العلم الإلكترونية – الرباط
سلطت وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، نعيمة ابن يحيى، الاثنين بنيويورك، الضوء على التقدم الذي حققته المملكة، في إطار الجهود الرامية إلى ضمان وصول النساء والفتيات إلى العدالة. وأكدت السيدة ابن يحيى، في كلمة باسم الوفد المغربي المشارك في الدورة السبعين للجنة الأمم المتحدة المعنية بوضع المرأة، أنه بفضل القيادة المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، قطع المغرب أشواطا كبيرة في مسار تعزيز حقوق جميع النساء والفتيات والنهوض بها. وأضافت الوزيرة أن جلالة الملك، ومنذ توليه العرش، ما فتئ يدعو المؤسسات إلى وضع كل الضمانات والآليات التشريعية لتسهيل ولوج النساء إلى حقوقهن، وفتح المجال أمامهن للإبداع والابتكار، والانخراط الفعلي في المسارات التنموية للمملكة. وأبرزت في هذا الصدد، أن الدستور المغربي لسنة 2011، يشكل مرجعا أساسيا لتحقيق المساواة بين الجنسين، مشيرة إلى التصدير الذي جعل المساواة وتكافؤ الفرص من المقومات الأساسية للدولة، أو الفصل 19 منه، الذي ينص على المساواة في الحقوق والحريات، والفصل 118 على ضمان حق التقاضي للجميع، دفاعا عن حقوقهم ومصالحهم التي يحميها القانون. كما أشارت الوزيرة، خلال الجلسة العامة لهذه الدورة، التي حضرها على الخصوص الوالي المنسق الوطني للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، محمد الدردوري، إلى الانخراط المتواصل للمملكة في الآليات الأممية لضمان سبل الانتصاف للضحايا، مستحضرة في هذا السياق انضمام المغرب مؤخرا للبروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. وسجلت السيدة ابن يحيى أنه تم أيضا تعزيز الترسانة القانونية للمملكة، بتأكيد ميثاق إصلاح العدالة على ضرورة إدماج مقاربة النوع في السياسات القضائية، لافتة إلى أنه تمت ترجمة هذه الخطوة عن طريق إلغاء عدد من المقتضيات التمييزية في عدد من القوانين الوطنية، كالقانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية ومدونة الأسرة، مع إصدار قانون مناهضة العنف ضد النساء. واعتبرت أن هذا القانون ترجم الالتزام المدرج في هذا الميثاق، عبر النص على إحداث آليات عملية للتكافل وتبسيط الإجراءات، مع إحداث خلايا متخصصة على مستوى جميع الوزارات المعنية بالموضوع. وفي معرض حديثها عن التجارب الرائدة في المغرب، في مجال الولوج إلى العدالة، ذكرت الوزيرة إعلان مراكش للقضاء على العنف ضد النساء والفتيات، الذي يعتبر خارطة طريق وطنية، استطاعت تعبئة كافة المتدخلين وضمان التقائية تدخلاتهم. وأضافت أن عددا من القوانين الوطنية، أدرجت مقتضيات تعزز حماية النساء والفتيات ومكافحة التمييز ضدهن، ومن ضمنها القانون المتعلق بالاتصال السمعي البصري، وقانون تنظيم الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري. بالموازاة مع ذلك، ذكرت بأن الحكومة المغربية انخرطت هذه السنة في الحملة الأممية للستة عشرة يوما من الأنشطة المناهضة للعنف القائم على النوع الاجتماعي، تحت شعار « المساواة في التشريعات هي الضمان… باش نعيشو فالأمان »، مضيفة أن هذه الحملة عرفت مشاركة ما يقارب 230 ألف شخصا في الأنشطة الحضورية؛ ووصلت من خلال الحملة الرقمية إلى أكثر من 2,2 مليون شخص. وفي السياق ذاته، استعرضت السيدة ابن يحيى تجربة وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، التي تضع رهن إشارة النساء منظومة رقمية تحمل اسم « أمان لك « ، تهدف إلى تسهيل وصول النساء ضحايا العنف إلى خدمات التبليغ والإيواء، وضمان سرعة الاستجابة للحالات، إضافة إلى تعزيز آليات تتبعها على المستويين الترابي والمركزي. وفي الختام، سلطت الضوء على جهود المملكة، لإعداد خطة عمل وطنية لمناهضة التمييز بين النساء والرجال، تتضمن عددا من المقاربات وتحدد عددا من المتدخلين، وفي مقدمتهم الإعلام ووسائل التواصل، مشددة على دور مؤسسة الأسرة كفاعل أساسي في التربية والتثقيف، ودور المؤسسة التعليمية. وتنعقد الدورة الحالية للجنة الأمم المتحدة المعنية بوضع المرأة من 9 إلى 19 مارس الجاري، بمقر المنظمة الدولية حول موضوع « ضمان وتعزيز الوصول إلى العدالة لجميع النساء والفتيات، لاسيما من خلال أنظمة قانونية شاملة وعادلة، وإلغاء القوانين والسياسات والممارسات التمييزية وإزالة الحواجز الهيكلية ». ويهدف هذا المؤتمر السنوي إلى بحث تأثير عدم المساواة القانونية على الحياة اليومية، والتوصية بتدابير لمعالجتها، مع تسليط الضوء على أهمية تعزيز المشاركة الكاملة والفعالة للنساء في صنع القرار في الفضاء العمومي ومكافحة العنف، بهدف تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة.
Étiquette : 2011
-
وصول النساء إلى العدالة.. ابن يحيى تسلط الضوء بنيويورك على التقدم المحقق بالمغرب
-
تأجيل ثاني جلسات محاكمة زينب الخروبي ناشطة “جيل Z”
قررت المحكمة الابتدائية الزجرية بالدار البيضاء، يوم الاثنين، تأجيل النظر في ملف الناشطة زينب الخروبي إلى غاية جلسة 23 مارس الجاري، وذلك استجابة لطلب هيئة الدفاع التي التمست مهلة إضافية للاطلاع على الملف وإعداد مرافعتها.
وتتابع الخروبي في حالة سراح، على خلفية اتهامات تتعلق بـ“التحريض على ارتكاب جنح عبر الوسائط الرقمية”.
وتعود خلفيات القضية إلى تدوينات وتصريحات نشرتها الناشطة على منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب مواقفها المعلنة الداعمة لحراك جيل Z.
وكانت السلطات قد أوقفت الخروبي يوم 12 فبراير الماضي بمطار مطار مراكش المنارة فور وصولها من فرنسا، قبل وضعها تحت تدبير الحراسة النظرية ونقلها إلى الدار البيضاء، حيث تم تقديمها أمام وكيل الملك الذي قرر متابعتها بتهم تتعلق بـ“التحريض والتشهير” على خلفية منشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وأثارت القضية تفاعلا حقوقيا واسعا، إذ عبرت عدة جمعيات ومنظمات عن تضامنها مع الناشطة، معتبرة أن متابعتها تمس بمضامين دستور المغرب 2011 وبالالتزامات الدولية المتعلقة بحرية التعبير.
-
في نقد أطروحة “الجراحة السيادية” ومخاطر اختزال الإصلاح في منطق الاستثناء
عمّم الرئيس السابق لمجلس المستشارين، والأمين العام السابق لحزب الاصالة والمعاصرة، حكيم بنشماش، مقالا /بيانا، عنونه بـ”مغرب السرعة الواحدة”، بعد مدة من الغياب عن النقاش العمومي والسياسي، طالب فيه بإجراء ما سماه “جراحة سيادية” تنحاز إلى ما وصفها بـ “ديمقراطية النتائج”.
