Étiquette : افتتاحية ملحق

  • الفرحُ بثمن والوطن لا يُقَدَّرُ بثمنْ !

    العلم الإلكترونية – محمد بشكار

    عِشْتُ حتَّى رأيْتُ الفرح الذي تحقَّق مِنْ مونديال قطر، يُصْبح صِناعةً تُدِرُّ من الأرْباح خلال أيَّامٍ معدودةٍ، ما لم يُفجِّرهُ الحُزن مِن نُوَاح طيلة عقود من النّكسات، بل إنّ مداخيل الفرح الذي لا يحتاج لاسْتيراد وتصْديرٍ كالفوسفاط، قد يُساهم إذا أحسنت الحُكومة ترْشيدَ نفقاته دون ريعٍ أو تَرْقيعٍ، في الرّفْع من النُّموِّ الاقتصادي للبلد، هي فُرصةٌ إذاً لنرُد الجميل إلى أبطال المُنتخب الوطني، ونجْعل جُهودَهم القِتاليّة في الميْدان الكُروي، لا تذهب سُدى دون ثمارٍ ملموسةٍ على أرض الملعب الكبير للمجتمع، فرصةٌ لتُصْلِح الدولة بأموال بطولاتٍ بلغت دورة إثْر دورة إلى قمّة الكأس، كلَّ مظاهر البؤس التي تُبشِّع صورة بلدنا، في قطاعات الصِّحة والتعليم والشُّغل وانهيار القُدْرة الشِّرائية للمواطن، فرصةٌ ليستمر الفرح دون أن يكون رهينَ العُمْر القصير لأيّام الكرة، فرصةٌ لنجعل هؤلاء الأبطال يَفْخَرون أكثر بتُراب الأجداد، وهُم يرَوْن أن ما جَنوهُ بعزيمة وقُوّة جَلَد، قد أدْخل السُّرور إلى جيوب المُواطنين، وانْعكس بأجْمل صُورةٍ على مستوى العيش الكريم، أليْس هكذا نرْفع سقف الحُلم ومعهُ الرَّأس إلى ما هو أبعد من الكأْس ! 

    لا أعرف بكم تُقدَّر تكاليفُ الفرح، لأنّي لستُ خبيراً في هذا النّوع من الاقتصاد، كُل ما أعرف أنَّ لحظة فرحٍ مَسْرُوقةٍ قد تُكبِّدني خسائر فادحة وتنْقلبُ إلى قرح، فأنا كباقي البُسطاء لا أشْعُر بالسَّعادة إلا حين أجدُ وقتاً فارغا أنْفِقُه على نفسي دون تفكير،  كأنِّي أُسَرِّعُ وتيرة الزمن لأسْتبْدِل ساعةً بأخرى أفْضَل، ثُم إنَّ الفرح في هذا العصْر، أصبح مُعقّداً يَسْتدعي خُططاً كالتي تُوضَع قبل الحرب، فيالق من المُسْتشْهرين والمُؤثِّرات ذوات البشرة المُصفّاة والمُنقَّحة بتقنية الفِلْتر، والأجهزة الفنية بكل طواقمها المُتخصِّصة في التنظيم والألبسة والرقص والغناء والتَّعْتيم، وهي أيضاً طواقم بأسْنان تُجْهِزُ على الأخْضر واليابس، صار للفرح كتائب إعْلامية تُصوِّر في البحر والجو والبر وغُرَف النوم، لم يعُد الفرح ينْمو طبيعيّاً كأيِّ بِذرة مزَّقت التُّراب واكتشفتْ بالصُّدْفة أنّها زَهرةٌ أو كُمَّثْرى، بل صناعةٌ تُعلِّب المشاعر الآدمية ِوفْق منطق السُّوق، ولأنَّ الحزن يكتسح أغلب الأنْفُس، فإنَّ عَرْض الفَرَح لا يُلبِّي كلَّ الطَّلب، إلا هذه الغِبْطة الغامرة التي صنعها المُنْتخب، فقدْ أيقظت في الذاكرة أطلال التاريخ لِتُعيد ترميم أقواس النَّصر، وامتدَّت في رُقْعةِ الجغرافيا لِتُلبِّي النداء المقموع لِكُلِّ العرب !  

    الفرح صناعة أيضاً لا تخلو من أرباح، ولكنّه في حالة  اللعب، لا يَتأتَّى إلا بِحُزْن الآخرين الذين نُكبِّدهم أفْدَح خسارة، لا يَهمْ.. ما دام من حقِّنا الفرح بالحجْم الكبير الذي نُحقِّق به الربح، وأقصى المُنى أنْ تُساهم هذه الأرباح الطائلة للفرح الأسطوري، في النَّاتج الخام للاقتصاد الوطني، وتنْعكس على أرْض الواقع بتنْميةِ الفكر والقضاء على مظاهر الفقر البشعة، تعالوا إذاً نسْتهلك الفرح بدون حساب ما دام هذا الشعور الإنساني النبيل، أصبح رافعةً أساسية للارتقاء باقتصاد البلد، وقد صَنَع المُنتخب الوطني هذا الفرح بكمِّية تكفي كل الشُّعوب المُسْتَضْعفة، فهل يُعْقَل أن يكون هذا الفرح مجّانياً، المفروض رعايته في الأنفس لكي لا يتبخَّر مع الأجْر الهزيل، في الأسبوع الأول للشَّهْر، المفروض أنْ نتساءل ماذا بعْد أن تنتهي المباراة بالفوز أو الخسارة، ألا تسْتمر الحياة، نعود جميعاً إلى الملعب الكبير للمجتمع حائرين هل انتهت فعلاً اللُّعْبة، أبداً فهي غير محدودة بالدَّقائق المعدودة للكُرة، بل بأشواطٍ قد تكون إضافية لِمن بلغ من العُمر عتيّاً دون جَزاء، ولكن ليس ثمَّة أفْظع مِنْ أنْ يكتشف المرءُ في آخِر المَطاف، أنَّهُ كان مُجرّد كُرَةٍ تتقاذفُها الأرْجُل، وأنَّه كان في آلة تَصْنيع الفرح مُجَرَّد هدف !

