Étiquette : التنمية المستدامة

  • جنيف تشيد بالنموذج المغربي للتنمية المستدامة كنموذج إفريقي يحتذى به

    العمق – و م ع

    حظي النموذج المغربي للتنمية المستدامة والشاملة بالإشادة باعتباره تجربة نموذجية بالنسبة لإفريقيا، وذلك خلال فعالية نظمت، مساء أمس الأربعاء في جنيف، على هامش الدورة الستين لمجلس حقوق الإنسان.

    وتم خلال هذا اللقاء الذي نظم تحت شعار “نحو تنمية بشرية مستدامة في إفريقيا: الإدماج الاجتماعي، والحد من التفاوتات، وتعزيز الديناميات المحلية”، تسليط الضوء على المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والنموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، كمصدر إلهام بالنسبة للقارة الإفريقية بأكملها.

    وفي كلمة بهذه المناسبة، أكدت رئيسة مرصد الصحراء للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، كجمولة بوسيف، أن المقاربة المغربية تمثل نموذجا ملموسا للنجاح في مكافحة التفاوتات الاجتماعية وترسيخ العدالة المجالية.

    وذكرت أنه بفضل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي تم إطلاقها سنة 2005، رأت آلاف المشاريع النور لفائدة الفئات الهشة، وخاصة النساء، من خلال آليات التمكين والقروض الصغيرة جدا.

    وأضافت بوسيف أن النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، الذي خصص له استثمار استراتيجي يفوق 8 ملايير دولار، حول مدينتي العيون والداخلة إلى قطبين اقتصاديين رئيسيين، منفتحين على القارة الإفريقية، مشيرة إلى أن هذه المشاريع تجسد رؤية واضحة للمملكة، و”تنمية منصفة، ومتجذرة في الأقاليم، وتحقق الاستقرار والازدهار والتعاون جنوب-جنوب”.

    وفي السياق نفسه، وصف خبراء وممثلون عن المجتمع المدني ومؤسسات إفريقية ودولية النموذج المغربي ب “المشروع الرائد” و”الواجهة الناجحة” لتنمية إفريقية تتمحور حول الإنسان والإدماج الاجتماعي والاستدامة.

    وأكد متدخلون آخرون، ومن بينهم أكاديميون على غرار ندى القلم، وشارلوت باما، ممثلة مؤسسة إليزا رلييف، أهمية السياسات الوطنية القوية التي ترتكز على الحقوق الأساسية، مشيدين بتماسك واستمرارية الاختيارات الاستراتيجية للمغرب.

    وسلط اللقاء، الذي نظمه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للاتحاد الإفريقي وعدد من الشركاء، الضوء على التحديات الهيكلية التي تواجهها القارة، والمتمثلة في الفقر وسوء الحكامة وضعف البنيات التحتية، وعدم المساواة في الحصول على الرعاية الصحية والتعليم.

    ومن جهة أخرى تم الإقرار بالإجماع على أن المغرب يعد قاطرة للتنمية الإفريقية، ويقدم حلولا ملموسة وقابلة للاقتداء بها على المستوى الإقليمي.

    واختتم هذا اللقاء الموازي، الذي أداره رئيس اللجنة المستقلة لحقوق الإنسان مولاي لحسن الناجي المدير التنفيذي لـCIDH Africa بتوصيات موجهة للاتحاد الإفريقي والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، دعت على الخصوص إلى تعزيز مؤسسات حماية حقوق الإنسان، وتحسين الحكامة والشفافية، وتوسيع نطاق الولوج إلى الخدمات الأساسية، وتمكين النساء والشباب، وكذا إلى إدارة عادلة ومستدامة للموارد الطبيعية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • « المسطرة الجنائية » تصدر بالجريدة الرسمية .. وتدخل حيز التنفيذ بعد 3 أشهر

    هسبريس ـ عبد العزيز أكرام

    بعد الجدل الذي رافقه خلال مروره بالمؤسسة التشريعية، صدر القانون رقم 03.23 القاضي بتغيير القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية، أخيرا، ضمن الجريدة الرسمية، في انتظار دخول أحكامه حيّز التنفيذ بعد ثلاثة أشهر.

    ولم تتم إحالة هذا القانون على المحكمة الدستورية من قبل الجهات المحددة بموجب الفصل 132 من دستور المملكة، اختياريا؛ وذلك بخلاف قانون المسطرة المدنية الذي أُحيل عليها قصد الفحص والتدقيق.

    وفي وقت سابق، دعت هيئات مدنية وحقوقية إلى إحالة هذا النص على القضاء الدستوري للتحقق من مدى دستورية عدد من مواده، لا سيما المادتين الثالثة والسابعة.

    وحملت المادة الثالثة منه مستجدا أساسيا، يتمثل في التنصيص على عدم إمكانية إجراء الأبحاث أو إقامة الدعوى العمومية في شأن الجرائم الماسة بالمال العام، إلا بطلب من الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بصفته رئيسا للنيابة العامة؛ وذلك بناء على إحالة من المجلس الأعلى للحسابات، أو على طلب مشفوع بتقرير من المفتشية العامة للمالية (..).

    أما المادة السابعة فقد أكدت في صيغتها الجديدة على ضرورة توفر شرط المنفعة العامة، والحصول على إذن بالتقاضي من السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، حتى تتمكن الجمعيات من التنصب كطرف مدني؛ وهو الأمر الذي قوبل برفض حقوقيين وجمعويين ومؤسسات دستورية كذلك.

    ويعد قانون المسطرة الجنائية، وفقا لديباجته، بمثابة الشريعة العامة التي تنظم القواعد المرتبطة بممارسة الدولة لحقها في العقاب؛ وذلك انطلاقا من القاعدة التي تنص على أنه لا عقوبة إلا بحكم قضائي صادر عن جهة مختصة.

    ويتكون أيضا من مجموعة من القواعد القانونية التي تضبط إجراءات البحث والتحري عن الجرائم، وتحدد كيفية ضبط مرتكبيها، ووسائل الإثبات والجهات المختصة بمتابعتهم، إلى جانب بيان إجراءات المحاكمة، وطرق الطعن في المقررات الزجرية وتنفيذها.

    من جهتها أشادت وزارة العدل بـ”استكمال المسار الذي أفضى إلى الاعتماد النهائي للقانون رقم 03.23 القاضي بتغيير وتتميم قانون المسطرة الجنائية، والمنشور في الجريدة الرسمية عدد 7437 بتاريخ 8 شتنبر 2025″.

    وأوضحت الوزارة ذاتها، في بلاغ لها، أن هذا الحدث يمثل محطة تاريخية تجسد الإرادة السياسية القوية للمملكة المغربية، بقيادة الملك محمد السادس، من أجل ترسيخ دولة الحق والقانون وتحديث منظومة العدالة بما يواكب التحولات العميقة التي تشهدها البلاد.

    وقال عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، إن “هذا القانون يشكّل ركيزة أساسية في البناء الإصلاحي الكبير الذي تعرفه بلادنا، ويعكس ثقة الدولة في مؤسساتها وقدرتها على تنزيل إصلاحات كبرى تجعل من العدالة المغربية نموذجا يحتذى إقليميا ودوليا، وترسّخ الاختيار الثابت للمغرب في بناء دولة الحق والقانون ودعم مسار الديمقراطية والتنمية المستدامة.”

    وأضاف وهبي أن “الحكومة الحالية، انسجاما مع التوجيهات الملكية السامية، عازمة على جعل ورش إصلاح العدالة رافعة أساسية لنجاح الاستحقاقات الوطنية المقبلة؛ وفي مقدمتها احتضان المملكة لكأس العالم 2030، حيث يشكل تحديث المنظومة القضائية وضمان أمن قضائي حديث عاملا حاسما لتعزيز جاذبية المغرب الدولية وترسيخ مكانته كدولة مؤسسات وقانون”.

