Étiquette : 1925

  •  شوارع وأحياء في الرواية والأدب

    إعداد وتقديم- سعيد الباز

     

    تعتبر الشوارع والأحياء من أكثر الأمكنة والفضاءات الملهمة في الكتابات الروائية والأدبية. تخرج في العادة عن حقيقتها الواقعية والتاريخية أحيانا، لتحمل في ثناياها دلالتها الرمزية والفنية وتغدو شخصية أساسية في فهم العمل الأدبي والكشف عن أعماقه، وارتباطها العضوي بالأحداث وتطوراتها وتحولاتها الكبيرة. وتتجلى أهميتها وقوتها في العمل الإبداعي والأدبي في أنّها لا تقتصر على تأكيد حضورها المكثف، بل تتجاوز ذلك في النهاية إلى الاستفراد والاستحواذ على عنوان العمل الأدبي.

    جبرا إبراهيم جبرا.. شارع الأميرات

     

    الروائي والرسام والناقد التشكيلي الفلسطيني، جبرا إبراهيم جبرا (1920-1994) ساهم، رفقة الروائي عبد الرحمان منيف، في تقديم أعمال روائية أساسية في الرواية العربية الحديثة. ارتبط جبرا بوطنه الثاني العراق حيث كان له تأثير كبير في وجوه الحداثة الأدبية والفنية ورموزها من السياب إلى البياتي والجيل الجديد سركون بولص…

    رغم قوة هذا الانتماء يلاحظ صديقه عبد الرحمان منيف: «جبرا منذ وصل العراق كان يقول بجهير الصوت أنّ العراق امتداد للوطن الذي يحبّه ويؤمن به. لكنه ليس بديلا عن فلسطين، أرض الزيتون، الأمر الذي جعله في منتصف المسافة بين القبائل، وهذا ما سبب له مقدارا غير قليل من صعوبة التصنيف، وتاليا التقييم».

    وتظهر سيرة جبرا إبراهيم جبرا «شارع الأميرات» مدى عمق ارتباطه بالعراق عموما وبالنخبة المثقفة والفنية خصوصا والأمكنة التي عاش بها: «…حال استقراري في دارنا الجديدة، عدت إلى هوايتي الرياضية، المشي. واكتشفت أنّ قربنا من شارع الأميرات جعل الكثير من الناس يطلقون على شارعنا التسمية نفسها. ولكن عن غير حق، بالطبع، سوى ما اعتاد أهل بغداد من إطلاق تسمية يحبونها على شارع ما، وسرعان ما يروحون يطلقونها على الشوارع المجاورة أيضا. فقبل ذلك ببضع سنوات كنّا نسكن في الأعظمية في شارع يدعى «شارع طه» قرب جامع ومخفر فاروق، وأدركت يومئذ أنّ شارع طه الحقيقي كان في الواقع على مسافة من شارعنا، وقد سمّي باسم الفريق طه الهاشمي الذي سكن فيه سنينا طويلة. ثم انتشرت التسمية على عدد من الشوارع المجاورة له، بما فيه شارعنا.

    والطريف في الأمر أنّ شارع طه نفسه كان اسمه الرسمي، حسب لافتة أمانة العاصمة المعلّقة في بدايته «شارع الخنساء» ولكن الاستعمال الشعبي كان أشدّ التصاقا به من كلّ تسمية رسمية، حتى اليوم. وشارع الأميرات بالذات، إنّما اكتسب اسمه شعبيا من الأميرتين الهاشميتين اللتين كانتا من أوائل من بنى فيه دارا سكنية، وهما الأميرة بديعة، ابنة الملك علي، وهي الأخت الصغرى للأمير عبد الإله، الذي كان وثيق الصلة في الأصل بتحويل البستان الكبير في منطقة الداودي إلى الحيّ الذي أطلق عليه اسم حيّ المنصور. وكانت الأميرة الأخرى هي الأميرة جليلة، ابنة الملك علي أيضا، وزوجة الشريف حازم. والداران كلتاهما مازالتا قائمتين، بلونهما المميّز المائل إلى الصفرة… أمّا الدار الأصغر، المجاورة لها مباشرة، فقد تقلّبت عليها الأيدي إلى أن غدت اليوم محلّ مزادٍ علنيّ معروف.

    وتسمية الشارع، في ما أرى، موفقة. فهي مأخوذة عن أوائل من سكن فيه أو أشهرهم (وهذه قاعدة اتّبعتها مدن كثيرة في أقطار أخرى في تسمية شوارعها الجديدة) وهي تليق بشارع جميل هو من أجمل شوارع بغداد وأشدّها وقعا في النفس، يتميّز بانفتاح معظمه من ناحيته الغربية على امتداد الأراضي المكشوفة التي أنشئت فيها ساحة السباق وملحقاتها. كما يتميّز بمبانيه السكنية الأنيقة القائمة على الناحية الشرقية منه، والجزء الجنوبي من ناحيته الغربية.

    ولئن تظلل أشجار النخيل قسما من امتداده الجنوبي، فإنّ معظم رصيفيه مظلل بأشجار اليوكالبتوس الوارفة، وقد علت وكبرت مع الزمن، ومازالت بخضرتها الدائمة على مرّ الفصول تعطي الشارع مهابة ونضارة هو أهل لهما، إضافة إلى ما يتمتع به من هدوء أقرب إلى هدوء الريف، لأنّ المركبات العامة تكاد لا تدخله، ممّا يجعل هواءه -مع انفتاح أحد جانبيه على حقول السباق الخضراء- رقيقا، عذبا. وفي ذلك مزيد من الإغراء بالتنزّه فيه. فضلا عن جمال منظوره المستقيم من خلال الأشجار. وهو لا يتعدّى الكيلومتر الواحد إلّا بقليل…

    والمعروف أنّ مهندسا هنديا في البستنة كان يعمل في الحبّانية في الأربعينات ساهم في بستنة هذه المنطقة. واستورد لها من الهند اليوكالبتوس، طارد البعوض، وضروبا شتى من أشجار الزينة الاستوائية التي غدت في ما بعد جزءا ظاهرا من حدائق المدينة. وكان ذلك استمرارا بتقاليد استيراد فسائل الأشجار والنباتات من الهند بكثرة منذ العشرينات».

    محمد زفزاف.. الحي الخلفي

     

    رواية الحي الخلفي، للكاتب الروائي المغربي محمد زفزاف، ذات طابع واقعي واجتماعي، تتناول وضعية حي مهمّش من خلال شخصيات متعددة تكشف لنا أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية المزرية، من بينها شخصية المعلم المطرود من عمله: «… قال المعلم: إنّهم قد لا يفهمونني جيّدا. ومن الأفضل ألا يفهموني، فليفهموا أنفسهم أوّلا. لكن إذا لم أعش في جحر في هذا الحي الخلفي فأين سأعيش ولو كنتُ أعرف أنني سأنتهي هكذا لبقيت في فرنسا. عندما كنتُ أسافر إليها أيام العطل الصيفية، وكنتُ وقتها أعزب، وقبل أن أصل إلى فرنسا، كانت لي مغامرات مع إسبانيات جميلات.

    إسبانيا رائعة رغم مضايقات اللصوص والحرس الوطني وسكاكين الغجر، لكن في الجنوب الفرنسي هناك أناس طيبون، كنّا نذهب من مختلف الجنسيات لجني العنب من الكروم بثمن بخس لكنه كان على كلّ حال كافيا للمساعدة على قضاء بقية العطلة في باريس… إنّهم لا يفهمونني جيّدا، ومن الأفضل ألا يفهموني، كما أنّهم لا يفهمون الظروف التي يعيش فيها أولئك العمال المهاجرون الذين يبنون هذه الدور في الحي الخلفي، كما أنّهم لا يعرفون كم تساوي كلّ آجرة من حبات العرق. إنني صامت فعلا، ليس لأنني لا أعرف ما أقول، ولكني لا أستطيع أن أقول ما أريد قوله، فأيّ اختيار حر يسبب الطرد من أيّة جماعة كيفما كانت.

    إنّ اليوتوبيا في هذا العالم هي مجرّد فكرة فقط، وكم كنتُ مغفلا عندما كنتُ يوتوبيا، لقد أردتُ أن أختار فطردت من العمل، وللأسف ما أزال أصرّ على الاختيار لأنّي مغفل والمشكلة الأساسية هي أنني أعي ذلك ولم أستطع تجاوزه. إنني أصمتُ وأعاني، أتأمل تلك العصافير التي تتناقر في الفضاء وأعاني، أسكر وأعاني، أتذكر طفلي وأعاني أكثر. عندي أمل في أن أعود إلى العمل… وحتّى لو عدتُ إلى عملي، فإني لا أتصور الحياة الجديدة التي سوف أعيشها، وكيف أربط علاقات أخرى، هل أقدم للناس ورودا وابتسامة، أم نفورا وكراهية؟ لكن ممن أنفر، ومن أكره؟ لا أدري، عندما يعيدونني إلى الشغل ربما أصبح شخصا آخر، ولن أطرح على نفسي مثل هذه الأسئلة، وأتمنى أن تكون في يدي دائما وردة «الدلاي لاما»، لكن دون أن أدعي الربوبية.

    شيء جميل أن يصمت الإنسان، لكن عليه أن يتحدث في الوقت المناسب. وسبب مشاكل الناس أنّهم يتحدثون في الوقت غير المناسب، والمغاربة يقولون إنّ اللسان ما فيه عظم، أي أنّك يمكن أن تقول ما تشاء فتخرب العائلات وتفرق الأصدقاء وتطرد الناس من العمل، وهذا اللسان المغربي الذي ليس به عظم يستطيع أن يملي قرارات يمكنها أن تلقي بنا سواء في الحي الخلفي أو في الزنزانة أو في برشيد، كما كانوا يلقون بهم أو لا يزالون في سيبريا، أو في مراكز إعادة التربية في الصين لأنّهم أرادوا أن يختاروا، وأحيانا يمكن لمن يختار أن تدوسه دبابة أو يدفن حيا أو يربط بأغلال أو أن يؤتى بسياف ليقطع رأسه أمام الملأ، فينصرف الناس بعد أن يكونوا قد شاهدوا ذلك المنظر…».

