Catégorie : حوارات

  • السينما.. لغة بصرية عابرة للحدود

    تميَّز الفضاء المتوسطي دوما بدرجات متفاوتة من التوتر وتعبيرات العنف والتصادم، حسب السياقات وتوازنات القوى الفاعلة، وهي تعبيرات تُشوش على فرص اللقاء، وتُغذي الأحكام المسبقة وتُعمق مشاعر رفض الآخر. وعلى الرغم من توافر إرادات التفاعل والتبادل من هذه الجهة أو تلك، يجد المتوسطيون أنفسهم مُعرضين لاحتمالات لا حصر لها من الانسدادات والحواجز لأسباب جيوسياسية، ولعقليات لا تزال مُرتهِنة لمُتخيَّل كولونيالي، ولنزعات تدعو إلى الانغلاق الهوياتي والديني، وما يتمخض عن ذلك من تفكك وإرادة سيطرة.

    من هذا المنطلق يَعْرض كتاب «ضفاف النظر؛ لغة بصرية مشتركة في حوض المتوسط» (2025)، لبعض هذه المعطيات ولِما يُشكل وسائل مقاومة لإرادات الاستبعاد، وسياسات الفصل ومختلف الأسلاك الشائكة التي تضعها الدول أمام حركة الأجساد والأفكار. ويتناول الكتاب تعبيرات الإنتاج البصري والإبداع السينمائي بشكل أبرز باعتبارها تؤكد، باستمرار، على قدرتها على خلق وسائلها وأساليبها ومسالكها المميزة لتجاوز العوائق والموانع والوصول إلى جمهورها بين ضفتي المتوسط.

    وفي هذا السياق تعرَّضت إلى ما أسميته «الخرائطيات الشعرية» للسينما المتوسطية وتأثير صانعيها على السينما العالمية، بدءا من اكتشاف السينماتوغراف، وتيارات الواقعية، في تعبيراتها الشعرية والجديدة، والسوريالية والموجة الجديدة، وغيرها من الأساليب وأنماط الحكي التي أنتجها المُتخيَّل السينمائي المتوسطي. ظهر ذلك، بجلاء، في هجرة مخرجين ذوي أصول متوسطية إلى هوليود (مثل مايكل شيمينو، فرانسيس فورد كوبولا، مارتين سكورسيزي، سيرجيو ليوني، إلى كوانتان ترانتينيو وغيرهم من المخرجين والممثلين الكبار ومؤلفي الموسيقى من طراز إينيو موريكوني….)، حيث أدخلوا أبعادا جديدة في أفلامهم، وضخُّوا نظرات متجذرة فجروا صورها في شكل أعمال خالدة انتشرت في العالم كافة. بدورها ساهمت الهجرة المغاربية إلى أوروبا، والتركية إلى ألمانيا، ومشاركة سينمائيين أوروبيين في أفلام الضفة الجنوبية في انتقال حساسيات وكفاءات متوسطية أنتجت تثاقفًا إبداعيًا متنوع الأشكال والتعبيرات.

    أما القسم الثاني من الكتاب فخصَّصْته لما أعتبره إشكالية مركزية في «الثقافات المتوسطية» المتمثلة في الهُوية. وعلى الرغم من المحاولات النظرية التي ادعت تجاوز هذه الإشكالية، يبدو أن الإنتاج السينمائي المتوسطي لا يتوقف عن إبراز تمظهرات الهوية والتغيرات التي تطرأ على طرق التعبير عنها. ومن أجل الاستدلال على هذا المعطى المتغير التعبيرات، واستمرارية حضوره، تناولت جملة أفلام بالعرض والتحليل؛ تونسية، ومغربية وفرنسية، متوقفا عند المنجز السينمائي ليوسف شاهين ابتداء من فيلم «إسكندرية ليه…؟» إلى «إسكندرية نيويورك».

    فالكتاب لا يكتفي بمساءلة النظرة إلى حوض الأبيض المتوسط في علاقته بالسينما فقط، وإنما يعمل على صياغة فكرية ونقدية للعديد من القضايا النظرية المرتبطة بالهُوية، والمغايرة، والحدود، والإبداع، والمشاهدة والمسألة البصرية في الثقافة المعاصرة.

