دبلوماسية المعادن والسيادة الهجينة: المغرب في خارطة تفتت العولمة

Écrit par

dans

جلال المخفي

يستهل النظام الدولي حقبة جديدة من تفتت العولمة (Deglobalization)، حيث لم يعد الاعتماد المتبادل (Weaponized Interdependence) بين القوى الكبرى مرادفا للاستقرار، بل تحول تدريجيا إلى أداة ضغط ونفوذ تستعمل في الصراع على إعادة تشكيل موازين القوة.

في هذا السياق، لم تعد شبكات التجارة وسلاسل الإمداد مجرد آليات اقتصادية محايدة، بل أصبحت ساحات صراع جيوسياسي يعاد من خلالها تعريف مفاهيم السيادة، والأمن القومي، والاستقلال الصناعي.

في هذا المناخ المتحول، برزت دبلوماسية المعادن الحرجة (Critical Minerals Diplomacy) كرافعة استراتيجية لا تقل وزنا عن القوة العسكرية التقليدية. فالمعادن لم تعد مدخلا للتنمية فقط، بل غدت عنصرا حاسما في معادلات الردع الصناعي والتكنولوجي، وشرطا أساسيا للانتقال الطاقي وصناعات الدفاع المتقدمة.

ومع تصنيف واشنطن لما يقارب 50 معدنا باعتبارها عناصر مرتبطة مباشرة بالأمن القومي، يجد المغرب نفسه في قلب منطق قومية الموارد (Resource Nationalism)، ليس فقط باعتباره خزانا للمواد الخام، بل كفاعل يسعى إلى تثبيت موقعه داخل تكتلات الموردين (Minerals Clubs) التي تتشكل خارج دائرة الهيمنة الصينية، والتي تسيطر حاليا على ما بين 85 و90 في المئة من عمليات معالجة العناصر الأرضية النادرة عالميا.

إن الرؤية الاستراتيجية المتزنة تفرض إدراك أن المعادن، رغم أهميتها، لا تحسم الصراع وحدها دون سند من جيوسياسة الهيدروجين (Hydrogen Geopolitics) والطاقة النظيفة. فالمغرب لا يكتفي بامتلاك نحو 70 في المئة من احتياطيات الفوسفات العالمية، بل يعمل على إدماج هذا المورد ضمن رؤية الحياد الكربوني السيادي (Sovereign Decarbonization)، عبر رفع حصة الطاقات المتجددة في المزيج الكهربائي إلى 52 في المئة بحلول عام 2030.

هذا التموضع يمنح المملكة قدرة تنافسية على تسويق معادن خضراء، تستجيب لمعايير الاستدامة الصارمة، ما يجعلها شريكا مفضلا في استراتيجيات صديق-التوطين (Friend-Shoring) التي تعتمدها القوى الغربية لإعادة تموضع صناعاتها الحساسة داخل دول حليفة ومستقرة، بدل الارتهان لمنافسين جيوسياسيين، وهو ما يعزز مفهوم سلاسل الإمداد المرنة (Supply Chain Resilience).

وتتجلى دينامية هذا التموضع في المقارنة الرقمية بين الحضورين الصيني والأمريكي فوق التراب المغربي. ففي حين تركز الاستثمارات الصينية، التي تجاوزت قيمتها المرتقبة في قطاع بطاريات الليثيوم 4.5 مليار دولار عبر شركات مثل Gotion High-Tech وBTR، على بناء قاعدة إنتاجية موجهة أساسا للتصدير نحو السوق الأوروبية، تتجه الاستثمارات الأمريكية نحو مشاريع ذات قيمة مضافة عالية، تربط بين التكنولوجيا المتقدمة والبعد الدفاعي.

