Étiquette : 2011

  • فيلم « أيام الجنة ».. حين يقود الحب إلى الندم ويكشف الخداع لعنة الطمع


    عبدالله الساورة

    -2-

    في فيلم Days of Heaven / “أيام الجنة”، لا ندخل إلى حكاية حب عابرة، وإنما إلى تأمل كوني يضع الإنسان عارياً أمام الطبيعة والزمن والمصير. ومنذ اللقطة الأولى، ينسج المخرج تيرنس ماليك عالماً يتنفس الضوء ويهمس بالشك. أي معنى للبراءة حين تختلط بالرغبة؟ وأي قيمة للحلم إذا كان مؤسساً على خدعة صغيرة تكبر في الظل؟ وتبدو الحقول الذهبية فردوساً / جنة أرضية، لكن تحت جمالها يسكن قلق خفي. وهنا، تنحت سينما الشك صورتها ببطء، وتدعونا إلى الإصغاء إلى الصمت أكثر من الحوار، إذ حين يقول صوت الراوية والأخت الصغيرة لشخصية بيل في الفيلم: “إن الناس يحبون بعضهم بعضاً ثم ينسون لماذا”، يكشف جوهر المأساة الإنسانية. فهل الجنة مكان نبلغه أم لحظة تتبدد بمجرد أن نحاول امتلاكها؟ ذاك هو فلسفة الفيلم.

    نيران نار الحب والندم

    يشكل فيلم Days of Heaven / “أيام الجنة” (1978/94 دقيقة)، للمخرج الأمريكي تيرنس ماليك، علامة فارقة في تاريخ السينما الأمريكية الحديثة، ويُعد أحد أكثر الأعمال شاعرية وغموضاً في تجربة تيرنس ماليك. ومنذ مشاهده الأولى، لا يقدم الفيلم نفسه بوصفه حكاية تقليدية عن الحب والخداع والغيرة، بل بوصفه مرثية بصرية عن البراءة المفقودة، وعن الحلم الأمريكي حين يتحول إلى وهم ذهبي يلمع في الأفق ثم يتبدد مثل سنابل القمح تحت ريح لا تُرى.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وتدور القصة حول بيل (ريتشارد جير) وآبي عشيقته (برووك أدامز) وأخته الصغيرة ليندا (ليندا مانس) الذين يغادرون شيكاغو الصناعية هرباً من الفقر والعنف والسرقة، ويتجهون إلى حقول تكساس للعمل في مزرعة قمح يملكها مزارع شاب يحتضر (سام شيبارد). ويتظاهر بيل بأن آبي أخته حتى لا يثير الشبهات، ثم يشجعها على الزواج من المزارع طمعاً في إرثه. وتنقلب الخطة الباردة إلى مأساة حين يتداخل الحب الحقيقي بالغيرة والشك، فيتحول الحقل المفتوح إلى فضاء خانق تغمره النار والدم.

    ولا يكمن عمق الفيلم في هذه الحبكة البسيطة، وإنما في الطريقة التي يُعاد بها تشكيل العالم عبر الصورة والصوت. ولا يصنع ماليك فيلماً عن الخيانة بقدر ما يصنع تأملاً في هشاشة الإنسان أمام الزمن والطبيعة والموت. ولا تمثل الحقول الشاسعة مجرد خلفية، فهي كيان حي يراقب الشخصيات ويحتضنها ثم يبتلعها. ويمنح الضوء الذهبي عند الغروب، الذي صوّره مدير التصوير نستور ألمندروس، المشاهد إحساساً بأننا أمام لوحة متحركة تستعيد روح الرسم الانطباعي، حيث اللحظة العابرة أهم من الحدث نفسه.

    وثقافياً وفكرياً، ينتمي الفيلم إلى تقاليد أدبية أمريكية عميقة تستحضر كتابات هنري ديفيد ثورو ووالت ويتمان، حيث الطبيعة مرآة للروح ومختبر للحرية. كما يتقاطع مع إرث الرواية الواقعية التي تفكك أسطورة الحلم الأمريكي وتكشف طبقاته القاسية. وفي فيلم “أيام الجنة”، لا تظهر الصناعة إلا كذكرى خانقة في بداية الفيلم، أما الحقول فتوحي بإمكانية الخلاص، غير أن هذا الخلاص يتبدد لأن الإنسان يحمل معه بذور سقوطه أينما ذهب.

    ويتنفس الفيلم، فلسفياً، من أسئلة الوجود والبراءة الأولى. فصوت ليندا الطفولي الذي يرافق الأحداث يشكل هوية خطابية خاصة. وتعليقها العفوي لا يشرح الوقائع، بل يفتحها على غموض شاعري. ومنح مهمة الراوي للطفلة ليندا، بعفويتها البسيطة، يختصر رؤية ماليك للعلاقات الإنسانية بوصفها بحثاً دائماً عن معنى يتعذر الإمساك به. ولا يمثل الصوت هنا أداة تفسير، وإنما تيار وعي يضفي على الصورة بعداً تأملياً، ويحررها من تبعات السرد الخطي.

    نيران الهشاشة الطبقية

    تقوم هوية الفيلم على الاقتصاد المتقشف في الحوار، وعلى ترك مساحات واسعة للصمت. والصمت في سينما ماليك ليس فراغاً، فهو نوع من الامتلاء الداخلي. وتنساب الكاميرا بين الأعشاب، وتلاحق حركة الريح والوجوه الشاردة، وبذلك يتحول الزمن إلى بطل خفي. ونحن لا نشاهد تسلسلاً درامياً متسارعاً، وإنما إيقاعاً بطيئاً يتيح للمتلقي أن يتأمل وأن يشعر بثقل اللحظة. وتجعل هذه الخصوصية فيلم “أيام الجنة” قريباً من الروح التي سيعمقها ماليك لاحقاً في فيلم “الخط الأحمر الرفيع” (1998)، حيث يقول أحد الجنود بصوت داخلي: “ما هذا الشر الذي يسكن الطبيعة، ومن أين جاء؟”، وهو السؤال ذاته الذي يلوح في “أيام الجنة”، ولكن بصيغة أكثر هدوءاً وأقل مباشرة.

    وترتبط جماليات الفيلم باختياره زمن القصة في مطلع القرن العشرين، وبالضبط في سياق أمريكا الزراعية قبيل الحرب العالمية الأولى. ويعكس الفيلم تحولات اجتماعية مرتبطة بالفقر والهجرة والعمل الموسمي، كما يلامس فكرة الحلم الأمريكي وهشاشته الطبقية. وهذا التحديد الزمني يمنح العمل مسافة تاريخية تسمح بتأمل نشأة الرأسمالية الزراعية وتحولات المجتمع الأمريكي. والمزارع الثري الذي يعيش وحيداً في بيت كبير وسط الحقول، يمثل طبقة تملك الأرض لكنها تفتقد الطمأنينة. فالمال لا ينقذه من المرض ولا من الشك فيمن حوله. وهكذا ينقلب الوعد بالجنة إلى عزلة قاسية. ويترك المخرج هذا المزارع بلا اسم، في رمزية لطبقة كاملة.