    الفرحُ هنا بعد أنْ أصبح انخراطاً اجتماعياً عارماً يهْفو لنفس الأهداف، ليس مجَّانياً أو صَدقةً جاريةً، بل اكْتسب صِيغة رسائل سياسية يبْعثُها ورْديةً ولكن في طيَّاتها القهْر، الفرح أصبح يسْتدعي ذلك المقابل الذي يُساوي قيمة مشاعره الباهظة، وهل ثمّة تعبيرٌ عن الفرح أثْمَن من الإقْبال على اقتناء راية البلد، الجميع يأْتزِر بالعَلَم المغربي في البُيوت والشّوارع والمقاهي، نساءً ورجالاً وأطفالاً، منذُ بَدْء مباراة المنتخب حين تقف الروح في الحُلْقوم قريباً من صفّارة الحَكَم، الجميع يهتف للوطن، أوَ لا يَسْتحِقُّ كل هذا الفرح عِيشةً كريمة دون حزن أو شجن، أو لا يستحق أن يكون بثمن فِي وطنٍ لا يُقَدَّرُ بثمن ! 



    ملحق « العلم الثقافي » ليوم الخميس 15 دجنبر 2022

    الملحق_الثقافي_15_12_2022.pdf
    الملحق الثقافي 15-12-2022.pdf
     (12.07 ميغا)

    إقرأ الخبر من مصدره

  • اللَعُوب الناطِقةُ باسم الشُّعُوب !

    العلم الإلكترونية – محمد بشكار

    سُبْحان مَنْ يضع سِرَّهُ ليس فقط في أضْعفِ خلْقِه بلْ فِي أوْهَنِ الأشْياء، إنَّها الكُرة وهي مُجرّد كُتْلةٍ منْ هواء، وما الحاجة لديبلوماسية تُقيم أبدَ الجوِّ في الطّائرة، إذا كانت رُقْعةُ ملْعبٍ مُعْشِبةٍ منْ أمْتار مَعْدُودة تُوفِّر كل التّعب، ما الحاجةُ لِمُعاهدات الأحلام، لِلْقِمم العربية ما هَوَى مِنْها وما صَعَدْ في أكثر من بلدْ، إذا كان الشّارِع يتّخذ بالكُرة مواقفه الثّابتة التي تَخُصُّ الوطن والمُعْتَقدْ، ما الحاجة لِخطابٍ سياسي يُراوح بين التَّرْغيب والتّرْهيب، إذا كانت الكُرة أقوى تعْبيرٍ يتجاوزُ سُلْطة الشِّباك إلى الثَّوْرة !         

    الكُرة هذه المَرّة كجائزة نُوبل حين ذهبت لأديبٍ عربي لأوّل مرَّة، تختلف عن باقي الكُرات في سنوات المونديال السابقة، لِنقُلْ إنَّها انعتقت ليْس فقط من الاحْتِكار بل الاستعمار الغَرْبي، وها هِي فِي بلدٍ عربي تَجُرُّ العالم إلى لُعْبة أبْعد مِنَ اللَّعِب، تُذِيقُه من كأسها المُتْرَع بالهُموم، ألَمْ تر بين الأعْلام التي تُوشِّح الملعب منْ جهاته الأربع، عَلَم فلسطين تُجلِّيه الجماهير عالياً، فإذا ضاقتِ الأرضُ واشْتدَّ الحصار على القُدْس، ها هي حلبةُ المُقاومة تتَّسع بالكُرة لِيهْتزَّ مِنْ باطِن الأرض مَعَ كل هدفٍ ألفُ شهيد، ها هي الكُرة تعْقِد أعلى قمَّة لِتطْرُد إسرائيل بإجْماع كُلِّ الجِنْسيات وتنتهي الأكْذوبة، يَا لَلْهُتاف الذي يُزلْزِل الأرْجَاءَ واصِلاً بين الأرْض والسَّماء، يَا لَلأمل في الأعْيُن يستعين بالكُرة ليعيش الفرح ولو لِلحْظة عِوَضَ الدَّوام المُسْتَمِر لِلْوجع، شُكراً لِلكُرة ولكلِّ الأنْفاس التي تختزنها مع الهواء، فقد استطاعت أنْ تُوحدنا جغرافيا في قطر لأول مرة !

    لم تعُد الكُرة مُجرّد فُرْجةٍ كما يعْتقِدُ البعض، أو سُكْرة سرعان ما تَطِير حين تَجِفُّ خمْرتُها في قعر كأس العالم، بل أوراقٌ سياسيةٌ أكْسَبها المُونديال الشّفافية اللازمة لِتمْرير موْقف الشَّارع العربي، ضِدّاً في القرارت الحكومية التي تُتَّخذ دون إرادة الشُّعوب، وعلى رأسْها التَّطْبيع مع إسرائيل التي تنْتهِز انشغال الرّأي العام بالمونديال، لِتُمْعِن في التَّنْكيل بالفلسطينيين، تُهدِّم البيوت وتُسوِّد لائحة الشُّهداء كلّ يومٍ بأسماءٍ جُدد، والأدْهى أنْ تَبْعث لِقَطر مُراسلين على أملِ أنْ تُبيّض صحيفتها بالفرح الّذي في عيْن المكان، لكن ردّ الجماهير العربية كان أسْرع من أيِّ تردُّد أو خذلان سياسي، كان صفعةً مُدَوِّية في كُلِّ أرجاء المعْمُور، بدَّدت في لحْظة بثٍّ مُباشر، أكْذوبةً عَمَّرتْ حوالي مائة سنة على أرض الغير، واتَّفق الجميع دون حبْرٍ أو ورق، أنَّه لا وُجود لِشيء سُمِّيَ باطلاً إسرائيل، لا أبالغُ إذا قلتُ بفرْحةٍ غامرة،  إنَّ انتصار المُنْتخب المغربي، قد تضاعف وأصْبح انتصارين، ألمْ ترَ لأبواق الكيان الصّهيوني كيف ولَّتْ خرساء مدحورة من ساحة اللَّعِب، هي التي لم تأْت للمونديال إلا لتُبيِّض جرائم الاحتلال ! 
      
