Étiquette : diplomacy

  • المغرب يخلد « يوم إفريقيا » بالكاميرون

    هسبريس من الرباط

    تخليدا للذكرى 63 لتأسيس منظمة الوحدة الإفريقية شاركت سفارة المملكة المغربية في الكاميرون، الإثنين، في الاحتفال السنوي بـ “يوم إفريقيا”، الذي ينظم هذا العام تحت شعار: “لنحتفل معا بـ 63 سنة من الوحدة والاندماج والتنمية”.

    الحدث الذي نظم في رحاب مقر وزارة العلاقات الخارجية الكاميرونية عرف حضور وزير العلاقات الخارجية الوجون مبيلا مبيلا، إلى جانب مسؤولين كاميرونيين، وممثلين عن مكونات المجتمع المدني، والمنظمات الدولية ووكالات الإعلام.

    في كلمته بالمناسبة ركز وزير العلاقات الخارجية الكاميروني على موضوع الماء في القارة الإفريقية، باعتباره موردا إستراتيجيا، مشددا على ضرورة العناية بما يعرفه هذا المورد من إجهاد ونضوب في الكثير من جهات القارة، ومنوها بالجهود المبذولة من طرف الاتحاد الإفريقي في التحسيس بهذا الوضع، وإنشائه آليات مؤسساتية للتحسيس بضرورة ترشيد استعمال الموارد المائية وحمايتها من تبعات التغير المناخي والإهدار.

    فيما ركزت كلمة ممثلية الاتحاد الإفريقي على الوزن الديمغرافي والاقتصادي لبلدان القارة الإفريقية، مع التشديد على أهمية إصلاح المنظمة الأممية لتمكين إفريقيا من الاضطلاع بالدور الذي تستحقه على المسرح الدولي.

    وعرف الاحتفاء بيوم إفريقيا مشاركة مغربية متميزة، تجسدت في تنظيم سفارة المملكة المغربية رواقا ثقافيا يعكس مختلف مظاهر الثقافة المغربية، من خلال استحضار الفن التشكيلي، والصناعة التقليدية التي تعكس التنوع الغني للهوية المغربية؛ كما قدمت لزوارها الأفارقة والدوليين تشكيلة من صنوف الطبخ المغربي الأصيل، مع حفل شاي وتشكيلة من الحلويات المغربية، التي ترمز إلى فن الضيافة المغربي.

    وتأتي هذه المشاركة المغربية لتؤكد الانتماء الإفريقي وتبرز المكانة المميزة للمغرب كفاعل قاري له مساهماته الرائدة في النهوض بتنمية إفريقيا، وفق رؤية الملك محمد السادس، التي تجعل من إفريقيا عمقا إستراتيجيا وفضاء لشراكة ناجحة، تقوم على التعاون جنوب – جنوب، ومد الجسور عبر مشاريع منتجة في قلب القارة كما على شريطها الأطلسي.

    وإلى جانب بعده الرمزي كان الحفل فرصة للتفاعل مع مرتادي الرواق المغربي، وعلى رأسهم رئيس الدبلوماسية الكاميرونية ومسؤولون رفيعو المستوى، ومكونات المجتمع السياسي والمدني والثقافي، للتعريف بالتطور الذي يشهده المغرب في مجال البنيات التحتية للموانئ، والربط الجوي عبر مطارات المملكة التي تمد الصلات بين بلدان القارة الإفريقية وبقية مناطق العام؛ وكذا تمكين الدول الإفريقية غير المشرفة على المحيط الأطلسي من الفرص التجارية الواعدة التي تمنحها المبادرة الملكية الأطلسية، وجهود المغرب الرائدة تجاه البلدان الإفريقية الصديقة في مجالات التكوين والبحث العلمي وإقرار السلم والأمن.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • جيوسياسية النظام العالمي


    إدريس القري
    الأمن كأفق للصراع ومحرّك لإعادة توزيع القوة

    تضع المجتمعات السياسية أسس علاقتها بالعالم انطلاقاً من هاجس الأمن: فهي لا تكتفي بتحديده كغاية، بل تجعل منه شرطاً لوجودها. يقر هنري كسينجر النص بهذه الحقيقة حين يقول إن: “الأمن ظل الهدف الأدنى لأي مجتمع منظم (Henry Kissinger, The Age of AI, And Our Human Future) وهو قول يضعنا مباشرة أمام مفارقة جوهرية مؤداها أن كلما سعت الدول إلى تعزيز أمنها، ساهمت – بشكل أو بآخر – في إنتاج لا أمن الآخرين. ومن هنا تتولد دينامية الصراع التي تعيد تشكيل النظام الدولي باستمرار.

    ينبغي فهم التحولات الراهنة في العالم – في سياق 2026 – باعتباره امتداداً تاريخياً لما يسميه الفكر الواقعي “معضلة الأمن”. يوضح Hans Morgenthau أن “السياسة الدولية، شأن كل سياسة، هي صراع من أجل القوة” (Hans Morgenthau, Politics Among Nations) . تُترجم هذه الفكرة اليوم في تصاعد التوترات بين القوى الكبرى، حيث تتداخل الحرب في أوكرانيا، والصراع في الشرق الأوسط، والتنافس الأمريكي – الصيني، لتُنتج مشهداً دولياً شديد التعقيد والسيولة.

    الأمن كمنطق تاريخي لإنتاج القوة

    منطلقنا أن المجتمعات “سعت إلى تحويل التقدم التكنولوجي إلى وسائل أكثر فعالية للمراقبة والاستعداد والهيمنة خارج الحدود” (Henry Kissinger, The Age of AI, And Our Human Future). ويعني ذلك أن التكنولوجيا ليست أداة محايدة، بل توجد في قلب استراتيجيات الهيمنة.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    يدعم Michel Foucault هذا الطرح عندما يبين أن “السلطة الحديثة تمارس وجودها من خلال آليات المراقبة والانضباط” (Michel Foucault, Discipline and Punish). وذلك ما يتجسد اليوم تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي، والأقمار الصناعية والحروب السيبرانية، حيث تنتقل المعركة من الجغرافيا التقليدية إلى البيانات.

    تُعيد الولايات المتحدة، على سبيل المثال، توظيف هذه الأدوات للحفاظ على تفوقها الاستراتيجي، بينما تسعى الصين إلى بناء نموذج موازٍ عبر ما يسميه Graham Allison بـ”فخ ثيوسيديدس”، أي الصراع الحتمي بين قوة صاعدة وأخرى مهيمنة (Graham Allison, *Destined for War*, 2017).

