وإعداد مرافعتها.
وتتابع الخروبي في حالة سراح، على خلفية اتهامات تتعلق بـ“التحريض على ارتكاب جنح عبر الوسائط الرقمية”.
وتعود خلفيات القضية إلى تدوينات وتصريحات نشرتها الناشطة على منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب مواقفها المعلنة الداعمة لحراك جيل Z.
وكانت السلطات قد أوقفت الخروبي يوم 12 فبراير الماضي بمطار مطار مراكش المنارة فور وصولها من فرنسا، قبل وضعها تحت تدبير الحراسة النظرية ونقلها إلى الدار البيضاء، حيث تم تقديمها أمام وكيل الملك الذي قرر متابعتها بتهم تتعلق بـ“التحريض والتشهير” على خلفية منشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وأثارت القضية تفاعلا حقوقيا واسعا، إذ عبرت عدة جمعيات ومنظمات عن تضامنها مع الناشطة، معتبرة أن متابعتها تمس بمضامين دستور المغرب 2011 وبالالتزامات الدولية المتعلقة بحرية التعبير.
-
في نقد أطروحة “الجراحة السيادية” ومخاطر اختزال الإصلاح في منطق الاستثناء
عمّم الرئيس السابق لمجلس المستشارين، والأمين العام السابق لحزب الاصالة والمعاصرة، حكيم بنشماش، مقالا /بيانا، عنونه بـ”مغرب السرعة الواحدة”، بعد مدة من الغياب عن النقاش العمومي والسياسي، طالب فيه بإجراء ما سماه “جراحة سيادية” تنحاز إلى ما وصفها بـ “ديمقراطية النتائج”.
وتضمّن البيان تشخيصا لمفارقة “المغرب بسرعتين”، وهي مفارقة أشار إليها غير ما مرة جلالة الملك محمد السادس في خطاباته، محذرا من اتساع الفجوة بين دينامية المشاريع الكبرى، وانتظارات المواطنين في تفاصيل حياتهم اليومية، لكن السؤال الجوهري يبقى هو: هل يكمن الحل في نقل مركز الثقل من السياسة إلى ما فوق السياسة وفق ما يُطالب به بنشماش؟ أم في إعادة السياسة إلى معناها ووظيفتها الأصلية؟
ولا يختلف اثنان حول أن المغرب يعيش لحظة دقيقة من تاريخه، لحظة تتقاطع فيها رهانات السيادة مع تحديات العدالة الاجتماعية والمجالية، وتتجاور فيها إنجازات “الأوراش الكبرى”، مع مطبات الوساطة السياسية، واختلالات التنمية الترابية، غير أن الاختلاف يبدأ حين يُقترح، في خضم هذا التعقيد، حلّ يكاد يختزل أفق الإصلاح في ما سُمّي بـ”التدخل السيادي” أو “الجراحة السيادية”، لتصحيح أعطاب المشهد الحزبي.
أولا: من أزمة الوساطة إلى أزمة الثقة
صحيح أن جزءا مهما من الأحزاب انزلق إلى منطق “الوكالة الانتخابية”، وأن زواج المال بالسلطة أضر بصورة العمل السياسي، وصحيح كذلك أن فئات عريضة من الشباب، ومنهم ما يُعرف بـ”جيل Z”، تعبر عن نفورها من الوسائط التقليدية، ومنها الأحزاب السياسية، غير أن هذا الواقع، مهما بلغ من السوء، لا يبرر القفز إلى استنتاج مفاده أن الإصلاح لا يمر إلا عبر تدخل فوقي يعيد ترتيب الحقل من خارجه، وفق أطروحة حكيم بنشماش.
لأن أزمة الوساطة، في جوهرها، هي أزمة ثقة، والثقة لا تُستعاد بآليات استثنائية، بل بإعادة بناء التمثيلية على أسس الشفافية والمساءلة وتكافؤ الفرص.
إن إضعاف الأحزاب أكثر، حتى بادعاء تقويمها، وتصحيح مساراتها، لن يؤدي إلا إلى مزيد من تجريف المجال العمومي، وفتح الباب أمام تعبيرات احتجاجية غير مؤطرة، قد تكون أكثر هشاشة وأقل قابلية للاحتواء المؤسساتي.
ثانيا: بين “ديمقراطية النتائج” و”ديمقراطية الأشكال”
يطرح بنشماش في بيانه ثنائية جذابة: “ديمقراطية النتائج” مقابل “ديمقراطية الأشكال”، غير أن هذا التقابل مضلل في عمقه، لأن النتائج المستدامة لا يتم انتاجها طبيعيا خارج الأشكال، بل عبرها. فالمؤسسات التمثيلية ليست مجرد طقوس إجرائية، بل آليات لتوزيع السلطة وضبطها ومنع احتكارها.
وتحويل العجز الحزبي إلى مسوغ لإعادة تركيز القرار، خارج منطق التنافس السياسي، قد يمنح سرعة ظرفية، لكنه يحمل كلفة بعيدة المدى على منسوب الثقة والمشاركة، والتاريخ يعلمنا أن الأنظمة التي ضاقت بآليات الوساطة، بدعوى بطئها، أو عجزها أو انحرافها، انتهت إلى هشاشة أشد، لأن السياسة وإن كانت متعبة ومرهقة، تظل أقل كلفة من اللجوء إلى منطق الاستثناء الدائم.
ثالثا: روح الدستور… بين التفعيل والتأويل
أشار بنشماش في البيان إلى “روح الدستور”، وإلى ضرورة إيقاظها، والحال أن دستور 2011، الذي جاء في سياق إقليمي ووطني دقيق، لم يكن وعدا بإضعاف الوساطة، بل بتقويتها، حيث عزّز موقع الحكومة المنبثقة عن الانتخابات، من خلال التنصيص على تعيين رئيس الحكومة من الحزب الفائز في الانتخابات، ووسع اختصاصات البرلمان، وربط المسؤولية بالمحاسبة، فهل يكون الوفاء لروحه في الالتفاف على تعثر الفاعلين، أم في تمكين المجتمع من محاسبتهم وتجديد نخبهم؟
إن الدستور لا يحمي المؤسسات من “الانتحار الوظيفي” إذا جاز التعبير، عبر مصادرتها، بل عبر إعمال قواعد التداول والمساءلة، وإذا كانت بعض الأحزاب قد استقالت من أدوارها، فإن العلاج ليس في تعميم الحكم عليها، بل في فتح المجال أمام بدائل حقيقية، وتجفيف منابع الريع السياسي والمالي بقواعد صارمة تطبق على الجميع.