وتضمّن البيان تشخيصا لمفارقة “المغرب بسرعتين”، وهي مفارقة أشار إليها غير ما مرة جلالة الملك محمد السادس في خطاباته، محذرا من اتساع الفجوة بين دينامية المشاريع الكبرى، وانتظارات المواطنين في تفاصيل حياتهم اليومية، لكن السؤال الجوهري يبقى هو: هل يكمن الحل في نقل مركز الثقل من السياسة إلى ما فوق السياسة وفق ما يُطالب به بنشماش؟ أم في إعادة السياسة إلى معناها ووظيفتها الأصلية؟
ولا يختلف اثنان حول أن المغرب يعيش لحظة دقيقة من تاريخه، لحظة تتقاطع فيها رهانات السيادة مع تحديات العدالة الاجتماعية والمجالية، وتتجاور فيها إنجازات “الأوراش الكبرى”، مع مطبات الوساطة السياسية، واختلالات التنمية الترابية، غير أن الاختلاف يبدأ حين يُقترح، في خضم هذا التعقيد، حلّ يكاد يختزل أفق الإصلاح في ما سُمّي بـ”التدخل السيادي” أو “الجراحة السيادية”، لتصحيح أعطاب المشهد الحزبي.
أولا: من أزمة الوساطة إلى أزمة الثقة
صحيح أن جزءا مهما من الأحزاب انزلق إلى منطق “الوكالة الانتخابية”، وأن زواج المال بالسلطة أضر بصورة العمل السياسي، وصحيح كذلك أن فئات عريضة من الشباب، ومنهم ما يُعرف بـ”جيل Z”، تعبر عن نفورها من الوسائط التقليدية، ومنها الأحزاب السياسية، غير أن هذا الواقع، مهما بلغ من السوء، لا يبرر القفز إلى استنتاج مفاده أن الإصلاح لا يمر إلا عبر تدخل فوقي يعيد ترتيب الحقل من خارجه، وفق أطروحة حكيم بنشماش.
لأن أزمة الوساطة، في جوهرها، هي أزمة ثقة، والثقة لا تُستعاد بآليات استثنائية، بل بإعادة بناء التمثيلية على أسس الشفافية والمساءلة وتكافؤ الفرص.
إن إضعاف الأحزاب أكثر، حتى بادعاء تقويمها، وتصحيح مساراتها، لن يؤدي إلا إلى مزيد من تجريف المجال العمومي، وفتح الباب أمام تعبيرات احتجاجية غير مؤطرة، قد تكون أكثر هشاشة وأقل قابلية للاحتواء المؤسساتي.
ثانيا: بين “ديمقراطية النتائج” و”ديمقراطية الأشكال”
يطرح بنشماش في بيانه ثنائية جذابة: “ديمقراطية النتائج” مقابل “ديمقراطية الأشكال”، غير أن هذا التقابل مضلل في عمقه، لأن النتائج المستدامة لا يتم انتاجها طبيعيا خارج الأشكال، بل عبرها. فالمؤسسات التمثيلية ليست مجرد طقوس إجرائية، بل آليات لتوزيع السلطة وضبطها ومنع احتكارها.
وتحويل العجز الحزبي إلى مسوغ لإعادة تركيز القرار، خارج منطق التنافس السياسي، قد يمنح سرعة ظرفية، لكنه يحمل كلفة بعيدة المدى على منسوب الثقة والمشاركة، والتاريخ يعلمنا أن الأنظمة التي ضاقت بآليات الوساطة، بدعوى بطئها، أو عجزها أو انحرافها، انتهت إلى هشاشة أشد، لأن السياسة وإن كانت متعبة ومرهقة، تظل أقل كلفة من اللجوء إلى منطق الاستثناء الدائم.
ثالثا: روح الدستور… بين التفعيل والتأويل
أشار بنشماش في البيان إلى “روح الدستور”، وإلى ضرورة إيقاظها، والحال أن دستور 2011، الذي جاء في سياق إقليمي ووطني دقيق، لم يكن وعدا بإضعاف الوساطة، بل بتقويتها، حيث عزّز موقع الحكومة المنبثقة عن الانتخابات، من خلال التنصيص على تعيين رئيس الحكومة من الحزب الفائز في الانتخابات، ووسع اختصاصات البرلمان، وربط المسؤولية بالمحاسبة، فهل يكون الوفاء لروحه في الالتفاف على تعثر الفاعلين، أم في تمكين المجتمع من محاسبتهم وتجديد نخبهم؟
إن الدستور لا يحمي المؤسسات من “الانتحار الوظيفي” إذا جاز التعبير، عبر مصادرتها، بل عبر إعمال قواعد التداول والمساءلة، وإذا كانت بعض الأحزاب قد استقالت من أدوارها، فإن العلاج ليس في تعميم الحكم عليها، بل في فتح المجال أمام بدائل حقيقية، وتجفيف منابع الريع السياسي والمالي بقواعد صارمة تطبق على الجميع.
رابعا: “الزمن السيادي” و”الزمن الاجتماعي”
من اللافت في بيان بنشماش، أنه يفصل بين “الزمن السيادي” و”الزمن الاجتماعي”، ويدعو إلى حماية الأول من عبث الثاني، غير أن الدولة الحديثة لا تقوم على هذا الفصل، فالسيادة لا تكتمل إلا برضا اجتماعي، والإنجازات الكبرى، من البنية التحتية إلى التحولات الدبلوماسية، لا تصمد إن لم يشعر المواطن بأن كرامته مصونة في المستشفى، وفي المرفق العمومي، وفي سوق الشغل.
إن رهان “الإقلاع الكبير”، لا يمكن أن يتحقق بجرعة إضافية من المركزية والتركيز، بل بإطلاق طاقات المجتمع، لإفراز جماعات ترابية قوية، وإعلام مهني مستقل، وأحزاب متجددة، ونقابات فاعلة، فالسرعة الحقيقية ليست في تجاوز القوانين والقواعد، بل في جعلها عادلة وفعالة.
خامسا: الإصلاح من داخل السياسة لا من خارجها
إن قول بنشماش، الأمين العام الأسبق لحزب الأصالة والمعاصرة، بأن معظم الأحزاب أصبحت عبئا قد يكون توصيفا مناسبا لمرحلة، لكنه لا ينبغي أن يتكرس كقدر، فالمشهد السياسي المغربي عرف دورات صعود وهبوط، وتجارب إصلاح وتجديد، والرهان اليوم ليس إلغاء التعددية أو تحييدها، بل تحفيزها على إعادة إنتاج ذاتها، من خلال قوانين صارمة تمنع تضارب المصالح والتمويل، وتدعم دمقرطة داخلية فعلية للأحزاب، وتربط الدعم العمومي بالنتائج والشفافية، وأخرى تشجع على توسيع مجالات المشاركة للشباب والنساء خارج منطق الزبونية والولاءات المغشوشة.
بكلمة، وبغض النظر عن التوظيف التدليسي من قبل صاحب بيان “مغرب السرعة الواحدة”، لمفهوم السيادة والدولة، فإن “الجراحة” الحقيقية التي يمكن أن تسهم في إنعاش المشهد الحزبي والسياسي، ليست سيادية بالمعنى الفوقي، بل مؤسساتية وقانونية وأخلاقية، تُفعَّل بأدوات الدستور لا بالالتفاف عليه، وقد عاش المغرب تجربة لمثل هذه “الجراحة” مع حزب الاصالة والمعاصرة، والنتيجة ظهرت في الشارع العام خلال فبراير 2011.
