Auteur/autrice : الأخبار

  • تعثر صفقة هيكلة بالملايير يسائل أغلبية البكوري

    تطوان: حسن الخضراوي

    عاد العديد من سكان الأحياء الهامشية بتراب الجماعة الحضرية لتطوان، أول أمس الأربعاء، لطرح تساؤلات حول حيثيات تعثر مشاريع الهيكلة وإصلاح الطرق المهترئة، سيما مع الوعود التي قدمتها أغلبية مصطفى البكوري، رئيس الجماعة الحضرية، بتجويد الخدمات العمومية وتسليم صفقات عمومية لشركة العمران من أجل التهيئة وتسريع عملية التنفيذ، وضمان الجودة والفعالية في تعبيد الطرق وتجهيز البنيات التحتية الخاصة بشبكات التطهير السائل وتصريف مياه الأمطار، وتفادي كل المشاكل المرتبطة بالهشاشة والعزلة.

    وحسب مصادر مطلعة، فإن بعض المستشارين بمجلس تطوان تحدثوا عن صعوبات وعراقيل مالية تواجه تنفيذ مشاريع هيكلة الأحياء ناقصة التجهيز، خاصة مع اهتمام الجماعة الحضرية بتهيئة شارع محمد الخامس وسط المدينة، والطريق الدائري واعتبار ذلك من الأولويات، إلى جانب قرب توقف جميع الأوراش للتزامن مع فترة الصيف.

    من جانبه، أكد نائب لرئيس الجماعة الحضرية لتطوان على أن ميزانية الهيكلة الخاصة بالأحياء لم يتم صرفها في أي مجال آخر، والصفقة التي نالتها شركة العمران ستقوم قريبا بالشروع في تنفيذ بنودها وانطلاق أشغال تعبيد الطرق وتجهيز البنيات التحتية، وتجويد كافة الخدمات العمومية تحت إشراف لجنة تتبع مختلطة.

    وأضاف المتحدث نفسه أن الأشغال التي تهم الأحياء الهامشية بتطوان لا يلزمها التوقف خلال فترة الصيف أو الذروة السياحية، لأنها لن تتسبب في اكتظاظ السير كما أن مصالح الجماعة الحضرية والسلطات المحلية تقوم بتتبع الصفقات العمومية عن كثب، ولن يكون هناك أي تأخير إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية، وكل ما يروج بشأن ذلك مجرد إشاعات ومزايدات انتخابوية.

    وكان المجلس الجماعي لتطوان لم يجد أمامه من حل لأزمة تراكمات غياب التفاعل مع شكايات البنيات التحتية بالأحياء، سوى طلب دعم وزارة الداخلية والاستنجاد بقطاعات وزارية، فضلا عن الاقتراض من صندوق التجهيز الجماعي، وذلك لضمان التمويل الخاص بمشاريع شاملة للهيكلة وتجويد الخدمات العمومية.

    وتشهد بعض الأحياء الهامشية بالجماعة الترابية لتطوان وباقي الجماعات أيضا بالمضيق، كثافة سكانية مرتفعة، حيث تنامت بها عمليات التعمير والتوسع دون تخطيط ولا تأهيل، وذلك رغم الموقع الاستراتيجي بالقرب من السواحل الشمالية، حيث انتهى الأمر بعجز المجالس المعنية عن توسيع شبكات التطهير السائل والماء والكهرباء والطرق، وغياب الجودة في الخدمات العمومية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • منتخبون يطالبون التازي بالتحقيق في إعفاءات ضريبية بأصيلة

    أصيلة: محمد أبطاش

    وجّه ستة مستشارين بالمجلس الجماعي لأصيلة مراسلة رسمية إلى يونس التازي والي جهة طنجة–تطوان–الحسيمة، يطالبون من خلالها بفتح تحقيق إداري ومالي بشأن ظروف وملابسات منح شهادات إعفاء مؤقت من الرسم المفروض على الأراضي الحضرية غير المبنية برسم سنة 2025، لفائدة عقارات مملوكة لشخص واحد، مع ترتيب الآثار القانونية اللازمة في حال ثبوت أي إخلال.

    وقال المستشارون في المراسلة المرفقة إن الإعفاءات همّت ثلاثة رسوم عقارية كبرى في ملكية الرئيس الراحل محمد بنعيسى، ويتعلق الأمر بالملك المسمى “السانية 1” ذي الرسم العقاري عدد 06/82913، و”بنعيسى” عدد 06/77261، و”أصيلة بلاج 4” عدد 06/24813. وتُقدّر المساحة الإجمالية لهذه العقارات بأكثر من خمسة هكتارات، موزعة بين أحياء الخندقين ومرغوبة والدغاليين داخل النفوذ الترابي للجماعة.

    وأفاد المستشارون بأن شهادات الإعفاء المؤقت صدرت برسم السنة الجارية، مع إثارة تساؤلات حول وضعية الرسوم المستحقة عن سنوات سابقة، وما إذا تم استخلاصها أو ترتيب آثارها القانونية وفق المساطر المعمول بها. وشددوا على ضرورة التحقق من مدى استيفاء الشروط الموضوعية والإجرائية التي يفرضها القانون للاستفادة من هذا النوع من الإعفاءات.

    وأشار الموقعون على المراسلة إلى أن توقيع شهادات الإعفاء تم من طرف النائب الأول لرئيس المجلس الجماعي، ما يستدعي، حسب تعبيرهم، التدقيق في مدى احترام قواعد الاختصاص والتفويض المحددة قانونا، والتأكد من سلامة المسطرة الإدارية المتبعة في إصدار هذه الشهادات.

    واستند المنتخبون في طلبهم إلى مقتضيات القانون رقم 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات الترابية، كما تم تغييره وتتميمه، ولا سيما المادة 42 التي تؤطر شروط الاستفادة من الإعفاء المؤقت من الرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية، وتحدد آجال وإجراءات التصريح لدى المصالح المختصة.

    وأكدت المراسلة أن الرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية يُعد من الموارد الجبائية الأساسية للجماعات الترابية، لما يوفره من مداخيل تُمكّن من تمويل المشاريع والخدمات المحلية.

    واعتبر المستشارون أن أي إخلال محتمل بالمقتضيات القانونية المؤطرة له قد ينعكس سلبا على مالية الجماعة، داعين إلى افتحاص شامل للملف وترتيب الجزاءات القانونية عند الاقتضاء، تكريسا لمبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير الشأن المحلي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • كيف دمّر أيت منا الوداد في موسم واحد؟

    إعداد: سفيان أندجار

    يعتبر نادي الوداد الرياضي واحدا من أعمدة كرة القدم المغربية والإفريقية، ليس فقط بفضل سجله الحافل بالألقاب المحلية والقارية، بل أيضا بفضل هويته الكروية الراسخة التي تشكلت عبر عقود، وهو الفريق الذي ارتبط اسمه بالبطولات الكبرى وباللحظات التاريخية التي صنعت مجد الكرة المغربية، ويجد نفسه اليوم أمام واحدة من أعقد وأقسى الفترات في تاريخه الحديث. لم يكن مجرد موسم عادي، بل تحول إلى ما يشبه «النكسة» أو «الموسم الصفري»، بعدما تراجع الأداء بشكل غير مسبوق، وتوالت الإخفاقات، وتعمقت أزمة الثقة بين الإدارة والقاعدة الجماهيرية منذ تولي هشام أيت منا، الرئيس السابق لشباب المحمدية، قيادة النادي في يوليوز 2024، ارتفعت التطلعات نحو مشروع احترافي يعيد الوداد إلى منصات التتويج، ويضمن استقرارا ماليا وتقنيا طويل الأمد. غير أن الواقع جاء مغايرا تماما، فالفريق تكبد سلسلة من الإخفاقات الرياضية، خروج مذل من ربع نهائي كأس الكونفدرالية الإفريقية، تعاقدات بالجملة بلا مردود، نزيف مالي متواصل، تصريحات مثيرة للجدل، خلافات داخلية حادة، وغياب رؤية رياضية واضحة. كل هذه العوامل جعلت الكثيرين يحمّلون الرئيس المسؤولية المباشرة عن التراجع، معتبرين أن تركيزه على الجوانب التجارية والمالية جاء على حساب البناء الرياضي والتنافسي.

    هذه الملف لـ«الأخبار» نفتح الباب لتحليل معمق للنقاط الرئيسية التي صنعت هذه الأزمة، في عهد أيت منا.

    الوداد تحول إلى «سوبر ماركت اللاعبين»

    من أبرز سمات عهد هشام أيت منا على رأس الوداد الرياضي النشاط المفرط في سوق الانتقالات، حيث تحول النادي إلى ما يشبه «سوبر ماركت اللاعبين». خلال فترة قصيرة، أبرم الفريق ما يقارب 55 صفقة جديدة، شملت لاعبين محليين وأجانب من مستويات مختلفة، في محاولة معلنة لتعزيز جميع الخطوط، وبناء فريق قادر على المنافسة محليا وقاريا. غير أن هذه السياسة التي بدت في البداية طموحة، تحولت سريعا إلى عبء ثقيل على النادي، بعدما فشل معظم هؤلاء اللاعبين في تقديم أي إضافة ملموسة داخل المستطيل الأخضر.

    وأبرزت هذه السياسة أن الكم الهائل من التعاقدات كان عشوائيا وغير مبني على رؤية تقنية واضحة. فكثير من اللاعبين لم يتأقلموا مع أسلوب لعب الفريق، فيما عانى آخرون من إصابات متكررة، أو ضعف في الجاهزية البدنية، بينما اصطدم البعض بصعوبة الانسجام مع المجموعة. النتيجة كانت فريقا مكتظا في بعض المراكز، يعاني من تذبذب في الأداء وعدم استقرار في التشكيلة الأساسية، وهو ما انعكس مباشرة على النتائج.