رابعا: “الزمن السيادي” و”الزمن الاجتماعي”
من اللافت في بيان بنشماش، أنه يفصل بين “الزمن السيادي” و”الزمن الاجتماعي”، ويدعو إلى حماية الأول من عبث الثاني، غير أن الدولة الحديثة لا تقوم على هذا الفصل، فالسيادة لا تكتمل إلا برضا اجتماعي، والإنجازات الكبرى، من البنية التحتية إلى التحولات الدبلوماسية، لا تصمد إن لم يشعر المواطن بأن كرامته مصونة في المستشفى، وفي المرفق العمومي، وفي سوق الشغل.
إن رهان “الإقلاع الكبير”، لا يمكن أن يتحقق بجرعة إضافية من المركزية والتركيز، بل بإطلاق طاقات المجتمع، لإفراز جماعات ترابية قوية، وإعلام مهني مستقل، وأحزاب متجددة، ونقابات فاعلة، فالسرعة الحقيقية ليست في تجاوز القوانين والقواعد، بل في جعلها عادلة وفعالة.
خامسا: الإصلاح من داخل السياسة لا من خارجها
إن قول بنشماش، الأمين العام الأسبق لحزب الأصالة والمعاصرة، بأن معظم الأحزاب أصبحت عبئا قد يكون توصيفا مناسبا لمرحلة، لكنه لا ينبغي أن يتكرس كقدر، فالمشهد السياسي المغربي عرف دورات صعود وهبوط، وتجارب إصلاح وتجديد، والرهان اليوم ليس إلغاء التعددية أو تحييدها، بل تحفيزها على إعادة إنتاج ذاتها، من خلال قوانين صارمة تمنع تضارب المصالح والتمويل، وتدعم دمقرطة داخلية فعلية للأحزاب، وتربط الدعم العمومي بالنتائج والشفافية، وأخرى تشجع على توسيع مجالات المشاركة للشباب والنساء خارج منطق الزبونية والولاءات المغشوشة.
بكلمة، وبغض النظر عن التوظيف التدليسي من قبل صاحب بيان “مغرب السرعة الواحدة”، لمفهوم السيادة والدولة، فإن “الجراحة” الحقيقية التي يمكن أن تسهم في إنعاش المشهد الحزبي والسياسي، ليست سيادية بالمعنى الفوقي، بل مؤسساتية وقانونية وأخلاقية، تُفعَّل بأدوات الدستور لا بالالتفاف عليه، وقد عاش المغرب تجربة لمثل هذه “الجراحة” مع حزب الاصالة والمعاصرة، والنتيجة ظهرت في الشارع العام خلال فبراير 2011.
ختاما، إن المغرب بالفعل أمام منعطف تاريخي، خصوصا في ما يرتبط بقضيته الوطنية الأولى وما راكمه من حضور إقليمي ودولي، لكن قوة المنعطف لا تقاس بالقدرة على تسريع القرار فحسب، بل بالقدرة على توسيع قاعدة المشاركة فيه، فالرهان ليس فقط في الوصول بسرعة، بل أن في الوصول الجماعي.
أما تحويل أزمة الوساطة إلى مسوغ لإعادة هندسة المجال السياسي من أعلى، فقد يبدو حلا جذريا، لكنه يحمل في طياته مخاطرة إضعاف ما تبقى من الثقة في السياسة ذاتها، والإصلاح، إن لم يكن ديمقراطيا في مساره، فلن يكون مستداما في نتائجه.
-
في نقد أطروحة “الجراحة السيادية” ومخاطر اختزال الإصلاح في منطق الاستثناء.. ردا على بيان “مغرب السرعة الواحدة”

حسن حمورو//
عمّم الرئيس السابق لمجلس المستشارين، والأمين العام السابق لحزب الاصالة والمعاصرة، حكيم بنشماش، مقالا /بيانا، عنونه بـ”مغرب السرعة الواحدة”، بعد مدة من الغياب عن النقاش العمومي والسياسي، طالب فيه بإجراء ما سماه “جراحة سيادية” تنحاز إلى ما وصفها بـ “ديمقراطية النتائج”.
وتضمّن البيان تشخيصا لمفارقة “المغرب بسرعتين”، وهي مفارقة أشار إليها غير ما مرة جلالة الملك محمد السادس في خطاباته، محذرا من اتساع الفجوة بين دينامية المشاريع الكبرى، وانتظارات المواطنين في تفاصيل حياتهم اليومية، لكن السؤال الجوهري يبقى هو: هل يكمن الحل في نقل مركز الثقل من السياسة إلى ما فوق السياسة وفق ما يُطالب به بنشماش؟ أم في إعادة السياسة إلى معناها ووظيفتها الأصلية؟
ولا يختلف اثنان حول أن المغرب يعيش لحظة دقيقة من تاريخه، لحظة تتقاطع فيها رهانات السيادة مع تحديات العدالة الاجتماعية والمجالية، وتتجاور فيها إنجازات “الأوراش الكبرى”، مع مطبات الوساطة السياسية، واختلالات التنمية الترابية، غير أن الاختلاف يبدأ حين يُقترح، في خضم هذا التعقيد، حلّ يكاد يختزل أفق الإصلاح في ما سُمّي بـ”التدخل السيادي” أو “الجراحة السيادية”، لتصحيح أعطاب المشهد الحزبي.