    النظام العالمي بين التفكك وإعادة التشكيل

    يُظهر المشهد الدولي الراهن جنوحا واضحاً بعيدا عن النظام الأحادي القطبية الذي ساد بعد الحرب الباردة. يصف Zbigniew Brzezinski هذا التحول بقوله إن “الهيمنة العالمية تتطلب إدارة التوازنات الجيوسياسية الكبرى لا السيطرة المطلقة عليها” (Zbigniew Brzezinski, The Grand Chessboard).

    لكن ما يحدث اليوم يتجاوز “الإدارة” نحو حالة من التفكك النسبي. فالحرب في أوكرانيا أعادت إحياء منطق التكتلات، بينما فجر الصراع في الشرق الأوسط توازنات هشة، خصوصاً مع تزايد التدخلات الإقليمية والدولية. وتُترجم هذه التحولات في تراجع فعالية المؤسسات متعددة الأطراف، وعلى رأسها الأمم المتحدة.

    يُحذر Joseph Nye من هذا الانزلاق بقوله إن “القوة في القرن 21 لم تعد تُقاس بالقدرة العسكرية وحدها، بل بالقدرة على الجمع بين القوتين الصلبة والناعمة” (Joseph Nye, The Future of Power). غير أن ما نشهده اليوم في كل مناطق الصراعات الدولية هو نوع من العمى الدبلوماسي والفكري الاستراتيجي، حيث تغوُّل القوة الصلبة على حساب الدبلوماسية.

    من هم المستفيدون؟

    أ – الولايات المتحدة: إعادة التموضع لا الانسحاب.

    أكبر مستفيد هي الولايات المتحدة من حالة الفوضى المنظمة حيث تعزز تحالفاتها ببيع السلاح وتفريغ مخزوناتها القديمة وتشغيل مصانعها بأكبر طاقة لها. كما تُعيد توجيه مواردها لاحتواء الصين، مستثمرةً في الصناعات الدفاعية والطاقة.

    ب – الصين: صعود حذر.

    تُراكم الصين مكاسبها عبر مبادرة “الحزام والطريق”، لكنها تتجنب المواجهة المباشرة. وتستفيد من انشغال الغرب بصراعات متعددة لتعزيز نفوذها الاقتصادي.

    ج – روسيا: مكاسب تكتيكية وخسائر استراتيجية.

    تحقق روسيا تقدماً عسكرياً نسبياً، لكنها تدفع كلفة اقتصادية وسياسية كبيرة. يصف George Kennan هذا النوع من السلوك السياسي بقوله إن “القوة التي تعتمد على التوسع العسكري دون شرعية دولية تُقوّض نفسها على المدى الطويل” (George Kennan, American Diplomacy).

     من هم الخاسرون؟

    أ – الاتحاد الأوروبي: هشاشة استراتيجية

    يعاني الاتحاد الأوروبي من تبعية أمنية للولايات المتحدة كما يعاني من انقسامات داخلية، نتيجة للتحولات الاستراتيجية في الموقف الأمريكي من حلف شمال الأطلسي ومن ترتيباته التنظيمية واستراتيجياته الأساسية، في ارتباط بتصورات الإدارة الجديدة لمفهوم الأمن القومي الأمريكي. وقد أظهرت الحرب في أوكرانيا محدودية استقلالية الاتحاد الأوروبي واعتماده الجوهري على المظلة الأمريكية.

    ب – الشرق الأوسط: إعادة إنتاج الهشاشة والصراع

    تتجدد بؤر التوتر، خاصة في ظل تعقيدات القضية الفلسطينية، والصراعات الإقليمية. وتُصبح المنطقة مسرحاً لتصفية الحسابات الدولية. وقد أظهرت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران هشاشة التحالفات الخليجية الأمريكية من جهة، وعدم استقلالية القرار السياسي وصعف القدرات الخليجية في صيانة الأمن الجماعي والمصالح الاقتصادية الضخمة لدول الخليج العربية. وجدت دول الخليج العربي نفسها فجأة مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أمام سؤال استراتيجي سبق وحاولت الرد عليه، بالتنمية السياحية وباستنبات صناعات تكنولوجية محلية تظل محل تساؤل، من حيث التوطين البشري وإنتاج قدرات تدبيرية محلية شاملة.

    المملكة المغربية بين التحديات والفرصة

    تتحرك المملكة المغربية داخل هذا السياق المعقد ببراغماتية واضحة. فهي تستفيد من موقعها الجيوسياسي كجسر بين أوروبا وأفريقيا، وتعزز شراكاتها الاستراتيجية وخاصة مع الولايات المتحدة. تتوضح البراغماتية الفاعلة والحكيمة ببعد نظرها للسياسات الاستراتيجية التنموية للملكة المغربية بقيادة الملك محمد السادس، في تأسيس بنيات تحتية استراتيجية متكاملة وشديدة الطابع العملي، ترفع من قوة موقع المملكة وتحولها إلى فضاء استراتيجي التقائي لسلاسل التوريد وللحركة الاقتصادية العالمية، وجسرا لنقل الطاقات البديلة من منطلق رابح – رابح إفريقي أوروبي أطلسي غير مسبوق.

    يمكن فهم هذا التوجه في ضوء ما يقوله Barry Buzan: “يتشكل الأمن الإقليمي من خلال تفاعلات الدول داخل مجالات جغرافية محددة” (Barry Buzan, People, States and Fear). فالمملكة المغربية تعيد تعريف أمنها ضمن فضاء أطلسي-أفريقي متكامل.

    غير أن التحديات تبقى قائمة، خاصة فيما يتعلق بالاستقرار الإقليمي، وقضية الصحراء المغربية، والريادة الشمال إفريقية والتنافس الدولي على أفريقيا، ولعل ما يظهر لحد الآن من بوادر ينبئ بقرب انفراج في القضايا الكبرى التي تشكل تحديا لنماء المملكة، بفضل الصبر الاستراتيجي والدبلوماسية التي تجسده منذ عقود.

    الأمن كذريعة أم كضرورة؟

    هل يُستخدم الأمن ذريعةً للهيمنة؟ يجيب المفكر إدوارد سعيد Edward Said بأن “الخطاب الإمبريالي يُعيد تشكيل العالم وفق تصوراته الخاصة عن النظام والفوضى” (Edward Said, Orientalism). ومع ذلك فلا يمكن إنكار أن الأمن يظل ضرورة وجودية لكل دولة في كل زمان ومكان وهنا تظهر المفارقة:
    بقدر ما تحتاج الدول إلى الأمن، فإنها تُنتج انعدام الأمن في سعيها إليه.