    ويرى الكثيرون أن الاختيارات كانت في الغالب «اسمية» أو تسويقية، أكثر من كونها مدروسة تقنيا، وكأن الهدف كان إرضاء الجماهير بالأسماء الكبيرة بدل بناء مشروع رياضي متماسك.

    هذا النهج أدى إلى فقدان الهوية الكروية التقليدية للوداد، التي كانت تقوم على الانسجام والروح القتالية. وبدلا من تعزيز الفريق، ساهمت هذه التعاقدات في تفكك المجموعة وتراجع الأداء، لتتحول إلى مثال صارخ عن غياب مدير رياضي محترف يشرف على التعاقدات بشكل علمي.

    إنفاق عشوائي للملايين

    إذا كانت كثرة التعاقدات قد أربكت التوازن التقني  داخل الوداد، فإن الجانب المالي لم يكن أقل خطورة، بل ربما أكثر إيلاما. فسياسة التعاقدات التي اتبعها هشام أيت منا ارتبطت بإنفاق ضخم شمل رواتب عالية، منح توقيع سخية، عمولات للوكلاء، وتكاليف إضافية أثقلت كاهل النادي. في تصريحات إعلامية، لم يتردد الرئيس في الحديث عن خسائر تصل إلى 20 مليار سنتيم سنويا، مؤكدا أن النادي «عايش بسبابي»، في إشارة إلى مجهوداته الشخصية في التسيير. لكن هذه التصريحات لم تقنع الجماهير ولا المنخرطين، الذين يرون أن الإدارة الحالية هي من ساهمت في تعميق الأزمة المالية عبر صفقات باهظة بلا مردود رياضي يبررها.

    يُعتبر هذا الإنفاق العشوائي أحد أكبر الأخطاء في عهد أيت منا. فبدلا من الاستثمار الذكي في لاعبين يناسبون مشروعا رياضيا محددا، تم ضخ الأموال في صفقات فلكية لم تحقق أي إضافة، مما كشف سوء تدبير واضح للموارد.

    ورغم الحديث عن الاحترافية عبر إطلاق الشركة الرياضية، ظل الضغط على الميزانية قائما، مع مخاوف جدية من تراكم الديون والمستحقات المتأخرة.

    تركيز أيت منا كان على «الكم» بدل «الكيف»، وأن الإدارة انشغلت بالصفقات الاستعراضية أكثر من بناء فريق متماسك. هذا النهج جعل فريق الوداد الرياضي يبدو وكأنه يسعى وراء الأسماء الكبيرة لإرضاء الأنصار، أو تحقيق مكاسب تسويقية، دون اعتبار للجانب الرياضي. النتيجة كانت نزيفا ماليا يهدد استقرار النادي الأحمر على المدى الطويل، ويضعه أمام خطر فقدان القدرة على المنافسة إذا استمرت هذه السياسة.

     

    كثرة الظهور الإعلامي جعله عرضة للانتقادات

    من بين أكثر الجوانب التي أثارت الجدل في عهد هشام أيت منا على رأس الوداد الرياضي، حضوره الإعلامي المكثف وتصريحاته المتكررة التي تحولت إلى مادة دسمة للنقد والسخرية. منذ بداية ولايته، بدا الرئيس حريصا على الظهور في كل مناسبة، سواء عبر وسائل الإعلام، أو داخل غرف تبديل الملابس، أو حتى في افتتاح المتاجر، وكأنه يريد أن يكون في قلب المشهد بشكل دائم. في البداية، اعتبر البعض هذا التواصل مؤشرا إيجابيا على قربه من اللاعبين والجماهير، لكن سرعان ما انقلب الأمر إلى عكسه، بعدما اتضح أن تصريحاته وسلوكياته تفتقر إلى الحكمة وتزيد من حدة التوتر داخل النادي.

    أحد أبرز الأمثلة كان تصريحه الشهير بأن «الوداد عايش بسبابي»، وهو تصريح اعتبره الكثيرون محاولة للتباهي وتقليل من جهود الرؤساء السابقين، ما أثار استياء واسعا بين المنخرطين والجماهير. كما أن حادثة سب منخرط ودادي، خلال افتتاح متجر النادي، شكلت صدمة كبيرة، إذ اعتُبرت إساءة مباشرة للمنخرطين وسمعة المؤسسة، وأظهرت جانبا من الانفعال غير المقبول في شخصية الرئيس. إلى جانب ذلك، لم يتردد أيت منا في انتقاد بعض اللاعبين علنا بعد المباريات، وهو ما زاد من الضغط النفسي عليهم وأضعف الثقة داخل المجموعة.

    يمكن القول إن هذه التصريحات والسلوكيات أضرت بصورة الرئيس بشكل كبير، وحولته إلى «رئيس مثير للجدل» في نظر الرأي العام. وسائل التواصل الاجتماعي امتلأت بالسخرية والانتقادات، فيما اعتبر المراقبون أن غياب الحكمة في التواصل ساهم في تفاقم الأزمة النفسية للفريق، وزاد من الاحتقان داخل النادي. بدلا من أن يكون ظهوره الإعلامي وسيلة لتهدئة الأجواء وبث الثقة، تحول إلى عامل إضافي في الأزمة.

    النادي تحول إلى «مؤسسة تجارية»

    من بين أبرز الانتقادات التي وجهت إلى هشام أيت منا خلال فترة رئاسته للوداد، أسلوبه في التدبير الذي بدا وكأنه يضع الجانب التجاري والربحي فوق كل اعتبار رياضي. منذ توليه المسؤولية، ركز بشكل كبير على إطلاق الشركة الرياضية، افتتاح المتاجر، وتوسيع أنشطة التسويق، في محاولة لإضفاء طابع احترافي على النادي. لكن هذا التركيز المفرط على الجانب المالي جاء على حساب المشروع الرياضي، حيث غابت رؤية تقنية واضحة، وافتقر الفريق إلى خطة استراتيجية تضمن الاستقرار الفني والنتائج الإيجابية.

    الجماهير والمنخرطون يرون أن النادي تحول في عهد أيت منا إلى مؤسسة تجارية أكثر من كونه فريقا تنافسيا. فبينما كان ينتظر أن يتم الاستثمار في البنية التحتية الرياضية، تكوين اللاعبين، وتطوير الأكاديمية، انشغلت الإدارة بصفقات تسويقية ومشاريع تجارية لا علاقة لها مباشرة بالأداء داخل الملعب. هذا النهج جعل الوداد يخرج خالي الوفاض من عدة منافسات متتالية، ويعاني من تذبذب الأداء في البطولة الوطنية، وفقدان الهوية الكروية التي طالما ميزت الفريق.

    يمكن القول إن غياب التوازن بين الجانب المالي والرياضي كان أحد أكبر أسباب الأزمة الحالية، إذ إن أي ناد كبير يحتاج إلى موارد مالية قوية، لكن هذه الموارد يجب أن تُوظف لخدمة المشروع الرياضي أولا. في حالة الوداد، بدا أن القرارات تتخذ بشكل أحادي، دون تشاور مع المنخرطين، أو الخبراء، ودون وجود لجنة تقنية محايدة تضع الخطط وتحدد الأولويات. النتيجة كانت تدبيرا عشوائيا يفتقر إلى التبصر والرؤية الاستراتيجية، أدى إلى خسائر رياضية كبيرة وحالة من الغموض والاحتقان داخل النادي.

    الاختيارات الخاطئة للمدربين

    من بين أبرز مظاهر سوء التدبير في عهد هشام أيت منا على رأس الوداد الرياضي، سلسلة الاختيارات الفاشلة والمتكررة في ما يخص المدربين. منذ بداية ولايته، بدا وكأن النادي يعيش حالة من الارتجال في التعاقد مع الأطر التقنية، دون وجود رؤية واضحة، أو لجنة تقنية محايدة تحدد المعايير وتضع خطة طويلة الأمد. البداية كانت مع المدرب الجنوب إفريقي رولاني موكوينا، الذي لم ينجح في فرض أسلوب لعب مستقر، أو تحقيق نتائج مقنعة، ليغادر بعد موسم كارثي، تاركا وراءه فريقا مرتبكا. ثم جاء الدور على محمد أمين بنهاشم، الذي لم يختلف وضعه كثيرا، حيث استمر التذبذب والخروج المبكر من المنافسات القارية، وسط انتقادات واسعة من الجماهير التي رأت أن اختياره لم يكن مبنيا على أساس فني قوي.

    وفي مارس 2026، جاء التعاقد مع الفرنسي باتريس كارتيرون، المدرب المعروف بتجاربه الإفريقية مع الأهلي والزمالك المصريين والرجاء الرياضي. لكن حتى هذا الاسم لم ينجح في كسر سلسلة الإخفاقات، إذ واجه صعوبات فورية في تحقيق الانتصارات، لتستمر «لعنة المدربين الفرنسيين» مع الوداد. الجماهير والمنخرطون اعتبروا أن التعاقد مع كارتيرون كان محاولة يائسة لإنقاذ الموسم، لكنه لم يكن مبنيا على دراسة دقيقة لاحتياجات الفريق، أو انسجامه مع أسلوب اللعب.

    يمكن القول إن هذه التغييرات المتكررة في الطاقم التقني عكست غياب رؤية استراتيجية واضحة، وأدت إلى حالة من عدم الاستقرار الفني داخل الفريق. اللاعبون وجدوا أنفسهم أمام تعليمات وأساليب مختلفة في وقت قصير، مما زاد من ارتباكهم وأضعف انسجامهم. كما أن إهدار الوقت والموارد في هذه التغييرات المتكررة ساهم بشكل مباشر في الإخفاقات المتتالية، وأفقد النادي القدرة على بناء مشروع رياضي.