    *في الختام ما المشروع الذي تشتغل عليه اليوم، أو ما القضايا التي تشغلك؟

    **كثيرة هي القضايا والأسئلة التي تشغل البال، سيما في ظل مناخ فكري وإنساني يبعث على الحيرة والقلق، ويصعب فيه على المرء ضبط انفلات الأحداث وتسارعها اللامتوقف. غُصت أخيرا في متابعة ما يكتب حول تيار «الأنوار المُظلمة» في أمريكا وتأثير منظريه على قادة المنصات الرقمية في «السيليكون فالي»، وعلى المداخل التي أوجدوها لتوجيه سياسات اليمين الأمريكي المتطرف واختيارات الرئيس دونالد ترامب ونائبه. واكبت، أيضا، كتابات «ألكسندر دوغين»، المفكر الذي يعتبره البعض «عقل» فلاديمير بوتين، الداعي إلى إقامة «إمبراطورية أوراسية» وإلى التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية في عهد ترامب لإضعاف أوروبا، وإنهاء عصر حداثتها «المُدمِّرة»، في رأيه.

    وأما «المشروع» الذي أشتغل عليه منذ أكثر من سنتين – ولا يحركني في ما أشتغل عليه أو أحرر أي ادعاء لبناء أي «مشروع»- فيتعلق ببدايات الفكر النهضوي في المغرب ونشأة عناصر من النخبة المغربية العصرية، والتي يتبين لي، مع القراءة والبحث، أن كتاباتهم تستحق إنصافها بإعادة معالجتها وإبراز طابعها «الطليعي».

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بودكاست نيوز مع اسامة بنمسعود: غياب المخاطب و تأخر دعم متضرري فيضان القصر الكبير

    العرائش نيوز:

    نلتقي مع الفاعل الجمعوي اسامة بنمسعود احد الوجوه البارزة خلال فترة الفيضانات بالقصر الكبير، نناقش روح التضامن التي عرفتها المدينة ، اجلاء الساكنة ، تأخر الدعم وطريقة توزيعه ، ومستقبل القصر الكبير مابعد الفيضان:

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حوار.. الديالمي: العنف الرقمي ضد الفتيات والنساء مؤشر على أزمة رجولة وتعبير عن الإحباط

    أجراه إلياس غاني 

    لا يحتاج المتصفح لمنصات التواصل الاجتماعي إلى كثير من التأمل أو الملاحظة ليدرك حجم القاموس الممتلئ بالسب والشتم ضد النساء والفتيات، وحملات  تستهدف بالخصوص النساء النشيطات في الفضاء الافتراضي  والمدافعات عن حقوق الإنسان والحريات الفردية.

    هذا المشهد ليس مجرد انطباعات عابرة، بل تؤكده لغة الأرقام، إذ كشف البحث الوطني الثاني حول انتشار العنف ضد النساء (2019) الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط، عن بروز « العنف الرقمي »، بنسبة انتشار بلغت 14 في المائة، مما يعني أن ما يقارب 1.5 مليون امرأة مغربية ضحايا للعنف الإلكتروني.

    ومع هذا التحول، تبرز تساؤلات ملحة حول طبيعة هذا « الغزو » الرقمي المعادي للنساء، هل نحن أمام سلوكيات فردية معزولة ناتجة عن « سيبة » افتراضية؟ أم أننا نواجه « جائحة » بنيوية تعبر عن انكسارات عميقة في هوية المرتاد لمواقع التواصل الإجتماعي وصدمته أمام التحولات الجندرية؟

    لخوض غمار هذه الإشكاليات، استضافت مجلة « تيلكيل » في هذا الحوار الدكتور عبد الصمد ديالمي، أحد أبرز علماء الاجتماع الذين امتلكوا الجرأة الأكاديمية لاقتحام « المناطق المحرمة » سوسيولوجيا.