فالولايات المتحدة، عبر مؤسسات مثل شركة تمويل التنمية الدولية (DFC)، تسعى إلى تأمين حصص استراتيجية في معادن الكوبالت والنحاس، مع إدماج هذه المقاربة ضمن اتفاقيات التجارة الحرة، ما يجعل المغرب المنصة الإفريقية الوحيدة التي تجمع بين النفاذ التفضيلي للسوق الأمريكية والاندماج في سلاسل القيمة الصناعية الغربية.

هذا التنافس يمنح الرباط فرصة نادرة لخلق تشابك مصالحي (Interest Intertwining)، يقوم على موازنة الكم الاستثماري الصيني بالكيف التكنولوجي والدفاعي الأمريكي، بما يحول التنافس الدولي من عامل ضغط إلى رافعة تفاوضية.

وفي ظل التحول نحو التعددية القطبية المصغرة (Minilateralism)، تبرز الأقاليم الجنوبية للمملكة كعقدة وصل استراتيجية في النظام الدولي الناشئ. فاستثمار الموارد المعدنية والريحية في هذه المناطق يتجاوز البعد الاقتصادي، ليصبح أداة مباشرة لتعزيز السيادة، عبر إدماج القوى الكبرى في عقود توريد سيادية (Sovereign Offtake Agreements) تجعل من استقرار المغرب مصلحة حيوية لأمن تلك القوى.

هذا التشابك يفرض على الشركاء الدوليين الانتقال من منطق الدعم الدبلوماسي إلى الاعتراف العملي بالسيادة، مقابل ضمان تدفق معادن حيوية تدخل في صميم الصناعات الدفاعية، مثل الكوبالت والفوسفور والزرنيخ، وهي عناصر أساسية في تكنولوجيا الرادارات ومحركات الطائرات المقاتلة من الجيل الخامس، وعلى رأسها مقاتلات F-35.

إقليميا، يتبنى المغرب مقاربة الأمن الشامل (Comprehensive Security) التي تربط بين الأمن العسكري، والطاقي، والغذائي. ويتجسد ذلك بوضوح في مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب، الذي لا يختزل في كونه بنية تحتية لنقل الطاقة، بل يمثل أداة جيوسياسية لإعادة تشكيل موازين القوة داخل القارة الإفريقية، ولمواجهة منطق الاستعمار الأخضر (Green Colonialism)، عبر تمكين الدول الإفريقية من تثمين مواردها وتصنيعها محليا بدل الاقتصار على تصديرها خاما.

هذا الدور يرسخ موقع المغرب كجسر سيادي يربط موارد الجنوب بتقنيات الشمال، وهو تموضع يستلزم ممارسة الحياد النشط (Active Neutrality)، أي القدرة على المناورة بين الأقطاب المتنافسة لاستخلاص مكاسب تكنولوجية وصناعية، دون السقوط في فخ التبعية المطلقة، مع إدراك أن كلفة التردد في زمن الحرب الهجينة الرمادية (Hybrid Grey-Zone Warfare) قد تكون باهظة وتؤدي إلى فقدان التنافسية الإقليمية.

إن الرهان المغربي في أفق 2035 يتمثل في الانتقال من موقع ممر للموارد إلى مقر لصناعة القرار التقني والصناعي. فالقوة لم تعد تكمن في استخراج المعدن فقط، بل في امتلاك سيادة البيانات (Data Sovereignty) المرتبطة بسلاسل التعدين، والمعالجة، والتصدير.

العالم القادم لا يعترف إلا بالدول القادرة على تحويل الميزة المكانية (Locational Advantage) إلى ضرورة استراتيجية (Strategic Necessity). ومن خلال توظيف أوراق الضغط المزدوجة التي تجمع بين الثروة المعدنية والريادة في الطاقة الخضراء، تستطيع الرباط فرض شروطها داخل أي منطق دولي للصفقات (Deal Logic)، بما يضمن نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات الدفاعية، ويجعل من المملكة ركيزة بنيوية لا غنى عنها في نظام عالمي جديد لا يحكمه الخطاب، بل موازين القوى الملموسة.

إقرأ الخبر من مصدره