ختاما، إن المغرب بالفعل أمام منعطف تاريخي، خصوصا في ما يرتبط بقضيته الوطنية الأولى وما راكمه من حضور إقليمي ودولي، لكن قوة المنعطف لا تقاس بالقدرة على تسريع القرار فحسب، بل بالقدرة على توسيع قاعدة المشاركة فيه، فالرهان ليس فقط في الوصول بسرعة، بل أن في الوصول الجماعي.
أما تحويل أزمة الوساطة إلى مسوغ لإعادة هندسة المجال السياسي من أعلى، فقد يبدو حلا جذريا، لكنه يحمل في طياته مخاطرة إضعاف ما تبقى من الثقة في السياسة ذاتها، والإصلاح، إن لم يكن ديمقراطيا في مساره، فلن يكون مستداما في نتائجه.
-
جمعية “عدالة” تدعو إلى إصلاحات قانونية عميقة لضمان المساواة وحماية النساء بالمغرب
أكدت جمعية عدالة أن تخليد اليوم العالمي للمرأة، ليس فرصة فقط للاحتفاء الرمزي، بل أيضا لتجديد النضال من أجل الحرية والكرامة والمساواة الكاملة للنساء، وكشف الاختلالات التي ما تزال تعيق تحقيق المساواة الفعلية داخل المجتمع.
وأوضحت الجمعية، في بيان لها، أن مرور أكثر من عقد على اعتماد دستور المغرب 2011، الذي ينص على المساواة والسعي إلى المناصفة وحظر جميع أشكال التمييز، لم ينهِ الفجوة القائمة بين النصوص القانونية والواقع، حيث ما تزال النساء في المغرب يواجهن مظاهر متعددة من التمييز والإقصاء في مختلف المجالات.
وسجلت الجمعية بقلق تنامي خطاب الكراهية والتنمر والعنف الرمزي ضد النساء، سواء في الفضاءات العامة أو الرقمية، معتبرة أن هذا الوضع يرافقه تطبيع مقلق مع العنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك جرائم القتل التي تستهدف النساء بسبب جنسهن.
وأشارت إلى أن استمرار بعض المقتضيات التمييزية داخل مدونة الأسرة المغربية، إلى جانب محدودية الحماية التي يوفرها القانون الجنائي المغربي في مواجهة العنف ضد النساء، يعكس الحاجة الملحة إلى إصلاحات قانونية عميقة تنسجم مع روح الدستور والتزامات المغرب في مجال حقوق الإنسان.
كما انتقدت الجمعية استمرار الصور النمطية في الإعلام والخطاب الاجتماعي، معتبرة أنها تساهم في إعادة إنتاج التمييز وتحد من حضور النساء في الفضاء العام ومراكز القرار.
وطالبت الجمعية بإصلاح جذري وشامل لمدونة الأسرة يضمن المساواة الكاملة داخل الأسرة، مع المنع النهائي لزواج القاصرات دون أي استثناءات، إضافة إلى مراجعة شاملة للقانون الجنائي بما يوفر حماية فعالة للنساء من مختلف أشكال العنف، بما في ذلك العنف الرقمي وخطاب الكراهية.
كما دعت إلى اعتماد سياسات وطنية فعالة لمحاربة خطاب الكراهية والتنمر ضد النساء في الفضاء الرقمي، والتفعيل الحقيقي لمبدأ المناصفة داخل المؤسسات المنتخبة ومراكز القرار، إلى جانب تمكين هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز من صلاحيات فعلية ومستقلة للقيام بدورها في حماية الحقوق ومحاربة التمييز.
وأكدت الجمعية في ختام بيانها أن المساواة ليست امتيازا يمنح للنساء، بل حق دستوري وإنساني غير قابل للتأجيل أو التراجع، مشددة على أن الديمقراطية والتنمية العادلة لا يمكن تحقيقهما دون ضمان الحقوق الكاملة للنساء ومحاربة كل أشكال العنف والتمييز ضدهن.
-
في نقد أطروحة “الجراحة السيادية” ومخاطر اختزال الإصلاح في منطق الاستثناء.. ردا على بيان “مغرب السرعة الواحدة”

حسن حمورو//
عمّم الرئيس السابق لمجلس المستشارين، والأمين العام السابق لحزب الاصالة والمعاصرة، حكيم بنشماش، مقالا /بيانا، عنونه بـ”مغرب السرعة الواحدة”، بعد مدة من الغياب عن النقاش العمومي والسياسي، طالب فيه بإجراء ما سماه “جراحة سيادية” تنحاز إلى ما وصفها بـ “ديمقراطية النتائج”.
وتضمّن البيان تشخيصا لمفارقة “المغرب بسرعتين”، وهي مفارقة أشار إليها غير ما مرة جلالة الملك محمد السادس في خطاباته، محذرا من اتساع الفجوة بين دينامية المشاريع الكبرى، وانتظارات المواطنين في تفاصيل حياتهم اليومية، لكن السؤال الجوهري يبقى هو: هل يكمن الحل في نقل مركز الثقل من السياسة إلى ما فوق السياسة وفق ما يُطالب به بنشماش؟ أم في إعادة السياسة إلى معناها ووظيفتها الأصلية؟
ولا يختلف اثنان حول أن المغرب يعيش لحظة دقيقة من تاريخه، لحظة تتقاطع فيها رهانات السيادة مع تحديات العدالة الاجتماعية والمجالية، وتتجاور فيها إنجازات “الأوراش الكبرى”، مع مطبات الوساطة السياسية، واختلالات التنمية الترابية، غير أن الاختلاف يبدأ حين يُقترح، في خضم هذا التعقيد، حلّ يكاد يختزل أفق الإصلاح في ما سُمّي بـ”التدخل السيادي” أو “الجراحة السيادية”، لتصحيح أعطاب المشهد الحزبي.
أولا: من أزمة الوساطة إلى أزمة الثقة
صحيح أن جزءا مهما من الأحزاب انزلق إلى منطق “الوكالة الانتخابية”، وأن زواج المال بالسلطة أضر بصورة العمل السياسي، وصحيح كذلك أن فئات عريضة من الشباب، ومنهم ما يُعرف بـ”جيل Z”، تعبر عن نفورها من الوسائط التقليدية، ومنها الأحزاب السياسية، غير أن هذا الواقع، مهما بلغ من السوء، لا يبرر القفز إلى استنتاج مفاده أن الإصلاح لا يمر إلا عبر تدخل فوقي يعيد ترتيب الحقل من خارجه، وفق أطروحة حكيم بنشماش.
لأن أزمة الوساطة، في جوهرها، هي أزمة ثقة، والثقة لا تُستعاد بآليات استثنائية، بل بإعادة بناء التمثيلية على أسس الشفافية والمساءلة وتكافؤ الفرص.
إن إضعاف الأحزاب أكثر، حتى بادعاء تقويمها، وتصحيح مساراتها، لن يؤدي إلا إلى مزيد من تجريف المجال العمومي، وفتح الباب أمام تعبيرات احتجاجية غير مؤطرة، قد تكون أكثر هشاشة وأقل قابلية للاحتواء المؤسساتي.