    الآن فقط أسْتطيعُ أنْ أُجارِي المُعلِّق الرياضي حين يرْفعُ عقيرتهُ طرباً، وأقول الله.. الله على تِلكُمُ الأهداف التي تَبلْورت على ساحة الميدان الكُروِيّة، في شكل مواقف صارخةٍ، كانتْ أبلغ وأشدّ وقْعاً منَ التي دخلت في شِباك الخَصْم، أمّا هذه الأهداف الأخيرة فيُمكن لِكُلٍّ منّا أنْ يُنْشِئ مرماهُ بالمقاس الذي يتناسبُ مع حذائه الرِّياضي، ويُلْقي بين عارِضَتيْها من الكُرات الكِمِّية التي تُشْبع فرحهُ حدَّ التُّخْمة، بينما الأهداف الحقيقيّة هي التي يُسجِّلها المرء في مرمى الحياة، وأهمُّها أنْ يحقّقَ المُواطن اكتفاءهُ البطْني من اللُّقْمة، نُحسِّنُ وضْعنا الإجتماعي ونرْتقي في سُلَّمِ التعليم بالعُقول، أنا أيضاً أحبُّ الكُرة وأتأجَّج بالحماسة دفاعاً عن القميص المغربي في كلِّ الميادين، ولكن أفضِّل أنْ يتناغم تألُّقها مع تنامي وعي الفرد في المجتمع والتطور الاقتصادي للبلد، أفضِّلُ أنْ أكون في وضْعٍ مُريح لأسْتمْتِع بمُراوغاتِها وهي تتمنَّعْ، ولكن في الحُدود التي لا تتجاوز الأرجل إلى الرّأس وتجعل تفكيري أُلْعوبة، يا للخُدَع السِّحرية لِهذه الكرة حين تُصبح في نظر الأغنياء ترفاً، مُجرَّد خُضْرة تُوضع مع القَرَع على وفْرةٍ منَ الطَّعام، أمَّا وهي تُخْرِِجُ الإنسان الفقير عن الطَّوْر لِينْسى احتياجاته المُلِحَّة، تغدو للأسف تَطرُّفاً !



    ملحق »العلم الثقافي » ليوم الخميس فاتح دجنبر 2022

    الملحق_الثقافي_2.pdf
    الملحق الثقافي.pdf
     (17.91 ميغا)

    إقرأ الخبر من مصدره

  • في المُونْديال ينْقَطِعُ الإرْسال !

    العلم الإلكترونية – محمد بشكار

    عيْنٌ في قَطَر وأخرى في السماء تنتظر أن تجُود بالمطر، عيْنٌ تتدحْرج مع كُرة المُونديال، وأخرى ترعى الغيوم في قمم المناخ المُعْشِبة بالثرثرة، فما الحاجة للثقافة والكُرة تدور هذه الأيام مع الأرْض بالعقول، وبركْلة قَدم واحدة وليس جرَّة قلم، تُسدِّد كل الأفكار في الشِّباك، وشتّان هنا بين المَسِّ واللَّمْس، فالأول يُصيب الرأس ويسْتدعي إطلاق صفارة إنذار ليست كاللعبة التي يلُوك الحَكَم، وما علينا إلا أنْ نرْتجل مع المُعلِّق الرياضي بعض الكلام الموزون المُقفّى بالعسَل، وهو يقول مثلا: يا سلام عليك يا قطَر ولا في الأحلام.. أمّا نحن لا نملك إلا أن نَبْعث من تحت الأنقاض الشاعر العراقي بدر شاكر السّياب، ونَصيح: يا خليجْ.. يا واهب اللؤلؤ والمحار والرّدى.. إلى آخر أنشودة المطر!   

    ما الحاجة إلى الثقافة وثمّة بيننا مَنْ ما زال يتساءل هل الأرض كُروية أو مُسطَّحة، وما لهُ لا ينظر إلى حيث يضع رأسه بين أرْجُل تتلاعب بأفكارها دون هدف، لِنقُل إنّ مُسدَّس غوبلز قد تطوَّر مع انفجار الثورة التِّكنولوجية بكل أشكال التسلية المُنْكفِئة على هواتفها، أليس جوزيف غوبلز وزير الإعلام النازي في عهد هتلر من قال العبارة الشهيرة «كُلّما سمعتُ كلمة ثقافة أو (مثقف) تحسَّستُ مُسدسي »، مَنْ ما زال  يخْشى الثقافة وهي تُقتَل كل يوم بأسلحة التِّقنية الأشد فتْكاً من كل الأعْيِرة الرصاصية، وأفْظع مَظْهر أو تَجلٍّ لِجُثَثِها الجريحة، هو هذا الكم الهائل من الكتب الموؤودة إمَّا في سراديب الخزانات أو دور النّشر تأكلها الأرَضَة، ماذا اٌقول سوى أنَّ الدَّفْن تجاوز الإنسان إلى المعرفة، وهو في كلتا الحِدادَين إكرامٌ للحيِّ والميِّتْ !

    كأنِّي أخشى بشبح هذا التفكير العودة للعصر المامُوثي مُتسائلاً في حيرة ماذا لو فَقَد العالم طاقة الكهرباء، ماذا لو توقَّف الأنترنيت وضيَّعْنا العلاقة بكل ما يَصِلنا بالعالم، ألنْ يتوقّف أيضاً الإرسال المبثوث من قطَر، ألنْ نفقد نصف عمرنا ونحن نُفوِّت مباريات المونديال، يا لَهوْل أن يندثر فجأة ما يجعلنا مُتشابهين كالسِّلع بأثمنة مُحَدَّدة في سوبرماركت العولمة، ما الحاجة إلى الثقافة، ما جدوى الكتب بعد أن أصبح الهواء يَصْدُر مُجلَّداً في كُرات تقفز بلاعبها للأعالي، بل ما الضَّيْر أنْ نَفْقد بموت الثقافة يد الصَّانع التي شلَّت الآلة حركتها الطبيعية، لِتحُلَّ السُّرعة ووفرة الإنتاج موضع الدِّقة والحِرفيّة والأصالة والإتقان، وما حاجتي للطَّعْم اللذيذ لخبز ينضُج على مهلٍ فوق نار الحطب، إذا كان الفُرْن الكهربائي يُلبِّي حاجيات السُّوق المُتزايِدة، ويُطْعِم ألف بطن في السَّاعة، ما حاجة الفتاة الفقيرة أو المَيْسُورة أنْ تمْتثِل لنداءات التقاليد الأُسرِيَّة العريقة وتلْتحِق بدار الصَّنائع، هل تُذبِّل عينيها في الحياكة والتَّطْريز، فقط لتُجهِّز فُسْتان الزَّفاف وباقي الأقمشة التي تُرافِق موكب السرير، بينما أشْهَر علامات الأزياء العالمية، تكْتسِح سُوق الفرح بوصلات الإشهار التي تُلْهِبُ الأضواء !

    لم يَعُد الفرح للأسف يخْضَع لِمنطق الثقافة والذَّوْق الذي يجعل العروسة تحتفل بأجمل أيَّام العمر على طريقتها الخاصة، بل تشتري في  نفس يوم عُرْسها فستان الزفاف جاهزاً كما نَبْتاعُ للميِّت الكفن، ألَمْ أقُل إنَّ غوبلز لم يَعُد بحاجة لمُسدس كي يقتل الثقافة، بل إنَّنا فقدنا حتى العاطفة في مهبِّ هذه العاصفة، وقد لا يَجِدُ الحبيب ورقةً وقلماً كي يبعث أقْصَر رسالة حين يَجِفُّ الصَّبيب !

