زينب شكري
يعد الممثل المغربي هشام الوالي من الأسماء التي اختارت السير بهدوء داخل المشهد الفني، بعيدا عن الضجيج والاستعراض، مكتفيا بأعمال تراكمت على مدى سنوات، وبحضور يراهن على العمق لا الكثرة.
هو ممثل، وأستاذ مسرحي، ومشتغل خلف الكاميرا منذ أكثر من عقدين، راكم تجربة جعلته اليوم يقف عند مفترق طرق جديد، وهو الإخراج السينمائي.
في هذا الحوار مع “العمق”، يتحدث هشام الوالي بصراحة عن موقفه من السباق الرمضاني، وعن تحولات المهنة، وضعف أجور الممثلين، وسطوة “السوشيال ميديا”.
كما يفتح النقاش حول صورة المغرب فنيا، وصراع الأجيال في السينما، وحدود الجرأة في التلفزيون، وعلاقته بالجمهور والنقد، وصولا إلى رؤيته للمجتمع ودور الأسرة في زمن التفاهة.
بداية، هل سنراك ضمن الأعمال الدرامية في الموسم الرمضاني المقبل؟
بصراحة، أنا لا أؤمن بفكرة حصر الإنتاجات الدرامية في شهر رمضان فقط، لطالما كنت ضد هذه الموسمية، لأن العمل الفني يجب أن يعيش طيلة السنة، لا أن يُزاحم داخل شهر واحد. للأسف، عدد من الأعمال تتعرض للظلم خلال رمضان، بسبب انشغال الناس بالتراويح، وبالطقوس اليومية المرتبطة بالمطبخ والعائلة.
حتى أنا، كثير من أعمالي لم أتمكن من متابعتها رفقة أسرتي عبر التلفزيون، واضطررنا لمشاهدتها لاحقا عبر المنصات الرقمية، لأن توقيت العرض لا يكون مناسبا دائما.
لدي حاليا مسلسل “حبيب حتى الموت”، أؤدي فيه دور شرطي، من إخراج هشام الجباري، إضافة إلى الفيلم التلفزيوني “غلطة عمري”، حيث أجسد شخصية محام. هذا الدور قريب جدا من قلبي، آمنت بفكرته، ومن المرتقب عرضه على القناة الأولى، وهي أعمال قد تُبرمج في رمضان أو خارجه، وبصراحة، لم أعد أُقحم نفسي في هاجس توقيت العرض، المهم هو قيمة العمل.
ماذا عن حضورك السينمائي؟
أنا في مرحلة التحضير لأول فيلم روائي طويل لي على مستوى الإخراج، أتمنى أن أوفق فيه، وأن يكون عملا يشبهني فعلا.
لم أدخل عالم الإخراج لمجرد “الدخول”، بل بعد ما يقارب 29 سنة من الاشتغال في التمثيل، شعرت أن الوقت حان لأترجم ما راكمته، وما أشعر به فنيا. وإذا لم أنجح، يكفيني شرف التجربة.
اشتغلت منذ سنة 2002 كمساعد مخرج، وبقيت لسنوات خلف الكاميرا لأطور أدواتي وأفهم المهنة من الداخل، وكما احترمت نفسي كممثل، واشتغلت دون ضجيج، سأحاول أن أسير بنفس النهج في هذه المرحلة الجديدة، وأحول خبرتي إلى لغة بصرية صادقة.
حضورك التلفزيوني ليس كثيفا هل هو اختيار أم نتيجة تغير قواعد اللعبة؟
اللعبة تغيرت فعلا، سابقا كنت أشارك في ثلاثة مسلسلات وفيلمين تلفزيونيين في السنة، وأحيانا في السينما أيضا، أما اليوم فقد أصبح الحضور في وسائل التواصل الاجتماعي شرطا غير معلن.
من لديه نشاط قوي على المنصات الرقمية، ويصنع الجدل، يصبح أكثر طلبا وأنا بعيد عن هذا العالم، وأسرتي كذلك، لا نبحث عن إثارة الجدل.
نحن جيل وسط، تم تجاوزه نوعا ما، لكن الحمد لله ما زلت أشتغل: أنشط المهرجانات، أدرس المسرح، أكتب، وأُخرج، تصلني عروض، نعم، لكن أحيانا لا نتفق على الأجر، أو لا أجد نفسي في الدور.
أنا اليوم في سن 51 سنة، لم أعد ذلك الشاب الذي يؤدي أدوار المراهقين، أنا في مرحلة انتقالية، يمكنني أداء أدوار الأب، لكن هذه المرحلة صعبة فنيا، تُعرض علي أدوار صغيرة لا تناسب سني، وتتطلب مني تصغير نفسي شكليا، وهذا أرفضه، إذا كان الدور قريبا مني أقبله، وإن لم يكن، أعتذر بكل هدوء، ليست لدي لهفة أو رغبة في الظهور من أجل الظهور فقط.
هل الممثل المغربي يتقاضى الأجر الذي يستحقه؟
لا بكل صراحة، اشتغلت منذ التسعينيات، أول عمل لي كان سنة 1998 في “من دار لدار”، ثم “المصابون” في 2000، الإنتاج تضاعف اليوم عشرات المرات، لكن الأجور لم تتغير كثيرا.