    كرس ديالمي مساره العلمي لدراسة قضايا الجنسانية، والنوع الاجتماعي، متبنيا منهجا نقديا يفكك البنى التقليدية، وتعد ثلاثيته الشهيرة عن الرجولة في المغرب، « نحو رجولة جديدة في المغرب » (2009)، و »نقد الرجولة في المغرب » (2010)، وصولا إلى أحدث إصداراته « من أجل رجولة غير عنيفة تجاه النساء » (2023)، مرجعا لفهم كيف يعاد إنتاج الهيمنة « الرجولية » (Masculinité) اجتماعيا وتاريخيا، بعيدا عن مجرد المعطى البيولوجي الصرف.

    في هذا الحوار، يحلل ديالمي « جائحة العنف الرقمي » باعتبارها آلية « تأديبية » تهدف لإسكات الأصوات النسائية وإعادة النساء إلى « بيت الطاعة » البطريركي، واصفا هذا العنف بأنه أداة حمائية لـ »رجولة في خطر »، تشعر بتهديد جدي أمام مكاسب الحركات النسوية والنقاشات الراهنة حول إصلاح القوانين، وعلى رأسها مدونة الأسرة.

    نص الحوار:

    في السياق المغربي، كيف يمكن تفسير تصاعد الخطاب المعادي للنساء على منصات التواصل الاجتماعي؟ هل يتعلق الأمر بسلوكيات فردية أم يعكس تحولات أوسع في القيم الاجتماعية والثقافية أو في مكانة الرجل؟ وكيف تفسرون تأثير انتقال بعض المرجعيات الذكورية من الإطار التقليدي إلى نماذج مستوردة من الغرب؟

    أولا، ينبغي تشخيص الخطاب الرقمي المعادي للنساء كشكل من أشكال العنف ضد الفتيات والنساء، إنه عنف لفظي رقمي في تصاعد نظرا للخصائص التي يمنحها الفضاء الرقمي، فهو عنف مباشر، سهل المنال، سريع الانتشار، من الصعب محوه، فضلا عن أن مقترفه يبقى مجهول الهوية، هذه الخاصية الأخيرة تمنح مرتكب العنف الرقمي شعورا بالأمان، لكونه يظل مجهولا، أي بعيدا عن خطر المتابعة القضائية والعقاب.

    ثانيا، يدل ارتفاع العنف اللفظي الرقمي على تصاعد مقاومة الحركات البطريركية الرجولية المناهضة لتحديث العلاقات بين الرجال والنساء في اتجاه المساواة والتحرر والمناصفة، من ثم، يمكن القول إن ذلك التصاعد يعكس سلوكيات رجالية فردية ساخطة في تكاثر، من جهة، ويشير إلى مقاومة هيكلية ضد النسوية (féminisme)، التي تقدم باستمرار مطالب متعلقة بإصلاح « مدونة الأسرة » وبمكافحة العنف ضد النساء وبالمناصفة في مراكز المسؤولية وصنع القرار.

    من ثمة، يشكل العنف الرقمي ضد الفتيات والنساء آلية حمائية وملجأ لرجولة مغربية في خطر فقدان سلطتها وامتيازاتها. إنه مؤشر على أزمة رجولة، وهو ما يؤدي إلى ميلاد نزعة رجولية (masculinisme) « جديدة » في المغرب، خصوصا في صفوف معظم الشبان المغاربة الذين يعانون من البطالة والتهميش ومن انفلات الفتيات والنساء من قبضة الرجال.

    لا أعتقد أن هذه النزعة الرجولية الشبابية مستوردة من الغرب كمحاكاة للنزعة الرجولية الغربية. لماذا؟ أولا، لأنها ليست ردة فعل على حملة « أنا أيضا » التي أطلقتها الحركات النسوية الغربية للتشهير ولمحاكمة المتحرشين والمغتصبين، إذ لا وجود لحملة مماثلة في المغرب. ثانيا، لأن معظم الشبان والرجال المغاربة لم يقتنعوا بعد بالمساواة بين الجنسين وبتحرر المرأة والمناصفة. فهم ليسوا في حاجة إلى استيراد نزعة ما بعد حداثية غربية، وهم لا يزالون في مرحلة ما قبل حداثية تقوم على مرجعية إسلامية حرفية وظاهرة (بمعنى غالبة) ترفض المساواة وتحرر المرأة والمناصفة. خصوصية النزعة الرجولية المغربية « الجديدة » (بالمقارنة مع رجولية المجتمع والفقهاء والأحزاب السياسية المحافظة) تكمن في استعمالها منصات التواصل الاجتماعي للتعبير عن نفسها وللدفاع عن امتيازات وسلط الرجولة البطريركية.