    وأفاد بلاغ وزارة العدل بأن هذا الإصلاح الجوهري يأتي استجابة للتوجيهات السامية الواردة في الخطب الملكية الداعية إلى “تحديث السياسة الجنائية وضمان عدالة ناجعة وفعالة، وترجمة لروح دستور 2011 الذي جعل من حماية الحقوق والحريات الأساسية مرتكزا لبناء المغرب الديمقراطي الحداثي”.

    وذكّر البلاغ بأن القانون الجديد يرسّخ قفزة نوعية في تكريس ضمانات المحاكمة العادلة وتعزيز الثقة في العدالة، من خلال “تحصين حقوق الدفاع وتكريس قرينة البراءة وضمان الحق في محاكمة داخل أجل معقول، مع توسيع الاستفادة من المساعدة القانونية”، و”تعزيز الضمانات المتعلقة بالحراسة النظرية، بإلزامية إخبار المشتبه فيه بحقوقه، وتمكينه من الاتصال بمحام والاستفادة من خدمات الترجمة عند الحاجة”.

    وسجّلت وزارة العدل، في السياق ذاته، “الحد من اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي وحصره في أضيق الحالات، مع إلزامية تعليل قرارات الإيداع بالسجن وتفعيل بدائل احترازية حديثة”، و”تمكين الضحايا من حقوق موسَّعة، تشمل الإشعار بمآل الدعوى، والدعم القانوني والاجتماعي، مع تدابير خاصة لفائدة النساء والأطفال ضحايا العنف”، و”إحداث مرصد وطني للإجرام كآلية علمية لتوجيه السياسة الجنائية على أسس دقيقة ومعطيات موثوقة”.

    وجاء في ختام البلاغ أن “اعتماد هذا النص يُعتبر لبنة مركزية في ورش إصلاح منظومة العدالة، إلى جانب مراجعة القانون الجنائي وقوانين المهن القضائية، وتسريع وتيرة التحول الرقمي داخل المحاكم”، مشددا على أن “هذا الورش الوازن، الذي قادته وزارة العدل بثبات حتى استكماله، يعزز مكانة المغرب كبلد رائد في تحديث العدالة، ويواكب طموحات النموذج التنموي الجديد ورؤية المملكة لمغرب 2030”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مصطفى التراب: رأس مال الـOCP في الإنسان.. والنية الصادقة جوهر رؤيتها

    عبد المالك أهلال

    أكد الرئيس المدير العام لمجموعة OCP، مصطفى التراب، أن الثروة الحقيقية للمجموعة وللمغرب تكمن في نسائه ورجاله، معتبرا أن رأس المال البشري هو أثمن ما تملكه البلاد.

    وكشف التراب في حوار حصري مع صحيفة “لوماتان”، أن هذه الرؤية تشكل جوهر فلسفة المجموعة، مستذكرا واقعة حدثت قبل عشرين عاما في منجم خريبكة، حيث أبلغه سائق جرافة أن الرهان الحقيقي ليس على ثروة الفوسفاط، بل على الموارد البشرية.

    وأوضح، وفقا لما أورده المصدر، أن هذه الكلمات أثرت فيه بعمق ولخصت تماما رؤية المجموعة، مشيرا إلى أن أكبر إنجاز يفخر به هو تجديد شباب المؤسسة عبر توظيف ما بين 5000 و6000 من المواهب الشابة خلال السنوات الخمس الأولى من توليه المنصب، مما أدى إلى خفض متوسط العمر إلى 35 عاما وضخ طاقة جديدة وروحا من الابتكار.

    وأوضح المصدر ذاته أن مهمة المجموعة تتمثل في “إعطاء الحياة للفوسفور”، وهو ما يعني ضمان الوصول إلى هذا العنصر الحيوي للأمن الغذائي العالمي، وإعطاء الفوسفاط المغربي القيمة التي يستحقها. وأضاف التراب أن هذا الالتزام المزدوج، المحلي والدولي، يعكس رغبة المجموعة في تثمين هذه المادة خدمة للمزارعين والسكان. وفيما يتعلق بإفريقيا، أشار إلى أنها ليست مجرد سوق خارجية، بل هي “قارتنا ومنزلنا”، مؤكدا أن المجموعة تعمل في إفريقيا بنفس الروح التي تعمل بها في المغرب، انطلاقا من رؤية إفريقية لإفريقيا مستوحاة من رؤية جلالة الملك محمد السادس. وتابع أن مهمة المجموعة تكتسب معناها الكامل في إفريقيا، التي تعتبر القارة الأقل استهلاكا للأسمدة، بهدف تسريع وتيرة التنمية الزراعية لتحقيق الأمن الغذائي الإفريقي.

    وأكد التراب أن الاستثمار في المعرفة والابتكار ليس خيارا جانبيا بل هو ركيزة استراتيجية للمجموعة، تماما مثل المناجم والمصانع. وذكر أن جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية (UM6P) تجسد هذه الرؤية، حيث تعمل كذراع للبحث والتطوير للمجموعة، إذ ترتبط أكثر من نصف برامجها بشكل مباشر بالاحتياجات الصناعية والزراعية والبيئية للمجموعة.

    وأوضح التراب أن الجامعة تعد أيضا رافعة لتكوين وتطوير المهارات لمواكبة التحولات الصناعية المستمرة، مشيرا إلى أن هذه الطموحات تتجاوز الاحتياجات الداخلية للمجموعة لتصبح الجامعة محفزا للمواهب في القارة بأكملها، تنفيذا لتوجيهات جلالة الملك محمد السادس.

    وعلى الصعيد المالي، كشف الرئيس المدير العام لمجموعة OCP أن المجموعة اعتمدت بشكل استراتيجي على السوق البنكية المغربية لتمويل استثماراتها الضخمة في الصناعات التحويلية، نظرا لكون OCP غير قابلة للخوصصة. وأشاد بقوة القطاع البنكي الوطني وقدرته على مواكبة طموحات المجموعة، معتبرا اكتتاب بعض البنوك المغربية في الإصدارات الدولية للمجموعة بمثابة “فعل ثقة ووطنية اقتصادية”.

    وتطرق التراب إلى مفهوم “النية” كجزء من حوكمة المجموعة، موضحا أن هذا المفهوم يبدأ من الإيمان بأن صدق النية هو قوة وليس سذاجة. وأشار إلى أن المجموعة تسعى لغرس هذه الروح لدى موظفيها وشركائها، وتعمل على الانتقال من نموذج قائم على المقاولين من الباطن إلى منظومة متكاملة قادرة على تطوير حلول مبتكرة. وكشف عن تنظيم مؤتمر كبير بحلول نهاية العام مخصص لهذه المنظومة، مع إنشاء صناديق استثمارية لدعمها.

    وفيما يخص دور المجموعة في كأس العالم 2030، أوضح التراب أن OCP لن تركز على بناء الملاعب، بل ستستثمر فيما يتماشى مع هويتها، وهو الموارد البشرية والالتزام الجماعي. وأشار إلى أن المجموعة أنشأت هيكل EVO Sport داخل جامعة محمد السادس، بالتنسيق مع الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بهدف هيكلة المنظومة الرياضية بشكل مستدام وتعزيز تكوين اللاعبين والمدربين.