    سهيل إدريس.. الحي اللاتيني

    تبدو علاقة الكاتب اللبناني سهيل إدريس (1925- 2008) بمدينة باريس علاقة انبهار وصراع داخلي ونفسي، فهو الشيخ والعالم الفقيه خريج الكلية الشرعية الذي استبدّ به الحلم الباريسي فيلتحق بجامعة السوربون ويكتب إحدى أجمل رواياته «الحيّ اللاتيني» ليعبّر عن اندهاشه العارم بالحياة الباريسية وما يجسده المكان/باريس من صدمة لبطل الرواية بين معينين حضاريين متناقضين شرقي وغربي. يصف الكاتب لحظة وصوله إلى باريس وبالتحديد الحي اللاتيني:

    «الحيّ اللاتيني.

    كانت صورته المتخيّلة تملأ أفكاره ومشاعره، فتضرب دون كل ما سواها غشاوة كثيفة. لقد مرّ بشوارع مرسيليا، ولكنّه لم يرها. وقضى فيها يومه كاملا، ولكنّه لم يحسّها. وأنفق أربع عشرة ساعة في القطار، أورثت في صدره ضيقا شديدا، ولكنّه نسي كلّ شيء إذ دخل القطار «محطة ليون». عمّا قليل، سيكون في الحيّ اللاتيني. سيتحقق الحلم المستحيل. بعد ردح قصي، ستبدأ الحياة التي ما انفكّ يعيشها في الخيال، منذ أن تهيّأت له أسباب السفر إلى باريس.

    -إنّكم الآن في الحيّ اللاتيني.

    فعرته انتفاضة لصوت سائق السيارة التي أقلّته ورفيقيه من «محطة ليون». أنحن حقّا في الحيّ؟ أيّ فرق إذن؟ حين كان يُذكر أمامه اسم «الحيّ اللاتيني» كانت تنفر إلى مخيلته صور حيّ من أحياء بيروت القديمة، تقوم فيه بيوت متواضعة، أغلب الظنّ أنّها من الخشب، ما دام ساكنوها طلابا فقراء قدموا إلى العاصمة الفرنسية من مختلف أنحاء الدنيا طلبا للعلم والمعرفة. أمّا الآن، فليس هو شعور الاطمئنان الذي يغمره إذ تمرّ بمخيّلته هذه الصور التي اخترعها خياله. شوارع فسيحة ليس في بلاده، ولا في الشرق كلّه، مثلها جمالا ونظافة وانتظاما، وأبنية فخمة مرتفعة كأحدث الأبنية الكبرى التي بدأت منذ حين تنتصب في الشوارع الرئيسيّة من عاصمة وطنه. ينبغي أن تكون هذه بلادا أسطوريّة العظمة، حتّى يستحقّ الطلّاب فيها حيّا كالحيّ اللاتيني.

    وإذن، فإنّ عليه أن ينظّم مخيّلته من جديد، أن يطبع الصور بهذا الواقع الذي يفسد عليه عالما كان قد رتّب شؤونه واطمأنّ إليه. تلك هي غلطتك الكبرى! حسّك هذا الذي يريد أن يتنبّأ بكلّ شيء، وأن يأخذ العدّة لكلّ أمر. دع شؤونك مرّة تجري في أعنّة المفاجأة، وحطّم هذه القوانين الصارمة التي تحيط بها نفسك دون ما جدوى.

    -قلتم «رو ديزيكول» رقم 43؟

    فسارع صبحي يجيبه: تماما.

    ولكن لماذا قدم إلى باريس في الحقّ؟ أفرارا من…

    الخطيئة نفسها. أخْرسْ هذا الفضول ! إنّك الآن في باريس، حسبُك هذا. أتيتَ فلا تسلْ لِمَ أتيت. عشْ قليلا دون ما تفكير وتدبير. عشْ بوهيميا. لعلّك تدرك في ما بعد السبب العميق لمجيئك، ربما تدرك ذلك إذ تعود إلى بلادك.

    ولكن ذلك يُعْجزني. إنّني لا أستطيع. إنّ أغلالا ثقيلة تربطني به، ذلك الماضي، وتلك الأجواء. أعرف ذلك، وستتعذّب لتلقي دونها حجابا يسترها. ينبغي أن تتعذّب، أن تصهرك المحن إذا شئت أن يكون لحياتك هذه الجديدة معنى… وإلّا فلِمَ لم تبق هناك؟ أنت على يقين من أنّ هذه السنوات الأخيرة كانت في حياتك إخفاقا ذريعا، وأنّ هذا الإخفاق هو الذي أقنعك بأنّه ينبغي لك أن تبلو الحياة وتجرّبها في أعمق مجالاتها. أيكون إطار الحياة في شرقك ذاك أضيق من أن تجدي فيه التجارب؟

    وأحسّ بيد تهزّه، وبصوت رفيقه الآخر عدنان، يقول له: وصلنا إلى 43. هذا هو فندق «كلود برنار».

     

     

    محمد بنميلود.. الحي الخطير

     

    رواية الحي الخطير، للشاعر والروائي المغربي محمد بنميلود، تغوص بنا في عالم حي خطير حيث ترتع الجريمة بكل أصنافها وأنواعها وترصد من خلال شخصية السارد حجم معاناتها وصراعاتها.

    الحي الخطير رواية جارحة ومؤلمة لكنها في كل الأحوال صادمة، لذلك نجدها في نوع من التنبيه تحيل في بدايتها على قولة فرانز كافكا الشهيرة (الخروج من البيت مغامرة خطيرة): «… أعرف أنّ لا أحد سيسمع هذه الكلمات الحانقة التي أرددها الآن فقط داخل أعماقي دون صوت، لكنّ واحدا وعشرين يوما كاملة في الظلام في سجن داخل السجن لن تمرّ بسرعة، بل قد تبدو أطول من الستة عشر عاما التي عليّ قضاؤها كاملة بين الجدران والزنازين والحراس وحثالة المساجين.

    واحد وعشرون يوما، أو ستة عشر عاما أو حتى قرن، لا يهمّ، سأصمد. على الأقلّ لن يكون السجن أخطر من الحيّ الذي ولدتُ فيه، بل أشعر حقا أني بأمان هنا، وأنّي لن أقتل أبدا طيلة هذه الواحد وعشرين يوما وطيلة هذه الستة عشر سنة إن عشتها كاملة هنا بل أسوأ ما قد يحدث لي هو جرح تافه كهذا على جبيني، فالدولة تحرسني هنا جاهدة من انتقام عصابات الحشيش عوض أن تسجنني كما يبدو ذلك في الظاهر، وأكثر من ذلك تقدم لي طعاما وسكنا وبابا يغلق بالمزاليج والأقفال وحراسا، وهذا في حقيقة الأمر بذخ ما بعده بذخ يحفز في داخلي الآن ضحكة مجلجلة عملاقة… شكرا للجميع.

    ها أنذا على ما يرام في هذه الزنزانة الانفرادية، وقد انضبطت رؤيتي مع عتمتها، إلى درجة أني أستطيع الآن رؤية بعض رسوم وكتابات السجناء الذين عبروا من هنا على جدرانها، وها قد بدأ الألم على جبيني بالهدوء ثم الدغدغة ثم التلاشي، واعتدل مزاجي اعتدالا كاملا…

    في الماضي كانت حربي ضد أبناء حيي من أفراد العصابات، أو بالأحرى كانت حربا مفروضة عليّ، ليس من أجل الانتصار أو تحقيق شيء، بل فقط من أجل الدفاع عن نفسي، ففي كلّ الأحوال حين تجد نفسك متورطا عليك شحذ سكين كبيرة وإخفاؤها جيدا داخل حزام سروالك. عجزة الحي الحكماء يسمّون ذلك إمّا قاتلا وإمّا مقتولا…

    في حقيقة الأمر، لا أحد يحقق الأحلام، لا أحد على الإطلاق يحقق ثروة سريعة من أبناء ذلك الحي والأحياء الأخرى المشابهة المسلحين باليأس والسواطير والجريمة، ولا الخانعين منهم المسالمين المطأطئين، ولا أحد يخرج من الجحيم ليلتحق بالجنة، لقد ولد في الجحيم… وعليه تقبّل مصيره برضا وإيمان وقناعة بالبقاء في الجحيم حتّى النهاية».

    مونيكا علي.. شارع بريك لين

    الروائية الإنجليزية بنغالية الأصل مونيكا علي ولدت في دكا عاصمة البنغلاديش سنة 1967، ثم انتقلت عندما كانت طفلة إلى شمال إنجلترا مع أسرتها حيث درست في مجال السياسة والفلسفة والاقتصاد في جامعة أكسفورد. حازت على شهرة كبيرة بفضل روايتها الأولى «شارع بريك لين» سنة 2003 التي استطاعت أن تصل إلى القائمة القصيرة لجائزة «مان بوكر» للسنة ذاتها.

    وضعت الكاتبة، في مستهل روايتها، عنوانا فرعيا «سبعة بحور وثلاثة عشر نهرا» لترمز بذلك للمسافة بين بنغلاديش وإنجلترا وتحديدا مدينة لندن. تركّز الرواية على الجالية الآسيوية التي تقيم في حي «إيست إند» في لندن، وشارع «بريك لين» الذي يعتبر معقلا للجالية البنغالية على الخصوص.