    ويعتمد الفيلم في بنيته السردية على الحذف والاختزال. فلا نعرف تفاصيل كثيرة عن ماضي الشخصيات، ولا نتابع كل مراحل تطور العلاقة. ما يهم هو اللحظات الكثيفة التي تتجمع مثل ومضات، حين تشتعل النيران في الحقول، نشعر بأن الطبيعة نفسها تثور ضد الطمع البشري. ولا تُعتبر النار حدثاً عرضياً، فهي ذروة رمزية تعلن نهاية الوهم. وبعد ذلك، تتفكك العلاقات ويهرب العشاق ويُقتل بيل في مشهد سريع يفتقر إلى الميلودراما. إنه موت عابر، لكنه حاسم، كما لو أنه جزء من دورة طبيعية لا تتوقف.

    البسيط وأثر المقدس

    تكتسب تجربة فيلم “أيام الجنة” معناها الكامل حين توضع ضمن مسار ماليك السينمائي بشكل موسع. ففي فيلم “الأراضي القاحلة” (1973)، كان المخرج قد رسم صورة لعاشقين هاربين في فضاء أمريكي مفتوح، حيث العنف يتجاور مع البراءة. وفي فيلم “شجرة الحياة” (2011)، سيبلغ تأمله الكوني ذروته حين يطرح سؤال النعمة والطبيعة، ويقول بصوت داخلي: “أين كنت حين أسست الأرض؟”. ويكشف هذا الامتداد أن فيلم “أيام الجنة” ليس عملاً معزولاً، وإنما حلقة في مشروع فلسفي يبحث عن مكان الإنسان بين الأرض والسماء.

    ويمكن قراءة الفيلم بوصفه نقداً للتمثلات الكلاسيكية في السينما الهوليوودية. إنه ينتمي إلى موجة السينما الأمريكية الجديدة التي سعت إلى تحطيم القوالب السردية التقليدية، وإعادة الاعتبار للصورة بوصفها لغة قائمة بذاتها. وقد استخدم المخرج الضوء الطبيعي والتصوير في ساعة الغروب، الذي يخلق إحساساً بأن الزمن يميل دائماً نحو الأفول، وحتى لحظات الفرح تبدو مهددة. فالجنة التي يعد بها العنوان ليست مكاناً مستقراً، وإنما حالة مؤقتة سرعان ما تتبدد.

    وعلى مستوى الأداء، يمنح الممثلون الشخصيات بساطة بعيدة عن الاستعراض. ولا يمثل بيل بطلاً مأساوياً كلاسيكياً، فهو شاب محدود الأفق تحركه الرغبة في النجاة. وشخصية آبي امرأة ممزقة بين الطمع والحب. أما المزارع، فشخصية تثير التعاطف رغم ضعفه. وهذا التوازن الأخلاقي يمنع الفيلم من السقوط في ثنائية الخير والشر، ويعزز رؤيته الإنسانية التي ترى الجميع ضحايا هشاشتهم.

    وتقوم اللغة البصرية للمخرج تيرنس ماليك على الجمع بين العلو والانغماس. فهناك لقطات السماء الواسعة، تقابلها تفاصيل دقيقة لوجوه متأملة. وهذا التوتر بين الكلي والجزئي يعكس خلفيته الفلسفية، وتأثره بالفكر الوجودي، حيث السؤال عن المعنى يتجاوز حدود الفرد ليطال الكون بأسره. وفي فيلم “أيام الجنة”، لا نجد خطباً مباشرة عن الله أو المصير، لكن الإحساس بالرهبة حاضر في كل إطار، كما لو أن الكاميرا تبحث عن أثر المقدس في أبسط الأشياء.

    ويبقى الفيلم، بعد عقود من صدوره (1978)، عملاً مفتوحاً على القراءة والتأويل. ويمكن قراءته بوصفه قصة حب فاشلة، أو نقداً للحلم الأمريكي، أو تأملاً في الطبيعة، أو قصيدة عن الزمن. وتكمن قوته في هذه القدرة على الجمع بين البساطة والعمق. وحين تغادر ليندا الحقول في النهاية، وتواصل رحلتها نحو أفق جديد، نشعر بأن الحياة تستمر رغم الخسارة. فقد تضيع الجنة، لكن البحث عنها لا يتوقف. وهكذا يضعنا ماليك أمام سؤال دائم: كيف يمكن للإنسان أن يحيا ببراءة في عالم تحكمه الرغبة والخوف؟ إن فيلم “أيام الجنة” لا يقدّم جواباً نهائياً، وإنما يتركنا في حضرة صورة مضاءة بضوء الغروب، حيث الجمال والألم يتعانقان بروح السنابل وفي صمت طويل.

    ثمن الخداع ولعنة الطمع

    تبلغ شاعرية “أيام الجنة” ذروتها في مشاهده الجمالية التي تحولت إلى ذاكرة بصرية خالدة في تاريخ السينما. والمشهد الذي تمشي فيه الشخصيات وسط حقول القمح عند الغروب لا يبدو مجرد انتقال مكاني، بل هو طقس عبور داخلي، حيث الضوء الذهبي يلامس الوجوه، ويمنح الإحساس بأن الزمن يتباطأ كي يكشف هشاشة اللحظة. وفي تلك اللقطات الطويلة حيث تتمايل السنابل مع الريح، نشعر بأن الطبيعة ليست خلفية صامتة، بل هي ذات تشارك في صناعة المصير. وتكمن الفكرة هنا في العلاقة بين الإنسان والأرض. هل نحن ضيوف عابرون، أم كائنات تتوهم السيطرة على ما لا يُمتلك؟

    ومن أكثر المشاهد رسوخاً، لحظة اشتعال الحقول، حيث تلتهم النار القمح كما لو أنها عقاب كوني، أو انفجار مكبوت للرغبة والطمع. وتتحول الصورة إلى جحيم مضاء بلون برتقالي كثيف، بينما يركض العمال في فوضى شبه صامتة. ولا يقدم المشهد خطاباً مباشراً عن العدالة أو الذنب، لكنه يفتح سؤالاً عن ثمن الخداع. ولا تُعتبر النار مجرد حادث عرضي، فهي استعارة لانهيار الحلم. وتتحول الجنة التي وعد بها العنوان في لحظة إلى رماد. وهذه المفارقة البصرية تمنح الفيلم بعده التراجيدي دون أن يسقط في الميلودراما.

    ويختصر مشهد البيت الخشبي المعزول وسط السهل عزلة الشخصيات، حيث البناء صغير أمام الامتداد الشاسع للسماء. وغالباً ما تضعه الكاميرا في أطراف الكادر، كأنه نقطة هشة في كون لا مبال. وهنا تتجلى خلفية تيرنس ماليك الفلسفية، حيث الإنسان كائن محدود يفتش عن معنى في فضاء لا نهائي. ويوازي الصمت داخل البيت صمت الطبيعة في الخارج. فكل حركة تبدو محاطة بإحساس خفي بالزوال.

    وتلتقط اللقطات وجوه الشخصيات في تأمل صامت، تشكل بعداً آخر من جماليات الفيلم. فشخصية آبي وهي تنظر من النافذة إلى الحقول تبدو معلقة بين خيارين. وشخصية بيل وهو يراقبها بعين قلقة يكشف صراعاً داخلياً بين الحب والمصلحة. ولا تحتاج هذه النظرات إلى حوار طويل. وتكفي الصورة وحدها لتوصيل القلق. والفكرة هنا نفسية وأخلاقية في آن واحد: كيف يتحول السعي إلى حياة أفضل إلى بذرة خيانة؟ وكيف يتسلل الشك إلى قلب علاقة قامت أصلاً على التمثيل؟

    ويضفي صوت ليندا الطفولي الذي يرافق بعض هذه المشاهد مسافة شعرية، حين تتحدث عن الناس الذين يحبون بعضهم ثم يرحلون. وتبدو كأنها شاهدة بريئة على مأساة أكبر من فهمها. وهذا التباين بين البراءة والحدث العنيف يعمق أثر الصورة. ولا تُعتبر الطفولة في الفيلم ملاذاً آمناً، فهي مرآة تكشف عبث الكبار.