أولا: من أزمة الوساطة إلى أزمة الثقة
صحيح أن جزءا مهما من الأحزاب انزلق إلى منطق “الوكالة الانتخابية”، وأن زواج المال بالسلطة أضر بصورة العمل السياسي، وصحيح كذلك أن فئات عريضة من الشباب، ومنهم ما يُعرف بـ”جيل Z”، تعبر عن نفورها من الوسائط التقليدية، ومنها الأحزاب السياسية، غير أن هذا الواقع، مهما بلغ من السوء، لا يبرر القفز إلى استنتاج مفاده أن الإصلاح لا يمر إلا عبر تدخل فوقي يعيد ترتيب الحقل من خارجه، وفق أطروحة حكيم بنشماش.
لأن أزمة الوساطة، في جوهرها، هي أزمة ثقة، والثقة لا تُستعاد بآليات استثنائية، بل بإعادة بناء التمثيلية على أسس الشفافية والمساءلة وتكافؤ الفرص.
إن إضعاف الأحزاب أكثر، حتى بادعاء تقويمها، وتصحيح مساراتها، لن يؤدي إلا إلى مزيد من تجريف المجال العمومي، وفتح الباب أمام تعبيرات احتجاجية غير مؤطرة، قد تكون أكثر هشاشة وأقل قابلية للاحتواء المؤسساتي.
ثانيا: بين “ديمقراطية النتائج” و”ديمقراطية الأشكال”
يطرح بنشماش في بيانه ثنائية جذابة: “ديمقراطية النتائج” مقابل “ديمقراطية الأشكال”، غير أن هذا التقابل مضلل في عمقه، لأن النتائج المستدامة لا يتم انتاجها طبيعيا خارج الأشكال، بل عبرها. فالمؤسسات التمثيلية ليست مجرد طقوس إجرائية، بل آليات لتوزيع السلطة وضبطها ومنع احتكارها.
وتحويل العجز الحزبي إلى مسوغ لإعادة تركيز القرار، خارج منطق التنافس السياسي، قد يمنح سرعة ظرفية، لكنه يحمل كلفة بعيدة المدى على منسوب الثقة والمشاركة، والتاريخ يعلمنا أن الأنظمة التي ضاقت بآليات الوساطة، بدعوى بطئها، أو عجزها أو انحرافها، انتهت إلى هشاشة أشد، لأن السياسة وإن كانت متعبة ومرهقة، تظل أقل كلفة من اللجوء إلى منطق الاستثناء الدائم.
ثالثا: روح الدستور… بين التفعيل والتأويل
أشار بنشماش في البيان إلى “روح الدستور”، وإلى ضرورة إيقاظها، والحال أن دستور 2011، الذي جاء في سياق إقليمي ووطني دقيق، لم يكن وعدا بإضعاف الوساطة، بل بتقويتها، حيث عزّز موقع الحكومة المنبثقة عن الانتخابات، من خلال التنصيص على تعيين رئيس الحكومة من الحزب الفائز في الانتخابات، ووسع اختصاصات البرلمان، وربط المسؤولية بالمحاسبة، فهل يكون الوفاء لروحه في الالتفاف على تعثر الفاعلين، أم في تمكين المجتمع من محاسبتهم وتجديد نخبهم؟
إن الدستور لا يحمي المؤسسات من “الانتحار الوظيفي” إذا جاز التعبير، عبر مصادرتها، بل عبر إعمال قواعد التداول والمساءلة، وإذا كانت بعض الأحزاب قد استقالت من أدوارها، فإن العلاج ليس في تعميم الحكم عليها، بل في فتح المجال أمام بدائل حقيقية، وتجفيف منابع الريع السياسي والمالي بقواعد صارمة تطبق على الجميع.
رابعا: “الزمن السيادي” و”الزمن الاجتماعي”
من اللافت في بيان بنشماش، أنه يفصل بين “الزمن السيادي” و”الزمن الاجتماعي”، ويدعو إلى حماية الأول من عبث الثاني، غير أن الدولة الحديثة لا تقوم على هذا الفصل، فالسيادة لا تكتمل إلا برضا اجتماعي، والإنجازات الكبرى، من البنية التحتية إلى التحولات الدبلوماسية، لا تصمد إن لم يشعر المواطن بأن كرامته مصونة في المستشفى، وفي المرفق العمومي، وفي سوق الشغل.
إن رهان “الإقلاع الكبير”، لا يمكن أن يتحقق بجرعة إضافية من المركزية والتركيز، بل بإطلاق طاقات المجتمع، لإفراز جماعات ترابية قوية، وإعلام مهني مستقل، وأحزاب متجددة، ونقابات فاعلة، فالسرعة الحقيقية ليست في تجاوز القوانين والقواعد، بل في جعلها عادلة وفعالة.
خامسا: الإصلاح من داخل السياسة لا من خارجها
إن قول بنشماش، الأمين العام الأسبق لحزب الأصالة والمعاصرة، بأن معظم الأحزاب أصبحت عبئا قد يكون توصيفا مناسبا لمرحلة، لكنه لا ينبغي أن يتكرس كقدر، فالمشهد السياسي المغربي عرف دورات صعود وهبوط، وتجارب إصلاح وتجديد، والرهان اليوم ليس إلغاء التعددية أو تحييدها، بل تحفيزها على إعادة إنتاج ذاتها، من خلال قوانين صارمة تمنع تضارب المصالح والتمويل، وتدعم دمقرطة داخلية فعلية للأحزاب، وتربط الدعم العمومي بالنتائج والشفافية، وأخرى تشجع على توسيع مجالات المشاركة للشباب والنساء خارج منطق الزبونية والولاءات المغشوشة.
بكلمة، وبغض النظر عن التوظيف التدليسي من قبل صاحب بيان “مغرب السرعة الواحدة”، لمفهوم السيادة والدولة، فإن “الجراحة” الحقيقية التي يمكن أن تسهم في إنعاش المشهد الحزبي والسياسي، ليست سيادية بالمعنى الفوقي، بل مؤسساتية وقانونية وأخلاقية، تُفعَّل بأدوات الدستور لا بالالتفاف عليه، وقد عاش المغرب تجربة لمثل هذه “الجراحة” مع حزب الاصالة والمعاصرة، والنتيجة ظهرت في الشارع العام خلال فبراير 2011.