    نحو نظام عالمي بلا مركز؟

    يُظهر تحليلنا أن النظام العالمي يتجه نحو تعددية قطبية غير مستقرة لحد الآن، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم في آن واحد. ويعيد هذا الوضع الاعتبار لفكرة علمية وفلسفية قوامها أن التاريخ ليس خطاً مستقيماً، بل سلسلة من تحولات متقطعة.

    يختصر Kenneth Waltz هذا الوضع بقوله: “يحدد النظام الدولي سلوك الدول أكثر مما تحدده نواياها” (Kenneth Waltz, Theory of International Politics). وهو ما يعني أن الفوضى ليست خللاً، بل في صميم تكوين بنية النظام العالمي، وأي نظام آخر، عند دخوله مراحل التغيير والتحول.

    في هذا الأفق، لا يبدو أن العالم يتجه نحو استقرار قريب، بل نحو إعادة توزيع مستمرة للقوة، حيث يظل الأمن – كما في النص الأصلي – الحد الأدنى الذي لا يمكن التنازل عنه، حتى لو كان الثمن هو استمرار الصراع.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حرب بلا مركز.. د. »الشرقاوي الروداني » يفكك الاستراتيجية الإيرانية التي أربكت أمريكا وإسرائيل في حرب الشرق الأوسط

    في ظل التصعيد غير المسبوق الذي يشهده الشرق الأوسط، تتكشف تدريجياً ملامح نمط جديد من الحروب يتجاوز المفاهيم التقليدية للصراع العسكري. فالمواجهة الحالية، التي اندلعت عقب الضربات الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران في أواخر فبراير 2026، لم تعد مجرد مواجهة عسكرية مباشرة، بل تحولت إلى صراع معقد متعدد الجبهات يتداخل فيه العسكري بالسياسي والاقتصادي والإقليمي. هذا التحول هو ما يحاول تفسيره الخبير المغربي في الجيوسياسية والأمن الاستراتيجي الدكتور « الشرقاوي الروداني » من خلال تحليل نشرته صحيفة « Modern Diplomacy » تحت عنوان « حرب بلا مركز.. الدفاع الفسيفسائي الإيراني »، والذي أشار من خلاله إلى أن الحرب الجارية تكشف عن نموذج استراتيجي جديد يمكن وصفه بـ »الحرب بلا مركز ».

    وارتباطا بالموضوع، يشير الدكتور « الشرقاوي الروداني » في تحليله إلى أن الشرارة الأولى للحرب جاءت بعد الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير 2026 ضمن عمليتين عسكريتين حملتا اسم « عملية الغضب الملحمي » أو (Epic Fury) من الجانب الأمريكي وعملية « زئير الأسد » أو (Lion’s Roar) من الجانب الإسرائيلي. وقد استهدفت هذه العمليات مراكز القيادة والبنية التحتية الحيوية في إيران في محاولة واضحة لتطبيق ما يعرف في العقيدة العسكرية الغربية بـ استراتيجية الضربة القاصمة للقيادة أو استراتيجية قطع الرأس (Strategic Decapitation).

    في سياق متصل، أوضح الروداني أن هذا النوع من العمليات يقوم على فرضية كلاسيكية في الفكر العسكري مستمدة من مفهوم مركز الثقل (Center of Gravity) لدى المنظر العسكري كارل فون كلاوزفيتز، والذي يفترض أن ضرب المركز السياسي أو العسكري للخصم يؤدي إلى شل قدرته على اتخاذ القرار وتسريع انهيار منظومته الاستراتيجية.

    ووفق ما يورده تحليل الدكتور الشرقاوي الروداني، فقد تحدثت عدة تقارير إعلامية في الساعات الأولى للحملة عن تحييد المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار قادة الحرس الثوري الإيراني. وبحسب القراءة الكلاوزفيتزية التقليدية، فإن استهداف مركز الثقل السياسي والعسكري يفترض أن يؤدي إلى حالة من الارتباك الاستراتيجي وانهيار القدرة على المقاومة. غير أن التطورات اللاحقة للحرب، كما يوضح الروداني، كشفت مساراً مختلفاً تماماً. فبدلاً من الانهيار السريع للنظام العسكري الإيراني، بدأت المواجهة تتخذ شكلاً أكثر انتشاراً وتعقيداً، مع توسع نطاق العمليات وتعدد مسارح الاحتكاك الإقليمي.

    في أعقاب ذلك، يشير الروداني إلى أن الرد الإيراني، الذي جاء تحت اسم عملية « الوعد الصادق الرابعة » أو (True Promise IV)، لم يكن مجرد رد عسكري تقليدي بقدر ما مثّل بداية مرحلة جديدة في طبيعة الصراع. فالمواجهة تحولت تدريجياً إلى صراع متعدد المسارح يتسم بانتشار العمليات العسكرية عبر نقاط مختلفة من الشرق الأوسط. ومن وجهة نظره، فإن هذا التطور يعكس تحولاً أعمق في منطق الحرب نفسها، حيث لم يعد الهدف تحقيق حسم عسكري سريع بقدر ما أصبح يتمثل في خوض حرب استنزاف (War of Attrition) طويلة الأمد تهدف إلى إضعاف القدرات العسكرية والسياسية والاقتصادية للخصم تدريجياً.

    وفي قلب تحليل الدكتور الشرقاوي الروداني يبرز مفهوم أساسي هو « الحرب بلا مركز » أو ما يصطلح عليه بـ (War Without a Center). ويقصد به نموذجاً من الصراعات لا يعتمد على مركز قيادة واحد يمكن تدميره لإنهاء الحرب. ففي هذا النوع من الحروب يتم توزيع القيادة والقدرات العسكرية عبر شبكة واسعة من المراكز التكتيكية المترابطة، بحيث لا يؤدي تدمير القيادة العليا إلى انهيار النظام العسكري، بل قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى انتشار الصراع عبر المجال العملياتي.

    في هذا الصدد، يرى الروداني أن ما حدث في الحالة الإيرانية يعكس هذا المنطق بدقة، إذ إن استهداف المركز القيادي أدى إلى تفعيل آليات مرونة عسكرية كانت مدمجة مسبقاً في العقيدة الاستراتيجية الإيرانية.

    ويؤكد الخبير المغربي في تحليله أن هذه المرونة تعود إلى عقيدة عسكرية طورتها إيران خلال العقود الماضية تعرف باسم الدفاع الفسيفسائي أو (Mosaic Defense). ويقوم هذا المفهوم على تفتيت المجال العملياتي وتوزيع السلطة العسكرية على عدد كبير من الوحدات التكتيكية المستقلة بحيث يصبح من الصعب شل النظام العسكري بالكامل بضربة واحدة.