    لماذا يجب ترجمة مصطلح masculinité بالرجولة وليس بالذكورة؟

    مفهوم « الذكورة » يحيل على الكروموسومات والهرمونات والأعضاء التناسلية والحيوانات المنوية، لذا فهو ليس إيجابيا ولا سلبيا، وليس متفوقا على الأنوثة ولا أدنى منها. إنه معطى بيولوجي حيواني صرف، مختلف عن الأنوثة، فلا معنى لنقده. في القرآن، الاختلاف بينهما هو فقط: « وليس الذكر كالأنثى… ».

    أما الرجولة، فهي الذكورة المبنية اجتماعيا كهيمنة كلية على النساء من طرف البطريركية، وهو ما يكرسه الإسلام من خلال مصطلحي الدرجة والقوامة: « الرجال قوامون على النساء… وللرجال عليهن درجة ». في القرآن، يتحول الاختلاف البيولوجي بين الذكر والأنثى إلى تمييز تراتبي بين الرجل والمرأة لصالح الرجل. فلهذا الأخير امتيازات وسلط ناتجة عن القوامة والدرجة الأعلى. حيث يحافظ الرجل على أفضليته بفضل آليات شرعية منها حقه في عنف متعدد الأشكال والسياقات تجاه المرأة.

    إذن، من خلال ترجمة la domination masculine إلى الهيمنة الذكورية وليس الهيمنة الرجولية، يرفض معظم الباحثين العرب نقد الرجولة وتفكيكها كسلطة وكامتيازات، وهم بذلك تحت وطأة نظام بطريركي يرونه نظاما طبيعيا ومقدسا. وبذلك، فهم يختزلون الرجولة في صفاتها الإيجابية كالفحولة وضبط النفس والقوامة على المرأة، وفي المقابل يرون في صفاتها السلبية، مثل الهيمنة والعنف والاستغلال شيئا طبيعيا، ويتجاهلون أن كل تلك الصفات الإيجابية والسلبية مبنية اجتماعيا وتاريخيا. اليوم، تسعى النزعة الرجولية (masculinisme) إلى الحفاظ على هيمنة الرجولة، مقاومة بذلك النزعة الصاعدة، أي النسوية الداعية إلى المساواة.

    يمكن العودة في هذا الشأن إلى كتبي الثلاثة: Vers une nouvelle masculinité au Maroc (2009) – Critique de la masculinité au Maroc (2010) – (2023) Pour une masculinité non violente à l’égard des femmes.

    تستهدف كثير من التعليقات جسد المرأة وشرفها، وقد ربطتم سابقا بين الإحباط الجنسي والتطرف، إلى أي حد يمكن قراءة هذا القاموس الشتائمي كآلية تفريغ نفسي أو اجتماعي؟ وهل تعكس هذه الظاهرة أبعادا ثقافية وسياسية تتجاوز مجرد التوتر الفردي؟ هل أصبح الجسد الأنثوي الرقمي ميدان معركة لتصريف صراعات سياسية واجتماعية؟

    صحيح أن الإحباط الجنسي في صفوف الشبان يلعب دورا أساسيا في إنتاج العنف تجاه الفتيات والنساء في كل أشكاله، منها العنف الرقمي طبعا. صحيح أيضا أن العنفين المادي والرقمي يشكلان تفريغا نفسيا يعوض عن الحرمان الجنسي، كما بينت في كتابي « السكن، الجنس والإسلام » سنة 1995.