    أما عن رؤيته للمجموعة في عام 2050، فأكد أنها ستظل سفيرة للمغرب في العالم من خلال مساهمتها في الأمن الغذائي، مع مواصلة تنويع استثماراتها في قطاعات حيوية كالماء والطاقة والتعليم، وهو تنوع تفرضه الضرورة لضمان استمرارية مهمتها الرئيسية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • باحثون يحذرون من تحويل المهرجانات إلى أدوات لحشد الأصوات في مناطق مهمشة

    عبد المالك أهلال

    يشكل التراث الثقافي اللامادي، بصفته الذاكرة الحية للمجتمعات ومرآة هويتها الضاربة في جذور التاريخ، ركيزة أساسية في بناء الشخصية الوطنية المغربية، حيث يختزن المعارف والمهارات وأشكال التعبير التي صاغها الإنسان في تفاعله المستمر مع محيطه عبر العصور. ويمثل هذا الموروث الحضاري ليس فقط جسرا يربط الحاضر بالماضي، بل وأيضا رافعة حقيقية للتنمية المستدامة وعاملا محوريا في تعزيز ارتباط المواطن المغربي بإرثه وتوفير الاستقرار الوجداني والمعرفي الضروري للفرد والمجتمع.

    وتتعالى اليوم أصوات الخبراء والباحثين محذرة من المخاطر المحدقة بهذا الكنز الوطني، داعية إلى ضرورة إرساء سياج من الحماية الفعالة لتحصينه ضد كل أشكال التوظيف الظرفي والاستغلال الانتهازي. ويبرز في صدارة هذه التحديات، الاستغلال المرتبط بالاستحقاقات الانتخابية، والذي يهدد بتحويل الفضاءات الاحتفالية من مناسبات لتكريم الذاكرة الجماعية وصون التقاليد الأصيلة، إلى مجرد أدوات دعائية تخدم أجندات سياسية ضيقة، مما يفرغها من قيمتها الرمزية والمجتمعية العميقة.

    وقد تم تسجيل العديد من الممارسات التي يصفها متتبعون بـ”المقلقة” في مختلف مناطق المغرب، حيث تحولت عدد من المهرجانات والتظاهرات التي تنظم تحت شعار الحفاظ على التراث من الاندثار، إلى منصات للاستغلال السياسي، لا سيما في المناطق التي تعاني من هشاشة اقتصادية وخصاص تنموي واضح. ويتم هذا التوظيف عبر تحويل هذه المناسبات الثقافية إلى منابر لإطلاق حملات انتخابية سابقة لأوانها، وحشد الأصوات، وتقديم وعود انتخابية، مستغلين بذلك الارتباط العاطفي والوجداني للمواطنين بتراثهم، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى استقلالية القرار الثقافي في المغرب وضرورة وضع آليات رقابية تمنع هذا الانزلاق الخطير.

    وتعليقا على الموضوع، أكد حميد مسافي، وهو طالب باحث بجامعة القاضي عياض ومهتم بمجال الثقافات والفنون المعاصرة، على الأهمية القصوى للتمييز الدقيق بين الأثر السياسي الإيجابي الذي يمكن أن تحققه المهرجانات الثقافية في بعدها العميق والاستراتيجي، وبين المحاولات الانتهازية لاستغلالها لأغراض انتخابية أو دعائية ضيقة ومحدودة الأثر.

    وأوضح المصدر ذاته في تصريح لجريدة “العمق” أن الثقافة في جوهرها ليست مجالا محايدا أو معزولا عن الشأن العام كما قد يعتقد البعض، بل هي على العكس من ذلك تماما، إذ تعتبر رافعة أساسية للتنمية الشاملة ووسيلة فعالة لترسيخ قيم الانفتاح والتسامح والعيش المشترك داخل المجتمع، وبالتالي فمن الطبيعي والمنطقي أن تكون ضمن دائرة اهتمامات الفاعلين السياسيين والمنتخبين، باعتبارها عنصرا جوهريا في عملية صياغة السياسات العمومية.

    وكشف مسافي أن الإشكال الحقيقي يظهر عندما يتم اختزال هذا الاهتمام المشروع في استغلال ظرفي وموسمي، وهو ما يؤدي حتما إلى إفراغ المهرجانات من قيمتها الحقيقية ورمزيتها العميقة، ويحولها من فضاءات للإبداع والتعبير الحر إلى مجرد منصات للدعاية الانتخابية.

    وشدد المتحدث على أن الرهان الكبير المطروح اليوم على جميع الفاعلين، من مؤسسات ومجتمع مدني ومثقفين، هو البحث عن السبل الكفيلة بتحصين الموروث الثقافي المغربي وحماية استقلالية المهرجانات والتظاهرات الفنية، مع ضرورة الحفاظ على بعدها الرمزي والمجتمعي، وضمان ألا تتحول إلى أدوات سياسوية عابرة يتم استخدامها عند كل استحقاق انتخابي. وأضاف أن الحاجة باتت ماسة اليوم إلى خلق وعي جماعي راسخ بأن الثقافة ملك للجميع، وأن وظيفتها الأسمى هي خدمة المجتمع والإنسان وتنميتهما، لا خدمة أجندات انتخابية قصيرة الأمد.

    واقترح المهتم بمجال الثقافات والفنون المعاصرة مجموعة من الاستراتيجيات العملية التي اعتبرها كفيلة بتحقيق هذا الهدف، حيث يبرز في المقام الأول تعزيز استقلالية الهيئات المشرفة على تنظيم المهرجانات، وذلك عبر إشراك فعلي وحقيقي للأكاديميين والفنانين والباحثين والفاعلين المدنيين المتخصصين في عملية صياغة الرؤية العامة والبرامج الفنية.

    كما اعتبر أن الشفافية المطلقة في مصادر التمويل واعتماد عقود واضحة ومفصلة مع الشركاء من القطاعين العام والخاص، يشكل ضمانة إضافية وحاسمة لقطع الطريق أمام أي محاولة للتوظيف الانتخابي. وأشار إلى أن وزارة الداخلية، في إطار حرصها الدائم على نزاهة ومصداقية الاستحقاقات الانتخابية، تقوم بواجبها في مراقبة ورصد أي محاولة لاستغلال الأنشطة الثقافية لأغراض دعائية، وهو ما يساهم، حسب قوله، في حماية العملية الانتخابية من أي انزلاقات قد تمس بمصداقيتها.

    من جهته، اعتبر عبد الهادي زيدان، الباحث في التاريخ والتراث الجهوي، أن الالتفات الجاد والمسؤول لموضوع التراث في علاقته العضوية بالهوية الوطنية كمين بأن يسهم بشكل كبير في تعزيز ارتباط المواطن المغربي بإرثه الثقافي الغني، وأن يشيع الوعي بأهمية الهوية في توفير ذلك الاستقرار الوجداني والمعرفي الضروري للفرد والمجتمع.

    وأوضح زيدان ضمن تصريح لجريدة “العمق” أن التنمية المستدامة الحقيقية تستدعي بالضرورة إرادة جماعية قوية نابعة من وضوح الأهداف المراد تحقيقها على كافة الأصعدة، وقبل كل هذا وذاك، لا بد من بلورة قناعة جماعية راسخة تنزل تراثنا المعرفي والقيمي والمعماري والفني منزلته القيّمة التي يستحقها، تلك المنزلة التي تعطينا شخصيتنا المتميزة كمغاربة، وتجعلنا في نفس الوقت منفتحين بكرامة واعتزاز على الإنجاز الحضاري الإنساني.

    وذكر الباحث في التراث الجهوي بتعريف اتفاقية اليونسكو للحفاظ على التراث غير الملموس لعام 2003، والذي يعتبره “مجموع الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات وما يرتبط بها من آلات وقطع ومصنوعات وأماكن ثقافية”، مشددا على أن بعض الممارسات التي نشاهدها اليوم تهدد استمرارية هذا التراث، خصوصا في ظل استغلاله الفج من طرف بعض السياسيين الذين يرون فيه مناسبة موسمية لحشد الأصوات والقيام بحملات انتخابية سابقة لأوانها. وانتقد زيدان تنظيم هذه التظاهرات في مناطق لازالت تعاني من نقص حاد في البنى التحتية وتعيش أوضاعا اجتماعية صعبة، وترتفع فيها معدلات الفقر والهشاشة في ظل غياب تنمية حقيقية وملموسة.

