Étiquette : محمد بوفتاس

  • من تفكيك التطرف إلى مقامات العشق.. إصداران جديدان للكاتب محمد بوفتاس

    عبد المالك أهلال

    صدر للكاتب المغربي محمد بوفتاس عملان جديدان، الأول فكري بعنوان “التطرف والوعي المزيف”، والثاني ديوان شعر بعنوان “مقامات العشق”. وأعلنت دار النشر والتوزيع “حكايتي” بالقاهرة أنه من المرتقب أن يكون الإصداران حاضرين ضمن عناوينها المشاركة في المعرض الدولي للكتاب بالقاهرة لسنة 2026، ما يمنحهما فرصة للتداول والنقاش بين القراء والباحثين.

    وكشفت دار النشر أن كتاب “التطرف والوعي المزيف” يندرج ضمن الكتابات الفكرية التي تسعى إلى تفكيك الظواهر الاجتماعية المعقدة التي تواجه المجتمعات العربية المعاصرة. وأضاف المصدر أن المؤلف يربط في هذا العمل بين انتشار أنماط التفكير المتشددة وما يسميه بـ “الوعي المزيف”، الذي يتشكل داخل بنى اجتماعية وثقافية وإعلامية تعيد إنتاج الأفكار الجاهزة وتقصي العقل النقدي.

    وتابع أن الكتاب يتوقف عند عدد من العوامل المؤثرة في صناعة هذا الوعي، كالتنشئة الاجتماعية والمنظومة التعليمية والخطاب الإعلامي وبعض أشكال الخطاب الديني. وأشار إلى أن هذا العمل يأتي في سياق المسار الفكري للكاتب الذي يواصل الاشتغال على أسئلة الوعي والثقافة ودورها في مواجهة مظاهر التطرف، داعيا إلى إعادة الاعتبار للعقل والحوار كمدخل أساسي للفهم والتجاوز.

    وأوضحت الدار في سياق متصل، أن ديوان “مقامات العشق” يعد عملا شعريا يتعامل مع الحب لا بوصفه حالة وجدانية عابرة، بل كتجربة وجودية مركبة. وبينت أن الديوان يستلهم بنيته من “المقامات” في إحالة واعية على التراث الصوفي، معتمدا لغة شعرية مكثفة ومشحونة بالدلالة تتكئ على الرمز والتجريد وتوظف مفردات من الحقل الصوفي كالفناء والنور والوجد.

    وأضافت أن قصائد الديوان تتوزع على مقامات شعرية تتدرج من لحظات التوتر والبحث إلى التأمل والتسامح والأمل، ليقدم الحب كتجربة إنسانية محفوفة بالتحول. وأكدت على الحضور القوي للبعد الإنساني في العمل، حيث تتجلى المرأة كأفق للجمال والمعنى، ويحضر الوطن كموضوع شعري يجمع بين الحنين والانتماء والأسئلة النقدية، ليشكل الديوان إضافة جديدة لمسار محمد بوفتاس الشعري ومساهمة في تفاعل التجربة الشعرية المغربية مع محيطها العربي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • تاريخ المغرب أقدم من حضارة العرب والاسلام

     
    *بقلم / / ذ.محمد بوفتاس*

    حين نفكر في تاريخ المغرب، فإن أول ما يواجهنا هو هذا الانزلاق السهل الذي يجعل الكثيرين يتصورون أن تاريخ البلاد يبدأ مع الإسلام، أو مع إدريس الأول، أو حتى مع لحظة الفتح العربي. وكأن كل ما سبق ذلك كان مجرد فراغ طويل لا يستحق الذكر. هذا التصور لم يأتِ من فراغ، بل تولّد عبر قرون من الكتابة التاريخية التي كانت تنظر إلى شمال إفريقيا من زاوية واحدة، زاوية تجعل من الشرق مركزاً للزمن، ومن الوافد معياراً للبدء والنهاية. ومع مرور الزمن، ترسّخ هذا التصور حتى صار جزءاً من الذهنية العامة، رغم أنه يتعارض مع أبسط الحقائق العلمية التي تقدمها لنا الحفريات والوثائق والدراسات الحديثة.

    فالمغرب، ببساطة ووضوح، حضارته أقدم بكثير من الحضارة العربية والإسلامية. وليس في هذا أي انتقاص من قيمة الإسلام أو من الثقل الثقافي للعربية، بل هو مجرد ترتيب زمني خالص. فالعرب لم يدخلوا التاريخ السياسي المتماسك إلا في القرن السابع الميلادي، حين ظهر الإسلام وبدأت الدولة تتشكل. أما المغرب، فقد كان فضاءً بشرياً نشيطاً قبل ذلك بآلاف السنين.

    عندما اكتُشفت بقايا الإنسان العاقل في جبل إيغود قرب آسفي، كان على العلماء أن يعيدوا رسم خريطة تطور الإنسان من جديد، لأن المغرب قدّم للعالم تاريخاً يعود إلى حوالي ثلاثمئة ألف سنة أقدم من أي وجود بشري معروف في الجزيرة العربية. وهذا وحده يضعنا أمام حقيقة لا يمكن القفز عليها: أرض المغرب كانت مسكونة ومُنْتِجة للثقافة والمهارة والتجريب قبل وقت طويل جداً من ظهور الممالك العربية الأولى.