ختاما، إن المغرب بالفعل أمام منعطف تاريخي، خصوصا في ما يرتبط بقضيته الوطنية الأولى وما راكمه من حضور إقليمي ودولي، لكن قوة المنعطف لا تقاس بالقدرة على تسريع القرار فحسب، بل بالقدرة على توسيع قاعدة المشاركة فيه، فالرهان ليس فقط في الوصول بسرعة، بل أن في الوصول الجماعي.
أما تحويل أزمة الوساطة إلى مسوغ لإعادة هندسة المجال السياسي من أعلى، فقد يبدو حلا جذريا، لكنه يحمل في طياته مخاطرة إضعاف ما تبقى من الثقة في السياسة ذاتها، والإصلاح، إن لم يكن ديمقراطيا في مساره، فلن يكون مستداما في نتائجه.
-
الأحزاب السياسية أمام امتحان “جيل Z”.. ندوة تناقش سبل إعادة الشباب إلى صناديق الاقتراع
كمال لمريني
في سياق الدينامية المجتمعية التي تسبق المحطات الانتخابية، احتضنت “دار فكيك” بالمدينة ندوة فكرية موسعة قاربت موضوعا بالغ الأهمية تحت عنوان: “الشباب والمشاركة السياسية: نحو تعزيز المشاركة الفعالة في الانتخابات المقبلة”.
وجاءت هذه المبادرة بعد تنسيق مشترك بين “جمعية الشباب المبدعين الثقافية والاجتماعية” و”مؤسسة أصدقاء فجيج”، بهدف خلق منصة تفاعلية لفتح نقاش عمومي جاد ومسؤول حول سبل تجاوز حالة العزوف وتفعيل انخراط الشباب في صلب الحياة السياسية.
وشهد اللقاء، الذي أقيم في أجواء من النقاش المفتوح، حضورا وازنا وتفاعلا لافتا من قبل ثلة من الفاعلين الجمعويين، والأكاديميين، والمهتمين بالشأن العام المحلي والوطني، إلى جانب حضور مكثف لشباب وشابات المنطقة. وقد شكلت الندوة فضاء رحبا لتبادل الرؤى وتشخيص الواقع، والوقوف عند التحديات الحقيقية التي تكبح جماح الشباب نحو ولوج معترك العمل السياسي، فضلا عن تدارس الآليات العملية الكفيلة بتعزيز حضورهم وازنا داخل المؤسسات المنتخبة ومختلف فضاءات صنع القرار.
وفي مستهل النقاش، قدم الدكتور عمر اعنان مداخلة تأطيرية شاملة، أكد من خلالها أن موضوع مشاركة الشباب في الحياة السياسية لا يجب أن يُطرح كترف فكري أو مجرد شعار موسمي، بل هو قضية محورية ترتبط ارتباطا وثيقا بصلابة ومستقبل البناء الديمقراطي لأي أمة.
وشدد الدكتور اعنان على أن التوصيف الدقيق للشباب يتجاوز كونهم مجرد فئة ديموغرافية وعمرية عريضة داخل الهرم السكاني، ليجعل منهم “قوة حيوية ضاربة” تمتلك القدرة الفعلية على قيادة قاطرة التجديد والتغيير الإيجابي.
وأوضح المتدخل أن الأجيال الصاعدة تعتبر خزانا لا ينضب للأفكار المبتكرة والطموحات المشروعة التي من شأنها، متى ما وُظفت بشكل صحيح، أن تسهم في تخليق وتطوير الحياة العامة.
واعتبر أن انخراط هذه الفئة في العمل السياسي ليس مجرد حق دستوري، بل هو ركيزة أساسية لضمان تجديد النخب، وضخ دماء جديدة في شرايين تدبير الشأن العام، مما ينعكس إيجابا على تقوية جسور الثقة المفقودة بين المواطن والمؤسسات.
ورغم الأهمية البالغة لهذا الانخراط، لم يغفل الدكتور اعنان في معرض تشخيصه للواقع، الإشارة إلى أن مستويات المشاركة السياسية للشباب لا تزال تقبع دون سقف التطلعات المرجوة.
ويتجلى هذا القصور بوضوح في تدني نسب الإقبال على صناديق الاقتراع، وضعف الانخراط العضوي في الهياكل الحزبية، والغياب شبه التام عن الدوائر العليا لصنع القرار.
وأرجع الباحث هذا العزوف إلى منظومة معقدة من العوامل المتداخلة، يتصدرها تراجع منسوب الثقة في جدوى الفعل السياسي والمؤسسات الحزبية، إضافة إلى تأثيرات الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل أولويات الشباب تنحصر في البحث عن الاستقرار المهني والمعيشي بعيدا عن هموم السياسة. كما توقف عند مشكل جوهري يتمثل في محدودية، بل وغياب، فضاءات التأطير والتكوين السياسي القادرة على استقطاب الشباب وتنمية وعيهم.
وفي مقاربة سوسيولوجية لافتة، توقف المتدخل عند التحولات الجذرية التي يشهدها مفهوم “المشاركة” في ظل الطفرة التكنولوجية والانتشار الكاسح لوسائل التواصل الاجتماعي.
وأبرز أن هذه المنصات الافتراضية تحولت إلى فضاءات بديلة وأساسية لتشكل الوعي السياسي لدى الشباب، حيث وفرت لهم هوامش واسعة للتعبير عن آرائهم، وتبادل الأفكار، ورصد القضايا العامة بانتقاد لاذع أحيانا.
وسلط الضوء بشكل خاص على ما يُعرف بـ”جيل Z” (الجيل الذي نشأ في قلب الثورة الرقمية)، موضحا أن هذا الجيل أسس لأنماط جديدة وغير تقليدية من التعبئة والاحتجاج والمشاركة، مثل إطلاق الحملات الرقمية، والهاشتاغات، وتوقيع العرائض الإلكترونية، معتبرا أن هذه الأشكال التعبيرية لم تعد مجرد تفاعلات افتراضية، بل أضحت جزءا لا يتجزأ من المشهد السياسي المعاصر المؤثر في الرأي العام.