    تبدأ الرواية بمولد «نازنين» الغريب حيث ظنوا أنها ولدت ميتة، لكنّها سرعان ما استفاقت، فترفض أمّها أخذها إلى المستشفى لأنّها ولدت مبكرا عن موعدها، وتتركها لقدرها وفق ما ارتأت أمّها مرسخة بذلك الحكمة التي سوف تصبح أحد المحاور الأساسية للرواية: «يجب على المرء عدم مقاومة القدر».

    نقرأ في هذا المشهد الافتتاحي للرواية: «اقتربت النساء الثلاث بوجوههن من الطفلة. رفّت «نازنين» بذراعيها ثم طفقت تصرخ كما لو كان في استطاعتها أن ترى هذا المشهد المروع. بدأت تفقد لونها الأزرق ثم استحالت شيئا فشيئا إلى اللون البني ثم الأرجواني. قالت «بانيسا» بنظرة اشمئزاز «لقد أعادها الله». قالت ممتاز، التي بدأت تشكّ في تشخيص بانيسا: «حسن، ألم يرسلها الله إلينا منذ بضع دقائق؟ هل تعتقدين أنّه يغيّر رأيه كلّ ثانية».

    تمتمت بانيسا في سرّها، وضعت يدها فوق صدر نازنين، أصابعها الملتوية مثل جذور شجرة معمرة شقت طريقها فوق سطح الأرض «الوليدة حية لكنّها ضعيفة. أمامك طريقان يمكن أن تسلكيهما» قالت موجهة حديثها إلى «روبان». «إمّا أن تذهبي بها إلى المدينة. سوف يضعون عليها أسلاكا ويعطونها أدوية. وهذا مكلّف للغاية، فسوف تضطرين لبيع حليك، وإمّا أن تنتظري ما سيفعله القدر» استدارت قليلا إلى ممتاز لتشملها الآن «بالطبع القدر سوف يقرر كلّ شيء في النهاية مهما كان الطريق الذي تسلكينه». قالت ممتاز بينما بزغت على خديها علامات حمراء من التحدي «سوف نذهب بها إلى المدينة». لكنّ روبان، التي لم تستطع أن تكفّ عن البكاء، ضمّت ابنتها إلى صدرها وهزّت رأسها، قالت «كلّا، لا يجب أن نقف في طريق القدر مهما يحدث سوف أرضى به. وطفلتي لا يجب أن تضيع أيّ مجهود في مقاومة القدر. بتلك الطريقة سوف تزداد قوة». قالت بانيسا «حسن، إذن حُسم الأمر» راحت تحوم للحظة أو لحظتين لأنّها كانت جائعة بما يكفي لالتهام الطفلة. لكن بعد نظرة من ممتاز راحت تجرجر قدميها عائدة إلى كوخها.

    جاء حميد ليشاهد نازنين، كانت ملفوفة في قماش قطنيّ ومضطجعة على كيس خيش قديم فوق فراش قابل للطيّ. كانت عيناها مغمضتين ومنتفختين كأنّها تلقت لكمتين قويتين. قالت روبان «بنت؟». قال حميد «أعرف. لا يهم، ماذا بوسعك أن تفعلينه؟»، ثم انصرف ثانية. قالت روبان «إنّها لا ترضع. إنّها لا تعرف ماذا تفعل. ربّما قُدّر لها أن تموت جوعا».

    قلبت ممتاز عينيها «سوف ترضع في الصباح، والآن عليك أن تأكلي وإلّا قدّر لك أن تموتي من الجوع أنت الأخرى». ابتسمت في وجه أخت زوجها الصغير الحزين. احتشدت كلّ ملامحها كدأبها دائما لتتفجع على كلّ شيء فات وكلّ ذلك الذي سوف يُقدّر له أن يفوت.

    … لما كبرت نازنين سمعت مرات كثيرة هذه الحكاية «كيف تركت لقدرك» بسبب قرار أمّها الحكيم عاشت نازنين الفتاة النابهة ذات الوجه الكبير. مقاومة المرء لقدره من شأنه أن يضعف الدماء أحيانا، بل في أغلب الأحوال من شأنه أن يكون مميتا. لم تسأل نازنين ذات مرة عن الحكمة من حكاية «كيف تركت لقدرك» لقد كانت في واقع الأمر ممتنة لشجاعة أمّها التامة، رواقيتها الدامعة التي كانت تتبدى تقريبا كلّ يوم. قال حميد، دائما كان ينظر بعيدا عندما يتحدث: «إنّ أمّك ولية بالفطرة، إنّها تنحدر من عائلة أولياء». لذا عندما نصحتها «روبان» أن يقر عقلها وقلبها، وأن تتقبل نعمة الله، وأن تتعامل مع الحياة بالطريقة نفسها التي تعاملها بها.

    راحت نازنين تصغي باهتمام ورأسها الكبير مائل إلى الوراء، وعيناها مرتخيتان في رباطة جأش، كانت طفلة رزينة. على نحو مضحك قالت ممتاز حين لم ترها على مدار يومين، كيف حال طفلتي الغالية، أما زلت سعيدة بعودتك للحياة؟ قالت نازنين «ليس لدي شكاوى لأخبرك بها، إنني أخبر الله بكل شيء». ما لا يمكن تغييره لا بد أن يولد. وربما أنّه لا شيء يمكن أن يتغير كان على كل شيء أن يولد. هذه القاعدة أدارت حياتها.

     مقتطفات

     دور الصدفة والغباء في تغيير مجرى التاريخ

     العامل الحاسم

     

    كتاب «دور الصدفة والغباء في تغيير مجرى التاريخ.. العامل الحاسم» للكاتب إريك دورتشميد الكندي من أصول نمساوية، تقدمه صحيفة «الإندبندنت» بشكل موجز وتدقيق كبير: «إنّ نظرة تأمّل وتمحيص في التاريخ العسكري منذ حصان طروادة إلى حرب الخليج، تُظهر بوضوح أنّ الأخطاء والصدف لعبت دورا حاسما لا يقلّ، بل يفوق، في كثير من الأحيان، دور الشجاعة والبطولة. وهذا ما فعله إريك دورتشميد في هذا الكتاب، فهو يكشف لنا كمْ من الصراعات حُسمت بفعل تقلبات الطقس العصية على السيطرة، الاستخبارات السيئة أو عدم كفاءة الأشخاص. وكما يُعبّر عنها بالمصطلحات العسكرية: «الحادث الذي حوّل النصر إلى هزيمة في لحظة تُعرف باسم العامل الحاسم».

    يقدّم لنا إريك دورتشميد وصفا آسرا للفوضى والاضطرابات التي رصدتها نظرته الثاقبة، وكمّا كبيرا من المعلومات التي تدفعنا إلى إعادة التفكير في تلك الأحداث. كما يكشف لنا، من معركة وموقعة إلى أخرى، عن أثر الأحداث الطارئة في تغيير مجريات المعارك ونتائجها».

    يوضح الكاتب إريك دورتشميد، في هذا الصدد، منظوره لتاريخ الحروب محللا دور ما يسمّى بالعامل الحاسم والمحدد لنتائجها: «… التاريخ هو الشاهد. كم من جيوش جرّارة هُزمت بسبب غباء وعدم كفاءة قادتها. فالحرب ليست مجرّد مارشات ومجد عسكري، إنّها رحى الموت. وإذا كثّفنا رأي جورج كليمنصو، الرجل الذي أخرج فرنسا من أهوال الحرب العالمية الأولى: (من المهمّ جدا أن تترك الحرب للجنرالات).

    يريدنا بعض المؤرخين أن نصدّق أنّ المعارك تُكتسب ببسالة وألمعية سادة الحرب، ويمنحوهم أوسمة «النبوغ» عندما يظفرون، يسطّرون اسم المنتصر على أنّه ذكي، والخاسر لا. رغم ذلك، ليست هناك وصفة سرية لنهاية معركة مظفرة، ما خلا أنّها تعتمد على من يرتكب الخطأ الكبير الفادح. وإذا تكلمنا بتجرّد، فإنّ كثيرا من المعارك حُسمت بفعل عامل الطقس، الذكاء الحاد أو (السيئ)، البطولة غير المتوقعة أو عدم الكفاءة الفردية. قصارى القول، حُسمت بعامل لا يمكن التنبّؤ به، وهذه الظاهرة تُسمّى وفق المصطلحات العسكرية: (العامل الحاسم).

    ويضيف الكاتب مبيّنا خطورة الحرب من جهة والعوامل المحددة لنتائجها المستعصي التحكم فيها: «يخاطر الصناعي، إذا اعتمد تصميما سيّئا، بانهيار مصنعه وفقدان عمّاله لعملهم، وعندما يخطئ رأسمالي في قراءة البورصة قد يخسر نقودا كثيرة من المستثمرين. بيد أنّ هذه الأشياء، رغم أضرارها، ليست مميتة. لكن إذا ارتكب قائد عسكريّ خطأ فادحا، كارثيا، سيدفع ثمنه دماء وآلام البشر، وأكثر أحيانا. هناك أيضا العوامل الطبيعية غير المتوقعة مثل الغيوم التي تحجب هدفا وتحكم على آخر بالزوال، ضربة الحظ، كأن تقع على خارطة سرية لحرب مع العدو، أو ربّما الأكثر استعصاء على التنبّؤ، وهي معرفة طريقة تصرّف البشر تحت الضغط والنيران. والمبادرة الشخصية والبطولية ليست بالضرورة من قبل جنرال يهجس دوما بتمثال برونزي بل تندّ عن جندي مجهول دُفن في قبر ليس عليه شاهد… فقد جرى العرف أن يقوم السياسيون والجنرالات بتبرير أفعالهم، في مذكرات توضح تحركاتهم في ساحة المعركة… ويكتب الجندي البسيط إلى عائلته، يوضح لها كيف عاش هذه الحرب، وفق كلا السجلّين استقيتُ ما أسميته العامل الحاسم.