ثانيا: بين “ديمقراطية النتائج” و”ديمقراطية الأشكال”
يطرح بنشماش في بيانه ثنائية جذابة: “ديمقراطية النتائج” مقابل “ديمقراطية الأشكال”، غير أن هذا التقابل مضلل في عمقه، لأن النتائج المستدامة لا يتم انتاجها طبيعيا خارج الأشكال، بل عبرها. فالمؤسسات التمثيلية ليست مجرد طقوس إجرائية، بل آليات لتوزيع السلطة وضبطها ومنع احتكارها.
وتحويل العجز الحزبي إلى مسوغ لإعادة تركيز القرار، خارج منطق التنافس السياسي، قد يمنح سرعة ظرفية، لكنه يحمل كلفة بعيدة المدى على منسوب الثقة والمشاركة، والتاريخ يعلمنا أن الأنظمة التي ضاقت بآليات الوساطة، بدعوى بطئها، أو عجزها أو انحرافها، انتهت إلى هشاشة أشد، لأن السياسة وإن كانت متعبة ومرهقة، تظل أقل كلفة من اللجوء إلى منطق الاستثناء الدائم.
ثالثا: روح الدستور… بين التفعيل والتأويل
أشار بنشماش في البيان إلى “روح الدستور”، وإلى ضرورة إيقاظها، والحال أن دستور 2011، الذي جاء في سياق إقليمي ووطني دقيق، لم يكن وعدا بإضعاف الوساطة، بل بتقويتها، حيث عزّز موقع الحكومة المنبثقة عن الانتخابات، من خلال التنصيص على تعيين رئيس الحكومة من الحزب الفائز في الانتخابات، ووسع اختصاصات البرلمان، وربط المسؤولية بالمحاسبة، فهل يكون الوفاء لروحه في الالتفاف على تعثر الفاعلين، أم في تمكين المجتمع من محاسبتهم وتجديد نخبهم؟
إن الدستور لا يحمي المؤسسات من “الانتحار الوظيفي” إذا جاز التعبير، عبر مصادرتها، بل عبر إعمال قواعد التداول والمساءلة، وإذا كانت بعض الأحزاب قد استقالت من أدوارها، فإن العلاج ليس في تعميم الحكم عليها، بل في فتح المجال أمام بدائل حقيقية، وتجفيف منابع الريع السياسي والمالي بقواعد صارمة تطبق على الجميع.
رابعا: “الزمن السيادي” و”الزمن الاجتماعي”
من اللافت في بيان بنشماش، أنه يفصل بين “الزمن السيادي” و”الزمن الاجتماعي”، ويدعو إلى حماية الأول من عبث الثاني، غير أن الدولة الحديثة لا تقوم على هذا الفصل، فالسيادة لا تكتمل إلا برضا اجتماعي، والإنجازات الكبرى، من البنية التحتية إلى التحولات الدبلوماسية، لا تصمد إن لم يشعر المواطن بأن كرامته مصونة في المستشفى، وفي المرفق العمومي، وفي سوق الشغل.
إن رهان “الإقلاع الكبير”، لا يمكن أن يتحقق بجرعة إضافية من المركزية والتركيز، بل بإطلاق طاقات المجتمع، لإفراز جماعات ترابية قوية، وإعلام مهني مستقل، وأحزاب متجددة، ونقابات فاعلة، فالسرعة الحقيقية ليست في تجاوز القوانين والقواعد، بل في جعلها عادلة وفعالة.
خامسا: الإصلاح من داخل السياسة لا من خارجها
إن قول بنشماش، الأمين العام الأسبق لحزب الأصالة والمعاصرة، بأن معظم الأحزاب أصبحت عبئا قد يكون توصيفا مناسبا لمرحلة، لكنه لا ينبغي أن يتكرس كقدر، فالمشهد السياسي المغربي عرف دورات صعود وهبوط، وتجارب إصلاح وتجديد، والرهان اليوم ليس إلغاء التعددية أو تحييدها، بل تحفيزها على إعادة إنتاج ذاتها، من خلال قوانين صارمة تمنع تضارب المصالح والتمويل، وتدعم دمقرطة داخلية فعلية للأحزاب، وتربط الدعم العمومي بالنتائج والشفافية، وأخرى تشجع على توسيع مجالات المشاركة للشباب والنساء خارج منطق الزبونية والولاءات المغشوشة.
بكلمة، وبغض النظر عن التوظيف التدليسي من قبل صاحب بيان “مغرب السرعة الواحدة”، لمفهوم السيادة والدولة، فإن “الجراحة” الحقيقية التي يمكن أن تسهم في إنعاش المشهد الحزبي والسياسي، ليست سيادية بالمعنى الفوقي، بل مؤسساتية وقانونية وأخلاقية، تُفعَّل بأدوات الدستور لا بالالتفاف عليه، وقد عاش المغرب تجربة لمثل هذه “الجراحة” مع حزب الاصالة والمعاصرة، والنتيجة ظهرت في الشارع العام خلال فبراير 2011.
ختاما، إن المغرب بالفعل أمام منعطف تاريخي، خصوصا في ما يرتبط بقضيته الوطنية الأولى وما راكمه من حضور إقليمي ودولي، لكن قوة المنعطف لا تقاس بالقدرة على تسريع القرار فحسب، بل بالقدرة على توسيع قاعدة المشاركة فيه، فالرهان ليس فقط في الوصول بسرعة، بل أن في الوصول الجماعي.
أما تحويل أزمة الوساطة إلى مسوغ لإعادة هندسة المجال السياسي من أعلى، فقد يبدو حلا جذريا، لكنه يحمل في طياته مخاطرة إضعاف ما تبقى من الثقة في السياسة ذاتها، والإصلاح، إن لم يكن ديمقراطيا في مساره، فلن يكون مستداما في نتائجه.
-
في اليوم العالمي للمرأة.. دعوات لتعزيز تشغيل النساء بالمغرب
دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى اتخاذ إجراءات لتعزيز إدماج النساء في سوق العمل بالمغرب، ودعم إحداث فرص الشغل الموجهة لهن، مع العمل على تقليص الفوارق في الأجور بين الرجال والنساء، وذلك بمناسبة اليوم العالمي لحقوق المرأة.
وأكد المجلس، في معطيات استندت إلى تقريره السنوي الأخير، أن المغرب عرف خلال السنوات الماضية إصلاحات مهمة لتعزيز مكانة المرأة في المجتمع، في إطار التحولات التي شهدتها البلاد تحت قيادة الملك محمد السادس، من بينها ترسيخ مبدأ المساواة والسعي إلى تحقيق المناصفة في دستور 2011، إضافة إلى اعتماد أطر قانونية وآليات مؤسساتية تهدف إلى حماية حقوق النساء والنهوض بأوضاعهن.
ورغم هذه المكتسبات، أشار المجلس إلى استمرار فجوة بين الحقوق المكرسة دستورياً وقانونياً وبين تجسيدها الكامل في الحياة اليومية للنساء، خاصة على مستوى المشاركة الاقتصادية.
وسجل التقرير مفارقة لافتة تتمثل في ارتفاع المستوى…
-
تمثيلية النساء

مصطفى عنترة
تمثيلية النساء في البرلمان المغربي .. مسار مؤجل نحو المساواةعرفت تمثيلية النساء في البرلمان تطورا تدريجيا منذ أول انتخابات تشريعية في عهد جلالة الملك محمد السادس، وذلك بفضل اعتماد آلية التمييز الإيجابي التي تُرجمت في تجربة ” الدائرة الانتخابية الوطنية” المعروفة اختصارا باللائحة الوطنية للنساء. فقد انتقل عدد المقاعد المخصصة للنساء في مجلس النواب من 30 مقعدا في البداية، إلى 60 مقعدا، ثم إلى 90 مقعدا بعد اعتماد “الدوائر الانتخابية الجهوية”. وشكّلت هذه الآلية خطوة مهمة لتعزيز حضور النساء داخل المؤسسة التشريعية، في ظل الصعوبات البنيوية التي ما تزال تواجه مشاركة النساء في التنافس الانتخابي المباشر.