    فالجسد الأنثوي يبدو سهل المنال نظرا للاختلاط واللباس المثير في المدن، لكنه جسد « سهل ممتنع » نظرا لعدم توفر الإمكانيات المادية واللوجستية. والواقع أن إحباط الشبان أعم ومتعدد الأشكال، ويتم التعبير عن الإحباط في أشكاله الجنسية والاقتصادية والسياسية من خلال العنف ضد الجسد الأنثوي باعتباره الحائط السهل والقصير، المجسد العيني للفساد العام في أعين شبان يعيشون تطرفا كامنا، أي على شفا حفرة من التطرف الفعلي.

    العنف الرقمي كامتداد للعنف المادي هو تطبيق لأخلاق بطريركية إسلامية في حقلي المرأة والجنس والجندر، وعقاب، أو تعزير على الأقل (إذا استعملنا القاموس الفقهي)، لكل فتاة ولكل امرأة جانبت « الصواب » في نظر شبان ورجال لا يعرفون ولا يعترفون بالأخلاق المدنية القائلة بالحريات الفردية.

    من هنا يتبين أن غياب أخلاق مدنية، بل نفي وجود أخلاق خارج الأخلاق الإسلامية البطريركية من طرف المجتمع المغربي عامة ومن طرف علماء الشريعة ومعظم الأحزاب السياسية، يخلق صداما اجتماعيا وسياسيا وثقافيا بين البطريركيين والمدافعين عن حقوق المرأة (من منظور حقوق الإنسان).

    وبالتالي، لا يبقى العنف الرقمي ضد الفتيات والنساء مجرد ظاهرة تعبر عن إحباطات فردية متعددة، جنسية وغير جنسية فقط، بل يصبح الجسد الأنثوي الرقمي حقل معركة متعددة الجوانب والأشكال بين قوى ما فوق-فردية. وهو ما أدى إلى صياغة قانون يحمي المرأة من العنف الرقمي، وإلى كل النقاشات والمقاومات التي سبقت صياغته، وفيما بعد حول نواقصه وكيفية تطبيقه ونجاعته.

    مع التحولات الجندرية والاجتماعية التي يشهدها المغرب، كيف تقرؤون الهجمات المتكررة على النساء المؤثرات والمتحررات في الفضاء الرقمي؟ هل يمكن اعتبارها صحوة محافظة منظمة، أم مجرد رد فعل مقاوم أمام تيارات التحديث الثقافي؟

    بشكل عام، كل عنف رقمي تجاه الفتيات والنساء يهدف إلى إسكات اللواتي يخرقن أدوارهن البطريركية التقليدية. فالهدف هنا هو إعطاء درس تأديبي للفتيات والنساء وتقليص فضائهن المادي والرقمي من خلال التحرش الشتائمي. وتنطبق هذه الاستراتيجية القمعية على الفتيات والنساء المؤثرات والمتحررات بالخصوص، باعتبارهن رموز الزيغ النسوي (féminin) والمحرضات على التمرد النسوي (féministe). فالفتيات والنساء المؤثرات والمتحررات يشكلن بامتياز موضوع العنف الرقمي وهدف النزعة الرجولية المقاومة للمد النسوي.

    أبعد من ذلك، يمكن القول إنهن موضوع كراهية اجتماعية تجد ترجمتها في الفضاء الرقمي. وبذلك، لا مجال للحديث عن صحوة محافظة، لأن البطريركية الإسلامية ظلت دوما موقفا مستيقظا ويقظا في المجتمع المغربي. وهو موقف صلب يقاوم اليوم التحديث الجندري والجنسي بشراسة أكبر من خلال الآليات الرقمية، دفاعا عن استمرار الشرط البطريركي الظالم للفتيات والنساء، لأجسادهن وجنسانيتهن بالخصوص.