    لكن الحكاية لا تقف عند ما قبل التاريخ. فمع مرور القرون، تشكلت في شمال إفريقيا حضارات أمازيغية معقدة، بعضها امتد من الأطلس إلى تخوم تونس، وبعضها وصل إلى الصحراء الكبرى. كانت هناك ممالك تملك جيوشاً، وتحالفات دبلوماسية، وتجارات واسعة مع المتوسط. مملكة ماسينيسا وحدها، مثلاً، كانت تملك نظاماً سياسياً مركباً، وسلطة مركزية، وجيشاً منظماً، واقتصاداً زراعياً نشيطاً. أما ملوك موريتانيا الطنجية—يوبا الأول ويوبا الثاني—فكانوا يتقنون اليونانية واللاتينية، ويديرون علاقاتهم مع روما بمهارة القادة الكبار، ويُدخلون الفنون والعلوم إلى مدن مثل وليلي وطنجة وسلا.

    هذا كله كان تاريخاً مغربياً صرفاً، له جذوره وشخصياته وصراعاته، قبل الإسلام بقرون طويلة. وفي الوقت الذي كانت فيه مكة والمدينة ما تزالان مجرد حواضر صغيرة تعيش في إطار قبلي، كان المغرب مندمجاً في حركة المتوسط، يتفاعل مع الفينيقيين والقرطاجيين والرومان، ويتبادل معهم التجارة والتحالف والصراع. ومن هنا نفهم أن الحضور الأمازيغي لم يكن مجرد “قبائل” كما ظهرت في مدونات مؤرخين عرب، بل كان مكوناً حضارياً كاملاً.

    ومع ذلك، حين كتب المؤرخون العرب عن شمال إفريقيا، لم تتصدر هذه الصورة كتبهم. كانوا يبحثون عن “لحظة إسلام”، عن حدث يربط المنطقة بالتاريخ الإسلامي، فاعتبروا الفتح هو البداية، ثم أعطوا للدولة الإدريسية مكانة “البداية الرسمية لتاريخ المغرب”. غير أن الإدريسيين أنفسهم لم يحكموا سوى رقعة محدودة من البلاد، وكانت سلطتهم لا تصل إلى الريف ولا الأطلس ولا الجنوب، وكانت القبائل الأمازيغية تقوم بدور أكبر بكثير مما تذكره الكتب. ومع ذلك، سُمّيت هذه الإمارة “أول دولة مغربية”، لأن المؤرخ كان ينظر إلى الأمور بعيون مركزية تنطلق من الشرعية الدينية لا من الواقع السياسي.

    ليس هذا تزويراً بالمعنى الأخلاقي، لكنه اختزال واضح. فالمؤرخ العربي كان يعتبر أن التاريخ يبدأ حين يكتب، لا حين يحدث. وما لم يُكتب بالعربية كان يُعامل كأنه لم يقع. هكذا اختفت آلاف السنين من التاريخ المحلي، ليس لأن الأمازيغ لم يكن لهم تاريخ، بل لأن هذا التاريخ كان شفوياً ولم يدخل دوائر الكتابة إلا متأخراً.

    ثم جاء الاستعمار الفرنسي ليضيف طبقة أخرى من التشويه. فقد قدم الأمازيغ كجماعات “بدائية” بلا تاريخ سياسي، ليبرر سياساته التفريقية، وليبدو “الحكم الفرنسي” وكأنه جاء لإنقاذهم من هيمنة العرب. وبين خطاب عربي يقلل من شأن القديم، وخطاب استعماري يخضعه لمصالحه، ضاع تاريخ المغرب العميق بين قراءتين متناقضتين وغير عادلتين.

    اليوم، بفضل العلوم الحديثة، نعرف أن تاريخ المغرب مجرد فسيفساء واسعة، وأن الإسلام والعروبة جزء مهم منها لكنه ليس بدايتها. المغرب لم يولد في القرن الثامن، بل تشكل عبر آلاف السنين من التفاعل بين الإنسان والأرض، بين المتوسط والصحراء، بين الأمازيغ وكل الشعوب التي مرت وامتزجت، أحياناً بالسلم وأحياناً بالقوة. وهذا بالضبط ما يجعل المغرب ما هو عليه: حضارة متراكبة، حية، ممتدة في الزمن، لا تشبه حضارة واحدة بل تشبه المزيج الذي صنعها.

    إن الاعتراف بقدم الحضارة المغربية ليس مشروعاً سياسياً ولا شعاراً هوياتياً، بل هو تصالح مع الحقيقة. فالمغرب بلد لم يبدأ من الصفر عند أي نقطة من نقاط التاريخ، بل كان دائماً موجوداً، يتحرك، يتغير، ويندمج دون أن يفقد جوهره. وهذا ما يمنحه تلك القدرة العجيبة على الاستمرار رغم التحولات الكبرى.
    محمد بوفتاس باحث في الدين والفكر والمجتمع