    كما يشرح الروداني أن جذور هذا التفكير الاستراتيجي تعود إلى تجربة إيران خلال الحرب العراقية-الإيرانية بين عامي 1980 و1988، حين أدركت القيادة الإيرانية أن الأنظمة العسكرية المركزية تكون عرضة للانهيار السريع أمام خصم يمتلك تفوقاً عسكرياً تقليدياً.

    وأشار تحليل الروداني إلى أن هذا الإدراك تعزز في مطلع الألفية الجديدة بعد الغزو الأمريكي لكل من أفغانستان والعراق، حيث أظهرت تلك الحروب مدى هشاشة الأنظمة السياسية والعسكرية شديدة المركزية عندما تواجه قوة عسكرية متفوقة. ومن هنا بدأت إيران تدريجياً في تطوير بنية استراتيجية تقوم على توزيع السلطة العملياتية بين عدد كبير من الوحدات العسكرية وشبه العسكرية القادرة على العمل باستقلالية نسبية مع الالتزام بتوجيهات استراتيجية عامة.

    ويضيف الدكتور الشرقاوي الروداني أن قوة هذه الاستراتيجية لا تكمن فقط في البنية العسكرية الداخلية لإيران، بل أيضاً في الشبكة الإقليمية من الحلفاء التي تمنح طهران عمقاً استراتيجياً واسعاً. فإيران، وفق تحليله، تعتمد على شبكة من الفاعلين غير الدولتيين مثل حزب الله في لبنان والميليشيات الشيعية في العراق وجماعة الحوثي في اليمن، وهو ما يسمح بتوزيع المواجهة عبر عدة جبهات في وقت واحد ويجبر الخصوم على التعامل مع عدد متزايد من نقاط الاحتكاك العملياتي.

    كما يتطرق الروداني في تحليله إلى البعد الاقتصادي للحرب، موضحاً أن إيران تعتمد جزئياً على منطق فرض التكاليف غير المتكافئة (Asymmetric Cost Imposition)، مشيرا إلى أن الهجمات التي تستخدم الطائرات المسيّرة والصواريخ منخفضة التكلفة يمكن أن تفرض على الخصم استخدام منظومات دفاعية باهظة الثمن لاعتراضها، وهو ما يؤدي بمرور الوقت إلى استنزاف اقتصادي تدريجي للطرف المقابل.

    ومن بين النقاط التي يبرزها تحليل الدكتور الشرقاوي الروداني أيضاً اتساع النطاق الجغرافي للمواجهة. فالهجمات الإيرانية لم تعد محصورة في ساحة واحدة، بل امتدت لتشمل أهدافاً في عدة نقاط من الخليج إضافة إلى بنى تحتية استراتيجية في المنطقة. ويرى أن هذا التوسع يعكس تطبيقاً عملياً لعقيدة الدفاع المتقدم (Forward Defense)، وهي عقيدة تقوم على نقل ساحة المواجهة خارج الحدود الوطنية لمنع تحول الأراضي الإيرانية إلى مسرح رئيسي للحرب.

    وفي هذا السياق يوضح الروداني أن الشرق الأوسط يمكن فهمه كنظام استراتيجي مترابط يتكون من قواعد عسكرية وممرات بحرية ومنشآت طاقة وبنى تحتية حيوية، وأن استهداف هذه العقد يمكن أن يحول نزاعاً إقليمياً محدوداً إلى أزمة ذات تداعيات دولية أوسع.

    وفي ختام تحليله المنشور في صحيفة « مودرن ديبلوماسي »، يرى الدكتور الشرقاوي الروداني أن هذا النموذج من الصراعات يمثل تحدياً حقيقياً للمفاهيم التقليدية في الاستراتيجية العسكرية الغربية، مؤكدا أن الكثير من العقائد العسكرية الأمريكية بعد الحرب الباردة قامت على فكرة أن الضربات الدقيقة ضد القيادة يمكن أن تحقق نتائج حاسمة وسريعة، غير أن الأنظمة العسكرية الموزعة مثل النموذج الإيراني تجعل هذه الفرضية أقل قابلية للتحقق.

    ولهذا يخلص الروداني إلى أن الصراعات الحديثة قد تعتمد بدرجة أقل على القضاء على القيادات وأكثر على تفكيك الشبكات التي تدعم العمليات الموزعة مثل أنظمة الاتصالات وسلاسل الإمداد وشبكات التمويل. وفي مثل هذه الحروب، لا يؤدي تدمير المركز إلى إنهاء الصراع بل قد يؤدي إلى انتشاره، وهو ما يجعل الحرب الجارية مثالاً واضحاً لما يسميه « الحرب بلا مركز »، حيث لا يؤدي تدمير القيادة إلى إنهاء الحرب بل إلى إعادة توزيعها عبر شبكة أوسع من الفاعلين والمسارح.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • القائم بأعمال السفارة الأمريكية يصرف الفتور في علاقات الجزائر وواشنطن

    هسبريس ـ أحمد الساسي

    أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية تعيين الدبلوماسي مارك شابيرو قائما بالأعمال على رأس بعثتها الدبلوماسية في الجزائر، عقب انتهاء مهام السفيرة السابقة إليزابيث أوبين؛ في خطوة تعكس تغيرا جذريا على مستوى التمثيل الدبلوماسي الأمريكي، وتثير تساؤلات حول دلالاتها السياسية.

    ويعد تعيين قائم بالأعمال إجراء دبلوماسيا معمولا به خلال الفترات الانتقالية بين مغادرة سفير وتسمية آخر؛ غير أن الاكتفاء بهذا المستوى من التمثيل دون تسريع تعيين سفير كامل الصلاحيات يفسر غالبا كمؤشر على فتور محسوب في العلاقات الثنائية، أو رغبة في الإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة دون منح العلاقة زخما سياسيا كبيرا.

    ويأتي هذا التطور في سياق إعادة ترتيب واشنطن لأولوياتها الاستراتيجية في منطقة شمال إفريقيا والساحل، حيث تتقاطع ملفات الأمن الإقليمي والطاقة ومحاربة الإرهاب مع تباينات في الرؤى بين الجانبين الأمريكي والجزائري بشأن عدد من القضايا الإقليمية؛ ما يفرض على الإدارة الأمريكية اعتماد مقاربة حذرة ومتدرجة في إدارة علاقاتها الثنائية مع الجزائر.