الممثل هو الحلقة الأضعف، قد يكون تقني في العمل أجره أعلى من الممثل نفسه، وعندما تشتكي، لا يتغير شيء، بل قد تفتح على نفسك باب المشاكل مع المنتجين.
أتمنى ثورة حقيقية في المجال الفني، كما حدث في كرة القدم، نحتاج إلى رؤية واضحة، وإلى من يفهم أن الصورة قوة ناعمة، إذ لا يمكن التسويق لبلدنا إذا كانت صورتنا الفنية ضعيفة، ومع الأسف الفيلم المغربي يُصور في المغرب ويبقى في المغرب، لا نصل إلى الخارج، نوحتاج إلى قنوات فضائية قوية، مدعومة ماليا، لتغزو العالم، ومصر وتركيا مثالان واضحان: بلدان لم يزرهما كثيرون، لكن الناس تعرفهما من خلال أعمالهما الفنية.
هناك من ينتقد تعدد مهام الفنان ويدعو إلى التخصص، ما رأيك؟
أعتبر هذا الفكر عدميا، الاستعمار الفرنسي رسخ لدينا فكرة الاختصاص الصارم، بينما في دول مثل أمريكا، يمكن للفرد أن يجمع بين أكثر من مهنة.
من يمتلك أكثر من موهبة، من حقه أن يمارسها، والحكم يبقى للجمهور، لا يمكن أن ترضي الجميع، فلماذا أعيش أسير نظرة الآخرين؟
ألا يهمك رأي الجمهور ؟
بصراحة لا، أنا من أكثر الممثلين الذين تعرضوا للنقد، وقيل عني إنني “أخ رشيد الوالي” وأنه هو من فتح لي الأبواب.
في بداياتي قرأت كتابا علمني أن أضع الانتقادات تحت قدمي لأرتفع بها، هناك فرق بين النقد البناء، والانتقاد الهدام وهذا الأخير لا ألتفت إليه.
كنت واعيا منذ البداية أنني دخلت ميدانا مليئا بالانتقاد، عندما تفهم مجتمعك، تعرف كيف يُنظر إلى الناجح تعرف كيف ستتعامل
حتى المنتخب المغربي، رغم إنجازه، قيل إنه مجرد صدفة، وتم التقليل من عمل وليد الركراكي، النجاح عندنا دائما لا يعترف به.
هل نفتقد اليوم للوفاء، خصوصا من طرف الجمهور؟
طبعا دوام الحال من المحال. كثير من المشاهير انتهوا وحيدين، حب الجمهور مثل بالون، قد ينفجر عند أول خطأ.
اليوم يصفق لك وغدا يسبك، لذلك لا أثق في الجمهور، أقدم عملا محترما، يُقابل باحترام، وأكمل حياتي، لأنه حتى لو قمت بعمل خيري قد يفسره البعض بأنه تباه، أنا أقوم بما يرضيني، تربيت في أسرة محافظة: أب عسكري وأم ربة بيت، في بيئة يسودها الاحترام، وهذا ما أترجمه في حياتي.
غيابك عن “السوشيال ميديا” هل هو قرار واع؟
نعم، لا أُظهر أسرتي حتى لا يتعرضوا للتنمر أو التطاول، هذا خط أحمر عندي.
كيف تنظر إلى الجيل الجديد من السينمائيين، والاتهام بابتعادهم عن ثقافتنا؟
حتى لا نكون سوداويين، يجب الاعتراف أن المهرجانات العالمية لها شروطها، وهناك صراع أجيال طبيعي، وجيل جديد جاء بأدوات مختلفة، وبسينما أكثر تقنية.
بعض المخرجين لم يتمكنوا من مواكبة هذه التحولات، وهناك مهرجانات تطلب أفلاما بنظرة سوداوية للمجتمع، أو تركز على المرأة كجسد، فيجد بعض السينمائيين أنفسهم مضطرين لمجاراة هذا التوجه.
في فيلمي القادم، أتناول موضوع الزواج، والفردانية، واختلاط المفاهيم، والعزوف عن الارتباط، موضوع إنساني بامتياز.
السينما اختيار، لا تُفرض على أحد، المشاهد يعرف مسبقا طبيعة الفيلم، خوفي فقط أن تنتقل بعض هذه الجرأة إلى التلفزيون، الذي لا يزال يخضع للرقابة، عكس السينما.
إذن أنت ضد الجرأة في التلفزيون؟
لا، لست ضدها، وصلت إلى سن أقول فيه: من أراد أن يفعل شيئا فليفعله، لست رقيبا على أحد، دوري اليوم هو تربية أبنائي والتفاهة أصبحت ظاهرة عالمية، والمهم هو كيف نُعد أبناءنا للتعامل معها.
عندما غاب دور الأسرة، وصلنا إلى ما نراه اليوم، إذا قام كل واحد بدوره داخل أسرته، يمكن للمجتمع أن يتعافى.
إقرأ الخبر من مصدره