وأمام هذا الزحف الرقمي، وجه الدكتور اعنان رسالة واضحة للأحزاب السياسية والنخب الفكرية، محذرا من استمرار لغة “التخاطب القديمة”، داعيا إلى ضرورة إحداث قطيعة مع الأساليب التقليدية، ومراجعة آليات التواصل مع الأجيال الجديدة عبر تبني خطاب سياسي واقعي، شفاف، وقريب من اهتمامات الشباب اليومية، مع ضرورة استيعاب واستخدام التكنولوجيا الحديثة كأداة للتواصل الفعال.
ورغم إشادته بالأدوار الطلائعية للفضاء الرقمي، شدد المتحدث على أن “النضال الافتراضي” لا يمكن أن يعوض العمل السياسي المنظم والميداني، مؤكدا أن الأحزاب السياسية ستبقى، في كل الأنظمة الديمقراطية، هي الإطار المؤسساتي الطبيعي والشرعي لممارسة السياسة، نظرا لأدوارها الدستورية في تأطير المواطنين، هيكلة النقاش العمومي، وصياغة البرامج والبدائل.
وطالب في هذا الصدد بثورة داخلية في العمل الحزبي، تفتح الأبواب مشرعة أمام الكفاءات الشابة، وتحول مقرات الأحزاب من مجرد دكاكين انتخابية إلى “مدارس حقيقية” للنقاش الديمقراطي وصناعة النخب القادرة على تحمل مسؤوليات التدبير المحلي والوطني.
وعلى المستوى التشريعي، أقر المتدخل بأن الإطار القانوني والتنظيمي للانتخابات بالمغرب شهد مستجدات إيجابية تروم تحفيز الشباب (كنظام الكوطا وتخفيض سن التصويت والترشح)، إلا أنه استدرك مؤكدا أن الترسانة القانونية وحدها تظل قاصرة وعاجزة عن إحداث التغيير المنشود، ما لم تواكبها إرادة سياسية حقيقية ودينامية مجتمعية تكسر حاجز الخوف واللامبالاة.
وفي ختام هذه المداخلة، التي أعقبها نقاش تفاعلي غني من قبل الحاضرين، خلص الدكتور اعنان إلى أن رهان المستقبل الديمقراطي معقود بالأساس على مدى قدرة الدولة والمجتمع والأحزاب على صياغة تعاقد جديد يدمج الأجيال الصاعدة في قلب الدورة السياسية.
وأكد أن التحدي الأكبر المطروح اليوم ليس فقط دفع الشباب نحو صناديق الاقتراع، بل يكمن في إحداث انتقال نوعي يحول الشباب من مجرد “متابعين سلبيين” للحياة السياسية أو “مستهلكين” للمحتوى الرقمي، إلى “فاعلين أساسيين” وشركاء حقيقيين في صنع القرار، رسم السياسات العمومية، وبناء مغرب ديمقراطي يتسع للجميع.
-
بن شماش يطلق « بيان مغرب السرعة الواحدة » لاستئصال « أورام الفساد »
هسبريس من الرباط
أطلق حكيم بن شماش، الأمين العام الأسبق لحزب الأصالة والمعاصرة والرئيس السابق لمجلس المستشارين، “بيان مغرب السرعة الواحدة”، دعا من خلاله إلى “تخليص التعددية الحزبية من رهينة العبث التي تمارسها نخب جعلت من المؤسسات قلاعا للمصالح الضيقة”، مطالبا بإجراء “جراحة سيادية” تنحاز إلى “ديمقراطية النتائج” التي يجب أن يلمسها المواطن في كرامته، في مقابل “ديمقراطية الأشكال” التي استنفدت رصيدها.
وأضاف بن شماش، في البيان الذي خصّ به جريدة هسبريس الإلكترونية، أن قرب بزوغ منعطف تاريخي في ملف الصحراء المغربية يجعل من صيانة المكتسبات منطلقا راسخا نحو فضاءات “زمن الإقلاع الكبير”؛ لكنه حذر من واقع مغربيْن، أحدهما “يرزح تحت وطأة سحق ممنهج للآمال وامتهان يومي للكرامة”. ونادى بتدخل العقل الاستراتيجي للدولة لـ”تفعيل دور الجرّاح السيادي لمعالجة الأعطاب واستئصال أورام الفساد الممنهج”.
وشدد القيادي السياسي، الذي توارى عن المشهد لفترة من الزمن قبل أن يقرر الخروج بهذا “المانيفيستو”، على أنه “لم يعد ممكنا ولا مقبولا استمرار التعايش مع هذه المفارقة: أن تتحرك الإرادة السيادية في أفق الريادة (أفق 2030 وما بعده)؛ بينما تغرق الوسائط، السياسية منها على وجه الخصوص، في ضجيج اللحظة وفي الحسابات الصغيرة المرتبطة بهرولة الانتخابات”، معتبرا أن “هذا التباين يمثل ثقبا أسود يمتص طاقة المنعطف”.
هذا نص المقال:
يعلمنا التاريخ أن اللحظات في حياة الأمم والشعوب ليست جميعها سواء؛ فبعضها يمر كاستمرار رتيب للزمن، وبعضها الآخر يفتح سؤالا وجوديا جديدا يعيد صياغة القدر الوطني.
لسنا في حاجة إلى البرهنة على صحة الحقيقة المتمثلة في أن المغرب يقف اليوم على مشارف لحظة من الصنف الثاني: لحظة لا يعاد فيها ترتيب السياسات فحسب؛ بل يعاد فيها تعريف وظيفة الدولة نفسها وهويتها الإنجازية. فعلى مدى عقود ممتدة من تاريخه المعاصر، انتظم الجهد الوطني حول ثنائية صيانة الكيان الوطني وتثبيت وحدته الترابية مع مواصلة البناء والتنمية، في تزامن وتساوق عميقين جعلا ما تحقق من مكتسبات في سبيل تثبيت الوحدة الوطنية شرطا لما تحقق من تقدم، وما تحقق من تقدم دعامة لما تحقق من استقرار.