    خلافات مع «برلمان» الوداد

    إذا كانت الإخفاقات الرياضية والمالية قد هزت صورة الوداد في عهد هشام أيت منا، فإن الخلافات مع المنخرطين مثلت القشة التي قصمت ظهر البعير. منذ الأشهر الأولى لتوليه المسؤولية، بدأت بوادر التوتر تظهر بين الرئيس و«برلمان الوداد»، حيث اتهمه كثيرون بانتهاج أسلوب أحادي في اتخاذ القرارات، بعيدا عن التشاور والشفافية. ومع تراكم الإخفاقات، تصاعدت حدة الخلافات لتصل إلى مطالب علنية بعقد جمع عام استثنائي ورحيل الرئيس.

    ودعا أيت منا إلى لقاء تواصلي بمركب محمد بنجلون في الرابع من ماي الجاري، لكن الدعوة قوبلت بالمقاطعة من طرف عدد من المنخرطين الذين اعتبروا أن الحوار لم يعد مجديا، وأن الحل الوحيد هو التغيير الجذري في القيادة. مجموعات وازنة مثل «الوينرز»، وجمعية قدماء اللاعبين حملت الرئيس المسؤولية الكاملة عن الوضع الكارثي، وطالبت بمحاسبة شاملة ومراجعة السياسة الحالية. هذا الموقف يعكس فقدان الثقة التام بين الإدارة والقاعدة الشعبية، وهو أمر خطير بالنسبة إلى ناد بحجم الوداد، حيث يشكل المنخرطون والجماهير العمود الفقري لشرعيته واستمراره.

    يمكن القول إن هذه الخلافات لم تكن مجرد اختلافات في وجهات النظر، بل نتيجة مباشرة لغياب الشفافية المالية، التعاقدات غير المدروسة، والإخفاقات المتكررة. المنخرطون شعروا بأنهم مهمشون، وأن القرارات تُتخذ بشكل فردي دون إشراكهم، وهو ما يتعارض مع تقاليد النادي العريق. كما أن تصريحات الرئيس المثيرة للجدل زادت من حدة الاحتقان، وجعلت العلاقة بين الطرفين تصل إلى مرحلة الانفجار.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • السلاوي تكتب تاريخ الفروسية المغربية في كأس العالم بألمانيا

    سفيان أندجار

    دخلت الفارسة المغربية، نور السلاوي، سجل التاريخ الرياضي العالمي من أوسع أبوابه، بعدما تمكنت من ضمان بطاقة المشاركة في نهائيات كأس العالم للفروسية المقررة في ألمانيا خلال الفترة ما بين 13 و16 غشت المقبل، لتصبح بذلك أول مغربية وعربية وإفريقية تحقق هذا الإنجاز في منافسات ترياثلون الفروسية.

    ويأتي هذا التأهل ليعزز مسارها الرياضي المتميز، بعد أن كانت قد مثلت المغرب في أولمبياد باريس سنة 2024، لتواصل اليوم كتابة فصل جديد من مسيرتها الدولية.

    نور، المقيمة في فرنسا، تأهلت عن جدارة بعد مشاركتها في الإقصائيات التي احتضنتها مدينة سترزيكوم البولونية، حيث نافست ضمن ثلاث مراحل صعبة واحتلت المركز الثامن من أصل 25 فارسة، لتكون الممثلة الوحيدة للمغرب وإفريقيا والعالم العربي في هذه المنافسات.

    وقد ساعدها الحصان «ليجوند بي»، البالغ من العمر عشر سنوات والمملوك للجامعة الملكية المغربية للفروسية، على تحقيق هذا الإنجاز، بعدما أنهى مرحلة اختراق الضاحية دون أخطاء، وقدم أداء نظيفا في القفز على الحواجز، ما منحها آخر النقاط المطلوبة للتأهل.

    وتملك نور إلى جانب «ليجوند بي»، حصانا آخر يدعى «كاش إين هاند»، لكنها ستختار واحدا فقط للمشاركة في البطولة العالمية، وفقا لجاهزيته الفنية والبدنية.

    ويعد هذا التأهل الأول من نوعه في مسيرة السلاوي نحو بطولة العالم، وهو محطة جديدة بعد أولمبياد باريس، حيث تطمح إلى تقديم مشاركة مشرفة وإنهاء المنافسات بجولتين نظيفتين، مع تركيزها على التحضير القوي لأولمبياد لوس أنجلوس 2028.

    وبدأ عشق البطلة نور للخيل منذ صغرها، حيث قضت معظم أوقاتها في الإسطبلات، ما ساهم في تعلقها أكثر بالخيول، واختارت بعد ذلك الحصول على إجازة لمدة عام، عقب نجاحها في البكالوريا، رغبة منها في إكمال تدريبها على ركوب الخيل في المدرسة الوطنية للفروسية في «سومور» بفرنسا، واستمر عشق البطلة المغربية للخيول، حتى بعد إتمام تعليمها العالي في إنجلترا، وتحديدا بجامعة «وارويك»، حيث واصلت ركوب الخيل كل يوم في ناد قريب من الجامعة، ما ساعدها على اكتشاف نظام الفروسية.

    وكشفت نور أن سر تألقها في هذه الرياضة أنها الوحيدة، التي تعتمد فيها على كائن حي بشخصيته وحالته المزاجية وإصاباته وما إلى ذلك، وأن الخيول تتميز بقدرتها على التواصل بشكل لا يصدق ودوري.

    واعتبرت نور في حديثها أن العلاقة التي تربط الفارس بالحصان، تعد مفتاح شراكة ناجحة وطويلة الأمد، لافتة إلى أن علاقة متميزة وخاصة تربطها بالحصان الذي سيرافقها إلى دورة الألعاب الأولمبية في لوس أنجلوس 2028، على اعتبار أنهما انطلقا معا من أدنى المستويات إلى المستوى الأولمبي، وأنهما يعرفان بعضهما البعض عن ظهر قلب ويسعدها أن تعيش مغامرة الأولمبياد برفقته.

    وعن كونها أول امرأة مغربية وعربية شاركت في أولمبياد «باريس 2024» في تخصص جديد، أشارت البطلة نور إلى أنه، سواء تعلق الأمر بالألعاب الأولمبية أو أي مسابقة أخرى، فإنها تشعر بفخر كبير وترغب في تمثيل المغرب والمرأة المغربية كما يجب أن يكون، كما ترغب في أن تلهم الشابات المغربيات لمتابعة شغفهن.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الكونغو أولى عقبات “اللبؤات” في مسار التأهل إلى الأولمبياد 

    خالد الجزولي

    أجرى الاتحاد الإفريقي لكرة القدم “الكاف”، القرعة الخاصة بتصفيات إفريقيا المؤهلة لبطولة كرة القدم للسيدات في دورة الألعاب الأولمبية “لوس أنجلوس 2028″، التي ستُقام خلال الفترة المُمتدة من 11 إلى 29 يوليوز 2028، حيث سجلت مراسيم قرعة التصفيات الإفريقية التي أقيمت أول أمس الأربعاء بالعاصمة المصرية القاهرة، مواجهة المنتخب الوطني النسوي بنظيره منتخب الكونغو، برسم الدور الثاني من التصفيات، وذلك ما بين 5 و13 أكتوبر المقبل بنظام الذهاب والإياب.

    وحسم “الكاف” في نظام التصفيات، التي ستقام عبر 5 مراحل إقصائية، ذهابًا وإيابًا، حيث أعفي المنتخب الوطني النسوي من الدور الأول، الذي سيشهد منافسة 6 منتخبات الأقل تصنيفًا حسب آخر تصنيف رسمي لـ “الفيفا” للسيدات (السودان، موريشيوس، جيبوتي، جنوب السودان، مدغشقر وجزر القمر)، سيتواجهون فيما بينهم، مقابل إعفاء 29 منتخبًا من الدور الأول، على أن تواجه المنتخبات الثلاثة المتأهلة من الدور الأول، المنتخبات الثلاثة الأعلى تصنيفًا، ويتعلق الأمر بكل من نيجيريا، جنوب إفريقيا وغانا، إضافة إلى باقي 29 منتخب معفى من الدور الأول، سيتأهل منهم 16 منتخبًا إلى الدور الثالث، سيتنافسون فيما بينهم ذهابًا وإيابًا، ليتأهل 8 منتخبات، ثم أربع منتخبات في الدور الرابع، على أن يتنافسون فيما بينهم في الدور الخامس، لتحديد المنتخبين اللذين سيمثلان إفريقيا في الألعاب الأولمبية.

    كما حسم “الكاف” في تواريخ إجراء الأدوار الإقصائية، بدء من الدور الأول المقرر إجراؤه من فاتح يونيو المقبل إلى 9 منه، ستوضع المنتخبات الستة غير المعفاة في سلة واحدة، حيث يواجه المنتخب الأول الثاني، والثالث ينازل الرابع، والخامس يقارع السادس، على أن يخوض المنتخب الثاني في كل مواجهة مباراة الإياب على أرضه.

    إقرأ الخبر من مصدره

  •  الذكرى المئوية لميلاد إدريس الشرايبي

     إعداد وتقديم: سعيد الباز

    تحلّ هذه السنة الذكرى المئوية لميلاد إدريس الشرايبي (1926-2026) صاحب الرواية الشهيرة «الماضي البسيط»، التي صدرت سنتين قبل رواية «نجمة» لكاتب ياسين، والتي تعدّ بحق رواية شكلت قطيعة جذرية وجريئة وافتتحت مسارا جديدا للرواية المغربية، وكان لها، كذلك، التأثير الكبير على الأدب المغربي المكتوب باللغة الفرنسية.