    إريك دورتشميد مصور سينمائي ومنتج ومخرج ومؤلف وأستاذ في التاريخ العسكري. عمل سابقا مراسل حرب في القنوات الإعلامية الشهيرة. كتبت عنه جريدة «نيوزويك»: مراسل موهوب جدا، لقد أحدث تحوّلا في شكل الإعلام الذي يعمل به. في حين قالت عنه «نيويورك تايمز»: لقد شاهد إريك دورتشميد حروبا أكثر من أيّ جنرال على قيد الحياة.

    ولد إريك دورتشميد سنة 1930 في فيينا عاصمة النمسا، وعاش وهو لا يزال طفلا الحرب العالمية الثانية. هاجر بعدها إلى كندا سنة 1952. عمل مراسلا حربيا في الكثير من الحروب والصراعات من أشهرها حرب فيتنام وأفغانستان والحرب العراقية- الإيرانية… كما أجرى لقاءات صحفية مع شخصيات عالمية نذكر من بينهم، على سبيل المثال، جون كيندي وسلفادور الليندي… مزج إريك دورتشميد بين عمله مراسلا حربيا ومصورا سينمائيا في تغطيته للصراعات الحربية، وتخصصه الأساسي أستاذا للتاريخ العسكري.

     رف الكتب

     غربة الكاتب العربي

     

    يتناول كتاب «غربة الكاتب العربي»، للروائي وعالم الاجتماع السوري حليم بركات، ظاهرة اغتراب الكاتب العربي من أوجه عديدة، من الغربة داخل الوطن وخارجه. وينطلق بركات من تجربته الخاصة إنسانا ومثقفا، إضافة إلى صداقاته التي جمعته بالكثير من الكتاب العرب، ويبرز مدى تأثير الغربة في حياتهم وإبداعاتهم، كما هو الشأن في فكر هشام شرابي وإدوارد سعيد، أو في روايات جبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف والطيب صالح أو مسرح سعد الله ونوس أو شعر أدونيس: «… وإذا كان يجوز أن نتكلّم عن التجارب الشخصية، أقول بشيء من الحياء والتردد إنّ صلتي ومعرفتي بالمجتمع العربي وأحاسيسي بالانتماء إليه تعمّقت بعد هجرتي فأصبحت أنظر إليه ككل لا كمجموعة من الدول المهزومة وأصبح ولائي له ككل ربّما لا يقلّ عن ولائي للبلد الذي ولدت ونشأت فيه. في روايتي طائر الحوم، وهي رواية/ سيرة ذاتية، حاولت أن أعبّر عن تجربة المنفى في مختلف أبعادها. في المنفى أجد شجرة الوطن تُغرق جذورها عميقا في داخلي فأتنقّل ذهابا وإيابا، ومن خلال التداعي النفسي وعلى أجنحة المخيّلة، بين الكهولة والطفولة وبين مدينة أمريكية هي واشنطن وقرية سورية هي الكفرون، كلّ ذلك في مناخ نفسي تأمّلي متوتر معا وفي زمن محدود هو بضعة أيام. أتنقّل بين المهجر والوطن كما تنقّل السندباد من جزيرة إلى جزيرة، وأبحث عن جذوري ضائعا مثل يولسيس مستنطقا التاريخ السحيق كجروح الإنسان ومستعيدا طفولتي متحررا من متاعب المنفى. بل ربما لا أستعيد طفولتي بقدر ما تقتحمني فأفاجأ بها وأكتشف: (كيف ولماذا لا أدري. إنّ الضيعة وأناسها وينابيعها، وتلالها وأوديتها وطيورها وطُرُقها وأزهارها وأشواكها وأحزانها وأفراحها شرّشتْ في نفسي. لا أحد، لا شيء يقتلعها من نفسي. وكلما ذبُلتْ شجرة حياتي، نبتتْ شجرة أخرى من جذورها العميقة العميقة). وفي المنفى الطوعي أصبحتُ أسير حنيني إلى الوطن وانشغالاتي بقضاياه، وعندما تنصحني الحبيبة بالتحرر من هويتي الذاتية ورواسب الماضي، أجيب: (الذاتية لا يمكن، أمّا ما تسمّيه رواسب فأسمّيه جذورا. لذلك أحببت شجرة الصفصاف. ليس لأنّها تبكي وتهبط دموعها إلى النهر فتُحْدثُ دوائر تتلاشى في بعضها. وليس فقط لأنّ رؤوس أغصانها المتدلية ترسم أعينا متتابعة على سطح الماء كلما حرّكها الهواء. أحبّ شجرة الصفصاف لأنّها تنكفئ على ذاتها وجذورها، كلّما كبرتُ في العمر، انحنت أغصاني نحو جذوري).

    هذه تساؤلات وإيحاءات أكثر منها يقينيات نهائية وإن كانت لا تخلو من قناعات. ولكنني أعرف من ناحية أخرى أنّ العيش في الوطن يتطلب امتثالا أو على الأقلّ مراعاة للثقافة السائدة ومركزية السياسية الاجتماعية الثقافية مجتمعة. ما يزال تعدّد الأصوات غير مقبول في الوطن، والاختلاف ليس حقا بل نشوز، وفسحة التحرك محدودة، والإبداع بدعة، والانتماء ذو بُعْد واحد. لذلك لا أعرف حقا أيّهما أشدّ قسوة: المنفى أم الوطن.

    الذي يعيش منّا في الخارج يحسد من في الداخل، ومن في الداخل يحسد من في الخارج. ومهما كان يحتاج الكاتب إلى أن يُصرّ على الاحتفاظ بهويته وفي الوقت ذاته أن يكون جريئا في تفاعله مع الآخر. وحين أرفض الآخر مهما كان الموقع الذي أشغله، لا أرفضه لأنّه مختلف بل لأنّه خصم. ولن أتخلّى عن الفسحة الزمنية والمكانية الضرورية للتأمل دون خوف وخارج الحدود والفرضيات المفروضة منذ الصغر، وللتفكير الحر في واقع المجتمع العربي من الخارج والداخل معا. أن نرى الداخل من الخارج، والخارج من موقع الداخل، شرط ضروري لحصول التحرر والإبداع. ونصرّ في هذه الحالة على أن يكون لنا منظور خاص ومتفرّد، ووعي ذاتي، ومعرفة بالداخل والخارج».

     إصدارات

     رواية ظلال الماريشال

     

    صدرت حديثا رواية «ظلال الماريشال» للروائي المغربي محسن نموس، عن دار العائدون للنشر والتوزيع الأردنية، بعد روايته الأولى «بين قافين». تتناول رواية «ظلال الماريشال» في موضوعها ظاهرة استغلال أراضي المعمرين وقضية الهجرة القروية.

    نقرأ في ظهر الغلاف مقطعا من الرواية: «استمرّت رحلات بوشتى المتربة إلى فاس البالي دون انقطاع… يعود إلى القرية مجهدا وقد أقبل الليل، يخلو وجهه من نقطة دم، تتلقّفه زوجتاه بالسؤال عند الباب، يومئ نافيا، فتغرق الخيمة في كرب. يرتاح يوما، وفي صباح اليوم الموالي يشدّ الرحال مرة أخرى. يوم في المدينة ويوم في القرية… وعاش، ومعه زوجتاه، وأولاده، وبهائمه، ودجاجه شهرا من الذهاب والإياب. سمن، وعسل، ودجاج في الارتحال، وفراغ، وقلق، وخوف في العودة، وكلما دق باب الرياض الكبير في الدرب الواسع تجيبه الخادمة أن الحاج ترك الرياض إلى فاس الجديد أو إلى مدينة الفرنسيين رغم همس حديثه داخل الرياض.

    مستحضرا كل الجنان من الأراضي البورية والمسقية، لم يقدر ولد إدريس أن يتجاوز العتبة، فظل صابرا محتسبا تحت الناقوس النحاسي ينتظر أن يرق قلبه ويستقبله كباقي العزّابة من القبائل الثلاث… وبعد مرور شهر بالتمام والكمال فُتح الباب ودخل بوشتى إلى صحن الرياض سيد الدور الطينية».

    إقرأ الخبر من مصدره

  •  الكلب والكلاب في المتخيّل الأدبي

     إعداد وتقديم: سعيد الباز

     

    حظيت شخصية الكلب في المتخيّل الأدبي بمكانة خاصة، حملت إثرها عدّة أبعاد رمزية تجاوزت خصلة الوفاء الشائعة والمتداولة. إنّ أبرز التمثلات التي خضع لها وجود شخصية الكلب وحضوره في الأدب بشكل عام تظهر في صور مختلفة من استعارة فنية إلى قناع يتخذه الكاتب وسيلة للتعبير عن أفكاره وآرائه بطريقة غير مباشرة.

    فالكلب عند فرانز كافكا يعبّر عن الخيارات الوجودية بين الضرورات المادية والحاجة الإنسانية للمعرفة. فيما يصوّر كلب بول أوستر عبثية الوجود والبؤس الإنساني، وأخيرا يغوص بنا عبد السميع بناصر، بسخريته المعهودة، في عالم القرية المغربية وواقعها.