    ويحمل المشهد الذي يسير فيه العشاق ليلاً تحت سماء مضاءة بالنجوم طابعاً حلمياً. فالظلال الناعمة والهواء الهادئ يخلقان إحساساً بأن العالم يمكن أن يكون جميلاً وبسيطاً، غير أن هذا الصفاء مؤقت. فسرعان ما يعود التوتر، ويطل المرض والغيرة. وهكذا يبني الفيلم جدلية بين الصفاء والتهديد، وبين الضوء والظلمة. وهذه الثنائية ستتكرر لاحقاً في فيلم “الخط الأحمر الرفيع”، حين تتحول الطبيعة الجميلة إلى مسرح حرب دامية، ويُطرح السؤال عن الشر الكامن في قلب العالم. كما ستبلغ بعداً كونياً في فيلم “شجرة الحياة”، حين يتجاور خلق الكون مع مأساة عائلة صغيرة.

    وتتجسد القضايا الكبرى في فيلم “أيام الجنة” عبر تفاصيل بسيطة: يد تلامس سنبلة، ونظرة عابرة، وظل يمتد على جدار. وتحمل هذه العناصر الصغيرة ثقلاً وجودياً. ويرفض الفيلم التفسير المباشر، ويترك المتلقي في مواجهة الصورة، لذلك تظل مشاهده الجمالية مفتوحة على قراءات متعددة. ويمكن أن نراها قصيدة عن الفقدان، أو نقداً للحلم الأمريكي، أو تأملاً في علاقة الإنسان بالطبيعة.

    ولا تنبع قوة هذه المشاهد فقط من جمالها البصري، وإنما من قدرتها على تحويل الحدث العادي إلى تجربة تأملية. ولا تُعتبر النار مجرد احتراق قمح، بل هي احتراق وهم. ولا يمثل الغروب نهاية يوم، وإنما علامة على أفول براءة. ولا يمثل البيت المعزول مسكناً، بقدر ما يمثل استعارة لعزلة الروح. وبهذه اللغة الهادئة والمكثفة، يرسخ الفيلم مكانته كعمل يدهش العين ويوقظ الفكر في آن واحد.

    خلف وعود الحب

    لا يتجسد البطل في فيلم “أيام الجنة” في شخصية واحدة مكتملة الملامح، وإنما يتوزع على كائنات هاربة تبحث عن ملاذ في أرض تبدو بلا حدود. ولا يمكن اعتبار شخصية بيل بطلاً تقليدياً، فهو شاب مسحوق تدفعه قسوة المدينة والفقر إلى اختراع حيلة للبقاء. إنه يمثل الإنسان الحديث حين يختزل الحلم في فرصة مادية سريعة، حين يهمس لآبي بأن زواجها من المزارع لن يدوم طويلاً، وأنهما سيعيشان بعدها أحراراً. ويكشف منطقه النفعي الذي يتخفى خلف وعد بالحب. وهذه البراغماتية الهشة سرعان ما تتصدع أمام تعقيدات العاطفة.

    ولا تتأسس شخصية آبي، بدورها، كضحية خالصة ولا متآمرة كاملة. إنها امرأة تتأرجح بين رغبة في الأمان ونداء داخلي للحب. وفي إحدى لحظات التوتر، تقول بصوت مكسور إنها لم تطلب أن تصبح جزءاً من لعبة لا تفهم نهايتها. وتختصر عبارتها البعد النفسي للشخصية، حيث يتحول التظاهر إلى عبء أخلاقي. ويمثل المزارع المريض وجهاً آخر للبطولة المنكسرة. لا تمنحه ثروته سلطة حقيقية على قلب من يحب، حين يصرح بهدوء بأنه “لا يريد أن يكون وحيداً بعد الآن”، ويكشف هشاشة إنسان يبحث عن دفء في عالم بارد.

    ولا يؤسس المكان في الفيلم مجرد خلفية طبيعية، بل هو بطل مواز. وتتحول الحقول الشاسعة التي صورها تيرنس ماليك إلى فضاء رمزي مفتوح على التأويل. إنها تعد بالخصب والوفرة، لكنها تخفي في عمقها احتمالاً دائماً للفقدان. وتوحي السنابل الذهبية بالجنة، لكن الريح التي تعصف بها تذكر بأن الاستقرار وهم عابر. ويحمل المكان هنا بعداً اجتماعياً واضحاً. فنحن أمام مجتمع زراعي في مطلع القرن العشرين، حيث تتشكل علاقات العمل على أساس الملكية والهيمنة. ويتحرك العمال الموسميون مثل قافلة تبحث عن رزق مؤقت، فلا جذور لهم في الأرض التي يفلحونها. ويعكس هذا الانفصال وضعاً طبقياً هشّاً، حيث الحلم الأمريكي لا يتاح للجميع بالقدر نفسه.

    لحظات الهشاشة والانسجام المؤقت

    يتجلى البعد الاجتماعي في فيلم “أيام الجنة” في فكرة التنقل الدائم. فالشخصيات تهرب من المدينة الصناعية إلى الريف، ظناً بأن الطبيعة أكثر رحمة، غير أن الطبيعة لا تمنح خلاصاً أخلاقياً. إنها محايدة أمام رغبات البشر. وبهذا المعنى، يطرح الفيلم سؤالاً عن العدالة. هل المكان قادر على تطهير من يسكنه، أم أن الإنسان يحمل صراعاته معه أينما ذهب؟ وتبدو النار التي تلتهم الحقول كأنها رد رمزي على اختلال التوازن بين الطمع والبراءة.

    وعلى المستوى النفسي، يعيش الأبطال حالة قلق مستمر. ويخشى بيل انكشاف خطته. وشخصية آبي تمزقها مشاعر متناقضة. والمزارع يتآكله الشك. وهذا التوتر الصامت يتجسد في نظرات طويلة وفي مسافات جسدية بين الشخصيات. حين تقول ليندا بصوتها الطفولي “إن الناس يحبون بعضهم بعضاً ثم ينسون السبب”، تبدو كأنها تلخص المأساة كلها. ويمنح صوتها الطفولي داخل الفيلم بعداً تأملياً، ويكشف أن العالم أكبر من حيل الكبار.

    ورمزياً، يمكن قراءة القصة كحكاية عن السقوط من براءة مفترضة. ويوحي العنوان بجنة أرضية، لكن الأحداث تكشف أن الجنة ليست مكاناً، بل هي لحظة هشة من انسجام مؤقت. وحين يشتعل الحقل ويتحول الضوء الذهبي إلى وهج أحمر، يتجسد الانتقال من الحلم إلى الكارثة. وتظهر النار، لكنها تدمر كل شيء وتكشف المستور. إنها صورة مكثفة لعلاقة الإنسان برغباته.