    وفي مقدمة هذه القضايا، يبرز نزاع الصحراء المغربية، في ظل انخراط الولايات المتحدة في مسار سياسي يهدف إلى الدفع نحو تسوية نهائية للنزاع على أساس مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب سنة 2007، انسجاما مع مضامين القرار الأممي رقم 2797 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، مقابل استمرار الجزائر في التمسك بمقاربات متصلبة لم تعد تحظى بالدعم نفسه داخل أروقة الأمم المتحدة.

    وإلى جانب ذلك، تلقي الصفقات العسكرية الجزائرية مع روسيا بظلالها على مسار العلاقات مع واشنطن، في ظل تحفظات أمريكية متزايدة وإشارات سابقة إلى إمكانية تفعيل مقتضيات قانون “كاتسا”؛ الشيء الذي يجعل تعيين قائم بالأعمال رسالة دبلوماسية منخفضة النبرة، تعكس إدارة أمريكية دقيقة لخلافات متعددة دون الوصول إلى مستوى القطيعة أو التصعيد العلني.

    في هذا الصدد، قال أبا علي أبا الشيخ، عضو المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، إن عددا من المؤشرات المتراكمة خلال الفترة الأخيرة توحي بأن العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والجزائر تمر بمرحلة فتور واضح، خاصة في ظل تصاعد القلق داخل دوائر القرار الأمريكية بشأن التوجهات الاستراتيجية للجزائر.

    وأضاف أبا علي، ضمن تصريح لهسبريس، أن من أبرز هذه المؤشرات جلسات الاستماع التي عقدها الكونغرس الأمريكي حول اقتناء الجزائر لأسلحة روسية متطورة؛ من بينها مقاتلات الجيل الخامس، على الرغم من القيود الصارمة التي فرضتها واشنطن على تجارة السلاح الروسي منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.

    وأوضح عضو المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية أن تصريحات المسؤول الأمريكي روبرت بالادينو أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي، والتي لوّح فيها بإمكانية فرض عقوبات على الجزائر بموجب قانون “كاتسا”، تعكس مستوى القلق الأمريكي إزاء هذه الصفقات وتؤكد أن واشنطن تتابع هذا الملف عن كثب ولا تستبعد اللجوء إلى أدوات ضغط قانونية ودبلوماسية.

    كما عرج المتحدث، ضمن تصريحه، على أن الخلافات بين الطرفين لا تقتصر على ملف التسلح فقط؛ بل تمتد إلى قضايا إقليمية أوسع، وفي مقدمتها نزاع الصحراء المغربية.

    وأبرز أن الولايات المتحدة تدفع في اتجاه تسوية نهائية تقوم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتباره مدخلا أساسيا لترسيخ الأمن والاستقرار، وإعادة بناء علاقات حسن الجوار في المنطقة.

    وتابع شارحا: إن تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي الأمريكي في الجزائر إلى درجة قائم بالأعمال يندرج ضمن حزمة من الأساليب الدبلوماسية الهادئة التي تعتمدها واشنطن لإيصال رسائل سياسية غير مباشرة، دون اللجوء إلى التصعيد العلني.

    وخلص عضو “الكوركاس” إلى أن استمرار تجاهل الجزائر لهذه الإشارات قد يفتح الباب أمام خيارات أمريكية أكثر صرامة، سواء على المستوى الاقتصادي أو العسكري، لا سيما في ظل مواقف سابقة عبر عنها ماركو روبيو عندما كان يترأس لجنة الاستخبارات في الكونغرس؛ وهو ما يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على مختلف الاحتمالات.

    من جانبه، قال رمضان مسعود العربي، عضو المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، إن الاكتفاء الأمريكي بتسمية قائم بالأعمال في سفارتها بالجزائر لا يمكن فصله عن منطق الضغط السياسي الهادئ الذي تعتمده واشنطن في هذه المرحلة.

    وأضاف مسعود، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن هذا الاختيار الدبلوماسي يوحي برسائل مبطنة أولية موجهة إلى النظام الجزائري، مفادها أن الولايات المتحدة تفضل منح هامش لالتقاط الإشارة وإعادة ضبط المواقف، قبل الانتقال إلى أدوات أكثر صرامة.

    واستدرك الخبير في نزاع الصحراء قائلا: إن واشنطن تتعمد، في مثل هذه الحالات، اعتماد خطوات محسوبة ومنخفضة السقف تجنّبها الدخول المباشر في دوائر العقوبات الاقتصادية أو السياسية المعروفة التي تظل خيارا مؤجلا وليس مستبعدا.

    وفي هذا السياق، سجل رمضان مسعود العربي أن خفض مستوى التمثيل الدبلوماسي يشكل ورقة ضغط أولية تهدف إلى اختبار تجاوب الجزائر مع التوجهات الأمريكية في أفق تصحيح المسار دون إحداث قطيعة أو تصعيد علني قد يربك توازنات إقليمية أكثر تعقيدا، خاصة أن الإدارة الأمريكية منخرطة بشكل مكثف في صياغة حل لنزاع الصحراء وفق الرؤية المغربية المتمثلة في الحكم الذاتي بمشاركة كل أطراف النزاع الإقليمي المفتعل.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • دبلوماسية المعادن والسيادة الهجينة: المغرب في خارطة تفتت العولمة

    جلال المخفي

    يستهل النظام الدولي حقبة جديدة من تفتت العولمة (Deglobalization)، حيث لم يعد الاعتماد المتبادل (Weaponized Interdependence) بين القوى الكبرى مرادفا للاستقرار، بل تحول تدريجيا إلى أداة ضغط ونفوذ تستعمل في الصراع على إعادة تشكيل موازين القوة.

    في هذا السياق، لم تعد شبكات التجارة وسلاسل الإمداد مجرد آليات اقتصادية محايدة، بل أصبحت ساحات صراع جيوسياسي يعاد من خلالها تعريف مفاهيم السيادة، والأمن القومي، والاستقلال الصناعي.

    في هذا المناخ المتحول، برزت دبلوماسية المعادن الحرجة (Critical Minerals Diplomacy) كرافعة استراتيجية لا تقل وزنا عن القوة العسكرية التقليدية. فالمعادن لم تعد مدخلا للتنمية فقط، بل غدت عنصرا حاسما في معادلات الردع الصناعي والتكنولوجي، وشرطا أساسيا للانتقال الطاقي وصناعات الدفاع المتقدمة.