وفي امتداد هذا المسار، راكم المغرب، خصوصا في عهد الملك محمد السادس، تحولات كبرى: تحديث متدرج للدولة، بناء مؤسسي مصان ومستقر، بنية تحتية أعادت رسم الجغرافيا الاقتصادية، أوراش اجتماعية وسعت قاعدة الإدماج والاندماج، دينامية مصالحة وطنية في أبعادها الحقوقية والسياسية والثقافية، اقتصاد صاعد أعاد التموضع، وحضور دولي وسع هامش الفعل؛ إنها علامات نضج شروط تحقق انتقال كبير من دولة تدبر التوازن إلى دولة تمضي بثبات نحو تحويل موقعها إلى رافعة.
وفي سياق ما يبدو أنه تتويج لهذا التراكم، أخذت مؤشرات وتباشير قرب الحسم النهائي لسيادتنا الترابية، بتكريس الحكم الذاتي قاعدة وأفقا للحل، تتواتر وتتوطد باستمرار. وإذا ما أفضت المفاوضات الجارية برعاية أمريكية ودعم أممي إلى تسوية تكرس الحكم الذاتي في الميدان، وهو السيناريو الأرجح، فإن معنى ذلك أننا لا نغلق نزاعا مفتعلا عمر طويلا أو ملفا دبلوماسيا أدير بحنكة وتبصر؛ بل نعلن عن قرب بزوغ منعطف تاريخي يجعل من صيانة المكتسبات منطلقا راسخا نحو فضاءات “زمن الإقلاع الكبير”.
وعلينا أن نلاحظ أن نجاح الدولة في الصمود ككيان صلب وسط الأمواج يضعها الآن أمام امتحان “الارتقاء”؛ وهو انتقال في المعنى يحول الدولة من “مدبر للتوازنات” أو من مجرد طرف في معادلة إقليمية إلى فاعل مصمم (Acteur architecte) قادر على التأثير في محيطه الإقليمي والإفريقي والأطلسي، وإذن، إلى “رافعة للإمكان التاريخي”.
غير أن هذا الانتقال يفرض مواجهة الواقع بجرأة تفوق لغة التقارير؛ فالمغرب الذي يشد أنظار العالم إلى “مساحات الاستثناء”- في الصناعات الناشئة والطاقات المتجددة والتدبير الاستباقي للأزمات والكوارث الطبيعية والنجاح الباهر في تنظيم “الكان” والإنجاز السريع للمشاريع الكبرى المرتبطة باستضافة المونديال – برهن على أنه يمتلك “جينات سرعة” مذهلة.
لكن هذا “المغرب الأول” يصطدم يوميا بـ”مغرب ثان” يرزح تحت وطأة سحق ممنهج للآمال وامتهان يومي للكرامة. إن معاناة ساكنة هذا المغرب الثاني لا تختزلها عطالة الإدارة أو تدني مؤشرات التنمية البشرية؛ بل يجسدها “جحيم الانتظار” أمام أبواب موصدة، وعنف التهميش الذي يحول الحقوق الدستورية إلى عطايا مهينة مشروطة بالولاء أو الزبونية. إن ما يعيشه المواطن في مداشر العمق وأحزمة البؤس هو قهر مركب: قهر الحاجة، وقهر تكرسه نخب وسيطة استقالت من أدوارها الأخلاقية لتمارس “الاستعلاء” على أوجاع المواطنين، وتحول حرمانهم إلى رأسمال انتخابي رخيص تقتات عليه بذهنية “الغنيمة” بالمفهوم الخلدوني.
هنا، يبرز السؤال الجوهري والمؤرق: كيف يستقيم العبور نحو “زمن الإقلاع”؛ بينما يرزح قطاع واسع من الشعب تحت وطأة انسداد آفاق العيش وتغول البيروقراطية المعطلة للحياة؟ وهل يمكن لشرعية الإنجاز أن تكتمل ما لم يتم تحرير المسار الوطني من فرامل أحزاب تحولت من جسور للتمكين والبناء إلى أدوات للهدر والردم؟
إن “المغرب بسرعتين”، الذي حذر منه جلالة الملك محمد السادس في خطبه، ليس قدرا محتوما؛ بل هو نتاج لـ”انفصام في الإيقاع الوطني”.. انفصام عمّر طويلا لأسباب مفهومة؛ ولكن استمراره اليوم في عالم أصبح قرية كوكبية أمرا لم يعد مقبولا.
نعم، لم يعد ممكنا ولا مقبولا استمرار التعايش مع هذه المفارقة: أن تتحرك الإرادة السيادية في أفق الريادة: أفق 2030 وما بعده؛ بينما تغرق الوسائط، السياسية منها على وجه الخصوص، في “ضجيج اللحظة” وفي الحسابات الصغيرة المرتبطة بهرولة الانتخابات. إن هذا التباين يمثل ثقبا أسود يمتص طاقة المنعطف، ويجعل من صور “السرعات الكبرى” غريبة عن واقع مواطن لا يجد كرامة في المستشفى أو إنصافا في المصلحة الإدارية.
لا حاجة إلى تكرار ما استهلكناه طويلا من كلام بشأن تشريح ما آلت اليه مؤسسات الوساطة الحزبية والمشهد السياسي، فحالهما اليوم يكشف عن أزمة وجودية في المعنى؛ فهذه النخب التي يفترض فيها أن تكون سواعد في البناء وجسورا للتمكين تحولت في غالبيتها إلى أدوات فرملة، وبالنتيجة إلى حجر عثرة يعطل المسير. لقد أصبحت معظم هذه الأحزاب “وكالات انتخابية” تفتقر إلى أي مشروع مجتمعي، ومن المحال أن يكون بمقدورها أن تنتج أرقى مما تضعه الدولة من خطط وبرامج. والحقيقة التي يجب أن نصدح بها، بدون مواربة، أن معظمها يمارس “وساطة احتوائية” تجفف منابع الإبداع خوفا على مواقعها الهشة.
إن الهرولة نحو صناديق الاقتراع بذهنية “الغنيمة” أفرغت السياسة من معناها النبيل ومن محتواها الأخلاقي، وولدت لدى المجتمع شعورا بـ”القرف” من بؤس الممارسة والخطاب السياسي المنتج على حد سواء.