    فرانز كافكا.. تحريّات كلب

    … الآن قد يقول امرؤ: «إنّك تعذب نفسك بسبب إخوتك الكلاب، بسبب التزامهم الصمت إزاء أسئلة هامة، وتؤكّد أنّهم يعلمون أكثر مما يعترفون به، وأكثر مما يسمحون بأن يكون ملزما لهم، وأنّ هذا الصمت، الذي أخفى ضمنا كذلك سببه الغامض، يسمّم وجودك، ويجعل هذا الوجود أمرا لا يطاق بالنسبة لك، بحيث يتعيّن عليك إمّا أن تغيّره أو تتعايش معه. وقد يكون الأمر كذلك، لكنّك بدورك كلب، ولديك أيضا المعرفة الكلبية. طيب. هاتها! لا في شكل سؤال فحسب، وإنّما في صورة إجابة لو أنّك بحت بها، فمن ذا سيفكر في معارضتك؟ ستنضم جوقة الكلاب الهائلة إليك كما لو كانت في انتظارك، عندئذ سيكون لك من الوضوح الحقيقة والمجاهرة بقدر ما تشاء، سيفتح عنوة سقف هذه الحياة التعسة التي تحدثت عنها حديثا فظا، وسنرقى جميعا كتفاً إلى كتف إلى عالم الحرية الجليل. فإذا لم نحقق الكمال النهائي، إذا ما غدت الأمور أسوأ من ذي قبل، وإذا ما عجزت الحقيقة عن الشموخ بقامتها فوق نصف الحقيقة، إذا ما ثبت أنّ الصامتين على حق كحراس الوجود، وإذا ما تداعى الأمل الواهن الذي لا يزال يداعبنا مفسحا السبيل لليأس المطبق، فإنّ المحاولة تظل جديرة باجتراحها، حيث إنّك لا ترغب في العيش على نحو ما أنت مجبر على أن تحيا. طيب، إذن، لِمَ توجّه اللوم إلى الآخرين لالتزامهم الصمت فيما تظلّ صامتا بدورك؟».

    ومن اليسير الردّ: لأنني كلب محاصر جوهريا بالصمت كالآخرين، أقاوم في عناد أسئلتي، ومتصلب من جراء الخوف. وإذا ما شئنا التزام الدقة لتساءلنا: أتراني على الأقل منذ سنوات نضجي. سألتُ إخوتي الكلاب آملاً أنّهم قد يجيبونني؟ أو قد راودني حقا مثل هذا الأمل الأحمق؟ بمقدوري أن أتأمل أسس وجودنا وأرقب الكدح في رفعها، ذلك الكدح الأسود وأتوقع أن يتخلى عن كل هذا وأن يهم ويقوض لأنني أطرح سؤالا؟ كلّا، ما عدت أتوقع ذلك. إنّني أفهم رفاقي الكلاب. أنا بضعة من لحمهم، من لحمهم التعس، دائم التجدد أزلي التوق، غير أنّ اللحم والدم ليسا هما فحسب ما يربطنا، وإنّما المعرفة كذلك. ليست المعرفة وحدها، وإنّما مفتاحها أيضا. لستُ أملك ذلك المفتاح، اللهم إلّا بالاشتراك مع الآخرين كافة، ولا أستطيع تملّك ناصيتها دونما عون منهم. وأصلب العظام التي تضم أبدع النخاع لا يمكن قهرها إلّا بالسحق الموحد لكلّ أسنان الكلاب كافة. ذلك بالطبع هو مجرد تشبيه ومبالغة، ولو أنّ الأسنان كلّها كانت متأهبة لما كانت هناك حاجة إلى القضم، فسوف تتصدع العظام من تلقاء نفسها، وسيغدو الوصول إلى النخاع أمرا ممكنا لأوهن الكلاب. ولو أني التزمتُ بهذا التشبيه، فإنّ المقصود من وراء أهدافي وأسئلتي واستفساراتي سيبدو شيطانيا. هذا صحيح، ذلك أنّي أريد إجبار الكلاب جميعا على أن تتجمع معا على هذا النحو. أرغب في أن تتصدع العظام متفتحة تحت ضغط هذا الاستعداد الجماعي. أريد عندئذ أن أصرفهم ليعودوا للحياة العادية التي يعشقون، فيما آخذ وحيدا، وحيدا تماما في لعق النخاع. يبدو ذلك شيطانيا، كما لو كنتُ أرغب في أن أتغذى لا على نخاع عظمة، وإنّما على نخاع جنس الكلاب ذاته بأسره. لكنّه محض تشبيه فحسب. والنخاع الذي أناقش أمره هنا ليس طعاما، وإنّما هو على العكس سم.

    بول أوستر.. تمبكتو

    … ماذا بوسع كلب مسكين أن يفعل؟ كان السيد بونز كلبا مع صاحبه «ويلي» منذ أن وعى على الوجود جروا وليدا، والآن صار في حُكم المستحيل بالنسبة له أن يتخيّل عالما يخلو من سيّده. كانت كلّ فكرة وكل ذكر وكل مثقال ذرّة من الأرض والهواء مشبعة بحضور «ويلي». العادات لا تموت بسهولة، ولاشك أنّ هناك بعض الحق في المقولة الشائعة عن صعوبة تعلّم الكلاب العُجُز حيلا جديدة، غير أنّ رعب السيد بونز مما سيأتي كان مصدره أكثر من محض الحبّ والوفاء. لقد كان رعبا وجوديا خالصا. فإذا حذفنا «ويلي» من العالم، فالنتيجة الأغلب أنّ العالم نفسه سيتوقف عن الوجود.

    ذلك هو المأزق الذي واجهه السيد بونز في صباح أغسطس ذلك بينما يجرجر قدميه في شوارع بالتيمور مع سيّده العليل. إنّ كلبا وحيدا ليس أفضل كثيرا من كلب ميّت، فحين يلفظ «ويلي» نفسه الأخير، فلن يجد هو أمامه ما يتطلّع إليه سوى زواله الوشيك. كان «ويلي» قد ظلّ يحذره من هذا لأيام عديدة حتّى الآن، وقد حفظ السيد بونز الدرس عن ظهر قلب: كيف يتجنب صائدي الكلاب، ورجال الشرطة، وعرباتهم، والسيارات التي بلا لوحات معدنية، والمنافقين المنتمين إلى ما تُسمّى جمعيات الرفق. مهما خاطبوك بمعسول الكلام، فلا معنى لكلمة (ملجأ) إلّا المتاعب. يبدأ الأمر بشبكات وأسلحة تطلق رصاصات المهدّئات العصبية، ثم الانحدار إلى كابوس من الأقفاص وأضواء النيون، ثم الانتهاء بحقنة قاتلة أو جرعة من غاز سامّ. لو أنّ السيّد بونز ينتمي إلى سلالة يسهل التعرّف عليها، فربّما كان أوفر حظا في مسابقات الجمال اليومية التي تقام أمام المالكين المنتظرين، لكن أقرب أقربائه ليس سوى خليط من الصفات الوراثية: رقعة من الكلب الأسكتلندي الضخم، ورقعة من اللابرادور، ورقعة من الإسبانيول، ورقع من فسيفساء كلابية متناثرة مثل لغز، يجب تجميع أجزائه معا. ما زاد الأمور سوءا أن برزت من معطف فرائه الرثّ عقد خشنة، وانبعثت من فمه رائحة كريهة، واحتقنت في عينيه كرات دموية حزينة. لن يرغب أحد في إنقاذه. وكما كان منشد الشعر المتشرد أن يقول، لا مهرب من المكتوب إن لم يعثر السيّد بونز على سيّد آخر بأسرع وقت ممكن، لضاع وصار نسيا منسيا.

    «وإذا لم تنل منك أسلحتهم الصاعقة»، واصل «ويلي» حديثه وهو يتشبثُ بعمود إنارة في ذلك الصباح كثيف الضباب في بالتيمور، ليمنع نفسه من السقوط، «فهناك ألف شيء آخر سوف ينال منك. إنّي أحذّرك، فلابد أن تعثر لك على مجنون جديد، وإلّا فإنّ أيامك معدودة. أنظر في أنحاء هذا البلد الكئيب، هناك مطعم صينيّ في كلّ مربّع سكني، فأنت لا تفقه شيئا في المطبخ الشرقي، لمذاق الكلاب مكانة عالية عندهم، يا صاحبي، والطهاة هناك يتصيّدون الكلاب الشاردة، ويذبحونها في الزقاق وراء المطعم مباشرة. عشرة، عشرين، ثلاثين كلبا كلّ أسبوع، وقد يمرّرونها على قائمة الطعام، بعدّها بطّا أو خنازير… ستفكّر ألف مرّة قبل أن تهزّ ذيلك أمام أحد تلك المطاعم الصينية الحقيرة. هل تلتقط فكرتي، يا السيد بونز؟ اعرف عدوّك، ثم انأ بنفسك عنه»… يكتسب أغلب الكلاب معرفة عملية جيّدة بالاستماع إلى حديث السائرين على قدمين. لكن في حالة السيد بونز كانت لديه ميزة إضافية. لأنّ الحظ أكرمه بسيّد لا يعامله على أنّه مخلوق أدنى… إضافة إلى أنّ السيّد بونز لم يكن فقط أعزّ أصدقاء «ويلي»، بل صديقه الوحيد. وبما أنّ «ويلي» كان مُولعا بصوته الشخصي، مهووسا بالكلام… ونادرا ما كان يتوقف عن الحديث من اللحظة التي يفتح فيها عينيه صباحا حتّى يغيّبه الخمر ليلا، لهذا كان من المنطقي تماما أن شعر السيّد بونز بألفة شديدة مع لغة سيّده.