    ومع تصنيف واشنطن لما يقارب 50 معدنا باعتبارها عناصر مرتبطة مباشرة بالأمن القومي، يجد المغرب نفسه في قلب منطق قومية الموارد (Resource Nationalism)، ليس فقط باعتباره خزانا للمواد الخام، بل كفاعل يسعى إلى تثبيت موقعه داخل تكتلات الموردين (Minerals Clubs) التي تتشكل خارج دائرة الهيمنة الصينية، والتي تسيطر حاليا على ما بين 85 و90 في المئة من عمليات معالجة العناصر الأرضية النادرة عالميا.

    إن الرؤية الاستراتيجية المتزنة تفرض إدراك أن المعادن، رغم أهميتها، لا تحسم الصراع وحدها دون سند من جيوسياسة الهيدروجين (Hydrogen Geopolitics) والطاقة النظيفة. فالمغرب لا يكتفي بامتلاك نحو 70 في المئة من احتياطيات الفوسفات العالمية، بل يعمل على إدماج هذا المورد ضمن رؤية الحياد الكربوني السيادي (Sovereign Decarbonization)، عبر رفع حصة الطاقات المتجددة في المزيج الكهربائي إلى 52 في المئة بحلول عام 2030.

    هذا التموضع يمنح المملكة قدرة تنافسية على تسويق معادن خضراء، تستجيب لمعايير الاستدامة الصارمة، ما يجعلها شريكا مفضلا في استراتيجيات صديق-التوطين (Friend-Shoring) التي تعتمدها القوى الغربية لإعادة تموضع صناعاتها الحساسة داخل دول حليفة ومستقرة، بدل الارتهان لمنافسين جيوسياسيين، وهو ما يعزز مفهوم سلاسل الإمداد المرنة (Supply Chain Resilience).

    وتتجلى دينامية هذا التموضع في المقارنة الرقمية بين الحضورين الصيني والأمريكي فوق التراب المغربي. ففي حين تركز الاستثمارات الصينية، التي تجاوزت قيمتها المرتقبة في قطاع بطاريات الليثيوم 4.5 مليار دولار عبر شركات مثل Gotion High-Tech وBTR، على بناء قاعدة إنتاجية موجهة أساسا للتصدير نحو السوق الأوروبية، تتجه الاستثمارات الأمريكية نحو مشاريع ذات قيمة مضافة عالية، تربط بين التكنولوجيا المتقدمة والبعد الدفاعي.

    فالولايات المتحدة، عبر مؤسسات مثل شركة تمويل التنمية الدولية (DFC)، تسعى إلى تأمين حصص استراتيجية في معادن الكوبالت والنحاس، مع إدماج هذه المقاربة ضمن اتفاقيات التجارة الحرة، ما يجعل المغرب المنصة الإفريقية الوحيدة التي تجمع بين النفاذ التفضيلي للسوق الأمريكية والاندماج في سلاسل القيمة الصناعية الغربية.

    هذا التنافس يمنح الرباط فرصة نادرة لخلق تشابك مصالحي (Interest Intertwining)، يقوم على موازنة الكم الاستثماري الصيني بالكيف التكنولوجي والدفاعي الأمريكي، بما يحول التنافس الدولي من عامل ضغط إلى رافعة تفاوضية.

    وفي ظل التحول نحو التعددية القطبية المصغرة (Minilateralism)، تبرز الأقاليم الجنوبية للمملكة كعقدة وصل استراتيجية في النظام الدولي الناشئ. فاستثمار الموارد المعدنية والريحية في هذه المناطق يتجاوز البعد الاقتصادي، ليصبح أداة مباشرة لتعزيز السيادة، عبر إدماج القوى الكبرى في عقود توريد سيادية (Sovereign Offtake Agreements) تجعل من استقرار المغرب مصلحة حيوية لأمن تلك القوى.

    هذا التشابك يفرض على الشركاء الدوليين الانتقال من منطق الدعم الدبلوماسي إلى الاعتراف العملي بالسيادة، مقابل ضمان تدفق معادن حيوية تدخل في صميم الصناعات الدفاعية، مثل الكوبالت والفوسفور والزرنيخ، وهي عناصر أساسية في تكنولوجيا الرادارات ومحركات الطائرات المقاتلة من الجيل الخامس، وعلى رأسها مقاتلات F-35.

    إقليميا، يتبنى المغرب مقاربة الأمن الشامل (Comprehensive Security) التي تربط بين الأمن العسكري، والطاقي، والغذائي. ويتجسد ذلك بوضوح في مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب، الذي لا يختزل في كونه بنية تحتية لنقل الطاقة، بل يمثل أداة جيوسياسية لإعادة تشكيل موازين القوة داخل القارة الإفريقية، ولمواجهة منطق الاستعمار الأخضر (Green Colonialism)، عبر تمكين الدول الإفريقية من تثمين مواردها وتصنيعها محليا بدل الاقتصار على تصديرها خاما.

    هذا الدور يرسخ موقع المغرب كجسر سيادي يربط موارد الجنوب بتقنيات الشمال، وهو تموضع يستلزم ممارسة الحياد النشط (Active Neutrality)، أي القدرة على المناورة بين الأقطاب المتنافسة لاستخلاص مكاسب تكنولوجية وصناعية، دون السقوط في فخ التبعية المطلقة، مع إدراك أن كلفة التردد في زمن الحرب الهجينة الرمادية (Hybrid Grey-Zone Warfare) قد تكون باهظة وتؤدي إلى فقدان التنافسية الإقليمية.

    إن الرهان المغربي في أفق 2035 يتمثل في الانتقال من موقع ممر للموارد إلى مقر لصناعة القرار التقني والصناعي. فالقوة لم تعد تكمن في استخراج المعدن فقط، بل في امتلاك سيادة البيانات (Data Sovereignty) المرتبطة بسلاسل التعدين، والمعالجة، والتصدير.