ويتعاظم هذا الشعور مع ما عشناه في السنوات القليلة الماضية؛ ومع ما زلنا نعيشه من تداعيات مدمرة لزواج المال بالسلطة، الذي حوّل بعض الأحزاب من “مختبر للأفكار” إلى ما يشبه كارتيلات لاقتناص الفرص.
وهنا، يجب التأكيد على أن العيب في هذا الزواج لا يرتبط بقواعد المشروعية الدستورية في حد ذاتها؛ بل بتحويل هذه المشروعية إلى أداة للاغتناء غير المشروع وتضارب المصالح الفج، مما أفرغ السياسة من محتواها الأخلاقي وجعل إصلاحها أمرا ميؤوسا منه لدى فئات واسعة من الشعب.
إن خطورة هذا الانسداد لا تتوقف عند حدود العجز الحزبي؛ بل تتعداه إلى ما نلمسه اليوم من تنامي الحركات الاحتجاجية العفوية، كما حصل مع “جيل زيد” (Gen Z)، وما تؤشر عليه هذه الديناميات من شرخ مقلق بين المؤسسات التمثيلية وبين التعبيرات الاجتماعية الجديدة. إن هذا الجيل، الذي يبدو أنه كفر بالوسائط التقليدية، بات يبحث عن كرامته خارج الأطر الرسمية؛ مما يضع استقرار “الزمن الوطني” أمام تحدي الانفلات من قنوات التأطير، ويجعل من استمرار الهشاشة المؤسسية للمشهد الحزبي والنقابي مغامرة غير مأمونة العواقب بمستقبل السلم الاجتماعي.
أمام هذا المشهد، تبرز ضرورة حماية “الزمن السيادي” للدولة من ضياع وهدر الفرص؛ فالشعب، الذي لم يعد يثق في الوعود الحزبية وبرامجها الانتخابية، بات يرى في إيقاع الدولة السيادي ملاذه الوحيد؛ وهو ما يضع العقل المدبر للدولة أمام مسؤولية استثمار الهوامش الدستورية لمعالجة هذا الترهل.
إن الدستور يضع الملكية كـ”حكم أسمى” وضامن لدوام الدولة واستمرارها، وهو “دوام” يكتسب معناه العميق عندما يكون مشدودا لأفق يضمن ديناميّة البناء وتجدد آمال الارتقاء؛ صونا للزمن الوطني من هدر الفرص ومن كوابح التعثر التي تفرضها محدودية الأداء الحزبي والوساطة المعطلة.ومن هنا، يصبح التدخل السيادي لتصحيح أعطاب المشهد السياسي والحزبي وأمراضه المزمنة ضرورة تاريخية؛ فإذا أصبحت الأحزاب عبئا يعجز عن إنتاج أي قيمة مضافة، وهو واقع حالها اليوم، فإن سؤال الجدوى من وجودها بصيغتها الحالية يصبح مشروعا.
يجب أن نوضح أن المقصود هنا ليس الدعوة إلى تقويض التعددية أو إجهاض أحكام الدستور ذات الصلة؛ بل القصد هو استثمار الوعد الدستوري الذي جعلنا- يوم إقرار الوثيقة الدستورية الجديدة في سياق ما حمله ما سمي بالربيع العربي من تهديدات – نصدق أن الانفراج وشيك وأن الوثبة ممكنة.
ويجب أيضا أن نضيف بأن التدخل السيادي المطلوب يجد مسوغه، من جهة، في أن الشعب يتمنى ألا نهدر سنوات أخرى جريا وراء سراب قدرة الأحزاب على الإصلاح الذاتي لأعطابها وأمراضها المزمنة. ومن جهة ثانية، في أن المنعطف التاريخي الوشيك، بما يحمله ويتيحه من فرص واعدة للارتقاء، لا يمكن أن يرتهن للإيقاع الرتيب، ولا يمكن أن يعبث به من يختزل هواجسه، في الأول والأخير، في اقتسام الغنيمة.
إننا، ونحن ننشد هذا التدخل، لا نؤسس لنكوص ديمقراطي أو نشرعن لردة حقوقية؛ بل نسعى إلى تخليص التعددية من “رهينة العبث” التي تمارسها نخب جعلت من المؤسسات قلاعا للمصالح الضيقة. إن “الجراحة السيادية” المطلوبة هنا هي انحياز إلى “ديمقراطية النتائج” التي يجب أن يلمسها المواطن في كرامته، مقابل “ديمقراطية الأشكال” التي استنفدت رصيدها؛ فالديمقراطية التي لا تصون الكرامة ولا تنتج ارتقاء هي واجهة بلا روح.
وحتى لا يتم تحميل هذه الدعوة ما لا تحتمله، فإن هذا التدخل السيادي المنشود، كما نراه في سياق هذا المنعطف، لا ينبغي –أيضا – أن يفهم كدعوة إلى فرض الوصاية أو السلطوية؛ بل هو في صميم تفعيل، أو قل في صميم إيقاظ لروح الدستور (L’esprit de la Constitution)، تلك الروح التي تجعل من حماية المؤسسات من “الانتحار الوظيفي” بسبب الركود أمانة عليا تسمو فوق التفسيرات الحرفية الجامدة.
فعندما تعجز “الشرعية الإجرائية” المنبثقة من صناديق الاقتراع عن إنتاج “شرعية الإنجاز” التي ينتظرها الشعب، ويصبح “قانون الوليغارشية الحديدي” سياجا يحمي النخب الحارسة للريع من أي إصلاح ذاتي، عندها يتوجب أن يتدخل “العقل السيادي” كفعل إنقاذي للسياسة ذاتها وللشرعية أيضا لا تقويضا لهما.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى ضرورة تفعيل دور “الجرّاح السيادي” لمعالجة أعطاب المشهد السياسي والحزبي ولاستئصال أورام الفساد الممنهج، ليس بهدف إلغاء التعددية، مرة أخرى؛ بل بهدف إلغاء “العبث بالتعددية” وتطهيرها من الشوائب التي تكبل حركة الجسد السياسي. إن الدولة، بهذا المعنى، لا تصادر الحق في الاختلاف، أو تتطاول على الاختيار الديمقراطي المكرس دستوريا كاختيار لا رجعة فيه؛ بل تسترد الحق في النجاعة، لضمان تحرك المجتمع بكل مكوناته بسرعة المونديال نحو أفق الارتقاء.