     

    الماضي البسيط.. الرواية الرائدة

     

    يقدّم عبد الله المدغري العلوي، في كتابه «التفكير في الرواية»، مقارنة بين رائدي الرواية المغربية المكتوبة بالفرنسية أحمد الصفريوي في روايته «صندوق العجائب» وإدريس الشرايبي في روايته «الماضي البسيط»: «… المثال النموذجي هو الكاتب إدريس الشرايبي الذي كتب (الماضي البسيط) في نفس المرحلة وعن نفس المدينة (فاس). فالمؤلفان معا يُعنيان عناية خاصة بالأثر الديني على العائلة وعلى المجتمع المغربي، لكن الشخصيات والوسط الموصوفين ليسا شيئا واحدا: فمسألة المعتقدات عالجها أحمد الصفريوي انطلاقا من حياة طفل من الوسط الشعبي ومن خلال تفكيره ومتخيله، وعلى العموم فروحانية المسكين تُعاش بشكل إيجابي، لأنّها مصدر ابتهاج، وتضامن وتعويض عن حرمان مادي واجتماعي. إنّها أيضا محفز مرح للخيال الحساس على الخصوص.

    أمّا إدريس الشرايبي فيروي ثوره مراهق سليل عائلة فاسية تقليدية، تكوّن في مدرسة غربية، ويعيش تمزقا عميقا بين نسقين من القيم: أحدهما تجريدي، ينتمي للعالم الثقافي الإنسي المرتبط بالمدرسة الفرنسية، والآخر ملموس، ينتمي للعائلة الأبيسية التي تستمد شرعيتها من رؤية دوغمائية للنسق الديني. فهما، إذن، لا يستحضران نفس الوسط، ولا نفس الشخصيات ولا نفس الاعتقادات.

    وتستمدّ لغة إدريس الشرايبي قوتها من طرائق الحدّة، ومن التنافر العنيف بين الكلمات، والجمل، والصور، والسجلات، والمستويات والمشاهد، وتُمنح أزمة الشاب الثائر جميع أبعادها». وعلى مستوى التلقي والحضور، يضيف الكاتب عبد الله المدغري العلوي: «سيصبح الكتاب المغاربة، القريبون من إدريس الشرايبي غداة الاستقلال، أكثر إنصاتا لهذا الصوت الذي يترجم الصدمة التاريخية الاستعمارية وما بعد الاستعمارية، ويحاول كل واحد بطريقته الخاصة أن يجد لها علاجا لها، وذلك بانخراطه في جمالية (عنف النص).

    ويختم الكاتب، في النهاية، بإبراز مكانة إدريس الشرايبي على مستوى الكتابة الروائية: «يتموقع (الماضي البسيط) لإدريس الشرايبي أيضا، بشكل واسع، في تقاليد الرواية الواقعية والسيكولوجية الفرنسية للقرنين التاسع عشر والعشرين. وكما عند أحمد الصفريوي فالتخييل السير ذاتي مبني على الواقع الاجتماعي والثقافي للمغرب.

    لقد ذهب إدريس الشرايبي بعيدا في اشتغال الكتابة، فعنف موضوعة –ثورة الابن على الأب رمز كلّ السلط السالبة- يعبر عنها هنا في الأسلوب ذاته: استعمال معجم الألفاظ المهينة والقذفية، التركيب المفكك والاعتراضي، التنديد المتعدد الأصوات، كل ذلك يموقع لغة إدريس الشرايبي بعيدا عن أي أرثذوكسية، فهي دائما في خرق للاستعمال الشائع». من مقاطع رواية «الماضي البسيط»:

    «فما هي إلا امرأة يستطيع السيد تقييد رجليها. هو من يتحكم في حياتها ومماتها. أسكنها دائما في بيوت بأبواب محصنة ونوافذ مسيجة، ولا ترى من أسطحها غير السماء والصوامع.. وها قد مرّت فترة طويلة على تخليها عن البكاء والتوسل لكي يسمح لها بزيارة هذه المدينة ولو لمرة واحدة..

    كل ما تقوم به في حياتها هو الأكل والشرب والنوم والجماع. وقد فرض عليها السيد برامج لا تحيد عنها: شاي السيد خمس ساعات في اليوم، مرتين في اليوم، وحسب مشيئته. وخلال الفاصل تطبخ وتنظف وتكنس وتغسل الملابس وتخيط وترقع وترتق وتنسج وتخبز وتقتل الفئران والصراصير وتطحن القمح وتغربله، وتتكلف بـ«الحساب الذهني»، وتطرز المناديل وتضرب على دف صغير وترقص حافية القدمين وتطارد الذباب… هي التي قصرت في أداء واجباتها المقدسة كما يحدث كثيرا في هذه الدنيا، لكنها سرعان ما ندمت على ذلك التقصير، وأقسمت طاهرة بالقرآن الكريم على أنها ستحرص طيلة حياتها على أن تحافظ على الحساء ساخنا حتى يصل سيدها، وهو ما شهد به زوجها ومولاها باركه الله على تيسيره وعفوه السريع…

    في أساس كل مجتمع هناك الجماعة، ونواة الجماعة هي بالتأكيد الأسرة. فإذا كانت المرأة في هذه الأسرة سجينة ومحجبة ومعتقلة، كما فعلنا منذ قرون، وإذا لم تكن منفتحة على العالم الخارجي، وليس لها أي دور فعال، فإن ذلك ينعكس على المجتمع برمته، إذ ينغلق على نفسه، ولا يعود له شيء يمكن أن يفيد به نفسه أو غيره».

    (ترجمة محمد التهامي العماري)

     أم الربيع.. الرواية التاريخية

     

    يتحدث الأكاديمي قاسم باصْفاوْ، في مقدمته عن رواية «أم الربيع»، عن أنّها رواية تاريخية: «تضع اليوتوبيا في مواجهة الحنين إلى الماضي، وتبعث الروح من جديد في الماضي الجماعي، لأنّها تندرج في تتبع تكتيكي لمجرى الزمن هدفه حثّ الجماعة على نهضة مخلّصة، وغمر خيبة الأمل التي تنتاب المرء أمام الحاضر وسوداوية اليومي بالأمل الذي يؤسس له التاريخ، في نفس الوقت الذي يتصارع فيه الكاتب مع هذا اللغز الأساسي: ما الذي يجعل الحضارات تحيا وتموت؟ لابد من أنّ إدريس الشرايبي غيّر زاوية النظر على البلاد ذات الحاضر المخيّب للأمل الذي هجره (الماضي البسيط) ليستعيد من خلال كتابة (أم الربيع)، الأرض الأزلية، ذات الماضي الوهاج والمغمور بالحياة، والتي يظلّ إدريس الشرايبي شديد التعلّق بها.

    بدأ إدريس الشرايبي أعماله الأدبية بـ«الماضي البسيط» وأنهاها بـ«الرجل الذي يأتي من الماضي»، كما ليقول لنا كم هي متجذرة في تربة الذاكرة أحلامه المستقبلية. بهذا المعنى، كثيرا ما كانت تعود في كتاباته هذه الجملة: «إذا كنت لا تعرف ما حدث قبل ولادتك، فإنّك سوف تبقى دائما طفلا…»، داخل هذا الحالم الذي لا يطاق، الثابت على حلمه، يمتزج المهرج (بهلوان يُمسرح الحكمة والسخرية) والصعلوك المتشرد العاشق حدّ الجنون للمطلق، في أنقى التقاليد المغاربية. لقد أصاب أولئك الذين رأوا في الشرايبي شخصية دون كيشوت، فهو كان دائم البحث عن القيم الأصيلة في عالم يتدهور. لكني أود أن أقول، لمزيد من الدقة، بأنّ هذا الدون كيشوت كان هجينا، مختلطا بسانشو بانشا.

    من أوّل نصوصه إلى آخرها، يتطور الكاتب مع ذلك ويسلم تدريجيا بـ«عجز» الأدب الذي ليس سبب وجوده تغيير العالم، وإنّما جعل المرء يحلم ويفكّر: فوظيفة الكاتب في تحوّل مستمر. حسب الروايات، نحن نمرّ من الكاتب الملتزم (الثوري النبي) إلى الشاهد، وأخيرا إلى الحكواتي الذي يجدد الارتجال ونكهة الطريقة التقليدية للحكي، دون أدنى لمسة فلكلورية.

    وبذلك يكون إدريس الشرايبي قد فتح الطريق لأدب متحرر وبدون عقد، له الجرأة على البناء والرغبة في فتح الفرد على الكونية». من أجواء رواية «أم الربيع»، التي تعود إلى الحقبة الاستعمارية الفرنسية بين المعمرين وأبناء الأرض في الكثير من المناطق المغربية، التي شهدت صراعا محموما بين الجانبين حول الأرض ومواجهة بين عالمين ونظرتين مختلفتين: «… هكذا، طوال عدة عقود، عاش هؤلاء إلى جانب أولئك، البعض في السهول الخصبة والمدن والبعض الآخر في الجبال القاحلة أكثر فأكثر. لا الحرب ولا السلم تمكنا من تقريب وجهات نظرهم حول الوجود. مهما كانوا أغنياء وأقوياء، كان الغربيون يجهلون السبيل الذي يوصل الإنسان إلى ذاته. ومع ذلك، فهم كانوا عالمين بالحياة في أدنى تفاصيلها. زوجة أخ رَحُو، (تلك التي تحكي القصص على ضوء القمر)، كانت تزعم أنّهم أطفأوا الشمس في أرض ميلادهم ليستبدلوها بنجوم اصطناعية صغيرة تتدلى من سقوف منازلهم.