    هل حقّاً ما زال بالإمْكان الحديث عن ثقافة المُجتمع، عن وسائل تأثير قوية نسْتمدُّها من خصوصِيتنا المُتَوارثة أباً عن جَد، لا أعرف كيف لهذه الثقافة أن تحتفظ بكل هذا التَّمايُز، مع اتِّساع رُقعة العولمة وتسليع كل شيء، ومع تَفشِّي شبكات التواصل الاجتماعي، ومع انتشار المراكز الثقافية الأجنبية في البلد، ومع تقديس لغة الآخر المُستعمر وتكْريس نُخْبوِيَّتِها في المنظومة التعليمية، وكأنَّ العربية لسانٌ أخرس لا يُواكب من حيث النُّطق والتَّعامُل لغة العصر، لا أعرف كيف أقول أنا ابن بيئتي والمجتمع أصْبح أضْيق من بُحيرة في مُنْتَجع !

    ولكنَّني أعْرف جيِّداً أنِّي هنا خارج الطقس، ما زلْتُ أنتظر أنْ تجود السماء بالمطر، أحرِّك بالمِغْرفة حساء الثقافة، بينما وجْبة ألذ لا تصِل لبُطون الجياع، تُطْهَى الآن في قَطَر ! 



    ملحق « العلم الثقافي » ليوم الخميس 24 نونبر 2022

    الملحق_الثقافي_1.pdf
    الملحق الثقافي.pdf
     (13.35 ميغا)

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مِنْ وساوِس ديواني الخامس !

    العلم الإلكترونية – محمد بشكار

    ماذا لو غيَّر الشِّعْر الحِرْفة وانقلب إلى شَعْر ولوْ في باروكة، أليْس تَرُوج حركته مع رواج الصَّلع الذي يتمدد قاحلا في الرؤوس، ومع أنَّ القَرَع ليس عيباً بل محاكاة لعوامل التَّعْرية التي تُصيب البرية، لا أعْجب إلا من كثرة المُقْبلين هذه الأيّام على  عمليات زرْع الشَّعْر، ولا آسف إلا مِمّن يَمُر بالمُوسى على آخر جذر بقي عالقاً في نفسه من الشِّعر، فلا تَسْألني ما الذي يعْنيه أنْ تُصْدِر ديواناً جديداً، لو كان هذا السُّؤال يخُصُّ ديواني الأول، لَرُبما اعْتَرتْني الحماسة في الجواب واحتاجَ تدفُّق كلماتي من فرْط دهْشةٍ يسْتثيرُها عملٌ تأتيه لأول مرّة، لِضمادٍ طويل يلْئِم النّزيف، ولكن والأمر يعني صدور ديواني الخامس، أسْتطيع القول إنّي تجاوزتُ هذه اللذة التي تزول وتفتُر بتوالي النَّشْر، وأصبح يعْنيني الشِّعر أكثر، هل خرجتُ من الدائرة.. ربما.. وأقصد دائرة آخر ديوان أصدرته عام 2013 ويحمل عنوان « عبثا كم أريد.. » (دار توبقال بالدار البيضاء)، هل وأنا أفتح غلافَيْ ديواني الجديد (2022)، وجدتُ بابا آخر مفتوحا على أفق جمالي مُغاير لا يُكرّرُني، ليس ثمة ما يقتُل الشِّعر سِوى احتفاظه بنفْس الملامح في كلِّ الأعمار، أستطيع التأكيد أنّ الشِّعر أو الشاعر وهو يتقدَّمُ في التَّجْربة، لا ينْتابه إلا شعور واحدٌ حين يَصْدُر ديوانٌ جديد، هو التَّخلُّص من محْنة.. أمّا ما يتبقى لا يعْنيه بما أنّه أصبح يعني القارئ !

    كان بودِّي أنْ أسمِّي هذا الديوان « كِتاب الأرق »، ولكنِّي وجدتُ العنوان مُسْتَهلَكاً تحْملُه كتبٌ غرْبية وعربية، ذلك أنّه ثمرة تجربة مَرَضِيّة عصيبة، ألمْ أقُل إن التقدُّم في الشِّعر مِحنةٌ وليس مِنْحة، وما زلتُ حائراً في العنوان حتى اهتديتُ لِمَا يتناغم مع تيمة « الأرق » وأسميتُه « حُلُمٌ أعلى الوسادة » (منشورات بيت الشعر في المغرب/2022)، ففي عام 2015 انْقَصَم ظهري ولم أعُد أستطيع الوقوف أو المشي، وأفْقَدَني حريقُ الألم النوم، أصبحتُ أزاول مهنتي من البيت بالبريد الإلكتروني، ولنْ أُبالغ إذا قلتُ إنَّ تجربة الألم صَقلتْ مع جسدي الكلمة، تماما كما تبْري النار المعادن، لن تُصدِّق أخي محمود  إذا قلتُ إنّ التجربة الحياتية في فرحها أو ترَحِها تُمارس انعكاساتها على النص الشِّعري، سواء مِنْ حيث الشكل أو المضمون، وكما تَخلَّص جسمي في تجربة المرض من كل الزوائد لأصير جِلدا على عظم، ألْقى الشِّعْر أيضا كل الكلمات التي تُثْقل كاهله بالدَّسَم المُعْجمي أو الصَّخَب الملْحمي، أصبحتِ الكتابة الشِّعرية و لوْ في نصٍّ طويل، صِنفاً من القبْض على الصورة ولكن بأسلوب الشَّذْرة الحارقة، ولا غرابة حين تضيق بالشاعر السُّبل أن يلْتمِس العزاء في ما يقُضُّ مضجع الإنسانية، لذلك ستجدُني في هذا الديوان، إمّا عاشقا مُتغزِّلا يَنْبُش عن قلبه المَدْفون في التفاصيل والذكريات، أو مُواسياً للمأساة !     