غير أن هذا المسار، الذي كان يبدو في اتجاه ترسيخ تقدم تدريجي، عرف انتكاسة واضحة مع التحضير للانتخابات التشريعية المرتقبة سنة 2026. فقد كشفت الأرضية التي قدمتها وزارة الداخلية، في إطار النقاش مع الأحزاب السياسية حول مراجعة الترسانة الانتخابية، عن محدودية في الرؤية وغياب إرادة إصلاحية حقيقية لتعزيز تمثيلية النساء. ولم يكن موقف الأحزاب السياسية أكثر تقدما، إذ لم تجعل من هذا الملف أولوية في مرافعاتها ومقترحاتها، الأمر الذي أفضى إلى جمود في هذا الورش الديمقراطي، وغياب أي إجراء نوعي كفيل بتقوية حضور النساء داخل مجلس النواب، باستثناء الإبقاء على حصر الترشح في الدوائر الانتخابية الجهوية للنساء.
وتظهر التجربة بوضوح أن حضور النساء في البرلمان كان سيظل محدودا لولا اعتماد آلية “الكوطا”، إذ لم تتجاوز تمثيلية النساء عبر الدوائر الانتخابية المباشرة ست او سبع سبع نائبات فقط. ويضاف إلى ذلك أن نسبة تمثيلية النساء لم تتجاوز 24,3 في المائة في مجموعها، وهي أقل من الثلث الذي ينص عليه المنتظم الدولي كمؤشر للمساواة السياسية. ويمكن تفسير هذا الواقع بمجموعة من العوامل السياسية والقانونية والمؤسساتية والثقافية، التي تجعل تمثيلية النساء في البرلمان دون مستوى الخطاب الرسمي ودون المعايير الدولية في مجال المساواة السياسية.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
يطرح هذا الواقع تساؤلات عدة: لماذا تعثر مسلسل تعزيز تمثيلية النساء في هذه المحطة الانتخابية؟ ولماذا لم يتم تفعيل هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز رغم مرور وقت على إحداثها؟ ولماذا لم يتم مراجعة إطارها القانوني وتمكينها بصلاحيات شبه قضائية وليس استشارية؟ ولماذا لم يُصدر إطار قانوني واضح لتنظيم مبدأ المناصفة الذي نص عليه دستور المملكة المغربية لسنة 2011؟ ولماذا لا تعتمد مقاربة شاركية فعلية في مراحل إعداد وتنفيذ وتتبع وتقييم الاستراتيجيات الوطنية المرتبطة بالمساواة على المستويين الوطني والترابي؟
ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، تصبح هذه المحطة اختبارا حقيقيا لمدى التزام الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين بضمان مشاركة سياسية فعلية للنساء، تتجاوز منطق التمثيلية الرمزية نحو حضور وازن في مواقع القرار. فالديمقراطية لا يمكن أن تكتمل في ظل استمرار الفجوة بين النساء والرجال في التمثيلية السياسية.
ويأتي هذا الرهان في سياق اهتمام دولي متزايد بتعزيز ولوج النساء إلى العدالة وضمان حقوق النساء والفتيات. وهو ما يضع على عاتق المغرب مسؤولية تسريع وتيرة الإصلاحات الضرورية لإزالة مختلف أشكال التمييز والعوائق التي ما تزال تعيق المشاركة السياسية الكاملة والمتساوية للنساء. فتعزيز هذه المكتسبات من شأنه أن يرسّخ موقع المغرب ويُحسّن صورته ضمن الدول المنخرطة بجدية في ملاءمة سياساتها مع المعايير الدولية، ولا سيما تلك المرتبطة باحترام الحقوق الإنسانية للنساء وترسيخ مبدأ المساواة الفعلية.
لقد كان من المفترض أن تشكل الانتخابات التشريعية سنة 2026 محطة فارقة لتطوير الترسانة التشريعية المرتبطة بالانتخابات، غير أن الواقع يوحي مرة أخرى بتأجيل التزام الدولة بتفعيل المساواة الفعلية بين النساء والرجال، عبر اعتماد مبدأ المناصفة والتنصيص عليه بشكل واضح في القوانين الانتخابية.
فما الذي يمنع اليوم من تفعيل المقتضى الدستوري الداعي إلى المناصفة؟ ولماذا لم تنتصر الأحزاب السياسية لهذا المبدأ أثناء مناقشة القوانين الانتخابية؟ وهل ما يزال خطاب المساواة مجرد شعار سياسي لم يتحول بعد إلى التزام عملي؟
تُظهر التجربة السياسية أن خطاب الدفاع عن المساواة لدى بعض الأحزاب السياسية يظل في الغالب أسير شعارات موسمية، تُستحضر في لحظات معينة دون أن تتحول إلى التزام سياسي راسخ. فقلّما يرتقي هذا الخطاب إلى مستوى مشروع سياسي متكامل يقوم على التمكين السياسي الحقيقي للنساء، ويستند إلى آليات قانونية ومؤسساتية واضحة تضمن حضورهن الفعلي والمؤثر في مواقع صنع القرار، بدل الاكتفاء بتمثيلية رمزية لا تعكس جوهر المساواة المنشودة.
وفي غياب هذا التحول، ستظل المساواة السياسية هدفا مؤجلا، وستبقى تمثيلية النساء داخل المؤسسات المنتخبة دون مستوى الطموحات التي يقرها الدستور، وتدعو إليها المعايير الدولية، وتفرضها متطلبات الديمقراطية الحديثة والتنمية المستدامة. ذلك أن الديمقراطية تظل ناقصة ومبتورة ما لم تكتمل جميع أركانها، وفي مقدمتها الإقرار الكامل بالحقوق الإنسانية للنساء في شموليتها وضمان ممارستها الفعلية.