    وأوضح أستاذ التاريخ أن التطرق لهذا الموضوع من هذه الزاوية النقدية لا يعني بأي شكل من الأشكال الاصطفاف إلى جانب كارهي الفرح ونابذي الحياة، مضيفا أن الثقافة الأمازيغية، وهو المنتمي إلى إقليم أزيلال، تعتبر فصل الصيف فصلا للأعراس والأفراح والسهر على نغمات فنون “العامت” أو “أحواش”. كما أشار إلى أن مثل هذه المناسبات تلعب دورا مهما في خلق رواج اقتصادي محلي وتشجيع المنتوجات المجالية وإعادة الاعتبار للصناعة التقليدية، فضلا عن دورها في تعزيز الهوية الوطنية لدى الأجيال الصاعدة.

    وتساءل في ختام تصريحه بشكل استنكاري: “عندما يزور رئيس الجهة منطقة معينة لحضور حفل أحواش ويشاهد بعينيه الخصاص الذي تعرفه هذه المناطق ألا يخجل من نفسه ومن ولايته التي فشل فيها فشلا ذريعا في تنزيل برامج تنموية لإقليم يعاني من لعنة الجغرافيا ولعنة التدبير الفاشل؟”. ودعا إلى ترك التراث بعيدا ليظل في بعده الفني والجمالي والفرجوي، وأن تتم المحافظة عليه بعيدا عن التوظيفات السياسية المشبوهة.

    وفي سياق متصل، أشار الباحث في التاريخ والتراث، لحسن الصديق، ضمن تصريح أدلى به لجريدة “العمق” إلى الأهمية الكبرى للتراث اللامادي في حفظ الهوية الثقافية للمجتمع، باعتباره يعكس ذاكرة المجتمع وما يتضمنه من معارف بناها الإنسان عبر الزمن. وأبرز الصديق في تصريحه إمكانية توظيف التراث المادي واللامادي في تحقيق التنمية الاقتصادية المحلية والوطنية، مشيرا إلى أن الكثير من الدول تعمد إلى توظيفه لتنشيط الحركة السياحية الدولية لما يجسده من خبرة للإنسان المحلي في مختلف أشكال التعبير الفني والثقافي.

    وقدم الباحث في التراث نماذج لدول مثل تركيا وإسبانيا التي اعتمدت استراتيجيات بعيدة ومتوسطة الأمد للاستفادة مما تمتلكه من تراث عبر آليات سياحية، وذلك بعد تأهيل مواقع التراث المادي وتكوين الرأسمال البشري القادر على فهم هذا التراث والاعتزاز به. وشدد الصديق على أن الترويج للتراث والتعريف به يعد من أهم آليات حفظه ونقله من جيل إلى آخر، وهو ما يجعل استغلاله في غير أهدافه التنموية والثقافية الحقيقية أمرا يهدد قيمته واستمراريته بشكل مباشر، ويحول أداة للحفظ إلى وسيلة للتبديد.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • إفتتاحية. الشباب المغربي وعيد الشباب… مستقبل المغرب يُصاغ على أيدي شبابه

    يأتي إحتفال الشعب المغربي، بعيد الشباب بمناسبة الذكر الثانية و الستين لميلاد الملك محمد السادس، والمغرب يواصل إبداع إستراتيجيات بناء المستقبل بفكر الشباب، بما يجعل تنمية البلاد تمشي بسرعة واحدة. من جيل إلى جيل.
    كلمتنا ـ محمد ابن إدريس

    يشكّل الشباب المغربي اليوم محور الطاقة الوطنية ودافع التحول الاجتماعي والاقتصادي، متصلًا بالعالم وطموحًا في الابتكار وقيادة المبادرات التطويرية. إن التفاؤل والانخراط الرقمي وسرعة الوصول إلى المعلومة ليست مجرد سمات فردية، بل تدل على…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • خبير لــ »تيلكيل عربي »: سبع سنوات عجاف وراء اشتعال حرائق الشمال

    تشهد المناطق الشمالية ارتفاعا في وتيرة حرائق الغابات خلال فصل الصيف، آخرها الحريق الذي عرفه إقليم تطوان يوم أمس، وهو ما يطرح العديد من الأسئلة حول الآثار المباشرة لهذه الحرائق على المستوى  الصحي والاقتصادي والبيئي، وكذا حول السبل الكفيلة بالتصدي لها وتعزيز حماية الغطاء الغابوي.

    في هذا الحوار مع « تيلكيل عربي »، يسلط زين العابدين الحسيني، أستاذ جامعي وباحث في مجال التشريع البيئي والتنمية المستدامة، الضوء على أبعاد هذه الظاهرة وسبل مواجهتها.

    كيف تفسرون ارتفاع الحرائق في المناطق الشمالية إلى جانب باقي الحرائق المسجلة في مختلف جهات البلاد؟

    لا شك أن السنوات العجاف الأخيرة، التي وصلت هذه السنة إلى سنتها السابعة، قد خلفت آثارا كثيرة على البيئة ببلادنا وفي مقدمتها انخفاض نسبة الرطوبة على مستوى الغابات والأحراش والنباتات المختلفة، وهي ظاهرة رفعت بطبيعة الحال من احتمالات حدوث حرائق الغابات في عدة مناطق، خصوصا في المنطقة الشمالية، أو ما يعرف إداريا بجهة طنجةـ تطوان ـ الحسيمة.

    هذه الحالة المناخية والبيئية لا تقتصر على بلادنا فقط، بل تخص المحيط المتوسطي بكامله، ففي هذه الأيام، تشهد فرنسا نحو عشرين حريقا، والبرتغال خمسة حرائق، منها بعض الحرائق الضخمة والعاتية التي استعصت على كل جهود الإطفاء، فضلا عن حرائق أخرى في إسبانيا، واليونان، وجنوب إيطاليا، وكذلك في تركيا التي تعرف حرائق غير مسبوقة في الغابات الموجودة في الجانب الأوروبي من الجمهورية التركية.

    هذا الواقع انعكس، أيضا، على المنطقة الشمالية من بلادنا، حيث بدأت حرائق الغابات بشكل مبكر هذه السنة، بالنظر إلى موجات الحرارة التي سجلت منذ نهاية ماي وبداية يونيو.

     فقد تم تسجيل، خلال النصف الأول من السنة، أكثر من نصف مجموع الحرائق التي عرفها المغرب، حيث بلغ عددها 54 حريقا أتت على ما يزيد على 264 هكتارا من الغطاء الغابوي بمختلف أنواعه، ونصف هذه الحرائق تم تسجيله في وقت مبكر، قبل المرحلة المألوفة المتمثلة في شهري يوليوز وغشت.

    وقد شهدت الجهة حرائق منذ شهر أبريل إلى غاية نهاية يونيو، حيث احتل إقليم تطوان المرتبة الأولى جهويا ووطنيا من حيث عدد الحرائق الغابوية، بـ 18 حريقا أتت على 112 هكتارا، يليه إقليم شفشاون بـ 9 حرائق، وقد تتغير هذه الرتبة بالنظر إلى الحرائق المسجلة حاليا في 10 و 11 و12غشت بمنطقتي دردارة والكراخة، وهما منطقتان غابويتان معروفتان بثروتهما  الطبيعية، خصوصا في نوع الأشجار التي يصعب تعويضها، ما يجعل الخسائر البيئية كبيرة جدا.

    كما بلغ عدد الحرائق المسجلة بهذه الجهة 10 حرائق، مع تزايد احتمالات توسعها، في حين شهدت تطوان خلال اليومين الأخيرين حريقين، أحدهما بمنطقة بنقريش، والآخر بمنطقة مجاورة لجبل غرغيز، فيما سجلت عمالة  طنجةـ أصيلة 7 حرائق.

