فؤاد بنبشينة
هي السينما عندما تُؤشِر على حلات واقعيَّة الفنّ الحقيقي للشعب من خلال لغته الأمّ، يكون المتلقي أمام صدقية اللغة السينمائية (السردية الفيليمة والمونتاج والسيناريو)، فالفيلم الوثائقي السينمائي: «الما.. حي الراكَد من التْعاويد» للمخرج عبد الله صرداوي، يستضيح بداية حياة الشخصية الواقعية وعلاقتها بالمدينة والمرأة وطقوس الكتابة الإبداعية الزجلية وأحلام قلب يروم إرضاء الله مرتكزا على لغة نقيّة صافية لها عِطر الإنسانية بالرغم من المعاناة وآلام أشكال جحود الآخر. إن الفيلم أيقظ «الرّاكَدْ في قلوبنا» لنلتَفِت إلى من هم أعمدة التوازن على هذه الأرض المغربية، إنهم المبدعون والمثقفون والكتاب والفنّانون في مختلف حقول الفن، في المقام الأوّل؛ إنّهم «النحن».
الما… حي، حيّ هذا الماء وكأنّه خيال المنبع والمصبّ، فما إن عُرِض، العرض الأوّل للفيلم ب: «المهرجان الوطني للفيلم» بمدينة طنجة في دورته الخامسة والعشرين في شهر أكتوبر، 2025، كان اللقاء بمسرح عفيفي بمدينة الجديدة في يومه الأربعاء 24 دجنبر 2025، وذلك بجهود جمعية ربيع الإبداع وجمعية إفنت جديدة، إنه حضور الغائب/ الحاضر بمدينته بين أهله وأحبتّه وأصدقاءه، وكأنّ الماء الحيّ اللا-راكِد يعود إلى مصبِّه نقيّا غير آسِنٍ. وعليه لقد أدركت الذات الشاعرة الزجال «عبد الكريم الماحي» العلاقة بين المقولة الأكسيولوجية «الماء» في علاقة بلقبه الشخصي، وكأن القصيدة مُقوِّمٌ رئيس يُعضد جوهر الماء-الحياة لتنفتح الذات على الكتابة الزجلية مُستحضِرة لغة مغربية عقلانية وفق ثنائية: الواقع وجنونه من خلال سؤال: شكون أنا؟ شكون جْرح الدّم، ودموع من الماء، أيضا الذات الزجلية ارتكزت على الجنون، وهو جنون ثقافة ومعرفة و «حشمَة أخلاقية» استندت على اللغة العاريَّة من كل تَطريَّة وزخرفة، يقول: «لَحماقْ تْسطى والسْبيطارْ إدارَة/ بْغيتْ شْهادَة الحَياةْ/ دَاوْني لدار المُوتْ/ لْقيتْ شَلَّى خُوتْ/ ها لَمْكنزَزْ.. ها لَمْعَنزَزْ.. ها المَدْفُونْ مَثْلي ؤُ مَثْلَك بَزَّزْ».
إن الفيلم الوثائقي السينمائي الذي نَحته المخرج عبد الله صرداوي كوثيقة تاريخية تَتبَيَّنُ لنا شَكلَ حياة ذات تتفاعل وحياة المدينة الجديدة، أيضا هي أرشيف بصري رامَ منح الحق للكلام وإعادة هذا الكلام من خلال صدقية الشاشة السينمائية.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

فمن منظور أندريه تاركوفسكي، «إن الفيلم السينمائي يقتضي صِدق الحالة الذهنية ولا يمكن حجبها».
إذن، فاللقطة البدئية الفيلمية تستضيح عن مشهد البحر، شاطئ المدينة الجديدة، وهي حالة «الجَزْر» كعتبة بصرية للحالة الصدقية البصرية، فهل هي تعرية ووضوح أم هي حالة انخفاز في منسوب الحياة أم عودة إلى أعماق الحياة؟ ومعلوم أن «الجَزْر» يُتيح للشخص أن يطمئن لقربه من البحر والاستمتاع بصريا بما لا يمكن رؤيته في حالات «المدّ الإنساني» كحالة لللا-تعرية وارتفاع منسوب الأحاسيس والعاطفة وحالات الفِعل والعمل، إن حالة «الجزر الإنساني للشخصية المُبدِعة» يمكن تمثيله بحالة صدق ما يتمثله الفيلم الوثائقي وصدقية الإبداعية العميقة للذات الماحي عبد الكريم، وأبعداها الإنسانية وهي تتمثل واقع الأزمنة والأمكنة قريبا من المقولة «القضية»: يقول:
«للزجل قاموس حْنينْ، أي شخص مهما كان مثقفا فداخله يرقُد جدّه عندو عُكازْ، وهذا هو الإنسان البَلْدي (…) إن الإبداع الذي يحمل قضية، فصاحبه غِيرْ “خْطِيَّة” (بمعنى خسارة) لتاريخ البشرية». (الفيلم، دقيقة 34).