-باحث جامعي
إقرأ الخبر من مصدره
-
المرأة المغربية… نصف الحلم ونصف الطريق إلى المستقبل
العلم الإلكترونية – بقلم أسماء لمسردي
في كل عام، يعود اليوم العالمي للمرأة ليذكر العالم بأن تقدم المجتمعات يقاس بمدى إنصافها لنسائها، وبقدرتها على تحويل طاقات المرأة إلى قوة حقيقية في البناء والتنمية. وفي المغرب، لا يمر هذا اليوم مجرد مناسبة رمزية للاحتفاء، بل يصبح فرصة للتأمل في مسار طويل من التقدير والتمكين الذي جعل المرأة المغربية تحتل مكانة متميزة داخل المجتمع. فالمرأة المغربية لم تكن يوما عنصرا هامشيا في تاريخ البلاد، بل ظلت عبر القرون حاضرة في نسيج المجتمع، شريكة في الحفاظ على الهوية والثقافة، وركيزة أساسية في الأسرة وفي الاقتصاد التقليدي والحياة الاجتماعية. وقد حفظ الوجدان المغربي صور نساء قويات تركن بصمات واضحة في التاريخ، مثل فاطمة الفهرية التي أسست جامعة القرويين، أقدم جامعة ما تزال قائمة في العالم، في دلالة عميقة على أن عطاء المرأة المغربية ليس وليد اللحظة، بل جزء أصيل من مسار حضاري ممتد. غير أن التحولات الكبرى التي شهدها المغرب خلال العقود الأخيرة أعطت لهذا الحضور بعدا مؤسساتيا وقانونيا أكثر رسوخا. فمنذ اعتلاء محمد السادس عرش المملكة سنة 1999، دخلت قضية تمكين المرأة مرحلة جديدة عنوانها الإصلاح المتدرج والعميق، في إطار رؤية إصلاحية جعلت من كرامة المرأة وشراكتها في التنمية ركيزة أساسية لمشروع تحديث المجتمع. وكانت محطة اعتماد مدونة الأسرة المغربية سنة 2004 لحظة فارقة في هذا المسار، إذ أعادت صياغة العلاقة داخل الأسرة المغربية على أساس المسؤولية المشتركة بين الزوجين، ورسخت حماية أكبر لحقوق النساء عبر إخضاع الطلاق لمراقبة القضاء ورفع سن الزواج إلى ثمانية عشر عاما. ولم تكن هذه الإصلاحات مجرد تعديلات قانونية، بل رسالة واضحة بأن كرامة المرأة المغربية جزء لا يتجزأ من كرامة المجتمع كله. ثم جاء دستور المغرب 2011 ليمنح هذا التوجه بعدا دستوريا واضحا، حين أكد على المساواة في الحقوق والحريات بين الرجل والمرأة، وعلى التزام الدولة بالسعي إلى تحقيق مبدأ المناصفة. ومنذ ذلك الحين، شهد حضور النساء في المؤسسات المنتخبة والإدارة العمومية والدبلوماسية والقطاعات المهنية المختلفة تطورا ملحوظا، يعكس التحول التدريجي في بنية المجتمع المغربي. ولم يقتصر هذا المسار على الجانب السياسي أو القانوني فقط، بل امتد إلى المجال الاقتصادي والاجتماعي، فالمرأة المغربية اليوم حاضرة بقوة في عالم المقاولة والابتكار، وفي قطاعات كانت إلى وقت قريب حكرا على الرجال، كما ارتفع مستوى تعليم الفتيات بشكل لافت، خاصة في التخصصات العلمية والتقنية، ما يفتح آفاقا جديدة أمام أجيال من النساء للمساهمة في اقتصاد المعرفة وصناعة المستقبل. وفي سياق تعزيز الحماية القانونية، شكل اعتماد القانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء خطوة إضافية في مسار ترسيخ كرامة المرأة، من خلال تجريم عدد من أشكال العنف وتوفير آليات مؤسساتية لدعم النساء ضحايا الاعتداء. كل هذه التحولات تعكس حقيقة أساسية: أن تمكين المرأة في المغرب لم يكن شعارا عابرا، بل خيارا مجتمعيا تبناه المغرب في إطار رؤية إصلاحية هادئة لكنها عميقة الأثر، وهي رؤية تدرك أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق بنصف المجتمع فقط، بل تحتاج إلى طاقات الرجال والنساء معا. واليوم، في ظل هذه الدينامية المتواصلة، تواصل المرأة المغربية تعزيز حضورها بثقة في مختلف مجالات الحياة: في المدرسة والجامعة، في المقاولة والإدارة، في القضاء والدبلوماسية، وحتى في الميادين التي كانت تبدو بعيدة عنها في الماضي. إنها شريكة كاملة في بناء الحاضر، وصوت أساسي في صياغة ملامح المستقبل. ولهذا، فإن الاحتفاء بالمرأة المغربية في عيدها الأممي ليس مجرد لحظة احتفال، بل اعتراف بمسار طويل من العطاء والكفاح والإنجاز. مسار يؤكد أن قوة المغرب لم تكن يوما في مؤسساته فقط، بل أيضا في نسائه اللواتي ظللن على الدوام قلب المجتمع وروحه الحية. فالمرأة المغربية ليست فقط نصف المجتمع، بل هي أيضا نصف الحلم… ونصف الطريق نحو مغرب أكثر عدلا وازدهارا.
-
انتخابات 2026: اختبار الوساطة في زمن الانتظارات الكبرى
وأنا أطلع على خبر الإعلان عن تاريخ الانتخابات التشريعية القادمة تذكرت تصريحا موثقا لأحد وزراء الحكومة الحالية عندما قال داخل البرلمان بأننا نعيش في دولة رأسمالية، وبأن المخطط التشريعي تضعه البرجوازية، وبأن لوبيات البرلمان هي التي تشرع. وسواء اتفقنا مع توصيف الوزير أو رفضناه، فإن مجرد صدور هذا الكلام داخل البرلمان يكشف شيئا واحدا وهو أن الثقة في وظيفة التشريع نفسها صارت موضع سؤال، وأن معنى التمثيل السياسي بات يطرح أسئلة حقيقية تتعلق بقواعد المشروعية السياسية والديمقراطية في علاقتها بصياغة القوانين.
وقلت مع نفسي، لمن تعلن الحكومة تنظيم الانتخابات؟
هل تعلنها لأن المغرب طبَّع مع انتظامية الزمن الانتخابي، وأن الأجندة الدستورية العادية تفرض ذلك ؟
هل تعلنها يا ترى ليخلف الثلاثي الحكومي نفسه مرة أخرى ليستمر في التشريع للبرجوازية كما قال الوزير المذكور؟
هل تعلنها، بكل اليقين الديمقراطي، لأن كل الفرقاء السياسيين يؤمنون حقيقة بنضج العملية الديمقراطية، داخل أحزابهم، وفي المجال العام أيضا؟
هل تعلنها لأن الخيار الديمقراطي الدستوري بعد 2011 أصبح محسوما، ويسمح اليوم بالمنافسة السياسية المفتوحة، على قواعد النزاهة، والشفافية، والمصداقية؟
هل تعلنها إيمانا منها بضرورة تقديم الحساب أمام الناخبين المغاربة؟
وأخيرا، هل تعلنها لأنها قادرة على تحويل الانتخابات إلى جسر للعبور نحو المغرب المأمول؟
هذه الأسئلة ليست للبلاغة. إنها اختبار لمعنى الانتخابات حين يصبح “الزمن الوطني” أثمن مورد، وحين لا تكفي انتظامية الموعد الانتخابي في تحقيق الأثر المرجو من العملية السياسية برمتها.
وكيفما كان الحال، فإن مجرد الإعلان عن تاريخ الانتخابات التشريعية هو فرصة سياسية حقيقية لمساءلة المشهد السياسي العام ببلادنا، في علاقته بالانتخابات من جهة، وفي علاقته بالأهلية السياسية وما تفترضه من رهانات كبرى . وأعني بالأهلية السياسية، في هذا السياق، قدرةُ الوساطة على إنتاج القرار العام القابل للتنفيذ والمحاسبة، لا مجرد المنافسة على المواقع و استهلاك الخطاب.
إنها مناسبة للقول إن الإعلان عن تاريخ الانتخابات التشريعية جاء هذه المرة خارج زمن المتغيرات الكبرى التي طرأت على المشهد السياسي- الانتخابي منذ دخول المغرب تجربة التناوب التوافقي، باعتبار أن موازين القوى التي أفرزتها الانتخابات السابقة، وما أسفرت عنه من تكتل سياسي سينقل البلاد إلى تجريب وصفة جديدة بعد أن جرب وصفة التناوب التوافقي مع عبد الرحمن اليوسفي، ووصفة الإسلاميين بعد ” الربيع العربي”. جاء الإعلان هذه المرة فيما المتغيرات الكبرى قائمة، لكن أدوات السياسة وآليات الوساطة فيما يبدو لم تتغير بما يكفي لمواكبتها، وهنا بالضبط تتحدد خطورة الاستحقاق الانتخابي القادم.