    وتتوالى هذه الحرائق في بلادنا، كما تتوالى في عدة مناطق من العالم، مثل الولايات المتحدة وأستراليا وجنوب شرق آسيا، نتيجة نسبة الاحترار، وعدم انتظام التساقطات، وندرة المياه، وانخفاض نسبة الرطوبة، فضلا عن العامل البشري وعدم اتخاذ الاحتياطات اللازمة، خاصة خلال رحلات الاستجمام في الصيف، وبعضها يكون متعمدا لأسباب مختلفة، مثل البحث عن مجالات للتوسع العمراني.

    ما الآثار الصحية والاقتصادية والبيئية المترتبة عن حرائق الغابات؟

    هذه الحرائق تمثل خسارة تصيب « رئة » البشرية  والمراكز الحضرية، بما يهدد الصحة العامة، خاصة بالنسبة للمسنين والأطفال ومرضى القلب والشرايين والجهاز التنفسي، كما أن الكلفة المادية والخسائر التي تتكبدها الجماعات الترابية كبيرة، حيث تعتمد على الغابة ومنتوجاتها كالفلين والخشب كمورد اقتصادي مهم.

    يضاف إلى ذلك أثر الدخان الكثيف على جودة الهواء، وانتقاله إلى مناطق أخرى بفعل الرياح العاتية، مما يسبب تلوثا إضافيا، فضلا عن نفوق أعداد كبيرة من الكائنات الحية، مثل الأرانب البرية والطيور والحيوانات الأخرى، خصوصا خلال مواسم التوالد، وهو ما يؤثر بشكل أكبر على الأصناف المهددة بالانقراض.

     كما تتضرر أنشطة تربية المواشي والمناحل، التي تواجه خسائر كبيرة في غياب سياسات استباقية أو أنظمة تأمين تأخذ هذه المخاطر بعين الاعتبار، ما يؤثر على مصادر الدخل وفرص الشغل في البوادي والقرى، ويزيد من الهجرة نحو المدن.

    ما السبيل  لمواجهة هذه التغيرات المناخية  من أجل حماية الغطاء الغابوي؟

    بصفة عامة، نحن مدعوون اليوم إلى التعايش مع هذه الظواهر المناخية، مثل الارتفاع المستمر في درجات الحرارة، الذي كان في السابق يظهر دوريا، وأصبح اليوم ظاهرة قارة.

    ففي بلادنا يهيمن المنخفض الحراري الصحراوي على الجنوب الشرقي ويمتد إلى السهول الفلاحية  المعيشية المهمة للأمن الغذائي.

     لذا أصبح من الضروري التفكير جديا في وضع استراتيجية وطنية لمواجهة التبخر الناتج عن هذه الموجات الحرارية العاتية، والحفاظ على الغطاء الغابوي وحمايته عبر اعتماد جميع الوسائل، من الإنذار المبكر إلى تشديد العقوبات على المتسببين في الحرائق، لأن الغابة ثروة أمة ومستقبلها، وصحة الأجيال القادمة وعيشها رهينان بصيانة الوسط البيئي، وهو جوهر التنمية المستدامة.

    على ذكر تشديد العقوبات هناك مشروع قانون يتعلق  بالمحافظة على الغابات وتنميتها المستدامة معروض حاليا لدى الأمانة العامة للحكومة، كيف ترون تطور مسار التشريع في مجال حماية الغابات من الحرائق ؟

     

    لحماية الغابات، لا بد أن يؤخذ الجانب التشريعي بعين الاعتبار، لأن تشديد العقوبات وحماية هذه الثروة الوطنية أمر أساسي يتطلب وضع الهياكل القانونية والإدارية وأجهزة المراقبة المناسبة، حتى نتمكن من حماية الغابات، وبطبيعة الحال الضرب على أيدي من يستهين بهذه الثروة الوطنية ويعرضها للتلف.

    في إطار هيكلة ومأسسة هذا المرفق، عرف المغرب تطورات مؤسساتية على هذا المستوى، حيث كانت المياه والغابات في السابق تابعة لوزارة الفلاحة، ثم أصبحت مندوبية سامية، والآن تحولت إلى الوكالة الوطنية للمياه والغابات.

     هذا التغيير رافقه تعديل على المستوى التشريعي، وعلى مستوى هيكلة المؤسسات، وتحديد المسؤوليات، وتحديد المجالات الترابية ومناطق النفوذ للمندوبيات والهيئات الجهوية والوطنية، إضافة إلى وضع تشريع مناسب يمنح الوسائل اللازمة لهذه المؤسسات، وللعاملين فيها وأعوانها، حتى يتمكنوا من القيام بمهامهم على أحسن وجه.

    وفي هذا الإطار، تم إعداد مشروع قانون يتعلق  بالمحافظة على الغابات وتنميتها المستدامة، وهو حاليا، على ما أعتقد، لدى الأمانة العامة للحكومة، في انتظار إحالته على مجلس الحكومة، لعرضه خلال  الدورية الخريفية، ونأمل أن يشكل إضافة ودعما لحماية الغابات والحفاظ عليها، حتى نظل دائما، كما هو الحال في مجالات البيئة والتنمية المستدامة، في مقدمة الدول التي تعطي لهذا الموضوع الأهمية اللازمة.

    إلى أي حد يمكن اعتبار السلوك البشري  يساهم في اندلاع حرائق الغابات، وما السبل الكفيلة بالحد من آثاره؟

    لمزيد من التدقيق حول تحديد المسؤوليات في هذا المجال، أود أن أوضح أن الحرائق التي تحدث في عدة مناطق من بلادنا، وما يترتب عنها من تبعات وخسائر، ترجع في الغالب إلى سببين رئيسيين:

    السبب الأول هو الأسباب الطبيعية، مثل المخلفات الموجودة في الغابة كقطع الزجاج وغيرها من المواد القابلة للاشتعال، أو بعض الحيوانات التي قد تكون سببا في اندلاع النيران.

    أما السبب الثاني فهو السبب البشري، حيث أظهرت عدة قضايا أن العامل البشري كان وراء الكثير من حالات الحرائق، سواء نتيجة الإهمال أو الممارسات غير المسؤولة.

    وبطبيعة الحال، هناك متابعات قضائية في هذا المجال، وهناك أيضا توجه، كما سبق أن ذكرت، نحو تشديد العقوبات، لكن الأمر لا يقتصر على الجانب الزجري فقط، بل يتطلب أيضا عملا تحسيسيا واسع النطاق، يشمل جميع المستويات التعليمية، سواء الابتدائية أو الإعدادية أو الثانوية، إضافة إلى انخراط المجتمع المدني الذي يشتغل في هذا القطاع للقيام بدوره كاملا، كما أن وسائل الإعلام مطالبة ببذل جهد أكبر، بحيث لا تقتصر على بث النداءات أو الإعلانات، وإنما تقدم للمواطنين، عبر برامج هادفة ومتخصصة، شرحا وافيا للخسائر التي تسببها هذه الحرائق على مستوى الصحة البشرية، وعلى التوازن البيئي، وما لذلك من عواقب وخيمة على الحاضر والمستقبل، وعلى حياة الأجيال القادمة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أنبوب الغاز الأطلسي.. المغرب يمد شريان الغاز الإفريقي نحو أوروبا

    فاطمة الزهراء بوسكراوي – صحافية متدربة

    يشهد مشروع أنبوب الغاز المغربي النيجيري تطورا ملحوظا على المستويات التقنية والبيئية والمؤسساتية، في ظل تنسيق مستمر بين الدول المعنية لتسريع مراحله وتثبيت أسسه القانونية والتنظيمية.