    كانت تحكي أيضا أنّهم قليلا ما كانوا يتحدثون مع بعضهم البعض، مثلك أنت وأنا في حديث قد يدوم ما بعد الظهر كلّه من جار إلى جار محتسين الشاي بالنعناع، وأنّه من أجل الأخذ في النقاش كان يلزمهم نوع من الخيط يسمونه هكذا تليفون، دون أن يروا بعضهم البعض! وإذا كانت تحكي أشياء مماثلة بلا اسم، فلأنّ ذلك كان صحيحا. فهي قد وجدت منذ زمن بعيد طريقها الخاص. مع السادة الجدد، وقعت المواجهة لكن بشكل مختلف، على نحو منحرف. دار التاريخ، وأصبح الأمر من جديد يخصّ أبناء نفس الوطن كما فيما مضى، كان الدين قد نسج روابط مقدسة ويمكنه من جديد أن يقوم بنفس الوظيفة لزمن طويل».

     

    «التيوس».. عن الهجرة والعنصرية

    عنوان رواية «التيوس» يحيل على مصطلح عنصري فرنسي يطلق على العرب، خاصة في باريس، تصوّر حالة المهاجرين من شمال أفريقيا وما يتعرضون له من تمييز والصعوبات التي يواجهونها في حياتهم غير المستقرة في العمل والسكن. أثارت الرواية عند نشرها موجة عارمة من السخط ضد إدريس الشرايبي، خاصة من اليمين الفرنسي الذين اتهموه بمعاداته للغرب عامة وفرنسا بالخصوص:

    «من خشب. من خشب أبيض. هذا كرسي من خشب أبيض.

    فتح شخص ما الباب بركلة. لكنني لم أر أحداً يدخل. رأيت فقط قدما ضيقة وطويلة، منتعلة حذاءً ضخماً من جلد البقر. قرع الأرضية الإسمنتية –فحدث دوي مثل طلقة نارية على امتداد السبعة والعشرين متراً مكعباً للغرفة– ثم غرس مقدمة الحذاء في بطن القط فرأيت ذيل قط يحلق، متصلب مثل حبل. بالكعب أغلق الباب.

    – ها هو اللحم.

    صفعت الكتف الحائط، دمغته بختمها الأحمر وتدحرجت عند قدميّ بصوت رخو.

    هذا إذا كرسي أبيض. أجلس عليه.

    ـــ قال لي الجزار: وأنت، سيدي، ما الذي يلزمك؟ قلت له: هذه القطعة من هذا اللحم ثم سددت له لكمة وأمسكت بقطعة اللحم.

    كانت بطاقة السيليلويد الأبيض ما تزال عالقة بها، وعليها هذا الرقم المكتوب باللون الأحمر: 84. أزلتها وربطتها بعروتي، وأنا أخمن بصورة مبهمة أنني سأتوفر يوما ما على أربعة وثمانين فرنكا كي أسدد المبلغ للجزار.

    ــ لابد أنه اتصل ببوليس النجدة وأعطاهم وصفا دقيقا لسارقه: رجل من شمال أفريقيا. ولابد أن يكون قد ألقي القبض عليه، على الرجل الشمال أفريقي، أي رجل شمال أفريقي، الأول الذي يكون قد ظهر عند زاوية الشارع. ولا بد أن يكون الجزار قد صرخ: لا شك في ذلك، إنه هو بالفعل.

    ها أنا إذا قد جلست، وأنظر. أفعل ذلك برعب كما لو أنني كنت أعمى مُنّ عليه للتو بعيني وشقٍ.

    نوافذ رمادية ليوم رمادي. في الخارج تبدو الأشجار كأنها هياكل عظمية سوداء. وأنا أنظر إليها تلتوي في الرياح، أسمع هزيـــــز الرياح. حاسة السمع، أسترجعها هي أيضا لكن بطريقة غير دقيقة، دون إمكانية ولا حد للتناغم، وأقول، وأنا أسمع الرياح تئن، ها هو ذا صهيل الهروب».

    (ترجمة: محمد حمودان)

     حسن بولهويشات.. «الماضي البسيط» في الزمن المركب

    لم يتعرض كاتبٌ مغربي للهجوم والنقد في الوسط الثقافي والأدبي مثلما تعرّض له إدريس الشرايبي عقب صدور روايته الأولى «الماضي البسيط» عام 1954، وذلك لطبيعة خطابها الحداثي الذي ينتقد زيف العلاقات الاجتماعية وتناقضها، ويشجب سلطة الأب المطلقة أمام صمت الزوجة والأبناء، وبؤس الاحتماء بالتقاليد والعادات البالية. وهو ما لم يستسغه (أو لم يفهمه) كثيرون فاعتبروا الرواية هجومًا على الوطن، واتهموا الكاتب بالخيانة والعمالة للمستعمر في وقت كان المغرب يتأهب للحصول على الاستقلال. وهو ما أوعز للشرايبي الشاب لينشر رسالة اعتذار يتبرأ فيها من بكر عائلته السردية، وفلذة كبده. قبل أن يعود ويتراجع عن الاعتذار في حوار مع عبد اللطيف اللعبي.

    هل كان الشرايبي هشّا لدرجة القبول بالإجهاز على انطلاقته الأدبية؟ هل وجد نفسه وحيدًا ومستهدفا بشكل مستعجل، في فترة تتحرك فيه المقاومة المغربية ببنادق قتال محشوّة في حُزم النعناع وتحت الجلاليب ومستعدة لإطلاق النار على كلّ من تشكّ فيه؟ هل أجّجت الصحافة الفرنسية من الوضع حين اعتبرت الرواية وثيقة مهمة للدلالة على نجاح التواجد الفرنسي بالمغرب؟

    نستحضر هذه المعطيات للإشارة إلى الولادة الصعبة للرواية، وقدرتها على الصمود وممارسة التأثير الفني على القرّاء ومخاطبة الأجيال المتعاقبة بلغة متمرّدة وروح حداثية، حيث يمثل بطل الرواية ادريس فردي ثورة البرجوازية المثقفة ضد السائد والمألوف. على عكس رواية «صندوق العجب»، على سبيل المقارنة، التي تبدو هادئة وناعمة في لغتها، ويظهر البطل سيدي محمد مطمئنًا إلى نفسه. بل منطويا ومنشغلًا بصندوقٍ محشوّ بالمسامير والأزرار والقوافل المكسورة، ولا يفارقه إلا ليتفرّج عن بيوت الجيران والزليج وحياة المسيد.

    صحيح أن رواية أحمد الصفريوي تحتفي بالهوية والتراث المغربي ولو من وراء حجاب، ويعتبرها النّقاد النّص الروائي الأول المكتوب بالفرنسية، لكن ليس إلى حدّ استبعاد «الماضي البسيط» التي صدرت في السنة ذاتها، وتُدافع عن نفسها بمواصفاتها الفنية الموجودة في باقي النصوص الكولونيالية، إبّان التوسّع الامبريالي في شمال إفريقيا، بل تتفوّق على الكثير منها.

    تتضح القيمة الفنية لرواية الشرايبي أكثر بالعودة إلى النصوص المكتوبة بالعربية، وتحديدًا إلى رواية «الزاوية» (1942) مع التهامي الوزاني، التي تحتفي بعالم الزوايا في شمال المغرب والنواحي، وتَرسم سيرة رجلٍ يقتفي خطواته الأولى نحو الأدب الحديث والحياة الجديدة مكتظا بالحيرة ومخاوف الطريق.

    وحتى إذا ما سايرنا مزاج النّقاد مرّة أخرى، وتجاوزنا «الزاوية» وقبلنا برواية «في الطفولة» (1957) لعبد المجيد بن جلون باعتبارها النّصَ الأول المكتوب بالعربيّة، فإنّنا ندرك جيّدا جرأة الشرايبي في تحطيم الاصنام الاجتماعية والسياسية من خلال نقدٍ قاسٍ للمؤسسات. فيما كان الجيل الروائي الذي ينتمي إليه يستعيد حياته في سيرة ذاتية تمثّل الاستقرار العاطفي والتماسك الأسري في أبعد مظاهره.

    سيتأتّى مفعول رواية (الماضي البسيط) مع الجيل الجديد، أمثال محمد حمودان وليلى السليماني وآخرين اختاروا الكتابة عن الهوية المغربية والصراع الحضاري والاغتراب الثقافي من خارج البلاد. وسجّلوا فتحًا حقيقيا في الرواية المغربية المكتوبة بالفرنسية. قبل أن يأتي محمد شكري بسنوات ويكتب «الخبز الحافي» النّص القنبلة التي انفجرت في وجه الجميع، حيث يستعيد شكري أيام الصبا بلا فراملَ فنيّة، إن صحّ التعبير. بل لم يتردد في قتل الأب رمزيا، وتسوية جدران البيت أرضًا مثل جرّافة واصطحاب القارئ إلى غرفة النوم وأسرارها الحميميّة بلا مشكلة.

    لقد امتدت يد الرقيب إلى خبز شكري هو الآخر واعتبروا الكاتب شيطانًا رجيمًا يتحرّك بين الناس ويُفسد الناشئة. لكن ليس إلى الحد الذي هوجم به الشرايبي فأوشكنا أن نعدم كاتبًا استثنائيًا، ورواية استثنائية كُتبت في سياق سياسي واجتماعي مركّب وصعب.

    متوجون تعويض

    +++

    تتويج شعراء فلسطينيين بجائزة الأركانة العالمية للشعر

    احتفالا بمدينة الرباط عاصمة عالمية للكتاب لسنة 2026، نظم بيت الشعر في المغرب، بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل ووكالة بيت مال القدس الشريف، حفل تسليم جائزة الأركانة العالمية للشعر، التي سبق للجنة تحكيم دورتها الـ18 أن أعلنت تتويج الشعرية الفلسطينية بها في شخص الشعراء: زهير أبو شايب، غسّان زقطان، طاهر رياض ويوسف عبد العزيز.

    وانعقد الحفل يوم 25 أبريل الجاري في الساعة السابعة والنصف مساء بمتحف محمد السادس للفنون المعاصرة، بحضور الشعراء الفلسطينيين الفائزين.