    عبد السميع بنصابر.. حكاية كلب

    في العدد السابع بعد المائة من مجلة «العندليب»، قرأ أحد الصبية معلومة غريبة، مؤدّاها أن الكلاب لا ترى الألوان. لكن «ريكس»، استطاع، ذاك المساء، في لحظة استعصت على نظريات العُلماء، أن يميّز صُفرة سروال صاحبه، عندما عمد أحدهم إلى نزعه داخل الملعب أمام الملأ، حتى لا يرتفع بجسمه إلى الأعلى ويصدّ الكرة المتّجهة نحو المرمى. تعالت هُتافات شباب القرية، وصرخ الحشاشون والسّكارى والأطفال. ولم يستطع الكلب المُسنّ أن يميّز في ما إذا كانت تلك الهتافات فرحاً بتسجيل الهدف، أم بسبب تكشُّف عورة صاحبه. وعندما أعياه التفكير نبح طويلا، واختلط نباحه بعوائهم. نعم، في مثل هذه المواقف عليه أن ينبح فقط، لأنّ أنيابه لم تعُد حادّة كما كانت، وزمجرته لم تعد تخيف النمل. والمكان الذي كان يتكوّمُ فيه بين الجمهور، لم يكن سوى محض جميلٍ منهم، وربما كان ذلك على سبيل الألفة. إنّه يعلم ذلك ويوقن به مثلهم. وهو يتذكّر جيدا كيف أن الجميع ناداه قبل سنوات بـ«ريكس»، ثم أمهلوه فترة حتّى برزت عظامه، ولم يعد بعدها أحد يهتمّ به. وحتّى إذا ما أراد أحد أن يشير إلى مسكن صاحبه، مدّ سبّابته قائلا: «حيث يتكوّم ذلك المجحوم!».

    حين كان الشباب ينوون حضور حفل زفاف بقرية مجاورة، كانوا يمرون كعادتهم على مسكن صاحب الكلب، ثمّ يطلقون صفيرا متواصلا، فينبري الكلب من بين أشجار الصبّار. ولم يكن الإصرار على صحبته بدافع الاحتراس من قطّاع الطرق. كلّا، فهُم من كانوا يتكلّفون بقطعها أساسا. لكن السبب أنّ لـ«ريكس» هذا، وإن نحُفَ وخارت قواه، حاسة شمّ عز نظيرها. فإذا حدث وتوقّف في لحظة ما ومدّ خيشومه وارتفعت أذناه، فلا بدّ أنّ ثمة أفعى متكوّمة تتربّص بأحد في الجوار. ولم يكُن المجحوم غبيا حتى يتبع هؤلاء الفتية العابثين، ويقطع تلك الأميال في الليالي عبثا، دون أن يمنّي نفسه بفضلات الأعراس التي كانوا يرمون بها طيلة طريق العودة، كلّما تباطأت خطواته من العجز والتّعب.

    في تلك الليلة، لم يحتج المجحوم قطع مسافة لينعم بعظام الدّجاج كما ألف، فقد ملأ الدنيا وشغل الناس حفل تنصيب رئيس الجماعة القروية. والرئيس الجديد، كما يعلم الجميع، أحد أبنائها البرَرة. ولن يحسّ بجوعهم أكثر من جائع قديم. لذلك قُدحت نيران المطابخ، وارتفعت أدخنة الشواء، وامتلأت الأطباق بما لم يحلم به هؤلاء البؤساء يوما. حتّى إنّ القطط والكلاب تجشأت ولم يبق إلا أن تولغ في كؤوس الليمونادا أيضا…

    في صبيحة اليوم الموالي، كانت القرية قد دشّنت عهدا آخر مع رئيسها الجديد، أعلنتها لافتات الترحاب الّتي زيّنت أسوار المنازل الطوبية. تقدّم المجحوم نحو إحداها، ثمّ مدّ خيشومه يتشمّمها. وحين تأكّد ألا خطر في ذلك، رفع قائمته ثمّ تبوّل على أحرفها البارزة، قبل أن يسترخي مغفياً قرب صنوبرة في اطمئنان. وفي تلك اللحظة، وبعيدا عن هناك بأمتار قليلة، كان المستشارون يتحلّقون بإحدى قاعات مقرّ الجماعة مستنفرين آذانهم لسماع أوّل خطاب للرئيس. مدّ الرجل يده ليفكّ ربطة عنقه قليلا ثمّ نحنح وهو يربّت على المايكروفون:

    «أيها السادة المحترمون،

    إنّ الله لا يُغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم (…) إنّ القرية بحاجة إلى حملة تنظيف واسعة (…) ولن أعلن بدايتها قبل أن نقضي على الكلاب –أعزّكم الله- التي ملأت أزقّتها».

    ارتفعت الأيادي مصوّتة مصفقّة للقرار، وقبل مغادرتهم القاعة، انتشر الخبر كما تنتشر النار في هشيم حلفاء. وما هي إلا ساعات حتّى سُمع دوي البنادق مصحوبا بهدير شاحنة الجماعة وهي تلمّ جثث الكلاب المتناثرة في كلّ مكان. ورفع شيخ عُكّازه في الهواء صائحا في حماسة: «واااالخيل!».

    كان الصبيةُ يتراكضون أمام الشاحنة يدلون عمّال الجماعة على مواضع الكلاب، وحين تشمّم «ريكس» رائحة البارود، كان الأوان قد فات. إذ إن رصاصة اخترقت قائمته الخلفية قبل أن يفرّ بجلده، فراح يزحف مطلقا نباحا أشبه بالنواح، وهو يحاول الاختباء بين جذوع الأشجار. وحينئذ انهالت عليه الطلقات العشوائية، فانفجرت الدماء من بين عظامه. ومرة أخرى، استطاع أن يميّز لونها الأحمر القاني ضدّا على كلّ النظريات، مُدركا، في الآن نفسه، أنها آخر عهد له بالحياة.

    قبل أن تجنح الشمس نحو مغربها، كانت القرية قد أُقفرت من كلابها. وجاء العمّال بالمكانس لمحو آثار الدّماء. لكن سؤالا واحد بقي معلقا دون جواب: من سيصحب الفتية إلى الأعراس ليلا؟

    قال الرئيس مخاطبا الشباب ذاك المساء:

    – إنني أُدركُ ما يدور في خلدكم. في المرات القادمة لن تحتاجوا مجحوما ليرافقكم. ستكون شاحنة الجماعة في خدمة أبناء الدوار!

    وليته لم يُقرر ذلك، فخلال كل رحلة من ليالي الصيف الحافلة بالأعراس، كانت جثّة «ريكس» تتمثّل للفتية وهي ممدة داخل الشاحنة، حتّى إنهم آثروا الاستغناء عنها لاحقا دون أن يدرك الرئيس سببا لذلك.

    بالقرية نفسها، حدث، قبل عشرات السنين، أن ولج صبي باب المدرسة. وكان ذاك أوّل عهد له بها. لكن ما إن تجاوز البوابة حتّى قفز كلب الحارس مطارداً إياه. لم يعُد الصبيّ بعدها أبدا. وهكذا لبث أميا يجهل القراءة والكتابة. ولأن أبواب الوظيفة أوصدت في وجهه، طرق باب السياسة وتدرّج في سلالمها حتى صار رئيس جماعة بالقرية نفسها. ولم يكن غير الرئيس نفسه الذي نفّذ حكم الإعدام في حق كلّ الكلاب. فمن المحتمل أن يكون أحد تلك الكلاب من حفدة غريمه القديم. من يدري؟ ومن يدري عن هذه القصة أيضا؟ لا أحد في القرية يعلم هذا السرّ غير المجحوم الذي بال على اللافتة يومها. ولم يكُن طبعا الكلب –نفسه- الذي طرد الصبي من المدرسة. قد يكون إنسيا في هيئة كلب حسب نظرية التناسخ التي طالعها شخصٌ ما في مجلة (لن نذكر عنوانها هذه المرة حتى لا يصدر الرئيس أمرا بحرق جميع الكتب في القرية). وقد يكون الشخص الذي قرأ عن تلك النظرية هو نفسه من طالع العدد السابع من مجلة العندليب قبل أعوام. من يدري؟

    ميخائيل بولغاكوف.. قلب كلب

    كتب الروائي والمسرحي الروسي ميخائيل بولغاكوف رواياته «قلب كلب» سنة 1925 وظلت ممنوعة حتى سنة 1987. كانت تحمل نقدا لاذعا للمشروع السوفييتي في بناء مجتمع جديد وتحويل طبقة اجتماعية قائدة لهذا المجتمع من خلال شخصية الكلب الشريد التي تحمل بعدا رمزيا كبيرا، حيث سعى الأطباء إلى تحويله إلى إنسان بعد أن زرعوا فيه غدة نخامية بشرية فتحوّل إلى إنسان بقلب كلب. نصادف هنا الكلب وهو يصف تشرده قبل وقوعه بين أيدي الأطباء وسعيهم لتحويله إلى كائن بشري:

    «… في خاصرتي ألمٌ لا يطاق، وحدود مستقبلي واضحة لي تماما. إذ غدا ستبدأ القروح بالظهور، وإنّي لأتساءل: بماذا سأداويها؟ في الصيف أستطيع الذهاب إلى حيّ «صكولنكي»، فهناك يوجد نبات ممتاز أخضر ومن نوع خاص، كما أنّك ستُتخم مجانا مما يرميه المواطنون من بقايا السجق، وتشبع من لحس الأوراق الملوثة بالدهن. ولولا هذه الشريرة التي تغنّي «عايدة الغالية» من فوق دائرة في ضوء القمر بصوت تتقطع له نياط القلب.. لكان الأمر ممتازا. أمّا الآن فإلى أين تذهب؟ أما ركلوك على مؤخرتك بالحذاء؟ ركلوك. أما كانت أحجار القرميد تصيب أضلاعك؟ بلى، لقد نلت ما فيه الكفاية. لقد عانيتُ كلّ شيء. وإنني قانع بمصيري، ولئن كنتُ أبكي الآن فإنّما بسبب الألم والبرد، لأنّ روحي لم تهمد بعد… روح الكلاب صبورة.