وإذا كانت وصفة التناوب التوافقي التي دشنتها حكومة عبد الرحمن اليوسفي قد تأطرت بشعار الانتقال الديمقراطي، وبالمصالحات الوطنية التي رافقته، فإن وصفة الإسلاميين قد تأطرت بشعار محاربة الفساد والاستبداد التي تصادت مع حركة 20 فبراير ومع رياح الربيع العربي. غير أن المسار السياسي الذي سيعبِّد الطريق لوصفة التقاطب المالي الأوليغارشي ستستفيد عمليا من انكماش المشهد السياسي و من انهيار الحركيات الاجتماعية المدعومة سابقا من قبل القوى الديمقراطية والإسلامية، ليفتح الطريق للتكتل البورجوازي الذي ستبصم عليه التجربة الحكومية الحالية التي ستوقع على العديد من الاختيارات التشريعية ( تلك التي سماها الوزير المذكور بالمخطط التشريعي الذي يخدم اللوبيات البورجوازية) في انزياح عن روح دستور 2011، وعن التراكم الديمقراطي المنجز في المراحل السابقة.خصوصا فيما يتعلق بمبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتخليق الحياة العامة،وتضارب المصالح، واستغلال النفوذ.
واليوم، عندما نسمع وزيرا في الحكومة يصرح من داخل البرلمان بأن لوبيات المصالح هي التي تشرِّع، وبأن المخطط التشريعي في خدمة البورجوازية، فإن الأمر لا يعدو أن يكون توصيفا لطبيعة المرحلة السياسية بعد أن تم إلحاق المجال السياسي بدائرة النفوذ المالي، أي انتقال باراديغم السياسة من تنافس البرامج السياسية إلى الهرولة الانتخابية التي تحكمها شبكات المصالح وتداخل النفوذ السياسي والمالي داخل مؤسسات الوساطة نفسها، مع ما يعنيه ذلك من مصالح فئوية خاصة ، و من تشريعات تصاغ على مقاس التكتل السياسي المهيمن.
إن الأمر يتعلق هنا بتسلل آلية مخرِّبة إلى المجال السياسي، وتزداد تمكينا وتجذرا بعد أن تم إلحاق السياسة بمنطق النفوذ، وبدوائر الاستقطاب والتوظيف المالي حيث تصبح الوظائف السياسية معطلة بتعطل الوساطة العاجزة عن أداء وظائفها الأصلية، أي تمثيل المجتمع والدفاع عن مصالحه المختلفة، وضبط قواعد التنافس الحر، وإنتاج القرارات القابلة للمحاسبة المؤسساتية والديمقراطية.
وإذا كانت العديد من المؤشرات توحي بأن الدورة الانتخابية ،إذا ما استمر المشهد السياسي على ماهو عليه، لن تعرف جديدا في تركيبة التقاطب المالي المهيمن. وبالتالي، استمرار انكماش المجال السياسي لصالح نفس التركيبة السياسية المهيمنة. وعليه، سيكون الإعلان عن تنظيم الانتخابات التشريعية القادمة، والحالة هاته، إعلانا عن إعادة نفس التقاطب السياسي إلى الواجهة. ولتفادي أن يبقى هذا الأمر حكماً عاماً، يكفي أن نلاحظ أن الإشكال ليس في الموعد الانتخابي، بل في قواعد اللعبة وحوافزها: هل الأمر يتعلق بالتنافس البرنامجي والتأطيري في علاقته بالمجتمع، أم بالتنافس على منطق الغنيمة والولاءات؟
وهو ما يعني، أن العملية السياسية- الانتخابية لن تساهم في خلق أجواء الانفراج السياسي والحقوقي المطلوبين، و عناصر القوة الداعمة لمواجهة حدة الطلب الاجتماعي ، وشروط الانتقال إلى مغرب ” السرعة الواحدة ” مع ما يتطلبه من أدوات سياسية للانتقال إلى ما سماه حكيم بنشماش، الأمين العام السابق لحزب الأصالة والمعاصرة، ب “ديمقراطية الإنجاز” التي لم تعد تسمح بتعددية سياسية حولت الأحزاب إلى ” وكالات انتخابية” بدون أي مضمون سياسي أو مشروع مجتمعي. والمقصود هنا أن التعددية حين تفرغ من مضامينها السياسية الحقيقية ،وتتحول إلى وكالات انتخابية عاجزة عن مواكبة ديمقراطية الإنجاز، فإنها تفقد ، بالنتيجة، معناها الوظيفي وتصبح عاملا من عوامل فرملة الطموح الوطني عوض أن تكون مواكبا وداعما له.
إن “بيان مغرب السرعة الواحدة ” الذي وقعه حكيم بنشماش، وهو يدعو إلى الانتقال إلى نموذج دولة الإنجاز من خلال تحرير المجال السياسي من ” ذهنية الغنيمة ” ومطالبته بضرورة حماية ” الزمن السيادي للدولة ” يتزامن مع الإعلان عن الانتخابات التشريعية التي من المقرر أن تجرى خلال شهر شتنبر 2026، وهذا التزامن يفتح الباب مجددا أمام الأسئلة التي تتعلق بالمشهد السياسي ببلادنا في علاقته بمتطلبات النجاعة المطلوبة لمواجهة رهانات مغرب السرعة الواحدة.والتزامن هنا ليس تفصيلا زمنيا، بل هو حدث سياسي يسائل واقع الحال قبل أن تفرض علينا الاستحقاقات منطقها وشروطها . ولعل هذا التقاطع مناسبةل كي نختبر “ أهلية الوساطة ” نفسها .
هل تملك الأحزاب والفاعلون القدرة على تحويل شرعية الإنجاز إلى أثر يومي محسوس في المدرسة والمستشفى والإدارة والشغل؟ أم سنواصل إنتاج برامج كبيرة تبقى- مهما بلغت جديتها – معلقة خارج التجربة المعيشة للمواطن، فتتحول إلى شرعية بلا ثقة، وإلى طموح بدون امتداد اجتماعي؟
وإذا كانت الرسالة المتضمنة في بيان ” مغرب السرعة الواحدة ” تدعو إلى إطلاق نقاش عمومي من خلال التساؤل المشروع ” كيف نعيد للوساطة السياسية معناها في لحظة التحول السيادي؟ “، فإن هذه الدعوة كما أتصورها ليست التفافا على التعددية الحزبية، ولا ضربا للخيار الديمقراطي بل هي دعوة لتخليص التعددية الحزبية من العبث الذي يسئ للمؤسسات. وحسبنا أنه لا جهة في البلاد قادرة ، موضوعيا، على تحقيق العملية الجراحية المطلوبة غير المؤسسة الملكية التي أطلق عليها البيان المذكور ” العقل السيادي” بوصفه فاعلا مركزيا في النظام السياسي المغربي بموجب الوظائف الدستورية العليا الموكولة إليه. داخل سقف الدستور، وبهدف تقوية المؤسسات لا تجاوزها، عبر تفعيل قواعد الحكامة والمحاسبة، وتحصين النزاهة، وتضييق هوامش تضارب المصالح، حتى تستعيد الوساطة معناها وتصبح قادرة على مواكبة دولة الإنجاز.