    وتضمن برنامج الحفل كلمة الشاعر مراد القادري، رئيس بيت الشعر في المغرب، وكلمة محمد مهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل، وكلمة محمد سالم الشرقاوي، مدير وكالة بيت مال القدس الشريف، وكلمة الشاعرة وفاء العمراني، رئيسة لجنة التحكيم، فضلا عن كلمة للشعراء المتوجين وقراءات شعرية.

    وفي هذا السياق جرى تسليم جائزة الأركانة للشعراء زهير أبو شايب وغسّان زقطان وطاهر رياض ويوسف عبد العزيز.

    جدير بالذكر أن لجنة تحكيم جائزة الأركانة تكونت هذه السنة من الشاعرة وفاء العمراني رئيسة، ومن الأعضاء: الأكاديمي عبد الرحمان طنكول، الفنان التشكيليّ أحمد جاريد، الأكاديمي جمال الدين بنحيون، الشاعر والمُترجم نور الدين الزويتني، والشاعر حسن نجمي، الأمين العام لجائزة الأركانة العالمية للشعر.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حقائق العالم المقلوبَة

    محمد نورالدين أفاية

    ما علاقة النزعات التسلطية بتدهور اللغة ومَلَكات التفكير؟ كيف تقوم خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي ومنصات الذكاء الاصطناعي بتكييف الأذهان، وتوجيه العقول، والتأثير على الاختيارات والمواقف؟ هل ما يزال من الممكن بناء حقائق اعتمادا على الحوار والتداول والإنصات المتبادل وتقاسم أفضل الحجج؟ وما هي حظوظ التفكير النقدي، ودور العمل السينمائي على كشف ما يتعرض له الإنسان اليوم من استلاب، وضياع، واستعْباد؟

    في كتابه “بحث في الحريات”، وفي سياق تحليله لمظاهر التوتاليتارية ومقتضيات النظام الديمقراطي، اعتبر ريمون آرون أن جورج أورويل “عرف كيف يحافظ على فكر أخلاقي في قرن من دون أخلاق”. لقد قرَّر وضع مسافة مع التضليل في زمن هيمنت فيه الإيديولوجيات بشكل مُدوٍّ، وسادت فيه أكاذيب السياسة ومختلف أشكال المساومة. وحين تحدث آرون عن الأخلاق فإنه لم يكن يقصد أن أورويل وجَّهته مرجعيات دينية أو تشبَّث بقيم مُجردة، وإنما أكد على الوضوح الفكري والسياسي الذي أصر عليه بخصوص الوفاء للحقيقة الواقعية، وشجبه المبدئي لسخافة النفاق السياسي، ولانسجامه بين قناعاته ومضامين رواياته وكُتبه. فهو لم يكُف عن التأكيد على أن مبدأ الحرية ذاته يجد في وضوح الكلام والالتصاق بالوقائع أفضل السبل لتحقُّقه وتصريفه.

    لم يقتصر أورويل على كشف بنية النظام التوتاليتاري، وتبيان منظومة الخداع التي يستخدمها للحفاظ على السلطة وممارسة السيطرة كما كشف عن آلياتها في روايته “1984” فقط، سواء أتعلق الأمر بالفاشية أو بالستالينية التي كاد أن ينكوي بنارها في مشاركته في حرب إسبانيا ما بين سنتي 1939 -1936؛ بل إنه سبق له أن أدان، بشكل تنبُّئي، تمظهرات التوتاليتارية المُؤسَّسة على الاستخدام والتضليل بفضل التكنولوجيا في روايته “مزرعة الحيوانات” التي ألفها سنة1945 .

    والظاهر أن زمن العالم الذي نعيش فيه اليوم يستدعي ما يتيحه هذا النوع من الكتابات الأدبية من انفتاحات عمل أصحابها على الجمع بين قدرتها على كشف الوقائع ووصفها وتشخيص تناقضاتها وتهافتها، وعلى التنبؤ بما يمكن أن يحصل للعالم في فترات التوتر والجموح السياسي نحو التسلطية والتحكُّم، والنزوع إلى التهديد العسكري وإشعال الحروب، واللجوء إلى نهج سياسات البطش وممارسة الشر.

    اقتبس العديد من المخرجين موضوعات أفلامهم من روايات جورج أورويل، حيث كانت رواية 1984 موضوعا لمسلسل بنفس العنوان أخرجه للتلفزيون البريطاني بول نيكل Paul Nickel سنة 1953، وفيلم “الأخ الأكبر” Big Brother (1956) أخرجه مايكل آندرسون Michael Anderson، كما أخرج مايكل رادفوردMichael Radford فيلما بنفس العنوان سنة 1984. أما رواية “حديقة الحيوانات” فقد قام جون هالاس John Halas سنة 1954 باقتباسها وإخراج فيلم بطلب وتمويل من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA)) في إطار الهجوم الشرس للمكارثية على المبدعين والكتاب النقديين في أمريكا، والذين تعرضوا لأشكال بطش وقمع في إطار الحملة الدعائية ضد الشيوعية. وقد تضمن الملصق الإشهاري للفيلم شعارا كان له صدى كبيرا يقول: “تضحكون كثيرا، ستبكون قليلا”. أما البريطاني آندي سركيس Andy Serkis فقد أنجز فيلما من نوع أفلام التحريك بنفس عنوان الرواية سنة 2025.

    في سياق المسار السينمائي و”النضالي” الذي اختاره المخرج الهايتي “راوول بيك” Raoul Peck أنجز فيلما بعنوان “أورويل 5=2+2” (2025). وقد أخرج قبله عددا من الأفلام القصيرة، والروائية والوثائقية، تندرج كلها ضمن انخراطه في كشف آليات الاستعباد والاستغلال التي تعرضت له الشعوب المستعمَرة، وما تتعرض له من نهب لثرواتها من طرف الرأسمالية. فهو يعتبر أن السينما حقل إبداعي يجب أن يكون سلاحا للنقد، والكشف، والإدانة، والدفاع عن الحرية والحقيقة. لذلك أخرج فيلمين عن باتريس لومامبا روائي ووثائقي، وفيلم بعنوان “كارل ماركس الشاب”، ثم “لست زنجيا” عن حياة ومعاناة الكاتب الأفروأمريكي جيمس بالدوين، وغيرها من الأفلام. وتظهر على أعماله تأثيرات واضحة للاختيارات الإخراجية للفرنسييْن كريس ماركر Chris Marker وجان لوك غودار Jean Luc Godard، خصوصا في فيلميه “اشتراكية” و”كتاب- صورة”، وإن كان هذا الأخير يفضل قراءة التعليق اعتمادا على ذبذبات صوته المترنحة شخصيا.

    عرض راوول بيك في فيلم “أورويل: 5=2 + 2″، قراءة فيلمية خاصة لرواية أورويل من خلال القيام بعملية تركيب بين أحداث مضت وبين ما يعرفه الحاضر من قصف لا متوقف من الصور والأخبار الكاذبة. يتعلق الأمر بجملة قضايا تناولها أورويل في روايته بأسلوبه التخيُّلي، ومنها بالأساس ما تقوم به النخب والسلط المتحكمة في العديد من البلدان لتغيير معاني الكلمات، وخلق الغموض، وإنتاج التضليل في أوساط المجتمع لدرجة تصل فيها هذه السلط إلى إلزام الناس باعتبار أن 5=2 + 2. كما يبرز كيف أن تدهور اللغة مُقدِّمة لإنهاك الديمقراطية، ما دام الإفراغ التدريجي للكلمات من معانيها ينتج بلاغة تفرض ذاتها، بطرق مُسترسلة ومكرورة، لدرجة يصل فيها الناس إلى قبول ما لا يقبل.

    باعتماده على أرشيف غني ومتنوع وعلى انتقاء نصوص جورج أورويل وقراءة مباشرة لها، لخدمة سرده السينمائي، قام راوول بيك بتركيب مستندات بصرية متنوعة الموضوعات من ووثائق أخبار وحوادث، ولقطات أفلام اقتبست روايات أورويل، ومتواليات من أرشيف عن الحرب العالمية الثانية وحرب الفيتنام، وصور هتلر، وستالين إلى ما يشهده العالم، اليوم، من مشاهد حرب وعنف وتدمير، وتُبين مظاهر البطش والقمع البوليسي لمظاهرات احتجاجية، والأساليب الجديدة لتعبيرات العنصرية وصعود لليمين المتطرف.

    ولكي يُفهَم الحاضر على ضوء بعض أحداث الماضي قام راوول بيك بالترحل في فترات شهد فيها التاريخ تراجيديات كبرى، وتعرض لحروب جارية كما هو الحال في أوكرانيا، وغزة، وهايتي، واليمن، وساحات حرب وعنف أخرى، متوقفا عند أساليب التضليل للتغطية على الجرائم ضد الوعي، والعقل، والوجدان، والذوق التي ترتكبها صناعات الإشهار، ومواقع التواصل الاجتماعي، والخداع السياسي الذي تقوم به الخوارزميات المبرمجة من طرف سادة العالم الجدد اليوم. كما خصص راوول بيك متواليات عدة للانتهاكات الوحشية التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في غزة، معتبرا أن هذه الحرب تستدعي، بقوة، استحضار أفكار أورويل حول السيطرة، وجريمة الفكر بسبب السردية التي تنتجها الجيوش الإلكترونية التي تُعبئها إسرائيل لتزييف الحقائق، وتزوير التاريخ، وكشف عدائها الفاضح للإعلام بقتلها لأكبر عدد من الصحافيين في تاريخ الحروب، وممارسة الرقابة المُعممة على كل شيء، والكذب على العالم كله بالتنصل الدائم من الالتزامات، وانتهاك القوانين الإنسانية كافة، مستفيدة في ذلك من الدعم اللامشروط للولايات المتحدة الأمريكية وحمايتها، ومن التواطؤ الأوروبي الذي تتمتع به، سيما من طرف ألمانيا وفرنسا وإنجلترا.