    الشِّعْر بالنسبة لي طوق نجاة يعيدني مع كل قصيدة أكتبها أو تكتبني إلى الحياة، ومَنْ يرطن بأزمة الشِّعر في كل مناسبة مواتية لشحذ اللسان، إمّا أنه لا يعرف القيمة الجمالية لهذا الدواء المُقطَّر كالترياق، أو فيه يكمن الداء ويُعبِّر عن الإخفاق، أرى أنّه من الخطإ أن ننْساق مُتدفِّقين على ذقوننا مع الأحكام الجاهزة التي تسْتأسِد بالرأي الشِّعْري العام السائد، هل يجوز حقاً أن نقول (الرأي الشعري العام)، نكاد نعْتمد هذه العبارة بعد أنْ أصبح عددُ منْ يكتُب الشِّعر يومياً في فيسبوك يُقَدَّر بـ 30 مليون نسمة، أمّا من وجْهة تقوْقُعي محدود الإنتشار فأُومِن أنّ الشِّعْر حالةٌ خاصة وليس غفيراً أو جماهيرياً، لحْظةٌ جمالية لا تتكرّر والإمعان في تمْطيطها مُجرَّد اجْترارٍ لِما لن يُفيد أحدا، أنا لا أسْخر ولكن الأكيد أنّ ثمة الرديء والجيِّد في كل الأشكال الأدبية، في الشِّعر والرواية والقصة والمسرح، ثمة من يعتبر الكتابة مسؤولية أدبية غير مأمونة العواقب، وثمة من يكتب كيف ما اتَّفق ويدعُها تَسْرَح.. تجده يُصْدِر بَدَل الديوان عشرة في ظرف أشهر معدودة اللهم لا حسد، ألا يُدرك أنّه ليس ثمة أفظع من السُّقوط من عين القارئ، لا أعرف لِمَ يهرب منّي سؤال أزمة الشِّعْر حين أطارده بالجواب، ربَّما لأنِّي مفعمٌ بالأمل ولا أريد أن أسُدَّ الباب، أو ربما لأني واحدٌ مِن الشِّعر المغربي وأرفض بإصدار أحكام جاهزة أنْ ألغي نفسي !              

    الأفضل التحدُّث عن أزمة الشَّاعر عوض أن نُلقي باللائمة على الشِّعر، فالكلمة التي تجْري بأسطرها في الرواية أو أي جنس أدبي آخر، هي نفسُها التي تملأ وبجرعة من مستوى الأوفْر دوز فصول الرواية، يجْدُر أن نسأل لِمَ أصبحت دور النشر ترفض طبْع الشِّعر، ولماذا تُغلِّبُ منْطق السوق التجاري وتغيِّب المسؤولية الثقافية، أليس المفروض في دُور النشر خصوصاً ذات التاريخ العريق،  أنْ تُقدِّر كل الأجناس الأدبية وتحترم الأسماء، عجبي كيف ترفض دار نشر يدَّعي مالكُها أنَّه مثقفٌ طَبْعَ ديوان شاعر معروف في العالم، هنا تكْمُن أزمة الشِّعر أيْ في القرارات النَّفْعية التي تحدُّ من تداولية عمل الشاعر، ولكن يبدو أنَّ كل محاولات التَّحكُّم في عوامل الطَّقْس قد باءت بالفشل، ولا أحد تمكَّن من حجْب الشَّمس ! 



    ملحق « العلم الثقافي » ليوم الخميس 17 نونبر 2022

    الملحق_du_17_11_2022.pdf
    الملحق DU 17-11-2022.pdf
     (12.31 ميغا)

    إقرأ الخبر من مصدره

  • العربي الصَّبان رفيقُ السِّلاحْ

    العلم الإلكترونية – محمد بشكار

    قدْ تَنْهار الأرْكان بسُقُوفِها ولكن لا ينهارُ الإنسان، أليْس هو من يُشيِّدُها بِنفْثةٍ من روحه صرْحاً عالياً، وما بالُكَ إذا كان هذا الإنسان يتجاوز بخفَّةٍ حَمْل الأثقال ليضع أثر فنّان، ومَنْ غيْرهُ العربي الصَّبان رُكناً أساسيا بجريدة « العلم »، ذاك الذي كانت رُسوماته الكاريكاتيرية الرّائدة، تُزيِّنُ يومياً شرفة الصفحة الأخيرة من العمود إلى العمود، تماماً كما يُطوِّق العِقْدُ النَّفيس العُنقَ من الوريد إلى الوريد، مَنْ غير الصّبان فناناً كبيرا يُعلِّمُنا بِكُلِّ رسْمٍ نحْتسيه مع قهوة الصّباح، كيف نسْخَرُ من الخيْبة بضحكٍ أذْكَى وأنْكَى من البُكاء، كي لا نخْسَر سجِيَّة أنْفُسِنا ولا نبْتسم مُوافقِين على كل شيءٍ بِغباء !  

    لا أعرف ما الذي أجَّج اليوم في نفسي الحنين إلى هذه الصُّحْبة الأثيرة، ولا أصِفُها بالقديمة بِحُكْم أنَّها  مُتجدِّدة دائما بالمحبَّةِ تجَدُّد الدورة القلبية بقُوة الذكريات، ربّما هي حالةٌ انْتَابتْنِي كالتي تسْبَق تَدفُّق الأشْعَار، أو ربَّما هي حاجتنا جميعاً لقُفَّة (مِهْمَازْ) التي تقف إلى جانب الفقراء وتدين غلاء الأسعار، مهْماز الذي كان بمُجرّد أنْ أفتح الجريدة يقْفز مِنْ سقفها الورقي، نمشي معاً وقد امتصَّ كل هُمومي مُعْتمِراً طاقية الكادحين، أو يُشارِكني الاحتراق بسيجارة يُغْنِي دُخانها عن كل كلام، مهماز الذي لا يعرف طريقةً أخرى لِمُساءلة الحُكومة عن مصير ثروات البلاد، غير الكَشْف عن جيْبين فارغين أمام المَلأ، فهل ثمة ذخيرة تُعبِّئ الروح كل صباح أشَدّ فتكاً من مهماز رفيق السلاح، يستحيل أن يبْتلع النِّسْيان هذه الشَّخصية الفريدة التي ابتكرتْها عبقرية الصّبان، بل ما أشَدَّ خرَس الفرد والمُجتمع بدون أيْقونةٍ ساخرة تنْطِق باسمه في كُلِّ المِحَن !      