    إقرأ الخبر من مصدره

  • القرآن بين التقديس الشكلي والهجر العملي: قراءة نقديّة

      *بقلم // ذ. محمد بوفتاس*
    لم يعرف كتاب في تاريخ البشرية ما حظي به القرآن الكريم من تقديسٍ واحتفاءٍ علني، لكنّ المفارقة المؤلمة أنّ هذا التقديس كثيرًا ما كان واجهةً تخفي وراءها أعظم إساءةٍ يمكن أن يتعرّض لها نصٌّ إلهي. فالإساءة الحقيقية لم تصدر من خصوم القرآن ولا من منتقديه، بل من جمهورٍ واسع من المسلمين الذين رفعوه شعارًا على الألسن وألقوه مهجورًا في واقعهم. لقد جُمّد كتاب الهداية الأعظم في أدوار ثانوية أقرب إلى الخرافة منها إلى الرسالة؛ حُصر في الحفظ الميكانيكي والترديد الصوتي وفي كونه تعويذةً للبركة والرقية وافتتاح المجالس، بينما أُفرغ من روحه التي جاءت لتقود العقل نحو الحرية والعدل والتفكير الخلّاق.
      لقد حوّل المسلمون، إلا من رحم ربك، القرآن إلى أثرٍ متحفي، يعلّق في السيارات ويُزيّن به صدر البيوت وتُستدر به البركات، وكأنّ المقصود من كلام الله أن يكون تميمة تُعلّق أو صوتًا يُرتّل في المآتم. يتباهى الكثيرون بإتقان مخارج الحروف وتجويد المقامات، بينما يتعاملون مع المعاني العميقة للنص كأنها محرّمة على الفهم، أو كأنّ التدبر خطر على الدين. صار معيار التدين هو عدد الأجزاء المحفوظة، لا عمق الفهم ولا حضور القيم القرآنية في السلوك اليومي. وهذه هي الإساءة الكبرى: أن يُستبدل تدبر الآيات بسباق الحفظ، وأن يصبح القرآن في الوعي الجمعي كتاب أصواتٍ لا كتاب أفكار.
      ولا يقف الأمر عند حدود الجهل أو التقصير الفردي، بل هو نتاج تاريخ طويل من التواطؤ بين السلطة الدينية والسياسية. منذ القرون الأولى، حين تحولت مؤسسات الفقه إلى بيروقراطيات تحرس التقليد أكثر مما تحرس المعنى، أُغلق باب الاجتهاد، وسُجن التفسير في قوالب تراثية يعاد تكرارها جيلاً بعد جيل، بينما تُحظر أي قراءة جديدة للنص بحجة الخوف على الدين. وهكذا صار القرآن رهينة لطبقة من « حراس العقيدة » الذين احتكروا حق الكلام باسم الوحي، وحالوا بين الأمة وبين نصّها المؤسس، فأفقدوا الكتاب صوته الحيّ وأفرغوه من قدرته على إلهام فكر جديد أو إصلاح واقع مريض.
      والنتيجة أنّ القيم القرآنية الكبرى – العدل والكرامة والمساواة وحرية الإنسان – تراجعت أمام طقوس شكلية لا تغيّر شيئًا من واقع الاستبداد والظلم. انفصل النص عن الحياة، فتقدّس الحرف وماتت الرسالة. وبدل أن يكون القرآن رافعةً للنهوض الحضاري صار يُستدعى كشعارٍ لتبرير الجمود، وذريعةً لتكريس سلطاتٍ سياسية ودينية تخشى النور الذي يحمله النص. لقد غدا القرآن – في كثير من الممارسات – أداةً في يد من يخافون حقيقته المحرِّرة، يرفعونه على المنابر ويُسكتون روحه في الواقع.
      إنّ استعادة القرآن من هذا السجن ليست ترفًا فكريًا بل واجبًا حضاريًا. ولا يكفي أن نردّد شعارات العودة إلى الكتاب، بل ينبغي أن نمارس نقدًا جذريًا للثقافة التي حوّلته إلى طقس بلا مضمون. يجب إعادة فتح باب الاجتهاد بلا خوف، وتحرير التدبر من وصاية المؤسسات الدينية ومن رهاب التجديد، واستثمار علوم اللغة والفكر الإنساني لفهم النص في ضوء مقاصده الكلية لا في أسر قوالب متحجرة. على المسلمين أن يبرهنوا أنّهم قرّاءٌ أحياء لنصّ حي، لا حفظة أصوات لنقوش منسية. فكتاب الله لم يُنزَّل ليكون تعويذةً ولا رمزًا فارغًا للبركة، بل ليقود الإنسان إلى فكر حرّ وعدالة حقيقية، وليفضح كل سلطة تريد إخضاع العقل باسم السماء. وأيّ تقاعس عن هذه المهمة إنما هو استمرار لأقسى أنواع الإساءة: هجر القرآن باسم تقديسه، وخيانة رسالته تحت ستار خدمته.  
    •  ذ محمد بوفتاس – باحث في الدين والفكر والمجتمع

    إقرأ الخبر من مصدره

  • رواية « حين سقط القمر » للأديب المغربي محمد بوفتاس: بين التاريخ والمتخيل قراء مختلفة في ماضي سوس