    العالم القادم لا يعترف إلا بالدول القادرة على تحويل الميزة المكانية (Locational Advantage) إلى ضرورة استراتيجية (Strategic Necessity). ومن خلال توظيف أوراق الضغط المزدوجة التي تجمع بين الثروة المعدنية والريادة في الطاقة الخضراء، تستطيع الرباط فرض شروطها داخل أي منطق دولي للصفقات (Deal Logic)، بما يضمن نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات الدفاعية، ويجعل من المملكة ركيزة بنيوية لا غنى عنها في نظام عالمي جديد لا يحكمه الخطاب، بل موازين القوى الملموسة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الصراع العالمي.. كيف يناور المغرب بين واشنطن وبكين لضمان سيادته الاقتصادية؟

    أفاد تقرير صادر عن مجلة “Modern Diplomacy” بأن المغرب يعكف على اعتماد مقاربة متوازنة في تعامله مع التوترات الاقتصادية المتصاعدة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، عبر مناورات دبلوماسية محسوبة تهدف إلى ضمان السيادة الاقتصادية وتعزيز المرونة في مواجهة التحديات الجيوسياسية. وأوضح التقرير أن المغرب، بحكم موقعه الجغرافي الاستراتيجي، لم يعد في موقع المتأثر فقط بالصراع […]

    ظهرت المقالة الصراع العالمي.. كيف يناور المغرب بين واشنطن وبكين لضمان سيادته الاقتصادية؟ أولاً على Bladna24.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أمريكا وروسيا تعيدان ترتيب الأوراق .. والمغرب يتهيأ لفرص استراتيجية

    هسبريس – محمد البخياري

    مع التصعيد المحتدم بين إيران وإسرائيل انبثقت مفاجأة دبلوماسية مدوّية بعد توجيه الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، دعوة صريحة لروسيا لتضطلع بدور الوسيط في هذا النزاع المتشابك. دعوة كهذه لا يمكن قراءتها بمعزل عن تحولات عميقة في مزاج الإستراتيجيات الدولية، إذ تنم عن رغبة دفينة لدى صانع القرار الأمريكي في إعادة ترسيم هندسة التحالفات الكبرى، واستنهاض قنوات التواصل مع موسكو بعد أعوام من البرود الجيوسياسي والتنافر الحاد.

    أما التقارب المفترض بين القوتين فيُفصح عن لحظة انعطاف محتملة في خرائط الهيمنة الدولية؛ لحظة قد تُعيد صياغة موازين التأثير من جديد بين ضفتي العالم. فواشنطن، في سعيها إلى استعادة المبادرة، تقابلها موسكو بمسعى موازٍ لتأهيل ذاتها كقوة مرجعية في معادلات التفاوض الدولية، موقظة طموحها الإمبراطوري من سباته.

    ويرى مراقبون أن تجسّد هذا التقارب على أرض الواقع من شأنه أن يُعيد رسم معالم النظام الدولي وفق أولويات جديدة للقوى الكبرى؛ فبينما تميل الولايات المتحدة إلى التخفف من أعباء انخراطها المباشر في بؤر التوتر تسعى روسيا إلى استعادة موقعها كقوة توازن لا غنى عنها في صوغ تسويات النزاعات المركّبة. وإذا ما تأكد هذا التحول فإن العالم سيكون أمام مشهد دولي جديد تُحرّكه مقاربات “البراغماتية التفاوضية” بدلًا من ثنائيات الاستقطاب الحاد، وهو ما قد يفتح المجال لتليين مواقف بعض الفاعلين الدوليين من قضايا إقليمية معقدة، لطالما خضعت لمعادلات جامدة.

    في هذا الأفق المتحول يطل المغرب كأحد الفاعلين الإقليميين الذين راكموا زخمًا دبلوماسيًا لافتًا خلال السنوات الأخيرة، ولاسيما بعد الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء سنة 2020، واتساع دائرة التأييد لمبادرة الحكم الذاتي في إفريقيا وأمريكا اللاتينية. وإذ تظل موسكو، رغم روابطها التاريخية بالرباط، مترددة في اتخاذ موقف صريح من النزاع، فإن أي تبدل مرتقب في تموضعها الجيوسياسي، بفعل تقارب محتمل مع واشنطن، قد يتيح للمغرب نافذة إستراتيجية لإعادة تموقعه ضمن منظومة التحالفات الكبرى، مستندًا إلى براغماتية واقعية تؤمن بتدوير الزوايا.

    تتخطّى الرهانات الجارية مجرد السعي إلى الوساطة في نزاع إقليمي محدود، لتُلامس عمق التحولات الممكنة في بنية المواقف الدولية إزاء قضايا السيادة. وإذا ما تحقق التقارب الأمريكي الروسي، حتى وإن اتخذ طابعًا ظرفيًا أو براغماتيًا، فقد نشهد تحوّلًا في منهجية تعاطي مجلس الأمن مع الملفات الخلافية، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية. ذلك أن تضاؤل الفجوة التقليدية بين موقفي موسكو وواشنطن من شأنه أن يُربك تموقع القوى المناوئة للمغرب داخل المنتظم الأممي، ويفتح للرباط أفقًا تفاوضيًا أكثر مرونة.

    تحوّل محتمل

    يرى حسن الإدريسي، الباحث في قسم العلاقات الدولية بجامعة ابن زهر، أن دعوة دونالد ترامب فلاديمير بوتين للعب دور الوسيط في النزاع الإيراني الإسرائيلي لا تندرج فحسب في إطار المناورة الدبلوماسية، بل تعبّر عن توجه أعمق لإعادة ضبط موازين القوة الخارجية في مواجهة التوجهات السائدة في البيت الأبيض، ويؤكد أن هذا المعطى يفرض على المغرب يقظة إستراتيجية، إذ إن أي تقارب محتمل بين موسكو وواشنطن قد يُعيد تشكيل ديناميات التفاوض داخل مجلس الأمن، ولاسيما في ما يتعلّق بملف الصحراء المغربية، حيث يشكّل الطرفان ركيزتين أساسيتين في هندسة القرارات الأممية.

    ويورد الإدريسي، ضمن تصريحه لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن الرباط راكمت من التجربة والرصيد الدبلوماسي ما يؤهلها للتعامل بمرونة مع التحولات المتسارعة في توازنات القوى العالمية، خاصة تلك التي تُعيد رسم خريطة النفوذ الدولي، ويعتبر أن نجاح المغرب في استثمار هذا التقارب المحتمل بين موسكو وواشنطن مشروط بقدرته على تعميق حضوره داخل دوائر القرار في العواصم الغربية والشرقية على حدّ سواء، وبتفعيل قنوات تواصل غير مباشرة مع روسيا تتيح بناء تفاهمات مرنة حول ملف الصحراء المغربية، بعيدًا عن منطق الحرب الباردة والانحيازات العقائدية.

    ويتابع المتحدث ذاته بأن من مصلحة المغرب أن يتابع بحذر هذا التحول في المزاج الجيوسياسي، ولاسيما أن تغير ميزان الاصطفافات داخل مجلس الأمن قد يمنحه هامشًا أوسع للتحرك، بعيدًا عن ثنائية التأييد والفيتو، ويرى أن الرباط مطالبة اليوم بتعزيز مسارات التواصل مع العواصم المؤثرة، بما فيها موسكو، ليس من باب المجازفة، بل من موقع البراغماتية التي راكمتها في العقد الأخير.