    وفي المشهد الأخير، حين تواصل ليندا رحلتها مع صديقة جديدة وتقول إن الحياة تمضي مهما حدث، يطل أفق مفتوح. ولا تقدم النهاية عقاباً صارماً ولا خلاصاً مطلقاً. إنها تعترف باستمرار الدورة الإنسانية. والبطل الحقيقي ربما هو الزمن الذي يمر دون اكتراث. يتغير المكان وتختفي الوجوه، لكن الريح تظل تعبر الحقول. وبهذه الرؤية الشفافة، يجعل الفيلم من الحكاية البسيطة تأملاً عميقاً في الإنسان والمجتمع والرمز، ويتركنا أمام سؤال مفتوح عن معنى البراءة في عالم تحكمه الحاجة والخوف.

    ختاماً

    في فيلم “أيام الجنة”، لا تنتهي الحكاية عند احتراق الحقول أو سقوط العشاق، وإنما تبدأ أسئلة أعمق عن معنى البراءة حين تصطدم بالرغبة، وعن الحلم حين يتآكل من الداخل. ويكشف الفيلم أن الجنة ليست مكاناً نصل إليه، بقدر ما هي وهج لحظة عابرة لا يمكن امتلاكها. وتظل الطبيعة شاهدة صامتة على ضعف الإنسان، وعلى توقه الدائم إلى الخلاص. وكما يهمس الصوت في فيلم “الخط الأحمر الرفيع”: “ما هذا الشر، وأين جذره؟”، فإن السؤال يبقى مفتوحاً في قلب الصورة، وقلب سؤال السينما، حيث الجمال والألم يتجاوران في صمت طويل.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • تقرير مؤشر الإرهاب العالمي 2026: المغرب يكرس “الاستثناء الأمني” في منطقة ملتهبة ويتحول إلى “قلعة صمود” استراتيجية

    كواليس – متابعة

    رسم التقرير السنوي الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام بسيدني لعام 2026، صورة قاتمة لتحولات الخطر الإرهابي عبر العالم، لكنه أفرد للمملكة المغربية مساحة استثنائية بوصفها “نموذجاً فريداً” للاستقرار والفعالية الأمنية في محيط إقليمي مضطرب.

    فبينما سجل العالم انخفاضاً بنسبة 28% في ضحايا الإرهاب خلال عام 2025، برزت منطقة الساحل جنوب الصحراء كبؤرة دموية تحتضن أكثر من نصف الوفيات العالمية، في حين نجح المغرب في الحفاظ على سجل “صفر ضحية” منذ عام 2011، ليُصنف ضمن قائمة ضيقة تضم 25 دولة فقط هي الأكثر أماناً على كوكب الأرض.

    إن هذا التفوق المغربي، كما يحلله…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المغرب يعزز ريادته الأمنية.. تقرير دولي يشيد بنجاعة النموذج الاستباقي في دحر الإرهاب

    الخط : A- A+

    كشف تقرير مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2026 الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام، عن استمرار المملكة المغربية في ريادتها الأمنية على المستويين الإقليمي والدولي، حيث حافظت البلاد على مكانتها ضمن قائمة الدول الأكثر أمانا واستقرارا في العالم، ضمن الدول 25 (من أصل 163) التي لم تسجل أي عملية إرهابية خلال أكثر من عقد ونصف العقد، أي منذ سنة 2011.

    ويظهر التقرير تفوق النموذج المغربي في مكافحة التطرف العنيف، من خلال سياسة استباقية مكنت من تحييد المخاطر قبل وصولها إلى مرحلة التنفيذ، وهو ما جعل المملكة نموذجا للأمان وسط محيط إقليمي مضطرب، شهدت فيه العديد من دول الجوار تحديات أمنية جسيمة وتراجعا في مؤشرات الاستقرار.

    وتبرز الأرقام الواردة في المؤشر الدولي أن المغرب يواصل تسجيل صفر ضحية وصفر حادث إرهابي لعدة سنوات، مما يعكس يقظة الأجهزة الأمنية المغربية وقدرتها الفائقة على تفكيك الخلايا النائمة وتجفيف منابع التمويل، وتؤكد المعطيات أن الاستراتيجية الوطنية المعتمدة لا تقتصر على الجانب الأمني الصرف، بل تمتد لتشمل إصلاح الحقل الديني والنهوض بالأوضاع الاجتماعية، وهي مقاربة شاملة حظيت بإشادة المؤسسات الدولية المعنية بسلامة الشعوب، وهذا يعني عمليا أنه من أكثر البلدان سلامة في العالم.

    ويشير التقرير إلى أن منطقة الساحل والصحراء قد تحولت إلى بؤرة عالمية للنشاط المتطرف، حيث سجلت دول مثل بوركينا فاسو ونيجيريا والنيجر معدلات مرتفعة من الهجمات والضحايا، وفي ظل هذا الوضع المعقد نجح المغرب في نهج استراتيجية أمنية مكنته من حماية أراضيه من تسلل الجماعات المسلحة العابرة للحدود، مما جعل، كذلك، التجربة المغربية مرجعا تطلب العديد من القوى العظمى الاستفادة منه لتأمين حدودها وإدارة مخاطرها الأمنية المتزايدة.

    ويلقي المؤشر الضوء على ظاهرة عالمية مقلقة تتعلق باستقطاب الشباب وصغار السن عبر الفضاء الرقمي، وهي الظاهرة التي واجهها المغرب بحزم من خلال برامج متخصصة لإعادة التأهيل والمراجعة الفكرية، وتعتبر تجربة “مصالحة” التي تستهدف المعتقلين في قضايا التطرف نموذجا فريدا في تحويل العناصر المتشددة إلى عناصر فاعلة وإيجابية في المجتمع، وقد ساعدت هذه البرامج في تحصين المجتمع المغربي من الداخل، وجعلت من المستحيل على التنظيمات الدولية العثور على موطئ قدم أو بيئة حاضنة لأفكارها الهدامة، مما يفسر التراجع الكبير في أعداد المغاربة الملتحقين ببؤر التوتر مقارنة بالسنوات الماضية.

    ويتضح من خلال الرؤية المستقبلية التي قدمها التقرير أن المغرب يسير في خط تصاعدي نحو تعزيز مكانته كقطب دولي للسلم والأمان، فالمملكة لا تكتفي بتأمين حدودها الوطنية فقط، بل تساهم بفعالية في استقرار القارة الإفريقية ومنطقة البحر الأبيض المتوسط، ويؤكد الخبراء الدوليون أن الاستقرار الذي تنعم به المملكة هو ثمرة عمل مؤسساتي دؤوب وتنسيق محكم بين مختلف الأجهزة السيادية، وهو ما يمنح المغرب ثقة المستثمرين والسياح من مختلف بقاع العالم، ويجعل منه نموذجا يحتذى به في التوفيق بين المتطلبات الأمنية الصارمة واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية في ظل سيادة القانون.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • كرة القدم.. نادي إشبيلية الإسباني يقيل مدربه ماتياس ألميدا

    أعلن نادي إشبيلية، صاحب المركز الخامس عشر حاليا في الدوري الإسباني لكرة القدم، اليوم الاثنين، إقالة مدربه الأرجنتيني ماتياس ألميدا من منصبه، وذلك عقب الهزيمة على أرضه أول أمس أمام فالنسيا بهدفين دون رد.