إن الأمر ليس انقلابا عن ” المنهجية الديمقراطية ” بل هو دعوة إصلاحية عميقة لا تخرج عن المبادرات الإصلاحية الكبرى التي قادتها الملكية في العهد الجديد منذ تدشين مسار المصالحة والانصاف، مرورا بإقرار الوثيقة الدستورية الجديدة لسنة 2011، وصولا إلى ورش ” الدولة الاجتماعية ” و “رهانات المغرب الصاعد “.
ولعل معيار الإصلاح اليوم هو الأثر في المدرسة والمستشفى والشغل، قبل أي شيء آخر، وهو ما يجعل الجراحة دفاعا عن جوهر الشرعية لا التفافا عليها..
وعليه، فإن الذهاب الى الانتخابات بنفس الشروط الذاتية القائمة اليوم، بنفس البنيات والعقليات والمصالح، مع ما خلفته بالأمس القريب من تعبيرات احتجاجية أربكت المجتمع، والطبقة السياسية على حد سواء، لن تعمل، والحالة هاته، إلا على تعميق الهوة بين المؤسسات التمثيلية والنسيج المجتمعي المتحرك. لذلك فالموعد الانتخابي وحده لا يكفي، إن لم يَفتح أفقا للتغيير وللأمل المتجدد. ولن يتسنى ذلك، إلا بالتصحيح الصارم لشروط الترشيح، والتمويل والمحاسبة. وإن لم تستعد وظيفة الوساطة فاعليتها، سنعيد إنتاج نفس الهوة باسم انتظامية الموعد الانتخابي.
لذلك، فان الرجة السياسية المأمولة القادرة على فتح آفاق جديدة في علاقة الدولة بالمجتمع، وفي علاقة السياسة بالمواطن، لن تتحقق دون عملية جراحية دقيقة تستأصل كل أورام الفساد الذي يعرقل المرور إلى ” مغرب السرعة الواحدة “، ودون مشاريع سياسية متبارية قادرةعلى تعبئة المغاربة للذهاب الى صناديق الاقتراع في الانتخابات التشريعية القادمة.
إن محطة الانتخابات التشريعية المقبلة تضع بلادنا أمام أجندة التحديات المختلفة بأبعادها الوطنية، والإقليمية، والقارية، والدولية. واذا كان في مقدمة هذه التحديات الحسم النهائي للسيادة الترابية على أقاليمنا الجنوبية من خلال الحكم الذاتي في الصحراء، فإن هذا الرهان لا ينفصل عن مستلزمات الترسيخ الديمقراطي والمؤسساتي الشامل، وعن تنمية الرأسمال البشري في عموم التراب الوطني في علاقة حيوية بالعدالة المجالية والترابية مع ما تقتضيه من إنصاف، وإدماج، وإنتاج، ومن رهان على تجدد النخب الوطنية وفق قواعد النزاهة والكفاءة والاستحقاق للإسهام في مختلف الاوراش الوطنية قصد اللحاق بسرعة ” الإنجاز” التي يتطلبها المغرب الصاعد، وتقوية شروط الارتقاء بالمجتمع على درب المواطنة النشطة، والإنتاجية المرجوة.
-
نهضة معلقة وديمقراطية منقوصة
نحن نشهد، موضوعيا، كيف تتعرض الديمقراطية -لفظة، ومفهوما ونظاما- إلى التشويه والمحاربة؛ ونلاحظ كيف أن العديد ممن يعادونها لا يكفون عن استعمالها، أو عن توظيف آلياتها للوصول إلى الحكم ليفرضوا نظاما تحكميًا وتسلطيًا. هناك، أيضا، التباس كبير بين الديمقراطية والليبرالية السياسية، خصوصا وأن أسئلة متجددة تفرض ذاتها عن التمثيلية والحقوق والرأي العام، أو تطرح على صعيد التحكم في النزاعات واقتراح أساليب جديدة لتسيير قواعد العقد الاجتماعي. غير أن المتابع لما يحصل في مجتمعاتنا يقف على أن أنظمة الحكم المختلفة تقتبس قاموس الديمقراطية لاستعماله واجهة لحماية الرأسمال، أو لتبرير الأوتوقراطية والريع.
ويتعين التنويه إلى أن صيغة «الديمقراطية المنقوصة»، كما وردت في عنوان الكتاب، لا يوجهها حُكم قيمة، وإنما تنطلق من مؤشرات دولية، منها تلك التي تضعها صحيفة «ليكونوميست» الليبرالية البريطانية، التي وضعت شروطا خمسة لقياس الديمقراطية في 167 بلدا؛ أول هذه الشروط مدى احترام التعددية والعملية الانتخابية؛ ثانيها نمط حكامة السلطات العمومية؛ ثالثها نسبة المشاركة السياسية؛ رابعها الثقافة السياسية وأخيرا الحريات المَدَنية. وبناء على ما تسميه «مؤشر الديمقراطية»، تُقسم الأنظمة السياسية إلى أربعة أنواع: البلدان التي تتميز بـ«ديمقراطية كاملة»، وتلك التي تدخل في نطاق «الديمقراطية المنقوصة»، والنوع الثالث تنعته بـ«النظام الهجين»، ثم أخيرا ما تصنفه «نظاما سلطويًا».
هكذا قد تكون الديمقراطية منقوصة حتى في البلدان التي وضعت أسسها المعيارية، واستبطنتها الذهنيات، والمؤسسات والحياة العامة. فالولايات المتحدة الأمريكية تدوس على حقوق الإنسان والأوفاق الأممية كلما كانت وراء سياساتها مصالح استراتيجية، أو تتورط في الحروب التي لا تكف عن اختلاقها أو تدفع إلى اشتعالها؛ وتشهد الديمقراطية الفرنسية تراجعات واضحة على صعيد حرية التعبير، ومنع التظاهر وإغلاق وسائل الإعلام أمام تيارات الفكر والرأي بمناسبة الإبادة التي تقترفها الدولة الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية.
أما غالبية البلدان العربية فتدخل في إطار «الأنظمة الاستبدادية»؛ لقد غيَّرت تونس ترتيبها بعد «الثورة» على بنعلي ورحيله سنة 2011، عن طريق كتابة دستور جديد وتنظيم انتخابات حرة ونزيهة إلى أن بلغت الرتبة 82 عالميا، لكننا نعاين كيف دخلت في تراجعات مؤسفة في السنين الأخيرة؛ وتمكن المغرب من الخروج من خانة «النظام السلطوي» حيث تم تصنيفه في خانة «النظام الهجين» بحصوله على الرتبة 93، التي وصل إليها بشكل تدريجي.
واعتبارا لهذه المعطيات والمؤشرات، لا مناص من تسمية مناسبة للوقائع وليس للنوايا. نحن نعيش في أوضاع سياسية أكثر من منقوصة، إذا ما احترمنا مؤشرات التصنيف الدولي، وتبقى نهضتنا «مُعلقة» طالما لم نعرف كيف نستثمر في البنيات الأساسية بمقدار ما نستثمر في بناء الإنسان والرأسمال البشري. وحين يتمكن أصحاب القرار من تغيير التوجهات والاختيارات الكبرى، وينجزوا عمليا ما أعلنوا عنه افتراضيا، وشعر أكبر عدد من الناس بمردودية هذه الاختيارات في عيشهم، وحريتهم، وكرامتهم وإنسانيتهم، حينها يتعين تغيير قاموس الوصف ومعايير التقييم.