    لقد اعتبر أورويل أنه كلما ساءت وضعية اللغة والتبست استعمالاتها تبلَّد العقل والتبس معه الفكر، سواء عند السياسيين، أو الكتاب، أو في المحادثات اليومية؛ بل إن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد لأن أورويل تصوَّر أن التوتاليتارية تنتعش كلما اعتاد الناس على تدهور اللغة واستسلموا له. وهو ما يترتب عنه، حتما، تعليق الحرية والحد منها، وتراجع الجهر بالحقيقة. من هنا حاجة السلطة الدائمة إلى تفقير اللغة، واستعمال قاموس بديل للحد من التفكير أو منع الناس على القيام به، ما دام يشكل خطرا مباشرا على السلطة وتهديدا لها.

    يتعلق الأمر بإرادات واضحة لإفساد اللغة من أجل تبلُّد الأذهان وتبرير البشاعة للتغطية على تمظهرات التوحُّش الجديدة، وعلى أشكال الشر التي تنهجها دول لنزع الإنسانية على الإنسان. في ضوء ما يعيشه العالم من انزلاقات وأساليب تضليل لممارسة السيطرة والضرر، لم يعد البُعد الديستوبي Dystopique لعوالم رواية جورج أورويل خياليًا تماما، كما يظهر فيلم راوول بيك، ما دامت النخب السياسية في أغلب البلدان تستعمل المنطق ضد المنطق، وتتنصل من الأخلاق في الوقت الذي تدعي الالتزام بها، وتتضايق ممن لهم أفكار وتقمع من يجهرون بالنقد في الوقت نفسه الذي تدعي فيه التزام حرية الرأي، حيث تستثمر في ترسانة إعلامية ودعائية هائلة للتمكن من عقول الناس وذاكرتهم، وتوجيه إدراكهم للواقع بالشكل الذي تمليه عليهم، وتُقدم الأكاذيب وكأنها حقائق، طالما أن الغاية الأسمى تتمثل في الحفاظ على السلطة والسيطرة دونما اكتراث بوجود الآخرين ومصالحهم؛ بل ومنهم من يغطي على هذا النزوع الافتراسي بكونه يقوم بذلك بناء على “تفويض” ديني، كما يدعي ذلك السيد دونالد ثرامب.

    استلهم راوول بيك، في فيلمه “أورويل: 5=2 + 2″، نصوص أورويل واستحضرها من خلال التعليق، ودعَّمها بصور ووثائق بصرية وسمعية اعتبرها تمثيلية لِما يشهده العالم من عبث، واستهتار بإنسانية الناس الذين أصبحوا يتحركون كآلات لا روح، ولا عقل ولا وجدان لها. مع تنبيه واضح إلى أننا بلغنا مراحل انحلال ظاهرة وتدميرا للمجال العام حيث تستأسد قوى تعمل كل ما تملك من مواقع ومنصات وقوة لفرض رواية واحدة و”حقائق” يعبر عنها أفراد يستعملون اللغة بالطرق التي يريدون وفي الوقت الذي يختارون ضمن مجتمع يزداد مراقبة، وترصُّدا، ومحاصرة للحريات. فضياع قيمة اللغة تمثل إيذانا بالتضييق على الديمقراطية وإضعافا للآليات التي تسمح بها للاعتراض والمحاسبة والنقد.

    وفضلا عن العمل التركيبي القوي الذي أنجزه راوول بيك سينمائيا في فيلمه فإن رسالته، وهو من المخرجين الذين يُصرون على الجهر بأفكارهم ومواقفهم، تدعو إلى تكسير جدار الخوف، وإلى عدم التنازل عن مهام الشك والتفكير والمساءلة، والاحتراس من استراتيجيات التضليل والخداع التي تتستر وراءها قوى تحركها مصالح ضخمة وإرادات تحكُّم غير مسبوقة.

    ولعل المشهد الأخير للفيلم يكثف كثيرا من دلالات هذا العالم، حيث يصور المخرج متجرًا عصريًا ضخمًا (مول) بواجهاته المُغرية، وألوانه الجاذبة، وصُوره الساحرة تُرسل من كل جوانبه الشعارات الخادعة الثلاثة التي أقام عليها جورج أورويل بناء روايته 1984: الحرب هي السلام، الحرية هي العبودية، الجهل هو القوة. وكأن راوول بيك بهذه اللقطة الواسعة يكثف المفارقات التي استوطنت عوالمنا الواقعية منها والافتراضية، وترسم بعض معالم السجن الذهني والوجودي الذي يتعين الانتباه إلى ضرورة الوعي بأغلاله للتحرر منها.

     إصدارات

     جيرميبلادن

    صدر عن دار النشر سليكي أخوين السيرة الروائية “جيرميبلادن” للصحافي عبد الرحمن عبد الوالي. تدور حكايتها حول قرية منجمية تروى بعيون طفل نشأ فيها، وعاد بعد مرور خمسين سنة على إغلاق مناجمها، لزيارة أماكن طفولته التي ظلت تطارده والتي تغيرت بشكل جذري، وأصبحت مكان يقاوم النسيان وأطلالاً مهجورة. ويُصور أيضا كيف عايش الصراع الطبقي والاضطهاد الذي عانى منه سكانها. بحيث تأثرت بالاستغلال الرأسمالي والتمييز الطبقي، وتضررت من الإغلاق المفاجئ للمناجم، مما أدى إلى تشرد السكان وضياع مصدر رزقهم وتبخر أحلامهم. ويحكي الكاتب ذكرياته عن القرية، بدء من طفولته البريئة وتجاربه مع العمال والنصارى، مرورا بفترة الشباب والوعي بالصراع الطبقي، ووصولا إلى مرحلة النضج والهجرة القسرية. ويروي كيف كانت القرية في أوج نشاطها، مليئة بالحياة والنشاط، مع مناجم تعمل على استخراج المعادن الثمينة. وكانت مكاناً نابضاً بالحياة، مع سكان من مختلف الأعراق والثقافات، يعيشون معاً في وئام وتعاون. ويذكر الكاتب كيف كان العمال يعانون من ظروف عمل قاسية ويتقاضون رواتب متدنية، وكيف نشأت الحركة النقابية في القرية، وكيف قاد العمال إضرابات واحتجاجات للمطالبة بحقوقهم. ثم يُصور كيف كانت السلطات المحلية والشركة تُقمع هذه الاحتجاجات بعنف، مما أدى إلى مزيد من الظلم والمعاناة.

    أنجز الصحافي والكاتب لحسن العسيبي التقديم التالي: “هذا نص لا يمكن إلا أن تقرأه بمتعة، لأنه صادق.. الصدق آت من أنه شهادة عن تجربة حياة في زمن مغربي وضمن مكان مغربي في الخمسين سنة الماضية.. متعة القراءة الأخرى آتية من تعدد الأصوات الضاجة في هذا النص، فهو نص يهب للقارئ العادي الباحث عن الاكتشاف ومتعة التلقي ما يحتاجه من تفاصيل أمكنة وأحداث وشخوص، على قدر ما يوفر للباحث الأكاديمي… مادة غنية من البناء المعلوماتي المفضي إلى إعادة بناء معنى مغربي كتجربة حياة بقاموسها اللسني المختلف، ببنائها الاجتماعي العمالي القروي المتمايز، بمعلومات الأحداث المؤرخة لمراحل تطور ذهنية جماعية من ضمن المجال المغربي الممتد حضاريا، ثم أخيرا قصص مقاومة لمحاولة عيش لشريحة اجتماعية من القاع.. أول ما أثارني في نص “جيرميبلادن” هو التقاطع الكبير مع نصوص أدبية عالمية موضوعها عوالم مناجم العمال، أولئك النازلون إلى العالم السفلي للأرض وللوجود وللحياة.. حيث لا تستطيع الفكاك من المقارنة مع رواية “جيرمينال” للفرنسي إميل زولا والكثير من كتابات ونصوص فيكتور هوغو (نصير البؤساء)، وكذا جزء وفير من كتابات “الأم جونز” تلك الزعيمة النقابية العمالية الأمريكية بمناجم كاليفورنيا في النصف الأول من القرن العشرين.. (من هنا الإشتقاق الذكي للعنوان “جيرميبلادن”).. هذا نص من القاع.. من عمق المناجم نعم، لكن أيضا عمق تجربة حياة مغربية مقاومة لاستحقاق مكان تحت الشمس بكرامة.. إنها أيضا كتابةٌ تُعلي من قيمة “أدب المناجم” مغربيا التي هي أصلا نوع إبداعي قليل بل نادر.. هنا تكمن متعة القراءة في “جيرميبلادن” على القدر نفسه الذي تكمن جرأته واختلافه وإضافته النوعية”. لوحة الغلاف من إنجاز الكاتب والفنان التشكيلي أحمد جاريد. ويتمّ توقيع الكتاب يوم السبت 9 ماي 2026 ابتداء من الساعة الثالثة بعد الزوال (س 3) قاعةC رواق C30. بفضاء المعرض الدولي للكتاب بالرباط.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • قنصلية الولايات المتحدة تدشن مجمعها الجديد بالبيضاء بحضور فؤاد عالي الهمة ووزير الخارجية بوريطة

    دشنت القنصلية العامة للولايات المتحدة بالدار البيضاء، مساء أمس الخميس، مجمعها الجديد بالقطب المالي للدار البيضاء، وذلك خلال في حفل رسمي كبير بحضور المستشار الملكي، فؤاد عالي الهمة، ووزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، ووزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، والمفتش العام للقوات المسلحة الملكية، قائد المنطقة الجنوبية الفريق أول محمد بريظ، ووالي جهة الدار البيضاء-سطات عامل عمالة الدار البيضاء، محمد امهيدية، ورئيس مجلس جهة الدار البيضاء-سطات، عبد اللطيف معزوز، ورئيسة مجلس جماعة الدار البيضاء، نبيلة الرميلي.