    وأصدر النادي الأندلسي، الذي يبتعد بفارق ثلاث نقاط فقط عن منطقة الهبوط، بيانا مقتضبا وجه فيه الشكر إلى ألميدا، الذي قاد الفريق في 32 مباراة، منها 29 في الدوري الإسباني وثلاث في كأس الملك.

    ولم يذكر البيان اسم المدرب البديل أو إمكانية تعيين مدرب موقت، وذلك قبيل فترة توقف دولية تمتد لأسبوعين.

    يذكر أن ألميدا (53 سنة) بدأ مسيرته التدريبية مع ريفر بلايت الأرجنتيني سنة 2011، وتولى تدريب أيك أثينا اليوناني بين سنتني 2022 و2025، قبل أن يتعاقد معه إشبيلية بعقد يمتد لثلاثة مواسم.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • إعادة انتخاب كيم جونغ أون رئيسا لشؤون الدولة في كوريا الشمالية

    الاحداث Alahdat.net

    أعاد المــجلس التشريعي في كوريا الشمالية انتخاب كيم جونغ أون رئيسا لشؤون الدولة، بحسب ما أعلنت وسائل إعلام رسمية الاثنين.

    وأعلـــنت وكالة الأنباء الكورية الشمالية الرســــمية إعادة تعيين كيم رئيسا للجنة شؤون الدولة، أعلى هيئة حاكمة وصانعة للقرارات في الدولة المحكومة بنظام استبدادي.

    وقالت الوكالة إن “مجلس الشعب الأعلى في جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية أعاد انتخاب الرفيق كيم جونغ أون رئيسا لشؤون الدولة في أول جلسة، وهي أول فعالية لدورته الخامسة عشرة بتاريخ 22 مارس”.

    وذكر التقرير أن قرار إعادة انتخاب كيم لشغل منصب الرئاسة يعكس “الإرادة الموحدة لجميع الكوريين”.

    وكيم جونغ أون هو الحاكم من الجيل الثالث للدولة المسلحة نوويا التي أسسها جده كيم إل سونغ عام 1948.ويحكم البلاد منذ وفاة والده في 2011.

    ونشرت الوكالة صورا تظهر كيم ببزة رسمية وهو جالس على مسرح فيما يحيط به كبار المسؤولين أمام تمثالين ضخمين لوالده كيم جونغ إل وجدّه.

    وقبيل الجلسة، انتُخب 687 نائبا في مجلس الشعب الأعلى ومُنح للكوريين الشماليين البالغين فوق 17 عاما خيار الموافقة على المرشح الوحيد الذي طرحه الحزب الحاكم أو رفضه.

    وذكرت الوكالة في وقت سابق أنه تمّت الموافقة على النواب الجدد إذ حصلوا على 99,93 في المئة من الأصوات مع نسبة معارضة بلغت 0,07 في المئة. وأما نسبة المشاركة فبلغت 99,99 في المئة.

    وقالت إن قاعة المجلس كانت “مليئة بالوعي السياسي الاستثنائي والحماس الثوري” من قبل الأعضاء المنتخبين حديثا.

    ويشير المحللون إلى أن جلسة الجمعية الحالية قد تبحث أيضا تعديلات محتملة على الدستور قد تشمل سن قانون ينصّ على أن العلاقات بين الكوريتين هي بين “دولتين عدوتين”.

    ويأتي انعقاد الجلسة بعد اجتماع للحزب الحاكم يجري كل خمس سنوات جرى الشهر الماضي.

    Tags :الأحداث Alahdat.netالأحداث23 مارس، 2026

    إقرأ الخبر من مصدره

  • تفعيل « مجلس اللغات »


    مصطفى عنترة
    لماذا يجب تفعيل المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية؟

    يكتسي المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية أهمية محورية ضمن الهندسة الدستورية التي جاء بها دستور 2011، باعتباره الآلية المؤسساتية التي تترجم مبدأ التعدد والتنوع الثقافي واللغوي من مجرد إقرار دستوري إلى سياسة عمومية منظمة ومندمجة.

    يندرج إحداث هذا المجلس في صلب منطق مأسسة الهوية، حيث لم يكتف الدستور بالاعتراف بتعدد مكونات وروافد الهوية الوطنية الموحدة، بل نص على ضرورة تأطير هذا التنوع عبر مؤسسة دستورية تسهر على حمايته وتطويره. وهنا تظهر أهمية المجلس كفضاء للتنسيق والتقنين، يهدف إلى تجاوز التدبير المجزأ أو الظرفي لقضايا اللغة والثقافة.

    كما تظهر أهميته من خلال ما يقوم به من دور أساسي في تدبير التعدد اللغوي، خاصة فيما يتعلق بالعربية والأمازيغية، باعتبارهما لغتين رسميتين. فالقانون التنظيمي المنظم له يحدد اختصاصاته في اقتراح التوجهات الاستراتيجية للدولة في مجال السياسة اللغوية والثقافية، وضمان انسجامها بما يمنع التعارض أو الازدواجية بين الفاعلين والمؤسسات. كما يعمل على حماية وتطوير مختلف التعبيرات اللغوية، بما فيها الحسانية ومختلف اللهجات والتعابير الثقافية.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    إضافة إلى ذلك، يساهم المجلس في تثمين التنوع الثقافي عبر إدماج مختلف المكونات والروافد التي أقرتها الوثيقة الدستورية. وبهذا المعنى، فهو يضطلع بدور استراتيجي في صيانة الذاكرة الجماعية وتعزيز الانتماء الوطني المشترك، من خلال سياسات ثقافية شمولية تراعي هذا الغنى الحضاري.

    كذلك يكرس المجلس مبدأ الحكامة الثقافية واللغوية، من خلال إرساء آليات للتخطيط والتتبع والتقييم، وتقديم آراء وتوصيات للسلطات العمومية، وهو ما يعكس انتقال الدولة من تدبير تقليدي للثقافة إلى تدبير مؤسساتي قائم على الرؤية والاستراتيجية والتنسيق بين مختلف المتدخلين.

    وتأسيسا على ذلك، يمكن القول إن المجلس يشكل أداة لتحقيق التوازن بين الانفتاح والخصوصية، إذ يسعى إلى تطوير اللغات الوطنية والانفتاح على اللغات الأجنبية الأكثر تداولا في العالم، في إطار يحفظ السيادة الثقافية ويعزز التفاعل الإيجابي مع العولمة، والانخراط في مجتمع المعرفة، والانفتاح على مختلف الثقافات وعلى حضارة العصر دون المساس بالثوابت الوطنية.

    وأخيرا، فإن أهمية المجلس تكمن في كونه يجسد روح دستور 2011، الذي جعل من التعددية ركيزة للوحدة، ومن التنوع أساسا للاندماج. فبفضل هذه المؤسسة الدستورية، لم يعد التنوع مجرد معطى ثقافي، بل أصبح موضوع سياسة عمومية مؤطرة تضمن استدامته وتطوره في إطار دولة الحق والقانون.

    ومن هذا المنطلق، تكتسي مسألة تفعيل المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية أهمية بالغة في سياق استكمال البناء الدستوري الذي أرساه دستور 2011، خاصة وأن الفصل الخامس لم يكتفِ بالإقرار الرسمي بالتعدد اللغوي والثقافي، بل ربط ذلك بإحداث مؤسسة تتولى تدبير هذا التعدد والتنوع بشكل منظم ومندمج.