    وفي هذا السياق، أكدت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، في تصريحات سابقة، أن الدراسات الهندسية الأولية ودراسة الجدوى الخاصة بمشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، الممتد من نيجيريا إلى المغرب، قد تم استكمالها، كما تم تحديد المسار الأمثل للأنبوب.

    ويمتد هذا المشروع الضخم عبر أكثر من 13 دولة إفريقية، انطلاقا من نيجيريا ومرورا بكل من البنين، توغو، غانا، ساحل العاج، ليبيريا، سيراليون، غينيا، غينيا بيساو، غامبيا، السنغال، موريتانيا، وصولا إلى المغرب، حيث سيتصل بأنبوب الغاز المغاربي الأوروبي، ما سيتيح تصدير الغاز إلى السوق الأوروبية.

    ويمتد الأنبوب على طول يقارب 6 آلاف كيلومتر، بطاقة سنوية تتراوح بين 15 و30 مليار متر مكعب من الغاز، ما من شأنه أن يساهم في إيصال الطاقة إلى ما يقرب من 400 مليون شخص بالقارة، ويشكل بنية تحتية استراتيجية عابرة للقارات.

    وتبلغ الكلفة التقديرية للمشروع حوالي 25 مليار دولار أمريكي، ويصنف حاليا ضمن أبرز المشاريع الطاقية في إفريقيا تحت اسم “أنبوب الغاز الأطلسي الإفريقي”. ويُرتقب أن يسهم في تعزيز التنمية الاقتصادية والصناعية والرقمية، إضافة إلى دوره في خلق فرص الشغل، وتحويل المغرب إلى منصة رئيسية لربط أوروبا بإفريقيا والحوض الأطلسي.

    وفي هذا الإطار، أكد محمد بوحاميدي، الخبير في مجال الطاقة المتجددة، في تصريح لجريدة “العمق المغربي”، أن هذا المشروع يعد قاطرة لاندماج منطقة غرب إفريقيا، ويعكس رؤية ملكية استراتيجية بعيدة المدى تمتد لأكثر من ثلاثين سنة.

    وأضاف أن الأنبوب سيساهم في تعزيز التكامل الاقتصادي بين الدول التي يمر عبرها، في ظل التحديات العالمية المرتبطة بالاقتصاد والأمن الطاقي، كما سيمكن من توفير فرص شغل واسعة، الأمر الذي من شأنه المساهمة في الحد من الهجرة نحو أوروبا.

    وبخصوص تمويل المشروع، أشار الخبير إلى أن الملك محمد السادس تمكن من إقناع دولة الإمارات العربية المتحدة بالمساهمة في تمويله، إلى جانب اجتماعات دبلوماسية مكثفة يقودها وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة مع عدد من الدول الكبرى، من بينها الاتحاد الأوروبي، الصين، الولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى، بهدف حشد دعم سياسي ودولي واسع للمشروع.

    وأوضح أن شركات عالمية كبرى تبدي اهتماما كبيرا بالمشاركة في تنفيذ المشروع، خاصة في ظل وجود مشاورات تقنية متقدمة ومكاتب دراسات متخصصة تعمل على تحديد المسار النهائي للأنبوب، بتنسيق مباشر مع نيجيريا، التي تعتبر شريكا محوريا فيه.

    ويرى بوحاميدي أن هذا الأنبوب العملاق سيمنح دفعة قوية لاقتصادات دول غرب إفريقيا، ويشكل فرصة استراتيجية لهذه البلدان لتوحيد مواقفها والدفاع عن مصالحها من موقع قوة، خاصة في ما يتعلق بتحقيق الأمن الطاقي وتقليص نسب البطالة.

    كما سيساهم المشروع في إذابة الخلافات السياسية بين بعض الدول الإفريقية، وتغليب المصلحة المشتركة في سبيل تحقيق التنمية المستدامة، إلى جانب توفير طاقة نظيفة ومستدامة للدول غير الساحلية مثل النيجر ومالي وبوركينا فاسو.

    ويعتبر مشروع أنبوب الغاز المغربي النيجيري تجسيدا واضحا لرؤية مغربية شاملة من أجل وحدة اقتصادية إفريقية، تقوم على أساس التضامن، وتستند إلى طاقة نظيفة ومتكاملة عابرة للحدود.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • تسليط الضوء على جهود المغرب في مجال التنمية المستدامة و الانتقال الطاقي

     شكل  لقاء حتضنته المؤسسة الدبلوماسية بالرباط،  أمس الأربعاء، فرصة لتسليط الضوء على آفاق وجهود المغرب في مجال التنمية المستدامة و الانتقال الطاقي، فضلا عن أهمية التعددية والتعاون الدولي في هذا المجال.

    و قدمت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، بالمناسبة المحاور الرئيسية للاستراتيجيات والمبادرات الوطنية في مجال التنمية المستدامة.

    وفي كلمة خلال الملتقى الدبلوماسي 147، المنظم في إطار الاحتفال بالذكرى السادسة والعشرين لتربع جلالة الملك محمد…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • سد الساقية الحمراء.. رافعة مائية جديدة تعزز السيادة المائية والتنمية المستدامة في الصحراء المغربية

    بصمت الدولة المغربية، من جديد، على خطوة نوعية في مسار تكريس السيادة التنموية بالأقاليم الجنوبية، عبر التقدم الكبير في مشروع إعادة بناء “سد الساقية الحمراء الكبير” بإقليم العيون، الذي بلغت نسبة إنجازه حوالي 83%، وفق ما أكده سيدي مختار الكنتي، مدير وكالة الحوض المائي للساقية الحمراء ووادي الذهب.

    هذا السد، الذي يُعد من أبرز أوراش الجيل الجديد من البنيات التحتية المائية في الصحراء المغربية، لا يندرج فقط ضمن رؤية تقنية لتدبير الموارد، بل يمثل ركيزة استراتيجية ضمن النموذج التنموي الخاص بالمنطقة، بقدرة تخزين تصل إلى 112 مليون متر مكعب، وباستثمار يتجاوز 650 مليون درهم.

    ورغم التحديات المناخية التي تطبع الجنوب المغربي، فإن تصميم المشروع راعى التوازن بين النجاعة الهندسية والبعد البيئي، حيث يتضمن منشآت تصريف للفيضانات، ومآخذ متعددة لتوزيع المياه، فضلاً عن قناة تطعيم اصطناعية لتغذية طبقة فم الواد، ما يعزز من قدرة الأقاليم الجنوبية على الصمود أمام نوبات الجفاف، والتحكم في المخاطر الطبيعية.

    ويأتي هذا الورش في سياق أوسع من التحول المؤسساتي الذي تقوده المملكة في مجال الماء، إذ أنجزت وكالة الحوض المائي سلسلة مشاريع مهيكلة، تضمنت بناء 22 سداً صغيراً وبحيرات تلية بغلاف مالي ناهز 175 مليون درهم، في إطار سياسة تقوية الأمن المائي بالمناطق القروية والمعزولة.

    الأرقام تتحدث بدورها عن ثورة مائية صامتة: 2200 نقطة مياه تم إحداثها (بين آبار وأثقاب)، بصبيب يتجاوز 3000 لتر في الثانية، وتسع محطات لتحلية مياه البحر تخدم مدن العيون، الداخلة، بوجدور، طرفاية وأوسرد، بطاقة إجمالية تفوق 66 ألف متر مكعب في اليوم. إلى جانب محطات لإزالة المعادن، وأخرى لإعادة استعمال المياه العادمة بعد معالجتها.

    لكن طموح المغرب لا يتوقف عند هذا الحد، فبحسب الكنتي، توجد مشاريع مستقبلية قيد الدراسة، من أبرزها محطة عملاقة لتحلية مياه البحر بالداخلة، ستزود المدينة والميناء الأطلسي المرتقب، إلى جانب مشروع طموح لسقي 5000 هكتار باستعمال الطاقات المتجددة، ومبادرات مماثلة في وادي لكراع وطرفاية.