الفيلم الوثائقي السينمائي، «الما..حي: الراكَد من التعاويد»، أجزِم أنه ليس تهريجا وتسلية وعمليات بصرية تُفضي إلى الإغواء والإغراء للارتماء بدون وعي داخل مناطق الاستهلاك، أو ما قال الماحي عبد الكريم: «إن الإبداع قضية كونية تشترط الابتعاد عن بروتوكلات مزيّفة، الإبداع يَقطعُ مع الأقنعة وأشكال التسوّل» (الفيلم، الدقيقة 28). وعليه، فالإبداعية الفيلمية هي «حالة إبلاغ» والمخرج والمتلقي معا يرومان تحقيق عملية التواصل الصادِق لحالات شكل حياة عفوية وبدون مساحيق بصرية ومؤثرات خارجية، بمعنى حرية الكاميرا.
إن سردية الفيلم «الما.. حي: الراكَد من تعاويد» أفضَت إلى تمثيل بعض من زمنية الشخصية الحقّة للشاعر في علاقته بمدينته الجديدة، وقد وسمت شخصيته بالإنسان «المُبدِع المُبلِّغ»، حيث يستضيح لنا تلَّفُظه عن هذا «الوسَم الإبلاغي» ب «الفيض المعرفي»: يقول: «الإبداع الحقّ كأس ممتلئة بالألم، ألم الذات أو ألم الآخرين وهمومهم وقلقهم، وتحمله اللغة الأمّ، وهي لغة الأصل» (الفيلم، دقيقة. 32).
وفي علاقة الذات الشاعرة بالمدينة والفضاءات المُدمجة داخل فضاء مدينة الجديدة استضاح لنا الفيلم عن مشاهد كشفت عن بعض تفاصيل المدينة حين يخلد الآخرون إلى النوم، إنه ليل أزمة وشفافية البوح، يقول: «العزاء –عزائي الوحيد هو القصيدة الزجلية، الزجل شكل كتابة حياة كونية: مَنْ هْنا لْديكْ الرَّوْضَة/ وِلى تْزاحْمَتْ لَقْبورْ/ زَيْدُّوني خَدامْ/ ها قَلبي شْبَرْ/ ؤُ هادْ الصْبَرْ عْوامْ/ لَّبْسيني يا بْلادي سَلْهامْ يَمْكنْ انْدَّفيكْ/ كُونْ ما خَوْفوني اوْلادْ لَحْرامْ/ كونء اسْقيتَكْ بِدَمّي/ ؤُ دمّي هَارَبْ مَنّي/ يْكُبْ في جابْيَة لِيامْ.. واااا المَنْسِيَّة (…) باقي باقي في التاريخْ سْطَرْ قْديمْ» (الفيلم، دقيقة 44).
مسارات التجوّل في المدينة وأحاسيسها.