    فأهمية تفعيل هذه المؤسسة التي أبدع المشرع الدستوري في وضعها تكمن في ما يلي:

    -أولا، في استكمال الصرح الدستوري، لأن التنصيص على مؤسسة من هذا الحجم وبهذه الأهمية دون إخراجها إلى حيز الوجود الفعلي يظل ناقص الأثر. وبالتالي، فإن إحداث المجلس وتفعيله يعني الانتقال من مرحلة “الدسترة” إلى مرحلة “التنزيل”، أي تحويل المبادئ الدستورية إلى سياسات عمومية ملموسة؛

    -ثانيا، يساهم المجلس في إضفاء الطابع المؤسساتي على التعدد اللغوي والثقافي، بما يضمن تدبيره بشكل عقلاني ومنسق، بدل أن يبقى مجالا للتجاذبات أو المبادرات المتفرقة. فالقانون التنظيمي المؤطر له، والذي عرف نقاشا واسعا داخل البرلمان وخارجه، عكس وعيا جماعيا بحساسية هذا الورش وأهميته، سواء من حيث تحديد الاختصاصات أو طبيعة العلاقة مع باقي المؤسسات المعنية، لاسيما وأن المجلس يضم مختلف المؤسسات المعنية بهذه المجالات، القائمة منها كالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية وأكاديمية محمد السادس للغة العربية، وكذا الهيئات التي سيتم إحداثها والخاصة بالحسانية واللهجات ومختلف التعبيرات الثقافية المغربية الأخرى، إضافة إلى ما يتعلق بالتنمية الثقافية وحفظ التراث وتنمية استعمال اللغات الأجنبية والترجمة، كما جاء في مضمون القانون التنظيمي للمجلس وطبقا لروح الفصل الخامس من الدستور؛

    -ثالثا، يتيح تفعيل المجلس تحقيق الانسجام في السياسة اللغوية والثقافية للدولة، من خلال التنسيق بين مختلف الفاعلين، مثل المؤسسات الأكاديمية والثقافية، وتقديم التوجيهات الاستراتيجية، وهو ما يساهم في تجاوز الازدواجية أو التضارب في التدخلات، خاصة في مجالات التعليم والإعلام والإبداع الثقافي؛

    -رابعا، يعزز المجلس الحكامة الجيدة في تدبير الشأن الثقافي واللغوي، عبر آليات الاستشارة وإبداء الرأي والتقييم، وهو ما يمنح هذا المجال طابعا مؤسساتيا قائما على التخطيط والاستشراف بدل الارتجال أو المعالجة الظرفية.

    ولا يخفى أن القانون التنظيمي لهذه المؤسسة رافقه نقاش كبير ومثمر كشف عن تعدد الرؤى والتصورات حول الهوية، لكنه في الآن نفسه ساهم في إغناء النص القانوني وجعله أكثر توازنا.

    وفي المحصلة، فإن تفعيل هذه المؤسسة لا يمثل فقط إجراء تقنيا أو إداريا، بل يشكل خطوة أساسية نحو ترسيخ النموذج المغربي في تدبير التنوع، القائم على التعددية والانفتاح والمأسسة، بما يعزز الوحدة الوطنية في إطار احترام الاختلاف.

    -باحث جامعي

    إقرأ الخبر من مصدره

  • نظرية المؤامرة المظلومة

    إبراهيم ابراش

    كلما كتب شخصٌ وحذر من المخططات الإسرائيلية والأمريكية في المنطقة، واجه
    صدّاً واتهامات بأنه مهووس بـ «نظرية المؤامرة» وواقع تحت تأثيرها، وبأنه
    لا توجد في السياسة مؤامرات. وكان أغلب الرافضين لنظرية المؤامرة إما
    جهلاء بالسياسات الدولية و «لعبة الأمم» لتحقيق المصالح القومية، أو من
    منظّري وكتَبة أنظمة تابعة للغرب يسعون لتبرير تبعية بلدانهم له.

    وقد كتبنا كثيراً عن هذا الموضوع منذ بداية ما يسمى بـ «الربيع العربي»،
    ومن ذلك مقالنا المعنون بـ (الإسلام السياسي والغرب بين نظرية المؤامرة
    والواقعية السياسية) في ديسمبر 2011 حيث كتبنا أن ما يسمى الربيع…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • دفاع الناصري يطعن في “فواتير الماء والكهرباء” ويصفها بـ”المفبركة”

    واصل دفاع سعيد الناصري مرافعته في ملف “إسكوبار الصحراء”، مركزا هذه المرة على تفنيد ما اعتبره “أحد أضعف مؤيدات المتابعة”، والمتعلق بوثائق فواتير الماء والكهرباء، التي تم تقديمها أمام المحكمة كقرائن على استغلال الفيلا موضوع النزاع.

    واستهل الدفاع مرافعته بالتأكيد على أن هذه الوثائق، رغم تقديمها في شكل “أصول وصور فوتوغرافية”، وصلت إلى المحكمة عبر مسار غير مباشر، وصفه بـ”العنعنة”، مما يطرح، بحسبه، تساؤلات جدية حول مصداقيتها وسلامة مصدرها.

    وأوضح المحامي مبارك المسكيني أن إثارة هذا المعطى ارتبطت بشخص وصفه بـ”الغريب”، ويتعلق الأمر بوسام ندير، الذي تم الاستماع إليه سنة 2023 عبر تقنية “الزوم” من السعودية، مشيرًا إلى أن هذا الأخير قام بإرسال الوثائق عبر تطبيق “واتساب” إلى شخص يدعى سهيل قنديل، الذي أحالها بدوره على أسامة باهي، قبل أن تصل في النهاية إلى مصالح الشرطة على أساس أنها فواتير الماء والكهرباء لسنة 2013.

    وتساءل الدفاع عن منطقية هذا المسار، مستغربًا كيف يمكن لشخص غادر المغرب سنة 2017 وكان في وضعية فرار، أن يظهر بعد سنوات بوثائق تعود إلى 2013، دون أن يقدم في المقابل عقد شراء الفيلا، رغم ادعائه الحرص على مصالح الحاج بن إبراهيم، معتبرًا أن هذا المعطى يضعف بشكل كبير القيمة الإثباتية لهذه الوثائق.

    ولم يكتف الدفاع بذلك، بل طعن أيضًا في الشكل والمضمون، مؤكدًا أن هذه “الفواتير” لا تتوفر على المعايير الأساسية للوثائق الرسمية، إذ تم إنجازها، حسب تعبيره، عبر برنامج “إكسيل”، ولا تحمل تاريخًا واضحًا أو عنوانًا أو اسم الحاج بن إبراهيم، وتقتصر فقط على أرقام استهلاك ضعيفة.

    وفي هذا الإطار، تساءل المسكيني عن مدى واقعية هذه الأرقام، التي لا تتجاوز، حسب قوله، 20 إلى 30 درهمًا، متسائلًا: كيف يمكن لفيلا بمرافقها وتجهيزاتها أن تسجل استهلاكًا بهذا الحجم “الهزيل”، حتى على فرض صحة هذه الوثائق؟

    وفي مقابل ذلك، قدم الدفاع معطيات مضادة، مؤكداً أن الحاج بن إبراهيم صرح في ثلاث مناسبات بأنه ظل يقيم بالفيلا إلى غاية سنة 2019، معتبراً أن الرواية المقدمة “تم صنعها لتمويه العدالة”، وأنها لا تستند إلى وقائع ثابتة.