وباختصار شديد، فإن الدولة مطالبة اليوم بفرض “منطق النجاعة” كقانون أسمى يعلو ولا يعلى عليه، مطالبة أيضا بجعل “المعقول” عنوانا تسري روحه في كل مفاصل الدولة ومؤسساتها لإلغاء المسافة بين “الاستثناء السيادي” والحياة اليومية للمواطن. وكما أكد جلالة الملك في خطاب عيد العرش لسنة 2018، فإن “المعقول” ليس مجرد شعار؛ بل هو مذهب في العمل ومنظومة قيمية متكاملة ترهن المسؤولية بالصدق والجدية ونبذ التماطل والتسويف، إذ لا يستقيم الحديث عن منعطف تاريخي بينما تفتقر الوسائط السياسية إلى “الالتزام الصادق” الذي يلمس أثره المواطن في معيشه اليومي. إنها الفلسفة التي تحول “صدق الإنجاز” إلى المعيار الوحيد للشرعية، والجسر الذي تعبر فوقه الثقة بين الدولة والمجتمع لضمان تحرك الجميع، وبلا استثناء، بسرعة “المونديال” نحو أفق الارتقاء المنشود.
هكذا تعيد الدولة تعريف نفسها بوصف كونها “دولة المهمة- L’État de mission”، التي تعني – من جملة ما تعنيه في السياق الراهن – امتلاك القدرة الحازمة على جعل سرعة تنفيذ المشاريع الاستراتيجية معيارا للكرامة وللخدمة العمومية في أصغر مدرسة وأبعد مستوصف.
هكذا، أيضا، يكتسب مشروع “مغرب السرعة الواحدة” مقومات صيرورته عقدا اجتماعيا جديدا يعبئ الطاقات ويشحذ الهمم لارتياد الأفق الجديد واستثمار ما يعد به من فرص. دون ذلك، سيظل الخطر الحقيقي المتربص بنا هو مراوحة المكان، أو في أفضل الحالات مواصلة المسير؛ ولكن بالإيقاع البطيء، وبأدوات غير أدوات البناء التي يحتاجها تحقيق الوثبة التاريخية المرجوة.
غير أن هذا العقد الاجتماعي الجديد، إذا أريد له أن يكون فعلا جسرا لارتياد الأفق الجديد، يستدعي أيضا ثورة في “الإيقاع الأخلاقي” تقيس الوطنية بمقدار الإضافة للزمن الوطني لا بمقدار مراكمة المناصب. كما يفرض، وبالقدر نفسه من الإلحاح، ضرورة تأهيل المشهد الإعلامي الوطني وتطوير أدواته ليكون في مستوى التحديات التي يطرحها المنعطف، وقادرا على مواكبة طموح “دولة المهمة” في معركة الوعي والارتقاء.
نعم، إننا ندرك أن هذه الثورة، في المحصلة، هي نتاج سيرورة تاريخية طويلة المدى تسهم في إنضاج شروط تحققها ما تنجزه الأمة من إصلاحات في منظومة القيم وفي المدرسة وفي الأسرة وفي التربية وفي الثقافة؛ غير أن تجارب التاريخ تعلمنا أن القيادة يتوجب عليها، في لحظات الانعطافات التاريخية الكبرى كهذه التي نعيش تواتر مؤشراتها، أن تتدخل بشكل إرادي لإنضاج بيئتها الحاضنة. وفي حالتنا الراهنة ما من عنوان يؤطر هذا التدخل الإرادي المطلوب غير إنجاز العملية الجراحية الضرورية بما يقطع مع التردد ويجعل من النجاعة قانونا أسمى.
إننا لا نقترح هنا مجرد إجراءات؛ بل ندعو إلى إطلاق نقاش عمومي يتساءل بجرأة: كيف نعيد للوساطة السياسية معناها في لحظة التحول السيادي؟ وكيف نحول طاقة المنعطف إلى “نمو في الكرامة” يصل إلى عتبة بيت كل مواطن؟
إن هذا “المانيفستو” هو نداء لردم الهوة بين طموح القيادة وانتظارات الشعب، وبين عجز الوسائط وبيروقراطية الإدارة. إن مشروع “مغرب السرعة الواحدة” هو باب الصعود، أعني باب بناء “المغرب الصاعد” الذي يجب أن يمثل الفكرة الملهمة المعبئة للطاقات، والبوصلة الجامعة المؤطرة للمسار والمسير؛ غير أن “المغرب الصاعد” ليس مجرد أرقام، بل هو وفاء بمعايير الارتقاء العالمية: من استقلال طاقي، وأمن مائي، وقوة صناعية، وعدالة اجتماعية ومجالية وقضائية، ونظام تعليمي يحرر العقول. إنه “نمو في الكرامة” وسيادة في الإيقاع.
ولذلك، فإن مقتضيات الأمانة الوطنية تستوجب وضع حد لحالات التعطيل المتعمد للمسار، والقطع النهائي مع سياسات التراخي التي تستنزف الزمن التنموي؛ ذلك أن إعلاء مصلحة الوطن يفرض عدم التسامح مع من يعرقلون إمكانية الارتقاء ووثبة الإقلاع الكبير، انطلاقا من اليقين بأن التساهل في إنفاذ القانون والنجاعة هو في جوهره قسوة على مستقبل الأجيال وحق المغاربة في مغرب السرعة الواحدة.
إن المنعطف الذي تبزغ تباشيره هو قطار سريع لا يملك ترف التوقف في محطات المزايدات الصغيرة، وإهدار هذه اللحظة لن يكون مجرد خطأ في التقدير؛ بل خطيئة تاريخية كاملة الأركان. فإما أن نرتقي جميعا إلى مستوى اللحظة، أو أن نتحمل مسؤولية التخلف عن ركب الأمم الصاعدة؛ فالمغرب الذي صنع الكثير من المعجزات على مدى تاريخه قادر اليوم – بقيادته المتبصرة وبإرادة موحدة وسرعة واحدة- على ربح رهانات الارتقاء.