    كما جرت هذه المراسم بحضور نائب وزير الخارجية الأمريكي، كريستوفر لاندو، وسفير الولايات المتحدة الأمريكية بالمغرب، ديوك بوكان الثالث، والقنصل العام للولايات المتحدة بالدار البيضاء، ماريسا سكوت.

    ونوهت وزارة الخارجية الأمريكية بكون المملكة المغربية أصبحت، عقب تدشين المجمع الجديد للقنصلية العامة للولايات المتحدة، الخميس بالقطب المالي للدار البيضاء، تحتضن “أقدم وأحدث البعثات الدبلوماسية الأمريكية” في العالم.

    وذكرت الدبلوماسية الأمريكية، في بيان صدر بواشنطن، أنه “وفي غمرة استعدادنا لتخليد مرور 250 عاما من الصداقة بين الولايات المتحدة والمغرب، يكتسي دلالة بالغة أن المملكة المغربية أصبحت تحتضن في الآن ذاته أقدم وأحدث البعثات الدبلوماسية الأمريكية”.

    وتعد المفوضية الأمريكية بطنجة، التي كان السلطان مولاي سليمان قد أهدى مقرها سنة 1821 إلى الجمهورية الأمريكية الفتية، أقدم تمثيلية دبلوماسية أمريكية في العالم، والمعلمة التاريخية الوطنية الأمريكية الوحيدة الموجودة في الخارج.

    واليوم، يستضيف مبنى المفوضية بطنجة، الذي شكل مقرا للبعثة الدبلوماسية الأمريكية في المغرب على مدى أزيد من 140 سنة، متحفا يتسم بالدينامية ومركزا للبحث والثقافة.

    وأضافت الخارجية الأمريكية أن المجمع الجديد للقنصلية العامة الأمريكية بالدار البيضاء، المشيد على مساحة تقارب 2.7 هكتار، يعزز الحضور الدبلوماسي للولايات المتحدة في المغرب، و”يحفز تعاونا أقوى في مجالات النمو الاقتصادي، والأمن والاستقرار الإقليمي”.

    وأوضحت أن هذا المجمع الجديد يوفر “منصة آمنة، وحديثة، ومرنة في خدمة الدبلوماسية الأمريكية، تمزج بين التقاليد المعمارية المغربية ومنظومات البناء الأكثر تطورا، بهدف تحسين الأداء والاستدامة”.

    وحسب المصدر ذاته، تتمثل أبرز خصائص المجمع في إدماجه لأعمال من الفن المعاصر الأمريكي والمغربي في مجموع البنايات، تم انتقاؤها من طرف مكتب الفن في السفارات التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، بما يبرز دور التبادل الثقافي في توطيد الروابط الثنائية.

    وجرى حفل تدشين المجمع الجديد للقنصلية العامة الأمريكية، بحضور العديد من المسؤولين السامين المغاربة والأمريكيين، من بينهم نائب وزير الخارجية الأمريكي، السيد كريستوفر لاندو، وسفير الولايات المتحدة بالمغرب، السيد ديوك بوكان الثالث، والقنصل العام للولايات المتحدة بالدار البيضاء، السيدة ماريسا سكوت.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ولي العهد مولاي الحسن يفتتح المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط

    النعمان اليعلاوي

    ترأس ولي العهد الأمير مولاي الحسن، اليوم الخميس بفضاء أو إل إم- السويسي بالرباط، افتتاح الدورة الحادية والثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب، المنظمة تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس، خلال الفترة ما بين 01 و10 ماي.

    ويشكل افتتاح الأمير مولاي الحسن لهذا المعرض الدولي تجسيدا متجددا للعناية السامية والرعاية التي ما فتئ الملك يحيط بها المجال الثقافي، والعزم الراسخ لجلالته على النهوض بمختلف مظاهره وتعبيراته، بهدف بناء صرح مجتمع معرفي منفتح ومزدهر.

    وبهذه المناسبة، قام ولي العهد الأمير مولاي الحسن بزيارة عدد من أروقة المعرض، بما فيها رواق الجمهورية الفرنسية، ضيف شرف الدورة الـ 31 من المعرض الدولي للنشر والكتاب، التي تحتفي بالروابط التاريخية والثقافية التي تجمع المغرب بهذا البلد الصديق، وتأتي لتعزيز دينامية التعاون متعدد الأبعاد الذي تدعمه الشراكة الاستثنائية الوطيدة، التي تعززت تحت رعاية الملك محمد السادس والرئيس إيمانويل ماكرون.

    كما زار رواق وزارة الشباب والثقافة والتواصل، والرواق المخصص لموضوع هذه الدورة “ابن بطوطة وأدب الرحلة”، وكذا أروقة المرصد الوطني لحقوق الطفل، ومؤسسة محمد السادس للأشخاص في وضعية إعاقة، ودار النشر “دار الأمان”، وفلسطين.

    وزار ولي العهد الأمير مولاي الحسن، أيضا، أروقة المنظمة العلوية لرعاية المكفوفين بالمغرب، ومجموعة “مكتبة المدارس”، ومؤسسة محمد السادس لحماية البيئة، ومؤسسة المحافظة على التراث الثقافي لمدينة الرباط، وفضاء “الأمير الصغير”.

    وتتزامن الدورة الـ 31 من المعرض الدولي للنشر والكتاب، التي تنظمها وزارة الشباب والثقافة والتواصل (قطاع الثقافة)، بشراكة مع ولاية الرباط- سلا- القنيطرة، وجهة الرباط- سلا- القنيطرة، وجماعة الرباط، هذه السنة، مع اختيار منظمة “اليونسكو” للرباط عاصمة عالمية للكتاب لسنة 2026 (أبريل 2026 – أبريل 2027)، ما يشكل اعترافا بالموروث التاريخي الغني لهذه المدينة وتكريسا للرؤية الملكية المستنيرة الرامية إلى جعل الرباط مدينة الأنوار، عاصمة مغربية للثقافة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • السكوري: كلفة الحوار الاجتماعي ستبلغ 49,7 مليار درهم وتفادي أكثر من 4500 إضراب

    النعمان اليعلاوي

    قال يونس السكوري، وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، إن الحوار الاجتماعي الذي أطلقته الحكومة الحالية حقق “نتائج غير مسبوقة”، متوقعا أن تصل كلفته خلال السنة المقبلة إلى حوالي 49,7 مليارات درهم، مشيرا إلى أن هذا المسار مكن من تفادي اندلاع أزيد من 4500 إضراب كانت ستهم نحو نصف مليون أجير.

    وأوضح السكوري، خلال الندوة الصحافية التي أعقبت اجتماع المجلس الحكومي، اليوم الخميس، أن الحكومة صادقت على مشروع قانون يقضي بتعديل مدونة الشغل، عبر خفض ساعات عمل حراس الأمن الخاص من 12 ساعة إلى 8 ساعات، وهو الإجراء الذي سيشمل حوالي مليون شخص، مؤكدا أن أي عقد جديد سيتم توقيعه بعد نشر القانون في الجريدة الرسمية سيخضع فورا لهذا التعديل.

    وأضاف الوزير أن الحوار الاجتماعي استلزم مجهودا كبيرا من قبل الحكومة، مبرزا أنه لا يمكن الاستجابة لكافة المطالب نظرا لطابعها المتجدد، لكنه شدد على أن هذا الحوار مكن من تحقيق منجزات مهمة، معتبرا أنه لولا هذا المسار لتمت معالجة الملفات الاجتماعية بطريقة “غير سليمة”.

    وفي ما يخص الأجور، أكد المسؤول الحكومي أن الحكومة استجابت لمطلب الزيادة فيها على مرحلتين ابتداء من سنة 2024، مستفيدة من تحسن الظرفية الاقتصادية، حيث استفاد من هذه الزيادات حوالي 4,25 ملايين شخص، من بينهم 3 ملايين في القطاع الخاص. كما أشار إلى أن القطاع العام شهد حوارات قطاعية وصفها بـ”غير المسبوقة”، خاصة في مجالي التعليم والصحة، مع فتح ملفات فئات مهنية أخرى كالمهندسين والمتصرفين والتقنيين.

    وبخصوص المعاشات، أوضح السكوري أن الحكومة أقرت إجراء يهم رد الاشتراكات لفائدة المنخرطين الذين لم يستوفوا عدد الأيام المطلوب بعد تخفيض هذا السقف، مبرزا أن أكثر من 80 ألف شخص استفادوا من هذا التدبير. وأكد أن رفع المعاشات يظل مطلبا مشروعا، لكنه مرتبط بإصلاح شامل لأنظمة التقاعد يضمن الحفاظ على الحقوق المكتسبة ومراجعة قيمة المعاشات بما يواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية.

    وفي ما يتعلق بالإضرابات، أشار الوزير إلى أن عددها عرف تراجعا حتى قبل دخول القانون الجديد حيز التنفيذ، مبرزا أن الوزارة توصلت بحوالي 330 ألف شكاية، تمت معالجة عدد كبير منها، وهو ما ساهم في تفادي آلاف الإضرابات. كما شدد على أن القانون الجديد يوازن بين حقوق الأجراء وواجبات المشغلين، إذ يمنع أي شكل من أشكال الانتقام بسبب الإضراب، وفي المقابل يفرض اللجوء إلى التفاوض قبل خوضه.

    وختم السكوري بالتأكيد على أن الحكومة تعتبر الحوار الاجتماعي مسارا متكاملا يشمل عدة ملفات، معبرا عن ارتياحها لما وصفه بـ”النتائج الإيجابية” المحققة إلى حدود الآن.

    إقرأ الخبر من مصدره