    كان لفلسطين (حنظلة) الذي نفخ فيه ناجي العلي من ألَمِه الروح، ولنا في المغرب (مهْماز) الذي بَرَاه العربي الصبان بِحُرْقة صراعنا الوجودي مع الفساد، كانت لحنظلة وما زالت القُبّة.. قُبّة القدس يُحوِّطها بذراعيه النَّحيلين ووجهُه مصدودٌ للحائط، ولِمهْماز القُفّة.. وهي أيضا نضالٌ كالقضية الفلسطينية، تحتاج لِمن يُحرِّرها مِمّنْ يسْتنْزِفون خيرات البلد ويحتكرون سوق الشغل، أليْسَ فِي كُلِّ بيتٍ مغربي عاطل كما في كُل بيتٍ بفلسطين شهيد !

    لا أُبالغ إذا قلتُ إنِّي حين التحقتُ بجريدة (العلم) صحافياً، لَمْ أجِد فرْقاً كبيراً بين العربي الصبان الإنْسان، وبين الشَّخْصية التي تُمثِّله أمام الرأي العام ويرْسُمها الفنان، أوْ لِأقُل إنِّي بعد أنْ كنتُ أُتابِع شخصيةً هي مُجرَّد رسْمٍ على الورق، جَمَعتْني المهنة أخيراً بمهماز من لحْم ودم وبالصوت والصُّورة، عجباً لا فرْق أو قناع بين الرَّسْم ومَنْ يُوَقِّعه بالاسم، نفْس المواقف التي تُغَلِّب الجانب الإنساني، دون حاجةٍ لِلتَّلوُّن بإحدى اليافطات السياسية، وما أكثر ما تعلَّمتُ من العربي الصبان.. تعلَّمتُ أنْ أكون مَبْدئِياً بِعِزَّة وكرامة على أن أكون بدائياً أقْتفي اللَّقْط حيثُ سقط، تعلَّمتُ أنْ أعيش حياتي كما أُجسِّد مواقفي في رُسوماتي، ولا فرْق بين الأفكار التي نجْتَرِحُها نازفةً بسكِّين الكتابة، وبين الشَّرَار الذي يندلع بالحبر الصيني من فُوهة قلم الرّصاص، تعلَّمْتُ من الطريقة التي يُدبِّر بِحكْمتها علاقاته الاجتماعية، كيف أحْفُر المسافة بيني وبين الآخر خندقاً فاصلا، حتى يتَّضح الفرْق بين التَّنْكيت الذي يبيع القردَ ويضحكُ على من اشتراه، والتَّبْكيت الذي يُوخِز بشخصية مهماز الوعي الجَمْعي، وما أكثر ما يُدْميه عسى تصِلُ الرسالة !

    لا أحتاج القوْل إنَّ العربي الصبان شُعْلةٌ مُتوثِّبة من الذكاء، وأنّه بنظرة لا تقف في السَّطح يسْتوحي مِنْ أعماق الأنفُس كاريكاتير اليوم، لا أحتاج أنْ أقول إنّه شجَّعني صحافياً وشاعراً، وهل أنسى يوم رسم بورتريها لديواني الأول « ملائكة في مصحات الجحيم »، يا سلام العربي الصبان الكاريكاتيرست يتواضع وَيرسُمني، بل يا للنشوة وأنْتَ تلْعب مع الكِبار، وددتُ حينها لو ينْطق مهماز نصير الفقراء، عساني أعرف هل هو أوْ أنا الأجمل بملامح صعاليك الشعراء !

    لا أحتاج أنْ أسْتعرِض ثقافة العربي الصبان الواسعة بِرُقيِّها الفني والأدبي، فهي لا تنْعكس فقط في كثرة ما ألَّفه أو قرأهُ مِنْ كُتُب، إنّما في سلوكه الذي يتَّخذ من حياة البسطاء والمقهورين مرجعاً، لذلك نجد هذا الفنان الاستثنائي النادر، مُوجِعاً برسوماته التي كالأشباح تقُضُّ مضاجع الكُروش الكبيرة وتُثْخِنُها بالجراح، وما أكثر ما يقْطع ألْسُن بعْض المُحلِّلين السياسيين من دابِرِها مُخْتصِراً الحريق، ما أكثر ما يجْمع الحَبَّ والتِّبْن ويُركِّزُه في رسْم، ثُم يُلْقيه لينفجر مع النُّسَخ الأولى للجريدة كاللُّغْم !



    ملحق »العلم الثقافي » ليوم الخميس 10 نونبر 2022

    الملحق_الثقافي.pdf
    الملحق الثقافي.pdf
     (12.71 ميغا)

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المُرْضِعة وصرختُها المُوجِعة..!

    العلم الإلكترونية – محمد بشكار

    كَمَنْ يسْتجير بالرَّمْضاء مِنَ الرمضاء صاحت أمٌّ مفجوعة من نافذة اليوتيوب واحليباه.. وهي لا تقْصد ذلك الحليب السائل الذي نسْتَدِرُّه من ضِرْع البقرة أو يُباع في عُلب كرطونية عند البقال، إنَّما تعني الحليب المسحوق تماما مثل أوضاعنا الاجتماعية المسحوقة تحت الحذاء، وهو مُخصَّص للرُّضع تقتنيه الأمهات من الصيدليات كأيِّ دواء عساه يخفف الوجع !

    لا أعرف طريقة تصنيع الحليب المسحوق، وأوّل ما يتبادر لذهني أنا الكسول في الفيزياء والكيمياء، أنهم يُجفِّفون هذا السائل الأبيض بالنار أو الكهرباء أو ربما بطاقة بديلة تحت أشِعّة الشمس، لا أعرف إلا أن أُفتِّت لُباب الخبز للعصافير، ولكن أعرف أيضا كيف يصنعون المواطن المسْحوق، حين يُجفِّفون كل مَرَق الطاجين الذي يجمعنا تحت غطاء واحد، ومعه اللحم والبرقوق !

    واحليباه.. صوتٌ جريحٌ ليس كأيِّ الأصوات ولو ذهب أدراج الرِّيح ليوقظ الأموات، لأنّه نابعٌ من أحشاء أُمٍّ عوضت ثدْيها  الجاف بعلبة حليب معدنية تشتريها بحوالي مائة درهم، من أين تأتي كل يومين بهذا المبلغ مع دخْل محدود وجامد لتسُدَّ رمق الرضيع، ما أفظع أن ينمو الطفل وقد رضع من أمِّه عِوض مسحوق الحليب الإدانة والغضب، ما أفظع أن نصْنع في المهد للمستقبل مشروع ثائر يقود الجياع، ولا يهُمُّه إذا احترق هو ومن معه في البلد ! 

    واحليباه.. نداءٌ حين تسمعه النَّعجة من حَمَلِها ثغاءً، تُهرْول إليه لِتُلْقِمَه ضرْعها وهي مُجرّد حيوان، فكيف بالإنسان لا يهمُّه إلا توسيع إمبراطوريته المالية على حساب مسحوقي الحليب وبعدي الطوفان ! 