    في العمق، تعكس هذه الدينامية رؤية شاملة تعتمد على خمسة محاور مترابطة: التخطيط المندمج، التأطير القانوني، الرقمنة والابتكار، الوقاية واليقظة، وأخيراً الحكامة التشاركية. وهي مقاربة تضع في صلبها الإنسان والمجال، وتجعل من الموارد المائية رافعة للتنمية، وليس مجرد تحدٍّ تقني.

    وهكذا، لا يعود سد الساقية الحمراء مجرد منشأة، بل عنوانًا لسياسة استراتيجية تسعى إلى تحويل الجغرافيا إلى فرصة، والموارد الطبيعية إلى أدوات سيادة، في أقاليم راهن خصوم الوحدة الترابية للمغرب طويلاً على تهميشها، فإذا بها تتحول إلى واجهة نموذجية للتنمية المستدامة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • النموذج التنموي بالصحراء يُعزز شرعية الحكم الذاتي ويرسّخ العدالة المجالية

    هسبريس ـ أحمد الساسي

    أجمع عدد من المتدخلين في ندوة وطنية حول موضوع “الصحراء المغربية: من شرعية التاريخ إلى رهانات المستقبل”، احتضنتها مدينة العيون أمس السبت، أن النموذج التنموي المعتمد بالأقاليم الجنوبية للمملكة يشكل رافعة حقيقية لتحقيق العدالة المجالية، وإرساء تنمية مستدامة ترتكز على تكامل البنية التحتية وتعزيز الرأسمال البشري.

    وأكد المشاركون في هذا اللقاء الذي نظمته مجموعة العمل الموضوعاتية المؤقتة بمجلس المستشارين المكلفة بتقديم الاستشارة حول “القضية الوطنية الأولى: الوحدة الترابية للمملكة”، على أن مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب تمثل الإطار الواقعي والعملي لتسوية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، مؤكدين ضرورة مواصلة الترافع بشأنها إقليميا ودوليا باعتبارها حلا سياسيا متقدما يستجيب لتطلعات الساكنة المحلية ضمن سيادة المملكة ووحدتها الوطنية.

    “رؤية تنموية”

    قال الدكتور الطالب بويا زايدنا ماء العينين، باحث مهتم بالشؤون التنموية الجهوية، إن النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية يشكل ورشا استراتيجيا يعكس تحولا عميقا في منطق التدبير الترابي، حيث أصبح الرهان منصبا على تحقيق تنمية شاملة ومندمجة تستند إلى مرتكزات العدالة المجالية، والنجاعة المؤسساتية، ومقاربة تشاركية تجعل من المواطن قطب الرحى في السياسات العمومية، انسجاما مع التوجيهات الملكية التي دعت إلى بناء جهوية متقدمة تعيد التوازن بين المركز والجهات.

    وأكد الباحث ذاته، في مداخلته خلال الجلسة العلمية للندوة الوطنية المنظمة بمدينة العيون تحت شعار “الصحراء المغربية: من شرعية التاريخ إلى رهانات المستقبل”، أن السياق العام الذي انطلقت فيه هذه الدينامية التنموية كان مؤطرا بإرادة سياسية قوية، عبر عنها بوضوح الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 47 للمسيرة الخضراء، حيث تم الإعلان عن تخصيص غلاف مالي هام، بلغت نسبة إنجازه 80%، لمشاريع مهيكلة تستهدف تقليص الفوارق المجالية وتعزيز البنية التحتية.

    وأوضح زايدنا أن من أبرز مداخل استدامة هذا النموذج، ضرورة توظيف الخصوصيات الترابية والموارد الطبيعية التي تزخر بها المنطقة، عبر تأهيل الفضاءات الحدودية والمجال الصحراوي الأطلسي، واستثمار الشريط الساحلي في مشاريع اقتصادية ذات قيمة مضافة، ترتكز على تنويع الاقتصاد المحلي وتثمين الثروات البحرية والطاقية.

    ولفت الإطار بمجلس جهة العيون الساقية الحمراء الانتباه إلى أهمية تنزيل الميثاق الوطني للاتمركز الإداري، وتحديد حد أدنى من الاختصاصات المنقولة إلى الجهات، بهدف تمكينها من امتلاك ناصية القرار التنموي، وإرساء منظومة حكامة ترابية تتقاطع فيها الكفاءة التدبيرية مع الفعالية المؤسساتية، مع دعوته إلى تقليص تعدد الانتدابات ومراجعة منظومة الجبايات المحلية بما يضمن إنصافا ماليا ومردودية فعلية.

    وشدد المتدخل ذاته على أن الرهان اليوم لم يعد فقط على تشييد البنيات والمنشآت، بل على بناء الإنسان وتأهيل الكفاءات المحلية، من خلال تحفيز المبادرة الفردية وتوسيع قاعدة المقاولة الصغرى والمتوسطة، مع إيلاء أهمية خاصة للقطاع الثالث باعتباره رافعة أساسية لتعزيز الاندماج الاجتماعي وخلق فرص الشغل.

    وأنهى الطالب بويا ماء العينين مداخلته بالتأكيد على أن تكريس النموذج التنموي في الأقاليم الجنوبية لن يتحقق إلا بترسيخ جهوية فعلية تنبني على تفويض حقيقي للاختصاصات، وتحقيق التراكم المؤسساتي، وبلورة رؤية متكاملة تستثمر في رأس المال اللامادي والثقافي والبيئي، في انسجام تام مع خصوصيات المنطقة ورهاناتها الاستراتيجية.

    “صيغة متقدمة”

    من جانبه، أكد الدكتور مولاي بوبكر حمداني، رئيس مركز التفكير الاستراتيجي والدفاع عن الديمقراطية، أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي تعد نموذجا قانونيا وسياسيا متقدما لحل النزاعات الترابية، يجمع بين متطلبات الشرعية الدولية ومحددات السيادة الوطنية، ويؤسس لمدخل عملي لترسيخ السلم والاستقرار في إفريقيا، مشددا على أنها ليست تنازلا عن السيادة، بل تمثل تجسيدا مرنا لممارستها على ضوء تحولات القانون الدولي المعاصر.

    وأوضح حمداني، في مشاركته بالجلسة الموضوعاتية الخاصة بالقانون الدولي ومبادرة الحكم الذاتي، أن المبادرة التي قدمتها المملكة سنة 2007 لا تنحصر في بعدها السياسي الظرفي، بل تشكل صرحا مؤسسا على منطلقات سيادية صلبة، تعزز التماسك الداخلي وتحاكي في هندستها عددا من النماذج الدولية الناجحة، من قبيل جزر آلاند الفنلندية، وإقليم الباسك الإسباني، وكيبيك الكندية، مع تقديمها خصوصيات ابتكارية تتماشى مع الواقع التاريخي والاجتماعي للأقاليم الجنوبية.

    وأبرز المتحدث أن المبادرة المغربية تنص بشكل دقيق على توزيع متوازن للاختصاصات بين المركز والجهة، حيث تحتفظ الدولة بالصلاحيات السيادية الجوهرية، في حين تمنح الجهة سلطات واسعة في تدبير الشأن المحلي والتنمية والموارد، مع إمكانية إحداث شرطة محلية، وإرساء مؤسسات منتخبة، وبرلمان جهوي يعكس التعددية القبلية والسوسيو-ثقافية؛ وهو ما يمنحها شرعية ديمقراطية وتنموية تتجاوز المفهوم التقليدي للحكم الذاتي، على حد تعبيره.