      *العلم الإلكترونية*

    صدر حديثًا عن الأديب والفنان المغربي محمد بوفتاس عملٌ روائي جديد بعنوان «حين سقط القمر»، يثري به مسيرته الإبداعية التي تجمع بين القصة والرواية والشعر وكتابة السيناريو. في هذه الرواية يمتح بوفتاس من الذاكرة الجماعية والتاريخ الاجتماعي للمغرب، ويعيد رسم ملامح مرحلة حافلة بالتحولات من خلال حبكة تجمع بين الوقائع والتخييل، في نص سردي ينبض بروح الماضي ويخاطب قضايا الحاضر.
      تأخذ الرواية القارئ إلى أعماق الجنوب المغربي، وبالتحديد إلى قرية إزربي في قلب قبيلة أمانوز بمنطقة تافراوت الأمازيغية، حيث تتفجر صراعات النفوذ بين القايدين البشير وحمو في سباق محموم على السلطة. وسط هذا المناخ المتوتر تتشابك العلاقات العائلية والقبلية، وتتشكل تحالفات وخصومات تكشف الوجه الخفي لصراع القوة في تلك الحقبة التي يتعمد الكاتب إبقاء زمنها مفتوحًا لتظل قابلة للتأويل والتأمل.
      من رحم هذا الصراع تبرز شخصيات مفعمة بالحياة، أبرزها عابد بن الطاهر وابنه بوبكر الذي يختار طريق النضال ويلتحق بصفوف جيش التحرير بالصحراء المغربية، بينما تقود شقيقته حورية حركة نسائية جريئة تقاوم تسلط القواد وتقاليد تحاول تهميش المرأة. تتحول حورية إلى رمز لصوت أنثوي متمرد يطالب بالكرامة ويؤكد أن المرأة شريك أساسي في معركة التغيير.
      وتسير الأحداث نحو سقوط القوى المتناحرة، في حين ينهض جيل جديد من أبناء أمانوز لبناء جسور السلام والمصالحة، في إشارة عميقة إلى قدرة المجتمعات على تجاوز جراح الماضي وإبداع مستقبل أكثر عدلاً وإنسانية. بأسلوبه الرشيق وقدرته على المزاوجة بين السرد والتأمل الفكري، يقدّم محمد بوفتاس رواية تجعل القارئ شريكًا في استكشاف الذاكرة ومساءلة علاقة السلطة بالمجتمع ودور المرأة في مقاومة الاستبداد.
      لتحميل الرواية في نسختها الرقمية يمكنكم الضغط على أحد الروابط التالية:
      • الرابط الأول:
      https://books.google.co.ma/books?id=aDiFEQAAQBAJ&pg=PA4&dq=%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF+%D8%A8%D9%88%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%B3&hl=fr&newbks=1&newbks_redir=0&sa=X&ved=2ahUKEwiu-paw5tCPAxUHVqQEHSVEDcYQ6AF6BAgIEAM#v=onepage&q&f=false
    • الرابط الثاني:
      https://www.noor-book.com/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D9%8A%D9%86-%D8%B3%D9%82%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%85%D8%B1-pdf