    هل يمكن اعتبار التعليقات والمراقبة الجماعية على المنصات الرقمية شكلا جديدا من الرقابة على جسد المرأة؟ وكيف يسهم هذا في إعادة إنتاج البنيات الأبوية التقليدية داخل فضاء يفترض أنه حر ومنفتح؟

    طبعا، يعد العنف الرقمي شكل جديد من الرقابة على جسد المرأة، بل إرادة إيقاف تحرر ذلك الجسد باستغلال الفضاء الرقمي. فالنساء بشكل عام يجدن في الفضاء الرقمي متنفسا أسهل للتعبير وللتأثير مقارنة بالفضاء المادي الذي يتحكم فيه الرجال. لكن الفضاء الرقمي مجرد أداة تقنية صامتة يمكن استغلالها في سبيل الخير أو الشر، السلم أو الحرب، الحرية أو القمع، المساواة أو التمييز.

    الفضاء الرقمي لا يفرض بذاته تجاها معينا، إنه يسمح لكل فرد ولكل مجموعة بالتعبير عن نفسها وعن مصالحها. إنه فضاء حرب رقمية قطرية وعالمية بين النسويات والبطريركيين، وبشكل أدق بين مجموعة النسويات والنسويين (وهم أقلية) من جهة، وبين مجموعة البطريركيين والبطريركيات من جهة أخرى. وتؤكد الدراسات أن المجموعة البطريركية تشكل الغالبية الساحقة في المغرب في الفضاء المادي. أما نسبتها في الفضاء الرقمي فموضع سؤال بالنظر إلى عدم وجود إحصاءات في هذا الشأن.

    هكذا، نلاحظ أن الفضاء الرقمي، المفترض أن يكون فضاء للتربية والنمو وتمكين الفتيات والنساء، تحول إلى أداة عنف وسيطرة ذات تبعات هدامة في صفوف الفتيات والنساء. إنه الفضاء الذي يتم بفضله النيل من سمعة وكرامة الفتيات، ودفعهن إلى هجر الفضاء الرقمي بالمرة، وهو ما يعني إضاعتهن لفرص كثيرة للتمكين، ناهيك عن اضطراب صحتهن الجسدية والنفسية.

    لكل هذه الاعتبارات، أصبح من الضروري أن تتحمل المقاولات التكنولوجية مسؤوليتها في الوقوف ضد المحتويات العنيفة وإدماج آليات حماية أكثر صلابة. إنها قضية مسؤولية رقمية ملقاة على عاتق المقاولات التكنولوجية. فإصدار قانون عقوبات لا يكفي وحده لصد العنف الرقمي الجندري، ذلك العنف الذي يعزز البنيات البطريركية في نهاية المطاف من خلال وقعه الكارثي على ضحاياه من فتيات ونساء.

    وعلى الرجل، أيضا، أن يتحمل مسؤوليته الرقمية كرجل مغربي أسمى، لا يجعل من العنف (في كل أشكاله) ضد الفتيات والنساء المتحررات صفة من صفات الرجولة. إن الرجولة الحقة والحقيقية لا تكمن في العنف الجندري كما برهنت على ذلك في كتبي الثلاثة عن الرجولة في المغرب.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • السينما تفكير بالفعل

    شكلت السينما حدثًا عظيمًا في الثقافة المعاصرة، ساهمت، وما تزال تساهم في التأثير على إدراكات الناس، ووجدانهم ووعيهم، وفي تغيير علاقتهم بالعالم. فهي تمتلك قدرات كبيرة على تأطير الأجساد، ونسج الحكايات، وكشف الوقائع، وصناعة الصور وتشخيص الوضعيات الإنسانية بطرق غير مسبوقة في تاريخ الممارسات الفنية.. علما أن هذا الفن صعب وإشكالي، وأن إنجاز فيلم هو انتصار على العوائق الذهنية والسياسية والمجتمعية؛ وهي عوائق قاسية في بعض الحالات، وانتصار على المشاكل المادية والثقافية والنفسية التي تسعف أو لا تسعف الفاعل السينمائي في بناء أفكاره، وبناء سروده ورسائله. فالسينما تفكير بالفعل منذ الفكرة الأولى التي تراود صاحبها، إلى عملية بناء السيناريو، وهو أمر ليس سهلا على الإطلاق، مرورا بكل المراحل المادية والإدارية والتواصلية لبلوغ لحظتي التصوير والإخراج، التي تعبر عن قدرات الفاعل السينمائي على الترجمة البصرية للرواية الفيلمية، إلى المرحلة الحاسمة المتمثلة في تركيب ما تم تسجيله من صور ولقطات ومتواليات ومشاهد.