يقول رولان بارث، «إن المدينة خِطابٌ مُركَّبٌ». إن الفيلم تَمثل محكي المدينة باعتبارها ثقافة معمارية حيث حضور مشهد المعمارية الكولونيالية الفرنسية أضفى جمالية على حالة تجوّل الذات الشاعرة، هذا التجوّل تعيد تلفظه كاميرا المخرج وهي تتجوّل بنا في اتجاه مركز المدينة الجديدة وحدائقها ومؤسساتها مثل مؤسسة مسرح عفيفي والمركب الثقافي عبد الحق القادري وكذلك فضاءات الأكلات الشعبية وبعض المقاهي المفضلة التي يرتادها الشاعر الزّجال، فاللقطات المدينية اتسمت ببعض التوَّسُع في دِقّة التفاصيل، حيث إن المخرج استثمر علامات المدينة باعتبارها دلالة على أن مدينة الجديدة تُعدّ فضاءً للإبداع، وتؤشر على علاقة الذات بفضاءاتها الحميمية بالرغم من المعاناة والجحود التي تُكنِّه المدينة للذات الشاعرة المٌبدِعة، إنّه حُبّ من طرف واحد، كذلك تجربته مع المرأة التي أحبّها فبكى بكاءً مزّق قلب نادِلة المقهى، فقالت له: «الرجال يا عبد الكريم لا تبكي أمام الناس.. اختر لك عزلة وابكِ»، وهذا شكل عذاب أسهم في انفتاح الشاعر على اللغة الشعرية وماهية الشعر وتجلّى ذلك في قوله: (… بْحالي بوهالي سايْقْ عُمْرو بوهالي/ حَدُّو يَتْنَهَدْ فيها طَيْحَة وْرا طَيْحَة/ يَتْكَعَّدْ بِصَيْحَة/ ياااا ربّي دِيرْها في يَدِي ما دِيرها في قَلْبي راهْ وْسَخْ الدنيا يَبْقى فيها” (الفيلم، دقيقة. 59، 49 ثانية).
إذا كان المخرج قد خصص لهذه الشخصية الشاعرة الزجلية الواقعية صدقية محكي شفافية البوح، فإننا نجده قد أدرج في المشهد الأخير شكل «جزر الحياة» وهي تبتسم أمام المعاناة مع مرض السرطان، وهنا نقابل اللقطة السينمائية البدئية في انسجام مع اللقطة السينمائية الختامية، الموسومة بعنوان فرعي: «قطيرات من حليب الجنّة»، فالمخرج عَزَّز حُلم وتفاؤل الذات الشاعرِة «الماحي عبد الكري» بالرغم من المعاناة وآلام المرض من خلال آلية الحوار، تقول الشخصية الحقيقية في الفيلم وهي بالمستشفى الإقليمي بالجديدة: «إذا تحقق لي العيش، فسأكون أمام تجربة إبداعية أخرى، إنها ليست قصة أو سيرة ذاتية أو قصيدة زجلية؛ وإنما هي الراكَدْ مَنْ التْعاوِيدْ (…) شْحالْ زْوينَة الكِتابة… يُقال: شْحالْ مَنْ طَيْحَة مَنْ وْراها وَقْفَة اصْحيحَة» (الفيلم، دقيقة. 72).
المرض يُعيد إعادة خلق أحلام حياة.
هي فضاءات المستشفيات والمِصحات العمومية أو الخصوصية يمكن أن نعتبرها فضاءات دُموع، فضاءات وداع، فضاءات شفافية البوح أو هي فضاءات حقيقة ضُعفِنا حيث تَتخذ الذات شكل الصمت أمام ضُعفها، وتتمثل النظرة إلى السماء بعيدا عن نظرة البحر أو البرّ، يُختتم الفيلم الوثائقي السينمائي بملفوظ الشخصية الشاعرة، الماحي عبد الكريم، يقول:
«هي تجربتي وليست سهلة، إنها مُتفرِّدة واحدة … لقد حالفني الحظ ومنحني الله موهبة لأرضي الله أوّلا قبل إرضاء العباد، وأعتبرني لغة الآخرين الذين عجزوا عن قول ما يمكن قوله، وهذه هي قوّة وحكمة القصيدة الزجلية التي تخدُم الإنسان أو بالأحرى تخدُم جميع المخلوقات الكونية… صحيح أنني أعيش معاناة وتحمَّلتُ الكثير من الشَّحط الرمزي». إن السردية الفيلمية الأخيرة خصّص لها المخرج سبعة دقائق ليستبين لنا عن أحلام الشخصية وتجربتها في علاقة بمواضيع الإنسانية ودرجات تحمّل المعاناة وطرائق تذويبها من خلال «ما يُرضي الله».
إن صِدقية الإبداع هو صِدق القلب والعقل معا، والفيلم رام صِدق الحالة الذهنية التي لا يمكن حجبها، صدق حالات ذواتنا في علاقتها بمدننا وفضاءتها وكذلك علاقتنا بالآخر كيفما كان، ومن ثَمّة علاقتنا بالكونية وفق حالات العفوية الصادقة والقطع مع أشكال التسوّل الإبداعي وتشييد حياة ثقافة جيّدة تشمل جميع أوفياء الوطن وقضايا جرحى الحياة.
إقرأ الخبر من مصدره