    إقرأ الخبر من مصدره

  • العبادة الحقيقية.. من جدران المسجد إلى فضاءات الحياة

    *بقلم //  ذ. محمد بوفتاس*
      ما زال كثير من الناس يعتقدون أن العبادة تنحصر في أداء الشعائر داخل جدران المسجد، وكأن العلاقة مع الله لا تبدأ إلا لحظة تكبيرة الإحرام وتنتهي مع السلام الأخير. هذا الفهم الضيق اختزل الدين في طقوس محدودة، بينما النصوص والرسالات السماوية كلها تؤكد أن العبادة في جوهرها نمط حياة، وسلوك أخلاقي يُمارَس في تفاصيل اليومي: في السوق، في العمل، في البيت، وفي الشارع.
      حين نفتح أعيننا على واقعنا، نجد مفارقة لافتة: في مدن كثيرة من العالم، تظل أبواب الكنائس مشرعة طوال النهار، تستقبل المؤمن وغير المؤمن، العابر أو الباحث عن لحظة سكينة. أما المساجد عندنا، فلا تفتح إلا في أوقات الصلاة، وكأنها أماكن وظيفية مرتبطة بالطقس فقط. والأسوأ أن بعضها تحوّل، بفعل خطاب متشدد، إلى فضاءات لنشر أفكار التطرف وتكريس الانغلاق، عوض أن تكون ساحات رحبة للتسامح وتربية النفوس على قيم الخير.
      وهنا يطرح السؤال نفسه: ما الغرض من الدين؟ هل هو مجرد أداء طقوس شكلية تُفرغ العبادة من مكنونها الأصلي، أم أنه تربية على قيم تُيسر حياة الناس ومعاملاتهم اليومية؟ الجواب واضح في النصوص: الله مدح نبيه بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}، أي أن المعيار ليس كثرة الركعات بل عظمة الأخلاق. كما لخّص الرسول ﷺ رسالته في قوله: « إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق ».
      وإذا رجعنا إلى الماضي القريب والبعيد، سنجد أن المساجد لم تكن أماكن عبادة فقط، بل فضاءات جامعة للعلم والفكر. في رحابها نشأت علوم التفسير والحديث والفقه، ومنها انطلقت دروس الأدب واللغة والفلسفة. كانت منابر للموعظة كما كانت ساحات للسجال الفكري والجدل السياسي، ومجالس للنقاش بين فقهاء وعلماء ومفكرين. بل إن المسجد النبوي نفسه في صدر الإسلام كان مركزًا للحياة العامة: مكانًا للتشاور السياسي، لتعليم الناشئة، ولحل مشكلات الناس. فكيف اختُزل هذا الإرث الغني اليوم في وظيفة ضيقة لا تتجاوز أداء الصلاة خمس مرات في اليوم؟
      فما جدوى أن يمتلئ المسجد بالمصلين إذا كان السوق مكتظًا بالغشاشين والمحتكرين؟ وما قيمة الصيام إذا لم يمنع صاحبه من الكذب والاعتداء؟ وكيف نتحدث عن الدين ونحن نرى الظلم الاجتماعي يتفشى، والرشوة تتحكم في المعاملات، والأنانية تطغى على السلوك الجماعي؟
      العبادة في جوهرها ليست انعزالًا عن المجتمع بل التزامًا بإصلاحه. التاجر الصادق في تجارته، الموظف الذي يخدم الناس بإخلاص، الجار الذي يحترم جاره، هؤلاء أقرب إلى معنى العبادة من الذي يقضي وقته كله في الشعائر ثم يخرج ليمارس الظلم والفساد.
      الدين، إذن، ليس مجرد قناعة ميتافيزيقية أو إيمان غيبي جامد، بل ممارسة اجتماعية واقعية. قيمه لا تُختبر في المسجد وحده، بل في البيت والمدرسة والإدارة والشارع. المجتمعات الحية هي التي تنقل قيم العبادة من المحراب إلى فضاءات الحياة، وتحوّلها إلى ثقافة عامة يعيشها الجميع.
      اليوم، نحن في أمس الحاجة إلى استعادة هذا المعنى العميق للمسجد. أن يكون منارة للتربية والعلم والنقاش، كما كان في الماضي، لا مجرد مكان للطقوس أو منبرًا للتشدد. المسجد ينبغي أن يعود فضاءً مفتوحًا، جامعًا لكل أفراد المجتمع، مصدر إشعاع للأخلاق والعدل، وساحة للحوار بدل أن يكون مجالًا للانغلاق.
      فالعبادة الحقيقية لا تُقاس بعدد الركعات ولا بطول السجود، وإنما بما يتركه الإنسان من أثر طيب في محيطه. فالله يُعبد في الصدق كما يُعبد في الصلاة، ويُعبد في العدل كما يُعبد في الصوم. والإيمان الصادق هو الذي يُترجم إلى معاملات راقية، وسلوك مسؤول، ومجتمع متماسك قائم على الأخلاق.   • ذ محمد بوفتاس – باحث في الدين والفكر والمجتمع


    إقرأ الخبر من مصدره

  • الإسرائيليات في التراث الإسلامي: أصول وتأثيرات أولية

    *بقلم : ذ.محمد بوفتاس*

    عندما نتحدث عن التراث الديني الإسلامي، نجد أنه غني ومتنوع، لكنه ليس بمعزل عن التفاعل مع الثقافات والأديان التي كانت تحيط به. من بين هذه التأثيرات تأتي الإسرائيليات، وهي قصص وروايات مأخوذة من التراث اليهودي والمسيحي، دخلت إلى الفكر الإسلامي عبر عدة طرق، وأثرت بشكل ملحوظ على بعض النصوص الدينية والفقهية، بل حتى على المعتقدات الشعبية التي تناقلها الناس عبر القرون.


    الإسرائيليات هي مصطلح يشير إلى ما يُروى عن بني إسرائيل من قصص وأخبار، لكنها تجاوزت في كثير من الأحيان كونها مجرد روايات تاريخية أو قصصية، لتدخل إلى دائرة التفسير الديني والتشريع. ورغم أن الإسلام يؤكد أن القرآن هو المصدر الأول للتشريع والاعتقاد، إلا أن علماء كثيرين استعاروا هذه القصص لتفسير بعض الآيات أو لتوضيح بعض الأحكام، خصوصًا في عصور كان فيها التواصل بين الأديان والثقافات أكثر كثافة.
      لكن كيف حدث هذا؟
      يرجع السبب جزئيًا إلى السياق التاريخي الذي نشأ فيه الفكر الإسلامي. في المناطق التي انتشر فيها الإسلام، كانت تعيش جماعات يهودية ومسيحية إلى جانبه، وكان هناك حوار ثقافي وديني مستمر. العلماء والفقهاء، وهم بشر بالطبع، لم يكن بمقدورهم في كل الأحيان الاعتماد فقط على النصوص الأصلية، فكانوا يبحثون عن أجوبة وتفسيرات تساعد الناس على فهم العقيدة بشكل أوضح. من هنا بدأت بعض الإسرائيليات تُدمج في التفاسير والروايات.


    وهنا تكمن المشكلة. فبينما بعض هذه القصص كانت تحمل معاني روحية وعبرًا قيمة، فإن بعضها الآخر جاء محملاً بمغالطات، أو تفاصيل تعارض جوهر العقيدة الإسلامية، مثل تصويرات غير دقيقة للملائكة، أو مفاهيم مبالغ فيها عن الجنة والنار، أو سرد أحداث غيبية لم يرد ذكرها في القرآن أو الحديث الصحيح.
      في الحقيقة، هذا التسرب ترك أثراً طويل الأمد. فالإسرائيليات لم تبقَ فقط في كتب التفسير أو الفقه، بل تسربت إلى المعتقدات الشعبية، حيث يُصدق الناس أحيانًا قصصاً وأساطير لا تمت للدين الصحيح بصلة، بل تُروّج لخرافات تزيد من تعقيد الفهم الديني.
     


