
ادريس الجاي
إلى الأستاذ عبد العزيز كوكاس،
لقد قرأت مقالك الشيق “مأساة القراءة بالمغرب” بتاريخ 14 ماي 2026، الذي يطرح سؤالاً جريئاً لمعضلة كبيرة ليست وليدة اليوم. وفي السبعينات من القرن الماضي، قال مسؤول كبير في المغرب: “شعب جاهل سهل أن تحكمه، عكس شعب متعلم؛ فالجاهل يثور للخبز، وإذا حصل عليه سكن، أما المتعلم فهو لا يطالب بالخبز، بل بالمشاركة في القرارات.”
لا ننكر أن ظاهرة العزوف عن القراءة أصبحت ظاهرة عالمية، وتتفاوت حدتها من بلد إلى آخر. وقد ساهمت الحمى الرقمية والإلكترونيات الاستهلاكية في تأجيج هذه الظاهرة وإضعاف الإقبال على الكتاب الورقي، بل على القراءة عموماً، وحلت الصورة محلها. وقد ساهمت هذه الطفرة الإلكترونية التي غزت العالم في فترة وجيزة مساهمة كبيرة في خلق ذلك الشرخ الكبير بين الكتاب والقارئ، مع أن الإنسان يقضي أمام شاشة هاتفه أو حواسبه أضعاف أضعاف الوقت الذي يمكنه فيه قراءة عشرات الصفحات من الكتاب الواحد.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
لقد أصبح الإدمان الإلكتروني متغلغلاً بشكل عميق في اللاوعي. وحتى القارئ للكتاب، ما يفتأ أثناء قراءته للكتاب أن يضيء في ذهنه لا شعورياً مصباح أحمر يذكره فوراً بالرغبة في الاطلالة على هاتفه، بهاجس رسائل جديدة أو اتصالات قد تكون وقد لا تكون، أو بدعوى استراحة، أو يشعر بالملل والضجر من الكتاب. وهنا يتوقف الذهن عن الرغبة في القراءة، فيغرق من جديد في العالم الإلكتروني ويبدأ بالانتقال من صورة إلى أخرى، ظاناً من نفسه أنه يزداد معرفة، غير أنه في النهاية، ولكثرة المعروضات المتناقضة، لا يخرج بأي نتيجة ولا يلتوي على استفادة محددة. فالمعلومة نفسها، أكانت سياسية أم علمية، تفقد عبر هذا الغزو الإلكتروني الاستهلاكي قيمتها، وتصبح هي الأخرى مادة استهلاكية.
إن الميول إلى الجاهز أصبح هو المسيطر القوي على أسلوب التفكير، فالعقل يميل في الغالب مثل الجسد إلى الكسل. والأغلبية الساحقة من القراء، حتى عالمياً، ترغب في مشاهدة الرواية كفيلم بدل قراءتها، وفي أحسن الأحوال سماعها.
أتذكر في مرحلة التسعينات من القرن الماضي، وأنت تستقل قطار الأنفاق في البلاد الأوروبية، كان من النادر والنادر جداً أن ترى أحد الركاب المسافرين القاصدين أعمالهم لا يمسك في يده كتاباً أو جريدة على الأقل، ولو في الصباح الباكر.
بل كان من التقاليد الأسرية في هذه البلدان أن الأبناء الصغار لا يخلدون إلى النوم قبل أن يقرأ لهم أولياؤهم قصة أو حكاية أو جزءاً من رواية للأطفال، أو يقرؤوا هم أنفسهم كتباً تناسب فئتهم العمرية، بمجرد أن يتعلموا القراءة. حتى إنه لا يخلو رف من رفوف بيوت نوم الأطفال من كتب أدب الأطفال، أو على الأقل مجموعة الأخوين غريم للخرافات القديمة.
في التسعينات من القرن الماضي، قالت رئيسة وكالة دور النشر ومعارض الكتب في بلد من هذه البلدان: “إن القراءة، أو بالاحرى اقتناء الكتب، قد تراجعت بنسبة 30%.” أما الآن، فلا أعلم إلى أي حد تدنت هذه النسبة. فقد حل التلفون محل الكتاب، وأصبح من النادر أن ترى إنساناً يقرأ كتاباً في قطار الأنفاق، بل أصبح حالة شاذة وغريبة، خاصة إذا كان قارئ الكتاب أو قارئته من جيل الشباب.
أما داخل الأسر، فاستمرت قراءة الأولياء الكتب لأطفالهم قبل النوم إلى سن الانتهاء من مرحلة روض الأطفال، وربما بعد ذلك في المراحل المتقدمة من الالتحاق بالمدرسة الابتدائية. لكن بمجرد حصول الأطفال على تلفون، بدعوى: “حتى يكون الآباء على علم بتحركاتهم”، يكون الوداع الأخير لقراءة الكتب، إلا في حالات نادرة جداً واستثنائية.
لقد استفحل هذا الإدمان على التلفون، وأصبح من فرائض ركوب قطار الأنفاق أو الحافلات وكل أنواع المواصلات، حتى إن 90% أول شيء يقومون به، سواء كانوا قاعدين أو قائمين في هذه المواصلات، فتح الهاتف.
بدافع من الفضول، أسترق أحياناً بشكل خاطف النظر إلى هاتف أحد الركاب أو إحدى الراكبات (ولا أقصد هنا الأجانب المقيمين في هذا البلد)، بل أبناء البلد الأصليين. ففي الغالب تكون شاشة التلفون مفتوحة على مسلسل، أو على مباراة كرة القدم، أو على لعبة الورق، أو لعبة من اللعب. وإذا كان التلفون أو اللوحة الإلكترونية مفتوحة على كتاب أو جريدة إلكترونية، وهذا يحصل نادراً، فهو في الغالب من الكهول والمسنين.
فالصورة كما قدمتها الآن هي صورة قاتمة وواقعية في آن واحد. لكن هناك مقولة لألبير كامو تقول: “في عمق الشتاء، اكتشفت أن في داخلي صيفاً لا يُقهر.”
لقد شعرت دولة أوروبية بهذا التراجع في الإقبال على الكتب والقراءة بصفة عامة في هذا البلد، فنسقت مع الجمعيات المدنية حملات للتشجيع على القراءة. وهي مبادرة أرى أنها، إذا ما تم تبنيها من المجتمع المدني المغربي، سيكون لها نتائج مستقبلية، لا أقول باهرة، ولكن يمكنها أن تساهم في إنعاش حب القراءة عند الأطفال، والتركيز على هذه الفئة، فأطفال اليوم هم رجال غداً.
فيجب أن تواجه هذه الظاهرة بعمل يقوم على “تشاؤم العقل، وتفاؤل الإرادة”، كما قال أنطونيو غرامشي.
أما شريحة التكنوقراطيين من محامين وأطباء وأساتذة التي تحدثت عنها، فإنها تؤمن أكثر بنصف مقولة عباس محمود العقاد بل تلوِي عنقها: “يقول لك المرشدون: انتفعْ بما تقرأ.” لكن ليكون هذا النفع مادياً.
تحياتي الودية.
إقرأ الخبر من مصدره