    أمّا جسمي فمُحطّم، مكسّر، فلشدّ ما تمتع الناس بتعذيبي، والشيء الأهم هو كيف قذفني بالماء الغالي فاخترق جلدي. ويبدو أنّه لم يعد ثمة ما أحمي به جنبي الأيسر إطلاقا. فأنا معرّض الآن وبكلّ بساطة للإصابة بالتهاب الرئتين، وإذا أُصبتُ به فإنني، أيّها المواطنون، سأهلك من الجوع. إنّ الإصابة بالتهاب الرئتين تتطلب استلقاء في الممر الرئيسي تحت الدرج. ولكن من سيركض عندئذ عوضا عنّي، أنا الكلب العازب الطريح، يجري بين صناديق القمامة بحثا عن الطعام؟ وإذا ما أُصيبت رئتي سأزحف على بطني حتّى يبلغ الضعف حدّا يسمح لأيّ مختص أن يوجه لي ضربة بعصاه تودي بي إلى الموت. ثم يجرّني الكناسون من رجليّ بخطافين ويلقون بي في العربة…

    إنّ الكنّاسين هم أحطّ وأنذل أنواع البروليتاريين جميعا. إنّهم النفايات البشرية وأسفل الدرجات، والطباخون أنواع. هناك، مثلا المرحوم «فلاص» من شارع بريتيشيستنسكيا. ما أكثر الذين أنقذ حياتهم، ذلك أن الشيء الأهم وقت المرض هو الحصول على لقمة. وهكذا كان يحدث، كما تذكر الكلاب المُسنة، أن يرمي «فلاص» عظما يكون عليه نصف أوقية من اللحم. أسكنه الله فسيح جنانه، فقد كان شخصية أصيلة، وطباخا راقيا عند عائلة «تلصتوي»، وليس واحدا من مجلس التغذية العادية. إنّ ما يقومون به من أعمال هناك، في التغذية العادية، أمر لا يدركه عقل كلب! فهم أنفسهم، السفلة، يطبخون حساء الحُمّيض من لحم مملّح نتن، بينما لا يعرف أولئك المساكين شيئا عن ذلك. إنّهم يركضون، يحشون بطونهم، يلعقون.

    هناك عاملة على الآلة الكاتبة مرتبُها من الدرجة التاسعة خمسة وأربعون روبلا، إلّا أنّ عشيقها في الحقيقة سوف يهديها جوارب… ولكن كم عليها أن تتحمل من إهانات في سبيل ذلك… فهو لا يأخذها بإحدى الطرق العادية، بل بطريقة الحب الفرنسي. الحكي بيننا، يا لهؤلاء الفرنسيين من أوغاد! رغم أنّهم يأكلون طعاما فاخرا ويتناولون النبيذ الأحمر دائما. نعم… تأتي هذه العاملة المسكينة راكضة، إذ إنّك لا تستطيع الذهاب إلى «بار» ومُرتّبُك خمسة وأربعون روبلا. إنّها لا تستطيع الذهاب إلى السينما أيضا، مع أنّ السينما هي العزاء الوحيد للنساء في الحياة».

     رف الكتب

     البهلوان الأخير

     أيّ مسرح لعالم اليوم؟

    كتاب «البهلوان الأخير، أيّ مسرح لعالم اليوم؟» للكاتب والناقد المسرحي المغربي سعيد الناجي يضع مقدمة أساسية لهذا الكتاب من خلال عنوانه الذي أتى على شكل سؤال مفتوح يقول الكاتب: «يبدو سؤال «أي مسرح لعالم اليوم؟» في عنوان الكتاب حاملا لشيء من الادعاء، إذ من يستطيع أن يقدم وصفة لما ينبغي أن يكون عليه المسرح في عالم اليوم، ولكن الأمر لا يتعلق بتقديم وصفة جاهزة، ولكن بالتفكير في المسارات التي يتخذها المسرح في عالم سريع التطور، وبالتحولات التي تصيبه في مجتمعات الاستهلاك»، مضيفا أنّه «منذ نهاية القرن العشرين انشغل المسرحيون سواء في البلدان العربية أو في العالم بالتساؤل عن هوية المسرح في أفق الألفية الثالثة، واهتموا بالتفكير في ما يمكن أن يلحقه من تحولات في ظل ما يعرفه العالم من تطورات هائلة خاصة على صعيد أنظمة التواصل والتبادل، والتي تقضي على الكثير من الأشكال الثقافية والتواصلية التقليدية والمسرح أهمها، وأمام الثورة التكنولوجية وتعدد القنوات والفضائيات، وتطور تقنيات الفيديو والسينما وأفلام الأبعاد الثلاثة، وانفجار الأنترنيت ومواقعه، وأمام كلّ هذا يبدو المسرح مثل بهلوان أخير يصرّ على تقديم ألعابه التقليدية للجمهور رغم أنّ السيرك قد تغيّر رأسا على عقب، وبدأ يستعين بمهارات جديدة لا تترك للبهلوان أيّ مجال للاستمرار، ورجال المسرح يؤمنون بهذا البهلوان كما يؤمنون بالمسرح نفسه، لأن هذا الإيمان أضحى مبدأ لاستمرار المسرح، والتخلي عنه يعادل توقفه بشكل بارد وصامت وقد جاءت دراسات هذا الكتاب منذورة لهذا الانشغال بوضعية المسرح في عالم اليوم، وبتحولاته الحتمية التي ينبغي في تقديري أن ننتبه إليها في مسرحينا المغربي والعربي».

    تضمن الكتاب عدة قضايا أساسية، من بينها وضعية المسرح في ظل مجتمعات الاستهلاك الحديثة، المسرح بين المحلية والتواصل الثقافي بين الشعوب خاصة في حوض البحر المتوسط، أو ما عبر عنه الكاتب بعبارة مختصرة «لقد خلق المسرح عبر تاريخه حوضا ثقافيا، ولا بد لنا أن نضع مسرحنا في هذا الحوض، وإلا حكم علينا باليباب المسرحي المحقق». إضافة إلى عدة تساؤلات توزعت على فصول الكتاب، من بين أهمها تساؤل عن نهاية التنظير المسرحي، وأسئلة أخرى عن قلق الاحتراف في المسرح المغربي أو قلق الانتماء واللغة والتجريب في المسرح المغربي…

     مقتطفات

     عبقرية الكذب.. أو هل كذب كبار الفلاسفة؟

    يقدّم الكاتب فرانسوا لوندمان، في كتابه «عبقرية الكذب، أو هل كذب كبار الفلاسفة؟»، منظوره الجديد لموضوع الكذب بقوله: «كثيراً ما شكّلت إدانة الكذب من الناحية الأخلاقية عائقاً يحول دون تقدير طابعه المتشعّب المعقّد. وحسبنا أن ننحي الحكم الأخلاقي على الشخص الكذوب جانباً حتى نجد أن معاينة المواقف الكاذبة، بما تنطوي عليه من غنىً ونشاط، أمرٌ شيّقٌ ومثمرٌ. فمثال داروين، الذي كان يختبر مشاعر الفرح والألم التي كانت ترتسم على وجه طفله الصغير كي يقوم بتسجيلها في دراسةٍ حول العاطفة لدى الحيوانات، يجعلنا نكتشف المدى الرحيب لعلامات الكذب ولغاته الخاصّة.

    تقدّم لنا الحياة اليوميّة مشاهدَ متعدّدة من صنوف الكذب، الخاصة والعامّة، فحقل الخيانات الزوجية يشكل منذ أمدٍ بعيدٍ حقلَ تجاربٍ ترى فيه الطرف الخائن يخترع السيناريوهات الكاذبة، ويحرّف الكلمات ويلغمها، ويلفّق الحيل الذكية أو الساذجة. والحال كذلك في المشهد السياسي عندما يقوم أحد السياسيين المسؤولين بحلف أغلظ الأيمان على كونه بريئاً. بالطبع، نحن نكظم مشاعرنا غيرةً أو ازدراءً، بقدر ما يصدمنا انتهاك حرمة الحقيقة، ولكنّ التمعّن قليلاً في طبيعة البشر، وألوان خطاباتهم يجعلنا ندرك الغنى المدهش للكذب وأَمَاراته التي لا تنتهي. وحسبنا أن نستطيع، دون تجشُّم روح الصرامة العلمية على الدوام، أو برودة أعصاب الناقد المتهكّم، معاينة قدرة الكذب الإبداعية. إنّ ملكة الحديث بغير الحق ملكة ذات غواية وشجون، فما أن يُفتضح أمر أحد الكاذبين حتّى يفقد رصيد مصداقيته ردحا طويلا من الزمن، وتُصبح أحاديثه جميعها متّهمة بالكذب والبهتان، حتّى عندما ينطق بالحق… إنّ ميل الفطرة البشرية إلى الكذب يلقي بظلال الشك على جميع أحاديث المحدّثين. فكيف نقتفي آثار الأقاويل الزائفة وهي تختبئ وراء الأصوات الصريحة والنظرات الصادقة، وأيّ علم سوف يمكننا من إرباك ذلك الكذّاب المتمرس الخبير؟».

    يصنّف الكاتب فرانسوا لوندمان بتفصيل، أيضا، أكثر أنواع الكذب وأشهرها: «هنا نصل إلى أشهر الأكاذيب وأهمّها: إنّها الأكذوبة التي يكذبها كلّ منّا على نفسه، بحيث يتحوّل الكذب هنا إلى مسألة عظيمة تتجاوز نطاق الأحكام الأخلاقية والقانونية. إنّ مواجهة قوّة الكذب تقتضي تحليل كفاءته، وقياسها بتلك التي للحقيقة، من حيث التكلّم بهما، وتصنيع كل منهما، واستقلالهما الذاتي. وهنا فإنّ الجهاز كاشف الأكاذيب لا يمكنه أن يتنطّع في إنجاز هذه المهمة. فالحاجة تدعو هنا إلى نوع من المراقبة يرقى إلى رتبة فنّ وعلم في آنٍ معا».