    وفي سياق مقارن، سجل حمداني أن المقترح المغربي يتفوق على نماذج أوروبية متقدمة من حيث صلابة الضمانات ووضوح الرؤية، مشيرا إلى أن إشراك الساكنة المحلية عبر الاستفتاء، وتحويل عائدات الثروات الطبيعية لفائدة الجهة، أمران يعكسان تحولا جذريا في فلسفة تدبير النزاعات، من منطق الإقصاء والانفصال إلى منطق “التكامل ضمن التنوع”.

    وأضاف رئيس مركز التفكير الاستراتيجي والدفاع عن الديمقراطية أن المبادرة المغربية تنسجم مع التحولات المفاهيمية في القانون الدولي، الذي بات يفضل منطق “تقرير المصير الداخلي التوافقي” بدل الدعوات الانفصالية، لافتا إلى أن “نجاح هذا النموذج من شأنه أن يسهم في بناء مقاربة إفريقية جديدة لتسوية النزاعات، قوامها الحوار والواقعية والحلول السياسية التوافقية، بعيدا عن منطق التفكيك والبلقنة الذي يهدد استقرار القارة”.

    وسجل الدكتور مولاي بوبكر حمداني في ختام مداخلته أن الحكم الذاتي كما تقترحه المملكة، ليس فقط مدخلا لحل نزاع إقليمي طال أمده، بل مشروع استراتيجي وطني بامتداد قاري، يحمل في طياته مقومات الاستقرار والتنمية والحكامة، ويستحق أن ينظر إليه كنموذج متفرد في القرن الحادي والعشرين.

    “حق لا يعلى عليه”

    بدوره، شدد الدكتور الموساوي العجلاوي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس، على أن قضية الصحراء بالنسبة للمغرب تمثل “حقا يعلو ولا يعلى عليه”، موردا أن “مجلس الأمن الدولي بات يتجه، بشكل متسارع، نحو اعتبار مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 حلا جوهريا ووحيدا للنزاع المفتعل”.

    واعتبر العجلاوي أن النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية ذو طبيعة إقليمية بالأساس، مذكرا بأن المغرب لا يفاوض على سيادته ولا على مغربية الصحراء، بل يتعامل مع الملف في إطار دينامية سياسية إقليمية تفرضها تدخلات أطراف أخرى، تختلف من حيث موقعها بين المراقب والمهتم والمعني المباشر، لافتا إلى أن “تواجد المغرب في أقاليمه الجنوبية يستند إلى الشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة، مما يجعل المرافعة المغربية أقوى من أي وقت مضى، سواء على مستوى القانون الدولي أو من زاوية المشروعية التاريخية”.

    وفي تحليله لأفق الحل السياسي، أوضح المتحدث أن مبادرة الحكم الذاتي تطرح اليوم كعرض سياسي متكامل يحمل جميع مقومات التسوية الواقعية، ويمثل إطارا مرنا يضمن حكما ذاتيا تحت السيادة المغربية. غير أن هذا العرض، يضيف العجلاوي: لا يمكن أن يتحول إلى “مخطط” إلا في حال قبول الأطراف الأخرى؛ وهو ما يفسر إصرار المملكة على التفاوض ضمن مقاربة ترتكز على الجدّية والواقعية.

    كما توقع المتدخل أن يشهد الاجتماع المرتقب لمجلس الأمن تطورا لافتا في التعاطي مع مقترح الحكم الذاتي، مع ترجيحه استمرار بعض التحفظات من روسيا والصين، مقابل دعم قوي من الولايات المتحدة، فرنسا، والمملكة المتحدة، وهو ما اعتبره مكسبا دبلوماسيا مهما للمغرب، يعزز موقعه التفاوضي ويعمق عزل الأطروحة الانفصالية.

    ودعا الخبير المغربي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، إلى استحضار التراكم التاريخي والحقوقي المرتبط بتدبير الأمم المتحدة لقضايا الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، مذكرا بمساهمات المغرب في صياغة قرارين أمميين محوريين سنة 1959 عندما انتخب عضوا ممثلا لإفريقيا والعالم العربي، وكان حينها منخرطا في الدفاع عن قضايا التحرر، من بينها قضية سيدي إفني، والقضية الجزائرية، والقضية الفلسطينية.

    وخلص العجلاوي إلى أن القراءة الدقيقة لهذا التراكم التاريخي يجب أن تشكل مرجعا ضروريا لفهم طبيعة النزاع، وتوجيه جهود التسوية ضمن مقاربة واقعية، تستند إلى المعطى القانوني وتعزز التراكم السياسي لصالح الطرح المغربي.

    “آليات التنزيل”

    سعيد التمسماني، محلل سياسي مغربي، ربط نجاح مشروع الحكم الذاتي المغربي بقدرته على التحول من مبادرة دبلوماسية إلى رؤية مجتمعية واضحة ومقبولة، تقوم على التواصل المبسط والناجع مع مختلف فئات المواطنين، وتنزيل تدريجي يراعي الخصوصيات المحلية ويعزز الانخراط الشعبي، مضيفا أن “قوة المشروع لا تكمن فقط في وجاهته السياسية والقانونية، بل في مدى تملكه من طرف الساكنة باعتباره أفقا عمليا لبناء جهوية متقدمة قائمة على الإنصاف والمسؤولية”.

    وأكد التمسماني، في مداخلة معنونة بـ “مشروع الحكم الذاتي المغربي: من الفكرة إلى الواقع”، أن تقديم المشروع ينبغي أن يتجاوز لغة الوثائق القانونية، نحو خطاب تواصلي شعبي يتوجه إلى فئات المجتمع بلغتها الخاصة، موضحا أن “التعريف بالمبادرة الملكية يجب أن يعاد تصميمه ليلامس اهتمامات الشباب، النساء والنخب المحلية، ويربط المشروع بقيم الإنصاف، الكرامة والهوية المشتركة”.

    ولفت المتحدث الانتباه إلى أن الحكم الذاتي يجب ألا يفهم باعتباره تفويضا كاملا، بل تقاسما عقلانيا للسلطة في إطار السيادة الوطنية الكاملة، داعيا في الوقت نفسه إلى وضع قانون تنظيمي واضح، وميثاق تعاقدي صريح بين الدولة والجهة، يحددان التزامات الطرفين وآليات الرقابة والمحاسبة، مع اعتماد مسار تدريجي للانتقال من الجهوية المتقدمة إلى الحكم الذاتي الكامل بناء على تصور مجتمعي تشاركي.

    وشدد التمسماني على أن التمكين المجتمعي يظل شرطا أساسيا لنجاح أي مشروع مؤسساتي، مطالبا بإدماج موضوع الحكم الذاتي في المقررات الدراسية، وإشراك الأطر الصحراوية في بنائه، وتوظيف الإبداع الثقافي والإعلام المحلي في ترسيخ مضامينه لدى الرأي العام، مقترحا تنظيم أسبوع وطني سنوي للتعريف بالحكم الذاتي في مدينة العيون.

    كما نبه إلى أن تنزيل المشروع يقتضي وجود ضمانات مؤسساتية، من قبيل مجلس دستوري جهوي، وتقارير دورية للبرلمان، وآليات لتتبع وتقييم الأداء، مشيرا إلى أن “التجربة المغربية في هذا الصدد يمكن أن تتحول إلى نموذج قاري إذا ما حظيت بالانخراط المجتمعي والتدبير الرشيد”.

    وفي هذا السياق، ذكر سعيد التمسماني أن الحكم الذاتي هو في جوهره عقد اجتماعي جديد، يحتاج إلى الثقة والتدرج والتفاعل، مشددا على أن الرهان الحقيقي اليوم هو جعل المواطن جزءا من المشروع، لا مجرد متلق له، وذلك عبر إشراكه في صياغة السياسات الجهوية وإعطائه مكانة محورية في هندسة القرار الترابي.

    إقرأ الخبر من مصدره