    تحالفات متبدّلة

    تعتبر سناء القاسمي، رئيسة شعبة العلوم السياسية بالجامعة الأورومتوسطية بفاس، أن دعوة ترامب بوتين إلى تأدية دور الوسيط لا تعكس فقط تحوّلاً داخلياً في المشهد السياسي الأمريكي، بل تفتح أفقاً جديداً لتشكيل محاور بديلة في النظام الدولي، تتجاوز الانقسامات التقليدية بين الشرق والغرب، وتوضح أن مثل هذا التحول، وإن بدا ظرفياً في طبيعته، فإنه يحمل دلالات قوية حول استعداد القوى الكبرى لتجاوز الخطوط الحمراء التاريخية من أجل حفظ التوازنات الإستراتيجية؛ وفي هذا السياق ترى أن المغرب قد يجد في هذه اللحظة فرصة لتعزيز مقاربته الواقعية القائمة على التعددية والانفتاح، خصوصاً في ظل حاجة موسكو وواشنطن معاً إلى شركاء إقليميين موثوقين في شمال إفريقيا.

    وتؤكد القاسمي، في تصريحها لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن الرباط لطالما انتهجت سياسة خارجية مرنة، تُوازن بين تعدد الأقطاب وتقاطعات المصالح، وهو ما يضعها اليوم في موقع متميّز لاستثمار أي تقارب محتمل بين موسكو وواشنطن، وتشير إلى أن المغرب، بحكم تراكمه في مجال الوساطات الإقليمية وموقعه الريادي داخل القارة الإفريقية، قادر على الدفع نحو تجاوز القراءة التقنية لملف الصحراء، باتجاه مقاربة أكثر واقعية تُراعي الاعتبارات الأمنية والتنموية، وتخلص إلى أن الظرفية الحالية تقتضي من الدبلوماسية المغربية يقظة إستراتيجية واستثمارًا متبصرًا لهذا التحول، في سبيل تعزيز الحضور داخل مجلس الأمن وتقليص هامش المناورة لدى الأطراف المناوئة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الصحراء المغربية .. دعم دولي واسع للمقترح المغربي

    سلطت منصة Modern Diplomacy الأوروبية الضوء على أهمية خطة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب في عام 2007 لحل النزاع حول الصحراء المغربية، والذي استمر لأكثر من خمسين عاما.

    وتعد هذه المبادرة المبنية على الشرعية التاريخية، والاستقرار الإقليمي، والتنمية الشاملة، الخيار الواقعي الوحيد الذي يلقى قبولا متزايدا من المجتمع الدولي كحل دائم للنزاع.

    تشير المنصة إلى أن أصل النزاع يعود إلى عام 1975، عقب انسحاب إسبانيا من الصحراء، حيث أقر الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بوجود روابط قانونية وولاء بين القبائل الصحراوية والعرش المغربي، وبناء على هذه المعطيات، أطلق المغرب “المسيرة الخضراء” التي أعادت التأكيد بشكل سلمي على سيادته.

    وتبرز خطة الحكم الذاتي، التي قدمت للأمم المتحدة في أبريل 2007، كامتداد لتلك الشرعية، فهي تمنح سكان الأقاليم الجنوبية سلطات تنفيذية وتشريعية وقضائية واسعة، مع الحفاظ على الوحدة الوطنية في القضايا السيادية مثل الدفاع والسياسة الخارجية والعملة.

    أبرز التقرير أن خطة المغرب تلقى دعما من قوى عالمية كبرى، من بينها الولايات المتحدة، فرنسا، ألمانيا، إسبانيا والمملكة المتحدة، حيث تعتبر هذه الدول المبادرة المغربية الحل الوحيد الواقعي للنزاع الإقليمي المصطنع، كما دعمت العديد من الدول الإفريقية والعربية هذه المبادرة من خلال فتح قنصليات في مدينتي العيون والداخلة، بما يعزز الاعتراف بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.

    ويعزز هذا الزخم الدبلوماسي موقف المغرب، خاصة مع الدعم المستمر من شركاء إقليميين كدول الخليج ومصر، التي ترى في الحكم الذاتي مقاربة متوازنة تلبي تطلعات السكان المحليين دون المساس بوحدة أراضي المغرب.

    وتبرز المنصة كذلك الأثر الإيجابي المحتمل لخطة الحكم الذاتي في دعم الأمن الإقليمي، خاصة في ظل التحديات الأمنية العابرة للحدود بمنطقة الساحل، إذ يشكل استمرار النزاع عائقا أمام جهود مكافحة الإرهاب، وضبط الهجرة، وتعزيز التعاون الإقليمي، في حين من شأن تحقيق الاستقرار أن يتيح توجيه الموارد نحو تنمية المغرب الكبير.

    وتؤكد المنصة أن استقرار الجنوب المغربي يعتبر أمرا جوهريا للتصدي لتهريب الأسلحة والبشر، ومنع تسلل الجماعات الإرهابية، مشيرة إلى أن الدعم الدولي المتزايد للمبادرة المغربية يعكس قناعة عالمية بأن الصحراء المستقرة داخل مغرب موحد تمثل مفتاح السلام في شمال إفريقيا.

    تؤكد Modern Diplomacy أن خطة الحكم الذاتي ليست مجرد تسوية سياسية، بل هي تصور شامل يتضمن أبعادا ثقافية واقتصادية ومؤسساتية، عبر تعزيز الحكم المحلي وتنفيذ مشاريع كبرى مثل ميناء الداخلة الأطلسي، وتطوير الطاقات المتجددة، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

    وتساهم هذه المشاريع في ترسيخ مفهوم الحكم الذاتي ضمن رؤية تنموية شاملة تقوم على الإدماج والعدالة الاجتماعية، وتستجيب لتطلعات السكان المحليين.

    وتختم المنصة تحليلاتها بالتأكيد على أن المبادرة المغربية تمثل خيارا واقعيا ومتوازنا يتجاوز الجمود القائم بين خيار الاستقلال أو الاندماج الكامل، وفي ظل الغموض الذي يلف السياق الدولي، تظهر هذه المقاربة كحل وسط توافقي يمكن أن يسهم في تحقيق المصالحة المغاربية.

    ظهرت المقالة الصحراء المغربية .. دعم دولي واسع للمقترح المغربي أولاً على Maroc 24.
    سبورتيف1

    إقرأ الخبر من مصدره