    هذا التأثير السلبي دفع علماء كبار عبر التاريخ إلى التحذير من الإفراط في الأخذ بهذه القصص، وأكدوا على ضرورة التحقق والنقد، والرجوع دومًا إلى المصادر الإسلامية الأصلية.
      في مقالات هذه السلسلة، سنتناول بالتفصيل كيف تسربت هذه الإسرائيليات إلى الفقه الإسلامي، وكيف أثر ذلك على المعتقدات الشعبية، مع تقديم أمثلة واضحة ومواقف نقدية، لنفهم بشكل أفضل أهمية تنقية التراث من أي إضافات غير صحيحة، وكيف يمكننا أن نعيد بناء فهم ديني صحيح ومستنير.
      • ذ. محمد بوفتاس – باحث مهتم بقضايا الفكر والدين والمجتمع

    إقرأ الخبر من مصدره

  • « نوستالجيا 2025 »: مسرح يحفر في الذاكرة… ويستشرف الغد

    *بقلم // ذ. محمد بوفتاس*
      في زمن يغرق في التكرار والسطحية، جاء عرض نوستالجيا 2025 كصفعة فنية توقظ الذاكرة، وتستفز العقل، وتمنح الجمهور لحظة نادرة من الدهشة والانبهار. لم يكن الأمر مجرد عرض مسرحي، بل كان تجربة إنسانية كاملة، تلامس الروح، وتطرح الأسئلة العميقة بلغة فنية ساحرة ومدروسة.  


    بقيادة المخرج المبدع أمين ناسور، وهو أحد أبرز الأسماء في المسرح المغربي المعاصر، تحوّلت الخشبة إلى آلة زمنية تنقلنا بين أطلال الماضي وأشباح المستقبل. ناسور لم يكتف بالإخراج، بل وقع على رؤية شاملة نسجت كل التفاصيل، من حركة الجسد إلى عمق الضوء، ومن صمت الشخصيات إلى انفجار الموسيقى.


    السينوغرافيا كانت ناطقة، الإضاءة حادّة كحدّ السكاكين، والمؤثرات الصوتية تُشبه تنبؤًا قادمًا من عالم موازٍ. كل عنصر في العرض كان في مكانه، كما لو أنّ كل حركة، كل ظل، كل نغمة، قد تمّ التفكير فيها بدقة الجراح.


    ولعلّ أكثر ما يُحسب لهذا العمل هو الانسجام الرائع بين طاقم التمثيل، الذين أدّوا أدوارهم بصدق كبير، دون تصنّع أو مبالغة. أجسادهم كانت تروي الحكاية، ووجوههم تنقل أحاسيس النص إلى قلب الجمهور مباشرة. كل ذلك بدعم تقني احترافي يُحسب للفريق الذي عمل خلف الكواليس بصمت وفعالية.


    نوستالجيا 2025 ليست فقط عرضًا ناجحًا، بل لحظة نادرة في المسرح المغربي، تؤكد أن المسرح ما زال قادرًا على الإدهاش، وعلى إعادة ربط الإنسان بذاته، بذاكرته، وبحلمه المعلّق في الأفق.


    عملٌ كبير، وُلد من شغف، ونضج، وجرأة… ويستحق أن يُدوَّن في ذاكرة المسرح المغربي المعاصر، كإحدى اللحظات التي التقت فيها الحِرَفية بالإبداع.  

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بين الموروث الشعبي والفقه الإسلامي: كيف تؤثر العادات والتقاليد على العقيدة؟

    *بقلم / / محمد بوفتاس*
      في العديد من المجتمعات الإسلامية، نجد أن العادات والتقاليد الشعبية تتداخل بشكل عميق مع المعتقدات الدينية، إلى درجة يصعب معها التفريق بين ما هو جزء أصيل من الدين، وما هو مجرد موروث ثقافي أو تقليد اجتماعي. هذا الخلط بين الدين والعادات يؤدي إلى فهم مشوه للعقيدة، ويجعل الكثير من الناس يعيشون في إطار ممارسات لا تستند إلى نصوص شرعية واضحة، بل إلى تقاليد مستمدة من البيئة المحيطة أو من عصور ما قبل الإسلام.
      من الأمثلة البارزة على هذا الاختلاط، الطقوس والممارسات التي تُمارس في مناسبات متعددة مثل الولادة، الزواج، الوفاة، وحتى في بعض المناسبات الدينية كالأعياد والاحتفالات. في كثير من الأحيان، تتضمن هذه الطقوس أفعالًا لا سند لها في الإسلام، كالتضرع إلى القبور، أو التوسل بطرق غير شرعية، أو إقامة طقوس تعبدية ترتبط بالخرافات والمعتقدات الشعبية.