    وعرض الدفاع وثائق رسمية صادرة عن الشركة الجهوية متعددة الخدمات، التي خلفت شركة “ليديك”، تثبت بشكل دقيق مسار تزويد الفيلا بالماء والكهرباء منذ سنة 1997، حين كانت في ملكية الصفريوي عبد الواحد، مرورًا بفترة تملكها من طرف سامية سنة 2011، وصولًا إلى المير بلقاسم ثم سعيد الناصيري.

    وأشار الدفاع إلى وجود اختلاف جوهري بين شكل هذه الوثائق الرسمية وتلك المقدمة من طرف وسام ندير، موضحًا أن الوثائق الحقيقية تتضمن معطيات دقيقة، من قبيل رقم العقدة، اسم المستهلك، عنوان الاستهلاك، نوع الخدمة، وتاريخ الفاتورة، وهو ما يغيب كليًا عن الوثائق محل الطعن.

    وقدم المسكيني وثيقة إضافية تعود إلى فترة تملك “المير بلقاسم” للفيلا في دجنبر 2014، تتضمن كافة البيانات التقنية والقانونية المرتبطة بالاستهلاك، إلى جانب فواتير صادرة عن الشركة الجهوية تثبت تسجيل استهلاك باسم سعيد الناصري عبر شركة “برادو” ابتداءً من يوليوز 2017، وهو ما يعزز، حسب الدفاع، فرضية الانتظام القانوني للوضعية.

    وفي معطى لافت، أدلى الدفاع بشهادة رسمية مختومة صادرة عن الشركة الجهوية متعددة الخدمات باللغة الفرنسية، تفيد بأن الفيلا موضوع النزاع لم تكن مرتبطة بأي اشتراك في الماء والكهرباء، ولم تسجل أي استهلاك خلال الفترة الممتدة من نونبر 2014 إلى أكتوبر 2017.

    واعتبر الدفاع أن هذا المعطى يضع المحكمة أمام تناقض صارخ:” إما تصديق الوثائق الرسمية الصادرة عن مؤسسة عمومية، أو الأخذ بتصريحات بعض الأشخاص الذين أكدوا أنهم كانوا يقيمون في الفيلا خلال تلك الفترة، رغم غياب أي تزويد فعلي بالماء والكهرباء”،متسائلا عن خلفيات تحول بعض الشهود، من بينهم شخص يدعى شوقي، من أصدقاء مقربين للناصري إلى خصوم له مباشرة بعد تفجر هذه القضية، ملمحًا إلى وجود دوافع غير موضوعية وراء بعض التصريحات.

    وطالب الدفاع بانتداب خبير مختص للوقوف على صحة الوثائق المعروضة، مؤكدًا أن الأساس الذي بنيت عليه متابعة الناصري “باطل وعار من الصحة”.

    وعلى مستوى الجانب القانوني، تطرق الدفاع إلى مسألة “التوطين”، موضحًا أن اعتماد عنوان الفيلا كمقر للشركة جاء في إطار اتفاق مسبق يقضي باقتناء العقار عبر شركة مدنية عقارية سيتم تأسيسها لهذا الغرض، وهو إجراء قانوني لا يشكل أي خرق، مستندا إلى تصريح الموثق أمين جليل، الذي أكد خلال محضر الاستماع أنه لم يتم إنجاز أي بروتوكول اتفاق، نظرًا لطبيعة الشركة المدنية العقارية التي لا تمارس نشاطًا تجاريًا، مشددًا على أن ذلك لا يطرح أي إشكال قانوني.

    وتساءل الدفاع عما إذا كان هناك أي تزوير في عقد التوطين أو عقد التأسيس، قبل أن يجيب بالنفي، معتبرًا أن تسجيل العقار باسم الشركة لا يشكل جريمة، بل يدخل في إطار الممارسات القانونية العادية.

    وبالعودة إلى فصول المتابعة، أكد الدفاع أن الأفعال المنسوبة إلى موكله لا تستجيب لأركان جناية التزوير في محرر رسمي، كما ينص عليها القانون، مشيرًا إلى أن المواد 352 و353 تتعلق بموظف عمومي، وهو ما لا ينطبق على سعيد الناصري، في حين أن المادة 354 تفترض صدور التزوير عن موظف رسمي، كالموثق، وهو ما لم يثبت في النازلة.

    وختم الدفاع مرافعته بالتأكيد على أن العقد موضوع النزاع “صحيح وسليم”، وأن ما تم الإدلاء به أمام الموثق جرى توثيقه بشكل قانوني، متسائلًا عن الأساس الذي يمكن أن يبرر اعتباره عقدًا صوريًا، مشددا على  أن العناصر التكوينية لجناية التزوير في محرر رسمي “غير قائمة لا واقعًا ولا قانونًا”، ملتمسًا من المحكمة التصريح بعدم مؤاخذة موكله من أجل هذه التهمة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • تساؤلات حول نجاعة المخيمات الصيفية في محاربة الهدر المدرسي

    الأخبار

    كشفت النائبة البرلمانية سلوى البردعي، عن المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية بمجلس النواب، من خلال سؤال كتابي تقدمت به إلى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، بشأن التساؤل حول نجاعة إحداث مدارس ومخيمات صيفية أعلنتها وزارة التعليم في سياق البرامج المعنية بمحاربة الهدر المدرسي، (كشفت) عن كون المعطيات المتداولة تشير إلى أن حوالي 220 ألف تلميذ يغادرون مقاعد الدراسة سنويا، وهو مؤشر اعتبرته البرلمانية المذكورة يدعو للقلق ويعكس استمرار ظاهرة الهدر المدرسي رغم البرامج المعتمدة للحد منه.

    وأضافت البرلمانية البردعي أنه تم، في هذا السياق، الإعلان عن مقترح إحداث مدارس ومخيمات صيفية بوصفها آلية للمساهمة في تقليص ظاهرة الهدر المدرسي، التي أوضحت أنها ترتبط بعوامل بنيوية متعددة، من قبيل الهشاشة الاجتماعية وبعد المسافة بين مساكن المتمدرسين والمؤسسات التعليمية، في ظل ضعف الدعم الاجتماعي، وكذا صعوبات التحصيل العلمي، إضافة إلى الإكراهات المرتبطة بالعالم القروي، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة المخيمات أو المدارس الصيفية، باعتبارها إجراءات ظرفية وموسمية، على معالجة الأسباب العميقة للانقطاع المبكر عن الدراسة.

    وساءلت برلمانية المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، حول التصور الاستراتيجي المعتمد لجعل المدارس والمخيمات الصيفية آلية فعالة للحد من الهدر المدرسي، وطالبت الوزير محمد سعد برادة بالكشف عن الفئة المستهدفة تحديدا بالمبادرة المذكورة، وبتقديم توضيحات بخصوص مدى توفر معطيات دقيقة حول التلاميذ المهددين بالانقطاع عن التمدرس. مثلما استفسرت حول الاعتمادات المالية المرصودة لتنزيل هذا الإجراء، وكيف سيتم تقييم أثره وقياس نتائجه، وكذا عن التدابير الموازية لمعالجة الأسباب البنيوية للهدر المدرسي، خاصة في الوسط القروي والمناطق الهشة.

