
زينب شكري
دخل فيلم “أسد” دائرة الاهتمام منذ الأيام الأولى لعرضه، بعدما قدم نفسه كواحد من أضخم الإنتاجات السينمائية العربية في السنوات الأخيرة، سواء من حيث الميزانية أو طبيعة الموضوع التاريخي الذي يطرحه، إذ اختار صُناعه العودة إلى مرحلة شديدة التعقيد من التاريخ الإسلامي والعربي، قلما تناولتها السينما العربية بهذا الحجم من الإنتاج والمعالجة البصرية.
ولم يكتفي الفيلم بتقديم عمل “أكشن ملحمي”، بل حاول إعادة إحياء واحدة من أكثر الفترات اضطرابا في أواخر العصر العباسي، من خلال قصة تمتزج فيها السياسة والثورة والصراع الطبقي والتحرر الإنساني.
وتدور أحداث الفيلم سنة 1280 ميلادية، خلال السنوات الأخيرة من عصر الخلافة العباسية، حيث يسلط الضوء على “ثورة الزنج”، وهي واحدة من أكبر الثورات التي شهدتها المنطقة العربية ضد السلطة العباسية في مدينة البصرة بالعراق.
وتبقى هذه الثورة من الأحداث التاريخية التي لا يعرفها كثير من الجمهور العربي رغم تأثيرها الكبير في التاريخ الإسلامي، إذ قاد العبيد والطبقات المهمشة انتفاضة واسعة ضد ظروف الاستغلال والقهر التي كانوا يعيشونها، قبل أن تتحول إلى صدام دموي طويل مع الدولة العباسية.
وفي قلب هذه الأحداث، يجسد الممثل محمد رمضان شخصية “أسد”، وهو عبد يتحول تدريجيا إلى قائد شعبي يقود الثوار في مواجهة الظلم والجيش العباسي، ضمن رحلة صعود مليئة بالحروب والصراعات والمؤامرات.
ويراهن الفيلم على تقديم هذه الشخصية كبطل ملحمي يحمل أبعادا إنسانية وثورية، وسط عالم مضطرب تتداخل فيه السلطة بالعنف والرغبة في التحرر.
ويحمل العمل توقيع المخرج محمد دياب الذي شارك أيضا في كتابة السيناريو إلى جانب خالد دياب وشيرين دياب، بينما يضم الفيلم مجموعة من الأسماء المعروفة في السينما العربية من بينها ماجد الكدواني وخالد الصاوي ورزان جمال وشريف سلامة.
وقد حرص صناعه على تقديمه برؤية بصرية قريبة من السينما العالمية، سواء على مستوى المعارك أو تصميم الديكورات أو المؤثرات البصرية الضخمة.
ولم يكن الرهان شهلا من الناحية الإنتاجية، إذ بلغت تكلفة الفيلم حوالي 7 ملايين دولار، وهي ميزانية ضخمة مقارنة بمعظم الإنتاجات العربية، ما جعل الأنظار تتجه إليه منذ الإعلان الأول عنه.
وتمكن الفيلم من تحقيق انطلاقة قوية في شباك التذاكر، بعدما وصلت إيراداته خلال أربعة أيام فقط إلى 20 مليونا و700 ألف جنيه، وهو رقم ساهم في تعزيز الجدل حوله ودفع كثيرين إلى متابعة العمل بدافع الفضول لمعرفة ما إذا كان بالفعل يوازي حجم الضجة التي سبقته.
ولم يرتبط هذا الجدل بالأرقام والإنتاج فقط، بل امتد إلى طبيعة المعالجة الدرامية نفسها، خاصة مع اختيار محمد رمضان لبطولة عمل تاريخي ملحمي، وهو ما فتح نقاشا واسعا بين الجمهور والنقاد حول مدى قدرة النجم المصري على الانفصال عن صورته المعتادة كبطل شعبي استعراضي والدخول إلى منطقة تاريخية أكثر تعقيدا.
وفي هذا السياق، اعتبر الناقد المغربي فؤاد زويريق، أن الفيلم يمثل مشروعا شخصيا بالنسبة للمخرج محمد دياب، ومحاولة واضحة لإثبات قدراته السينمائية على إنجاز عمل ضخم قادر على منافسة الأعمال العالمية، مشيرا إلى أنه غادر هذه المرة منطقة الواقعية الاجتماعية والسياسية التي طبعت أعماله السابقة مثل “اشتباك” و”القاهرة 678″ و”أميرة”، واختار المغامرة داخل تجربة تاريخية ملحمية مركبة إنتاجيا ودراميا.
ويرى زويريق، أن أبرز ما ميز الفيلم هو اهتمام محمد دياب الكبير بالشخصيات، وهو الأسلوب الذي اشتغل به في أعماله السابقة، غير أن هذا الاختيار -بحسب رأيه- خلق نوعا من الاختلال الدرامي داخل الفيلم، لأن الأحداث التاريخية الكبرى وثورة الزنج نفسها لم تحصل دائما على العمق الكافي لصالح التركيز المستمر على شخصية “أسد”.
وأوضح زويريق قراءة نقدية عبر حسابه على “فيسبوك”، أن العمل كان يحتاج إلى مساحة أوسع لتفصيل الجوانب السياسية والاجتماعية المرتبطة بمواضيع ثقيلة مثل العبودية والثورة والتحرر والصراع الطبقي، بدل اختزال كثير من التطورات في رحلة البطل الفردية.
كما اعتبر الناقد المغربي، أن أداء محمد رمضان أعاد الشخصية أحيانا إلى صورة البطل الشعبوي المعروف بكاريزمته الاستعراضية، ما جعل بعض المشاهد تبدو أقرب إلى حضور “محمد رمضان النجم” أكثر من حضور شخصية “أسد” التاريخية داخل عمل ملحمي جاد.
وفي المقابل، أشاد زويريق بأداء ماجد الكدواني وعلي قاسم، معتبرا أنهما من أبرز نقاط قوة الفيلم، خصوصا من حيث الصدق والحضور الدرامي.
ورغم الملاحظات التي سجلها على مستوى الإيقاع وبعض التفاصيل التاريخية والحوار، أكد زويريق أن الفيلم يبقى تجربة سينمائية مهمة وطموحة داخل السينما المصرية والعربية، ومحاولة جادة تستحق التوقف عندها، لأنها تخرج عن الأعمال التقليدية وتغامر في منطقة إنتاجية وفنية نادرا ما تقترب منها السينما العربية بهذا الحجم.