    ما الذي يحدُث في البلد، هل يُعْقَل زيادة كل يومين في جميع المواد الغذائية، لقد اشتدَّ الخِناق على المواطن الضعيف واحتقن في الأعْيُن الحِقْد، أكاد أسْتشعِر لفْح شرارة تُنْذر بفوضى قريبة تسري تحت الهشيم قد تعيدنا إلى زمن السِّيبة، كيف لا ودائرة الأصوات المُرتفعة بنداء وداء الحاجة في اتِّساع مُسْتمِر، فلا تسمع إلا واحليباه.. واخبزاه .. ودواءاه .. إلى آخر الآه الذي لا يتردَّد كما عوَّدْتْنا الأغنية المعلومة أو المكلومة من شِدة لواعج الحب، بل مِن تأْثير الكراهية التي أحْدثها الفقر  بعد أنْ وصل بسكِّينته للعظم، أما كان الحليب ببياضه وما زال رمزاً للصفاء، نُقدِّمه مع التمر هديةً للحبيب، فَمنْ يرْفع الأسعار في كل يوم حتى أصبحتْ عُلْبته المُعبَّأة لُغْما يُهدِّدُ بالانفجار، من لوَّث بياضه البريء ليغدو رمزا للعداء، كان بوُدِّي أن أكتب بَدَل هذا الأنين قصيدة تُسلِّي الأرواح خفيفة الإيقاع، ولكن يبدو أنَّ الأزمة أثقل من أنْ يحْتمِلها أيُّ إيقاع ولو بالضرب على البندير، أثقل بالارتفاع المُضْطرد للأسعار التي تحدُّ أيضا من تدفُّق الأشْعار !

    لقد أصبح كل البيْض بكتاكيته المُجهضة في سلَّةٍ واحدة، مِمّا قدْ يُؤدِّي بأبْسط  هزّة إلى الانكسار، كيف لا وقد اسْتوى في جَرَبٍ يُصيب بحكَّته الجيوب الموظَّف اليائس والمُياوم المُقاومُ الذي يقف على باب الله، وتلك نتيجة حتْمِية قد يُفْضي فهْمها إلى الجنون.. وإلا من أين يمكن للمرء أن يسْتمد توازُنه الطبيعي في الحياة، بل من أيْن له حتى أن يبقى على قيد الحياة وهو يتقاضى أجراً جامداً منذ عقود بالمُوازاة مع الزِّيادة اليومية في أثمنة المعيشة، أليْس يقولون إنَّ الزيادة في الماء تحْتاج أيضا للزيادة في الدقيق، وإلا سيخْتل النظام الاجتماعي في عجينة غير مُتماسكة جارية، ويطفو الجميع من شدّة الاحتقان الاجتماعي في بِرْكة آسنة !    

    وا حليباه.. ما أقسى استغاثة الأم وهي تُطالب بقُوت وليدها الجائع، تُطاردني صرختها في النوم واليقظة، أمَا كان أجْدر أن يكون هذا الصِّنْف من الحليب وغيره من المواد الحيوية المُسْتعْجلة بالمجان، على الأقل في مثل هذه الظروف العصيبة التي جعلت الحكومة تُسْقِط كل خيباتها على الأزمة العالمية، ولا أعْجب إلا لِمنْ يُخْضِع البنزين والحليب لنفْس العَدَّاد، وكأنَّ السائل الذي يُعبِّىء السيارة هو نفسه الذي يُطْعم الرضيع، لقد وصَلْنا للأسف للزَّمن الذي أصبح فيه الإنسان أرْخَص من الجماد !



    ملحق »العلم الثقافي » ليوم الخميس 27 أكتوبر 2022

    alalm_du_27_10_2022.pdf
    Alalm du 27-10-2022.pdf
     (26.21 ميغا)

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مذكرات

    العلم الإلكترونية – محمد بشكار

    لم أكد أضع الكلمة الأولى في افتتاحية هذا العدد، حتى اسْتعدتُ يدي أشدَّ بياضا من الورقة البيضاء، لا لشيء إلا لأنَّ خاطراً لسعني وأوحى لي أن أتركهم يأخذون حصَّتهم من كتابة الافتتاحية، إنَّهم/ هن الرائدات  والرواد الذين سبقونا إلى هذا الطريق بينما كنا لا نزال في أول الطريق، رائدات ورواد الإعلام الثقافي الذين زادهم الاشتغال بالأدب وزنا يُقاس بميزان الذهب، أولئك الذين أفنوا حياتهم في الكتابة، لا يجب أن يكون الجزاء نظير ما أسْدوه للثقافة المغربية التشطيب والإلغاء، بل الأجدر أن نسْتحضر بين حين وآخر ذكراهم ونُرسِّخها بقوة الفعل،  ليس فقط بالاقتصار على رفع الأكف بالضراعات والدعاء، ولكن بإعادة نشر أعمالهم التي قد لا نجد اليوم، مثيلا لأسلوب كتابتها البليغ وقوتها في إبداء  الرأي، عسى أنْ لا نُقلق راحتهم الأبدية، ويقبلوا العودة للعيش بيننا للحظات بعد أن ذاقوا نعمة الخلود في دار البقاء !



    ملحق »العلم الثقافي » ليوم الخميس 29 شتنبر 2022

    alalam_du_29_9_2022.pdf
    Alalam du 29-9-2022.pdf
     (8.24 ميغا)

    إقرأ الخبر من مصدره

  • التَّرْجمة ومكائدُها الجمَّة !


    العلم الإلكترونية – محمد بشكار

    هَالَنِي ما بِتُّ أراهُ من هَرْولة كثيرٍ من الكُتَّاب الناطقين باللغة العربية، وهي هرولةٌ لا تخلو من لهْفةٍ حتى لا أقول « لهْطة » بتعبيرنا الدَّارج، إلى ترجمة أعمالهم للغات العالم الأجنبية، خصوصاً تلك الأبْجدِيَّات الشَّقراء التي يُصطَلح على تسْميتها باللُّغات الحيّة، لا أعرف هل تُسمَّى كذلك لحيويَّتِها كعملة رائجة في سوق الثرثرة العالمية، أو لأعيُنها الزُّرْق مفتوحة الأفق شاسعاً لكل ناشئٍ مُتعطِّشٍ لِلعْقِ عسل الشهرة، ثم الاستحواذ على الطَّبَق، أو لأنَّ لغتنا العربية أصبحت تُعْتبر من المآثر التاريخية المُتراكمة بمراقِد الموتى، ولا تستحقُّ أن تُزار بين السياحة الأدبية والأخرى إلا كما تُزار القبور !