    وأشارت البرلمانية سلوى البردعي، من خلال سؤال كتابي، توصل به وزير التربية الوطنية، قبل أيام، حول استمرار الفارق الصارخ في نسب التمدرس بين الوسطين القروي والحضري، إلى المعطيات الإحصائية لسنة 2024، التي توضح أن نسبة تمدرس الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و17 سنة لا تتجاوز 55 بالمائة في الوسط القروي، مقابل نسبة تقارب 100 بالمائة في الوسط الحضري، وهو ما يعكس، بحسب البرلمانية المذكورة، وجود فجوة مجالية مقلقة تمس مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية الذي كرسه دستور 2011.

    واعتبرت البردعي أن استمرار هذا التفاوت في نسب التمدرس بين المجالين القروي والحضري، يطرح تساؤلات جوهرية حول نجاعة البرامج المعتمدة لمحاربة الهدر المدرسي في صفوف الفتيات بالعالم القروي، سيما في ظل الإكراهات المرتبطة ببعد المؤسسات التعليمية، وضعف النقل المدرسي والهشاشة الاجتماعية، حيث تساءلت حول الأسباب الحقيقية الكامنة وراء استمرار هذا الفارق الصارخ في نسب التمدرس، وطالبت باتخاذ التدابير الاستعجالية والهيكلية الكفيلة بضمان رفع نسبة تمدرس الفتيات بالعالم القروي، سيما في السلك الثانوي التأهيلي، وفق برنامج زمني محدد لتقليص هذا الفارق وتحقيق المساواة الفعلية في الولوج إلى التعليم.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بين الأرقام والواقع.. تقرير حقوقي يكشف هشاشة مشاركة النساء في القرار الانتخابي بجهة الشرق

    كمال لمريني

    كشف التقرير السنوي لمنتدى أنوال للتنمية والمواطنة حول وضعية حقوق الإنسان بجهة الشرق خلال سنة 2025، عن استمرار اختلالات عميقة في تمتع النساء بحقوقهن الأساسية، رغم الإطار القانوني المتقدم وطنيا ودوليا، إذ سجل ضعفا واضحا في مؤشرات المساواة، خاصة في مجالات الشغل والمشاركة السياسية والحماية من العنف.

    وأوضح التقرير الذي تتوفر جريدة “العمق المغربي” على نسخة منه، أن حقوق النساء تحظى بتأطير قانوني دولي واسع، يشمل عددا من الاتفاقيات الأساسية، أبرزها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، والعهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب توصيات الهيئات الأممية ذات الصلة.

    وعلى المستوى الوطني، أشار المصدر ذاته إلى أن دستور 2011 ينص على مبدأ المساواة بين الجنسين، ويقر بإحداث مؤسسات دستورية لتعزيز المناصفة، فضلا عن مجموعة من القوانين، مثل مدونة الأسرة وقانون محاربة العنف ضد النساء، التي تهدف إلى حماية حقوق المرأة.

    ورغم هذا الإطار القانوني، شدد التقرير على أن التحدي الأساسي يظل في ضعف تفعيل هذه النصوص، واستمرار الفجوة بين التشريع والممارسة، خاصة في السياقات الاجتماعية المحافظة.

    واقع مقلق ومؤشرات عدم المساواة

    وأبرز التقرير أن النساء يشكلن أزيد من نصف ساكنة جهة الشرق، بنسبة تفوق 51 في المئة، إلا أن هذا الحضور الديمغرافي لا ينعكس على مستوى التمكين الاقتصادي والاجتماعي، إذ سجل استمرار هيمنة تمثلات ثقافية تقليدية تحد من مشاركة النساء في الحياة العامة.

    وفي سوق الشغل، كشف التقرير أن نسبة كبيرة من النساء خارج النشاط الاقتصادي، حيث تتجاوز 86 في المئة، فيما تشتغل نسبة مهمة من النشيطات في القطاع غير المهيكل، في ظروف هشة ودون حماية اجتماعية أو عقود عمل.

    وسجل المصدر ذاته وجود فوارق في الأجور بين النساء والرجال، خاصة في القطاع الفلاحي، حيث تتقاضى العاملات أجورا أقل رغم قيامهن بنفس المهام، إلى جانب أوضاع صعبة لعاملات النظافة بالمرافق العمومية، اللواتي يشتغلن بأجور متدنية لا تراعي الحد الأدنى للأجر.

    كما أشار التقرير إلى ارتفاع معدل الأمية في صفوف النساء مقارنة بالرجال، وهو ما يعمق الفوارق الاجتماعية ويحد من فرص الولوج إلى سوق الشغل والمشاركة في التنمية.

    مشاركة سياسية محدودة وعنف واسع الانتشار

    وسجل التقرير ضعف حضور النساء في المؤسسات المنتخبة ومواقع القرار، رغم اعتماد نظام الكوطا، حيث تبقى المشاركة النسائية في كثير من الأحيان شكلية، مع استمرار ممارسات تحد من أدوار النساء داخل المجالس المنتخبة.

    كما أشار إلى أن اختيار بعض النساء في اللوائح الانتخابية يتم أحيانا بدوافع عائلية أو شكلية، دون تمكين فعلي لهن من أداء أدوارهن، خاصة في الجماعات القروية.

    وفي ما يتعلق بالعنف، كشف التقرير عن معطيات مقلقة، حيث تعرضت نسبة كبيرة من النساء لشكل من أشكال العنف خلال حياتهن، فيما سجلت آلاف الشكايات المتعلقة بالعنف ضد النساء على مستوى بعض محاكم الجهة.

    غير أن هذه الأرقام، حسب التقرير، لا تعكس الحجم الحقيقي للظاهرة، بسبب عزوف عدد من النساء عن التبليغ، نتيجة الخوف أو الضغوط الاجتماعية، إضافة إلى ضعف الولوج إلى مراكز الاستماع والدعم، خاصة في المناطق القروية.

    كما سجل التقرير قيودا اجتماعية تحد من حرية تنقل النساء في بعض المناطق، نتيجة تأثير التقاليد المحافظة، والخوف من التعرض للتحرش أو العنف.
    توصيات لتعزيز حقوق النساء

    وفي ضوء هذه التحديات، دعا التقرير إلى إحداث مراكز إيواء آمنة للنساء ضحايا العنف بمختلف أقاليم الجهة، مع توفير خدمات المواكبة النفسية والقانونية.

    كما أوصى بتعزيز الموارد البشرية بالمؤسسات الأمنية والقضائية، من خلال توظيف أطر مؤهلة، قادرة على التواصل مع النساء، خاصة في المناطق الناطقة بالأمازيغية.

    ودعا التقرير إلى تطوير آليات رقمية للتبليغ عن العنف، لتسهيل الولوج إلى الحماية، خاصة في المناطق النائية، إلى جانب دعم المبادرات الاقتصادية النسائية، عبر تمويل التعاونيات والمقاولات الصغيرة.

    وأكد أيضا على ضرورة تفعيل مراقبة شروط الشغل، خاصة في القطاع الفلاحي، لضمان المساواة في الأجور والحماية الاجتماعية، مع تنظيم حملات تحسيسية تستهدف تغيير الصور النمطية وتعزيز ثقافة المساواة.

    وخلص التقرير إلى أن تحقيق المساواة الفعلية يظل رهينا بإرادة حقيقية لتفعيل القوانين، واعتماد سياسات عمومية مندمجة تضع حقوق النساء في صلب التنمية بالجهة.

    إقرأ الخبر من مصدره