    هذا الأمر يطرح مشكلة كبيرة على المستوى العقائدي والفقهي، إذ يؤدي إلى عدة آثار سلبية منها:
      • تثبيت مفاهيم مغلوطة: حيث يصبح العرف هو المرجعية بدلاً من النصوص الشرعية الواضحة، ما يجعل الدين يتغير ويتحول تبعاً للبيئة الثقافية، وليس بحسب تعاليمه الثابتة.
      • تشويه صورة الإسلام: عندما يُنسب إلى الدين ممارسات خاطئة أو خرافات، يُساء فهم الإسلام كدين مبني على العقل والتوازن، ويُنظر إليه كدين طقوس متعسفة لا طائل منها.
      • عرقلة الإصلاح الديني والاجتماعي: بسبب تقبل المجتمع لهذه العادات الممزوجة بالدين، يصعب تطبيق الإصلاحات التي تهدف إلى تصحيح المفاهيم وتنقية الدين من الشوائب.
      في واقع الأمر، الإسلام دين يقوم على مبادئ ثابتة، ويعطي مساحة واسعة للعقل والاجتهاد والبحث عن الحقيقة، بعيدًا عن الخرافات والممارسات الاجتماعية الخاطئة. ولذلك، فإن فصل الدين عن العادات والتقاليد المغلوطة يعد أمرًا ضروريًا لبناء مجتمع مسلم واعٍ يدرك جوهر عقيدته.
      الحل ليس فقط في التوعية، بل في إعادة قراءة النصوص الدينية بعقل متفتح وبمنهج علمي نقدي، يشجع على الحوار والتفكير المستقل، ويرفض العناد الأعمى والتقليد الأعمى. كذلك، يجب العمل على نشر الفهم الصحيح بين الناس عبر المدارس، المساجد، وسائل الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي.
      إن تحرير العقيدة من قبضة العادات والتقاليد المغلوطة لا يعزز فقط سلامة الدين، بل يفتح المجال أمام تطور المجتمعات الإسلامية لتكون أكثر انسجامًا مع قيم العدالة، العقلانية، والرحمة التي يدعو إليها الإسلام.
      في النهاية، الدين الحقيقي هو ذلك الذي يحقق التوازن بين النص والشريعة، وبين الروح والممارسة، بعيدًا عن كل ما يشوهه من تقاليد وعادات قديمة لا تمت له بصلة، ليكون الإسلام منارة حقيقية تنير حياة المسلمين في كل زمان ومكان.
      • محمد بوفتاس  باحث في الفكر والدين والمجتمع

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الخوف كوسيلة للهيمنة: كيف شوّه بعض رجال الدين صورة الله؟ بقلم // محمد بوفتاس

    في كثير من المجتمعات، ظل الدين عبر العصور مصدرًا للسكن الروحي، ومرجعًا أخلاقيًا، ودافعًا لفعل الخير. غير أن هذا الوجه المشرق للدين لا يعفيه من بعض الممارسات التي شوّهت رسالته، وخصوصًا عندما يتحول إلى أداة في يد بعض رجال الدين لإخضاع العقول والتحكم في النفوس، من خلال تغذية مشاعر الخوف، واللعب على وتر العقاب والعذاب والحساب.

    إن الفقه الإسلامي، كمنظومة اجتهادية بشرية في فهم النصوص الدينية، يفترض فيه أن يكون مرنًا، متطورًا، ومتلائمًا مع تطور الحياة وسياقات الناس. لكنه في أيدي بعض الدعاة والموجهين تحوّل إلى حصن مغلق، لا يُسمح بالخروج من بابه إلا إلى جحيم الوعيد. فبدل أن يُقرِّب الإنسان من ربه بالحب، يُبعِده عنه بالرعب.

    يستغل بعض رجال الدين حاسة الخوف الراسخة في النفس البشرية، لتثبيت سلطتهم الفكرية والروحية، يُلوّحون دوماً بالموت، والقبر، والصراط، ونار جهنم، كأن الدين لا يعرف الرحمة، وكأن الله لا يملك إلا الغضب والعقوبة. يغيب الحديث عن التسامح، والمغفرة، والأمل، ليحل محله خطاب يزرع الرعب في النفوس، خاصة لدى البسطاء الذين يجدون أنفسهم رهائن لفهم متشدد لا يرحم، ولا يفسح مجالًا للتساؤل أو التفكير.

    هذا الأسلوب لا يخدم الدين، بل ينفّر الناس منه، ويشوّه صورته في الأذهان، خاصة في زمن أصبحت فيه المعرفة متاحة، والمقارنة بين الأديان والثقافات أمرًا يوميًا. فالله، في جوهر الإسلام، هو الرحمن الرحيم، الذي كتب على نفسه الرحمة، وليس الإله المتربص، كما يروج له بعض الوعّاظ من فوق المنابر.

    الخطر في هذا الخطاب الترهيبي لا يقف عند حدود العلاقة بين الإنسان وربه، بل يمتد إلى الحياة الاجتماعية، حيث يُصنع منه وعي جمعي هش، خاضع، وغير قادر على النقد أو التغيير. فكل محاولة للتفكير تُوصم بالكفر، وكل دعوة للإصلاح تُواجه بالتخويف من الفتنة، بل أحيانًا يُستدعى حديث العذاب ليُكمّم الأفواه.