    وكبُرَ هوْلي وأنا أنظر إلى الإقبال مُنقطِع النَّظير والنَّفير لأفواج الكُتاب والشعراء، على ركوب هذه الموجة في ما يُشبه الهجرة السرية، حتى خشيتُ أنْ يفُوق غرقى يَمِّ الكتابة الخطير قبل بلوغ الضِّفة الأخرى، أولئك الذين يبْتلعهم البحر يومياً وهم يُهاجرون دون طوْق نجاة نحو المجهول، ولا يختلف الغريق هنا عن الغريق من حيث الهدف، كلاهما إمَّا يبحث لبطنه أو كلمته في جغرافية لا تتجاوز سطرين، عن جنسية تضمن مع العُشِّ الدافئ لُقْمة العيْش !   

    ولأنِّي لا أهْتمُّ في جدل الثُّنائيات النقْدية إلا بالجانب الذي يُسْعِف تجربتي الأدبية، فأنا أُفضِّل التأثير بِلُغتِي الأُمِّ عِوض التَّأثر بِلُغة الآخر، ليس ثمة ما هو أشقُّ على نفس الكاتب، من أن يَخُطَّ الكلمة حسب المقاس وهُو يتحيَّن أقرْب فُرصة لِيَحْزمها في حقيبة لغة أخرى، وليْتَها ذات خَدَرٍ لذيذ يُفْقِد الوعي، كُنّا وجَدْنا لمُهرِّب الحشيش المغشوش خارج البلد في صِيغة الشِّعر أو النَّثْر كُلَّ العُذْر، ماذا يُجْدي أن تنْجرف كالتُّرْبة الهشّة من الجذور مع هذه الحركة التَّرْجمية الضَّيِّقة، ماذا تنْفع وهي لا تتجاوز الأفراد إلى مركز وطني ثقافي يُعْنَى بشؤون التَّرجمة دون تحيُّز أو محْسوبية، الأمر أشبه بباعة مُتجوِّلين عبر دُول العم سام يُنادون على بضائعهم في الشارع العام بأكثر من لغة، لا أسْتخِفُّ بالمجْهُود الشخصي للتسويق أو التَّدْويل النصي، ولكن أكْرَه أنْ يُقْحِم المَرْء إنْتاجه الأدبي في سِباقٍ لا يسْتوي في إيقاعه الأرنب والسُّلحفاة، أكره أن يَخْتلَّ السَّيْر الطَّبيعي للْإبداع بأنْ أتلفَّت بين حين وآخر للخلْف، كأنِّي أُحدِّد موقعي في ركْبِ الكِتابة أو قافلتها، ثم اُلَوِّي أُذُني بكفِّي وأُصيخ السَّمْع هل بلغ صيتي أمريكا أو الصين، أليْسَ يكْتب المرء فقط تلبيةً لِنداءٍ داخلي يُصدِّقه ولوْ كان يَكْذِب !

    هل كان ابن رشد الذي كما أحْرق التَّطرُّف كُتبه احترق قلبه ومات كمداً، يَعْلم أنَّه سيأتي زمانٌ يرْتفِع فيه اسمه خفّاقاً على واجهة أكثر من مركزٍ فكري في أوروبا، ثمَّ ما المُخْتلِف في المُتنبِّي ومحمود درويش ونجيب محفوظ ومحمد زفزاف.. أصبحوا بقُدْرة إبداعٍ مُسْتوطِنين في أكْثر من لُغة عالميِين أو كونيِين، لم يَعْقِدوا صفقاتٍ أو يتبادلوا مصالح نظير تذويب أعمالهم في عملة لغوية رائجة في السُّوق، لكأنَّ كتاباتهم تَرْجَمتْ نفْسَها بِنفْسِها بِقوَّة مَقْرُوئيتها في الرُّقعة المحلِّية الضَّيِّقة، تماماً كذلك الشَّاعر الجاهلي الذي طبقت شُهرته الأمْصار ووصلت للروم والسنْد والهند، وهو مُجرد ناطقٍ شِعْري لإحدى القبائل المَعْزُولة عن العالم، دائماً على صهوةٍ ويسْتوطِن الصَّحراء ! 

    لا أنكر أنَّ للترجمة فوائد جمّة، من حقِّ الكاتب أن يَقْلَق على بنات أفْكَاره الموؤودة في المَهْد، أن يَقْفِز بِزَانة التَّرجمة عالياً من عصْر يراه مُنحَطّاً مُظلِما إلى بلدان الأنوار، من حقِّ الكاتب أن يَقيس بالتَّرجمة إلى لغات أخرى، حجم ظِلِّه على امتداد خطوط الطُّول والعَرْض في الكرة الأرضية، من حقِّه أن يسْترد مع الأنفاس قيمته بعيداً عمَّن لا يعيرها وزْناً وهُو يُلقي بكتاب، من حقِّه أنْ يتعدَّد ويتمدَّد في كل أبْجدِيات الاتِّحاد الأوروبي، أليْس أفْضْل من أن تتعدَّد عُقَدُه النَّفسية في مُجْتمع يبْنِيه للمجهول وهو أشْهر من نارٍ يَنْدلع في قلمْ، أمّا أنا فليس من حقي إلا أن أقرْفص على الطريقة الطَّاوية، وأطْرُد من تفكيري هذه الظاهرة التَّغْريبية، فهي لا تُسمِنُ إلا مَنْ يعاني مِن جُوعٍ مُزْمِن، ولكنَّها في ذات النَّهْش تَسْتدِرُّ بالضَّحِك أغْزَر الدموع، لا أعْرف لِمَ ذكَّرتني هذه الظاهرة التَّغْريبية بـ « غزو الغرب » وهو عنوان مُسلْسل كوبوي أدْمنتُ حَلقَاته حين كنت يافعاً، ربما لأنَّ الطريقة التي تُدبَّر بها هذه العمليات التَّرجمية للبعض (…) في الخفاء، لا تخْلُو من شُغْل عصابات أضْيق من أنْ يتجاوز في تأثيره الثقافي الدائرة !



    ملحق « العلم الثقافي » ليوم الخميس 22 شتنبر 2022

    alalam_du_22_9_2022.pdf
    Alalam du 22-9-2022.pdf
     (10.31 ميغا)

    إقرأ الخبر من مصدره