    يضع الكاتب نماذج لمفكرين وفلاسفة تتناقض حياتهم مع أفكارهم بالمرة بما يشبه هذا الصنف من الكذب: «هكذا يجب علينا أن نعكس صيغة العبارة التي تقول (هذا المفكّر يعلن هذا المبدأ، بينما يتصرف على نحو يخالفه تماما)، لنفضّل عبارة (هذا المفكّر يعلن هذا المبدأ لأنّه يعيش بصورة مناقضة لما يُنظّر له). وهكذا فإنّ جان جاك روسّو، الذي ألّف بحثا عظيما في التربية قدّم نفسه فيه على أنّه الأب الحنون، لم يؤلفه (على الرغم من) تخلّيه عن أطفاله الخمسة، بل (بسبب) هذا التخلّي. فما ندعوه تناقضا يقوم على مزيد من العمليات النفسية التي يتوصّل من خلالها المكّر إلى تقسيم نفسه تقسيما يُفضي به إلى أن يتكلّم عن حقيقة مناقضة لما يعيشه. فهذا الكذب-الصادق وفق عبارة أراغون، يحشد جملة من المفاهيم التي يخلق لنفسه فيها وجودا نظرا. فالفيلسوف ميشال فوكو في الوقت نفسه، الذي كان فيه يعلّم طلّابه الشجاعة في قول الحقيقة، كان يُخفي أمر إصابته بمرض السيدا الذي قضى عليه بعد أشهر قليلة من ذلك. لقد كان يسلّم آخر خطاباته المناقضة لحياته السرّية المرتبة بكلّ دقة. ولكن الوقوف على ذلك لا يكفي، كما أنّ شجبه واستنكاره لا يعلّمنا شيئا. في المقابل، إنّ فحص الموضوع وتحليله يمكننا من بلوغ المواربة المثمرة التي من خلالها ينتج الإنكار أفعالا تصورية… فنحن نظن أنّ النظريات صافية مثل البلور، ونعتقد على الفور بشفافية قائمة بين شخصية المفكّر، وشخصية الكاتب الذي يعبّر عن الحقائق إذ لا فرق بينهما. لكنّ لا أحد يستطيع التسليم ببداهة أنّ هاتين القضيتين تشكلان قضية واحدة». إنّ كتاب «عبقرية الكذب» يدعو إلى فهم الذات كما هي، لا كما ينبغي لها أن تكون. فالكاتب لا يستنكر أو يدين التناقض بل يعتبره جزءا من العبقرية الإنسانية. والكذب لدى الكتاب والمفكرين بالنسبة له ليس خيانة للذات بل تعبير عن تعقيداتها وثرائها في الآن نفسه.

    فرانسوا نودلمان François Noudelmann  فيلسوف وأستاذ جامعي فرنسي. له مؤلفات في الفكر السياسي، الجماليات والهوية. يهتم خصوصًا بالحدود بين الفلسفة والأدب والسير الذاتية. عُرف بموقفه النقدي المتحرر من الأخلاقيات الجامدة.

     متوجون

     جائزة خالد خليفة للرواية في دورتها الأولى

     

    تأسست جائزة خليفة للرواية من قبل أصدقاء الروائي السوري الراحل خالد خليفة (1964- 2023) لتخليد ذكرى رحيله في ثلاثين شتنبر من كل سنة. تعتبر هذه الجائزة ذات شخصية مستقلة ومحايدة، ولا تخضع في معايير منحها إلا للجوانب الإبداعية دون أي شكل من أشكال التمييز. تهدف هذه الجائزة إلى الاحتفاء بالرواية من جهة وإلى تخليد اسم خليفة من جهة أخرى باعتباره من أبرز الروائيين العرب الذين ألهموا وكرسوا قيما حضارية في مواجهة الظلم وتعرية كافة أشكاله، وهي موجهة بالأساس إلى الروائيين الذين يصدرون عملهم الروائي الأوّل من أجل تكريمهم ودعمهم لتجسيدهم روح الابتكار وحرية التعبير، وخلاصة القيم الأخلاقية والمعرفية والإبداعية التي دافع عنها خالد خليفة طوال مسيرته الروائية.

    توجّه جائزة خالد خليفة، في دورتها الأولى، لصالح كاتبة/ كاتب سوري يصدر عمله الروائي الأوّل، على أن تكون في دوراتها التالية موجّهة إلى الكاتبات والكتاب من جميع أنحاء العالم العربي.

    القائمة القصيرة للجائزة، باعتبار دورتها الأولى، موجّهة إلى الإصدارات الروائية الأولى السورية، تضمنت رواية «خلف أمواج السراب» للروائي عبد الرحمن علي، التي تحكي عن شاب من المدينة دفعته الظروف للعمل معلما في الريف، وعبر تصاعد درامي للأحداث يجد الشاب نفسه متهما بجريمة قتل. ورواية «أذن الشيطان»، للروائي عباس الحكيم، تعتمد على وصف متلاحق لمرحلة شاب مهووس بالأمل في زمن سوري مسكون بالقمع والاستبداد. ورواية «أنثى فرس النبي»، للروائية مناهل السهوي، التي تحكي قصة كارمن، شابة تنضج وسط الفقد والصراعات الداخلية في بلد تتغير ملامحه بقدر ما تتغيّر هي. منذ طفولتها، تشهد تفكك أسرتها بطريقة مأساوية. ورواية «الممحاة السماوية»، للروائية لمي عطاف، حيث في عود على بدء في الزمان، ثمّة ممحاة سماوية تسجّل الأحداث برفعها عن الأرض فتُمحى، تلك حكاية يوسف وبشر والداية تفاحة في قرية عبكر. وأخيرا رواية «دمشق الغاربة»، للروائي آلان علي، رواية رصد للبنية الاجتماعية والثقافية لمدينة دمشق من خلال البحث عن ماضي رئيسة تحرير إحدى الصحف مع سؤال الهوية والمكان في المدينة وشوارعها وسكانها.

    أعلنت لجنة تحكيم الدورة الأولى لجائزة خالد خليفة للرواية، في الختام، فوز رواية «أنثى فرس النبي» للكاتبة الروائية السورية مناهل السهوي بالجائزة المخصصة للعمل الروائي الأوّل. وترأست لجنة التحكيم الكاتبة الروائية والأكاديمية المصرية ميرال الطحاوي، وضمت في عضويتها الشاعر والروائي اليمني المقيم في باريس علي المقري والروائي السوري يعرب العيسى.

    اعتبرت لجنة التحكيم، في بيانها، أنّ الرواية «محاولة لتعرية الذات والعالم المحيط، وذلك من خلال مساءلة الجسد وتحفيزه لكي يمضي إلى منتهى تحقق وجوده»، مضيفة أنّ الرواية «جاءت متخففة من ثقل القضايا الكبرى، ناجية من إغواء البطولات الزائفة، وفي الوقت نفسه أمينة لجيل شاب له همومه وأفكاره ولا أحد ينطق بصوته، رغم أنّ الرواية نجحت في استحضار أماكنهم وتعابيرهم، لكنها حافظت على عاديتهم ولم تبالغ في بطولاتهم، بل تركت الأشياء والأماكن والأشخاص يعبرون بعادية طائر يعبر فوق تل».

    جدير بالذكر أنّ الكاتبة والروائية مناهل السهوي من مواليد السويداء سنة 1991، تقيم في بيروت، حيث تعمل صحافية منذ سنة 2016. صدرت لها مجموعتان شعريتان ومسرحية واحدة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ليلة شعرية تكريما لرواد المعهد الحر بتطوان بمركب عبد الخالق الطريس

    الإعلان تحت صورة الخبر بعد الضغط على الموضوع ادسنس- (Balearia) نسخة الحاسوب والهاتف معا

    بريس تطوان

    تنظم دار الشعر بتطوان، بتعاون مع جمعية قدماء المعهد الحر، ليلة جديدة من ليالي الشعر، وذلك اليوم الأربعاء 24 شتنبر الجاري، بفضاء المركب الثقافي عبد الخالق الطريس بمدينة تطوان.

    وحسب بيان دار الشعر، ستشهد الأمسية تكريم أستاذ الأجيال والمربي الراحل حسن الشقور، المدير السابق للمعهد الحر بتطوان، إلى جانب تكريم الشاعر سعيد بنعياد، أحد خريجي المعهد في بداية الثمانينيات، كما يشارك في الأمسية الشعراء محمد عابد، نعيمة الحداد، ومحمد بلمو، إضافة إلى عرض فني يقدمه ثنائي المعهد الحر الأستاذ جواد الدفوف والأستاذ رشيد أنقار.

    ويعود تأسيس المعهد الحر بتطوان إلى عام 1935 بمبادرة من رجالات الحركة الوطنية وكتلة العمل الوطني في الشمال، حيث مثل التعليم ونشر الثقافة مدخلاً أساسياً للتحرر من الاستعمار.

    وتأسست المدرسة الأهلية سنة 1925، بمبادرة الحاج عبد السلام بنونة، والأستاذ محمد داود، وعبد الخالق الطريس، مؤسس جمعية الطالب المغربية، الذي اقترح تسمية المعهد بـ”المعهد الحر” على غرار المعهد الحر في مدريد.

    وقد كان التعليم بالمجان، وأدى المعهد دورا محوريا في تكوين أبرز رجالات الحركة الوطنية في شمال المغرب، كما أتاح لخريجيه فرصة متابعة دراستهم في جامعات كبرى، حيث توجهت أول بعثة إلى القاهرة سنة 1938، وأخرى إلى مدريد سنة 1939، ما مثل اعترافا دوليا بالمستوى الأكاديمي للمعهد.

    وتأسست جمعية قدماء المعهد الحر بتطوان سنة 1960، بمبادرة من خريجي المعهد، للحفاظ على هذه المؤسسة التربوية والثقافية، ومواكبة السير الدراسي للتلاميذ، إلى جانب تنظيم تظاهرات ثقافية وفنية موازية تعزز من إرث المعهد.

    إقرأ الخبر من مصدره