    إن الحاجة اليوم ملحة لاستعادة التوازن في الخطاب الديني، بتقديم صورة أكثر رحمة وإنسانية عن الله، والاعتراف بأن الخوف قد يصلح لحظة، لكنه لا يمكن أن يكون أساسًا دائمًا لعلاقة الإنسان بربه. فالدين الذي لا يُبنى على المحبة، لن يصمد طويلاً في وجه الأسئلة الحديثة، ولن يُقنع القلوب الباحثة عن السلام لا عن الرعب.
      محمد بوفتاس /  كاتب ومهتم بقضايا الفكر والدين والمجتمع

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أزمة العقل العربي الحديث.. بقلم // محمد بوفتاس

      أزمة العقل العربي في القرن 21 هي قضايا متعددة الجوانب تتعلق بالتحديات الفكرية والثقافية والاجتماعية التي يواجهها العالم العربي، إذ يواجه العرب تحديات في مجالات الفكر والمعرفة، حيث تعاني بعض الفئات من الانغلاق الفكري والابتعاد عن التفكير النقدي وهو ما يعني أن هناك حاجة ماسة لتشجيع البحث العلمي والاستقلال الفكري.
      تعتبر التحديات الفكرية التي تواجه العرب في القرن 21 من القضايا الأساسية التي تحتاج إلى معالجة عاجلة، وتتجلى هذه التحديات في الانغلاق الفكري وغياب التفكير النقدي، مما يؤثر بشكل كبير على تطور المجتمع.
      ويتجلى الانغلاق الفكري في تقييد حرية التفكير والتعبير عن الآراء. في العديد من المجتمعات العربية، يكون هناك خوف من إبداء آراء مختلفة أو نقد السلطة أو التقاليد، مما يولد مناخًا من الخوف والإحباط. يمكن أن يكون هذا الانغلاق نتيجة لتقاليد اجتماعية محافظة أو أنظمة سياسية تسعى إلى السيطرة على الفكر وتوجيهه بما يتناسب مع مصالحها.
      أما غياب التفكير النقدي فيظهر في الثقافة السائدة ببعض المناطق والتي تشجع على قبول المعلومات دون التحقق منها، مما يؤدي إلى نقص في القدرة على تحليل الأفكار والنقد البناء. يتعطل الحوار الفعال ويصبح النقاش عرضة للانقسام والنزاع بدلًا من كونه وسيلة لتبادل الآراء وتطويرها.
      وللخروج من هذا الوضع، تعتبر تعزيز البحث العلمي ضرورة حيوية. تحتاج الدول العربية إلى الاستثمار في المؤسسات العلمية، وتوفير التمويل اللازم للبحث والتطوير، وتشجيع الشباب على المشاركة في الدراسات والأبحاث. يجب أن تكون هناك بيئة محفزة تحترم العقول وتتيح لهم استكشاف الأفكار الجديدة والتفكير خارج الصندوق.
      لكن هذا الاستقلال الفكري يعتمد على القدرة على التفكير بموضوعية بعيدًا عن الضغوط السياسية أو الاجتماعية. يجب أن يتم تشجيع الأفراد على تطوير أفكارهم الخاصة والتجريب بأفكار جديدة، بالإضافة إلى تعزيز الثقافة المدعومة بالمعرفة والبحث، وهذا أمر يمكن تحقيقه من خلال التعليم الجيد الذي يشجع على النقد والتفكير المستقل.
      وهنا تستطيع المؤسسات التعليمية أن تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل العقل العربي، لكن من الضروري أن يتم تطوير المناهج الدراسية لتشمل التفكير النقدي، وابتكار الحلول الإبداعية للمشكلات، وتدريب الطلاب على كيفية التعامل مع المعلومات وتحليلها، كما يتوجب على الجامعات والمعاهد التعليمية أن تكون مركزًا لنشر الفكر الحر والمفتوح.
      وبالطبع فإن كل هذا سيولد تأثيرات اجتماعية وثقافية ولذلك يجب العمل على تحفيز الجوانب الاجتماعية والثقافية التي تعزز من الفكر الحر والتجديد. ويمكن أن يساعد الفن والأدب في فتح آفاق جديدة للتفكير، من خلال تقديم سرديات جديدة وتناول مواضيع معاصرة، وينبغي أيضًا تعزيز ثقافة الحوار وتبادل الأفكار بين الأفراد والمجتمعات.
      إن فكرة إقامة محافل فكرية ومنتديات للحوار ستساعد في تعزيز الفكر النقدي وتمكين الأفراد من التعبير عن آرائهم بحرية، مما يزيد من الوعي والمعرفة. ولهذا يجب أن تُوفر هذه المحافل مساحة آمنة ليتمكن الناس من التفاعل والتعاطي مع قضاياهم.
      إن التصدي للتحديات الفكرية التي تواجه العرب يستدعي جهدًا جماعيًا يتجاوز الحكومة، بما يشمل المجتمع المدني، الأكاديميين، والفنانين. يتطلب الأمر تغييرًا ثقافيًا عميقًا يستند إلى قيمة الاستقلالية الفكرية والتفكير النقدي، مما يمكن أن يمهد الطريق لمستقبل أكثر إشراقًا.
      الكاتب: محمد بوفتاس

    إقرأ الخبر من مصدره