    حاولتُ في هذه الكتب إبراز التصور المعرفي الذي يسعى إلى توضيح العمليات الفكرية، بالمعنى العام للمعرفة المرتبطة بمجالات إنتاج الصور وتلقِّيها. فالصورة، وما تحمله من معطيات ومعلومات ورموز، ليست مجرد مادة خام تفرض ذاتها على مجال إدراك المتفرج ووعيه، وإنما تمارس مفعولها الخاص على حساسيته وفهمه. بما فيها «المقاربة البرغماتية» التي تهتم بشروط استقبال الصورة من طرف المتلقي؛ وسواء كانت شروطا اجتماعية، سيكولوجية أو ثقافية فهي تؤثر على فهم الصورة وتفسيرها، التي تختزن في ثنايا رموزها رسائل ومعاني موجهة إلى المتفرج الذي قد تساعده على القيام بقراءة ملائمة.

    في هذا السياق بدا لي أن الحقل الأبرز، الذي ينطبق عليه هذا الأفق من التفكير، هو حقل السينما الذي يمتلك إمكانيات تعبيرية هائلة للتأثير على المتلقي، سلباً أو إيجابًا. لا توجد الصورة إلا من أجل أن تكون موضوع رؤية من طرف متلق له وضع اجتماعي ويخضع لشروط ثقافية وتاريخية. وعملت على تعميق هذا الموضوع ليس من زاوية نظر المتفرج فقط، وإنما من زاوية اعتبار أن فعل التمثل حصيلة سيرورة وإنتاج أيضا، يتمكن المبدع من بنائه وبلورته في أشكال ورموز وصور.

    ومن البديهي القول إن الإنسانية، وبعد أن تعودت مدة طويلة على «البراديغم» اللساني، انخرطت، منذ ما يربو على نصف قرن، في منعطف «أيقوني»، أو «براديغم» بصري تحتل فيه الصورة السينمائية مكانة مركزية، مسنودة في ذلك بالتلفزيون وبالوسائل الرقمية الجديدة، بحكم امتلاكها قدرة هائلة على الإظهار وإنتاج المعنى.

    ويتفق العديد من الباحثين على أن الحقل الذي يكثف تجليات هذا البراديغم هو حقل السينما؛ باعتبارها تمثل منتوجا فنيا «كُليًا»، يمتلك لغة داخلية، لها قاموسها، وقواعدها ومستويات تعبيرها. وما يميزها عن باقي الفنون التصويرية الأخرى هو قدرتها على إنتاج أشكال مختلفة من الوهم لِما تظهره وتعرضه؛ وللمتفرج الإمكانات والحرية في تجنيد مكتسباته المعرفية، وثقافته وتجاربه من أجل خلق تفاعل مناسب مع الصورة.

    *صدر لك أخيرا كتاب باللغة الفرنسية بعنوان «ضفاف النظر.. لغة بصرية مشتركة في حوض المتوسط» ضمن منشورات مؤسسة «مهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط»، وتم تقديمه في دورته الأخيرة، وهو كتاب يطرح سؤالا أساسيا يتعلق بكيفية تحول الصورة والفعل السينمائي تحديدا إلى لغة قادرة على صياغة معنى جديد للمشترك الإنساني في فضاء تتقاطع فيه الرغبات والحدود، وهو فضاء المتوسط، فكيف يمكن للسينما أن تكون وسيلة مثلى للعبور وتجاوز الخلافات السياسية، وتخلق ما سميتموه بـ«الحساسية المتوسطية في التداول»؟

    **يتعلق الأمر، في هذا الكتاب، بإعادة التفكير في البحر الأبيض المتوسط في ظل ما يشهده من متغيرات وتقلبات. عملت على استعراض العديد من المعالجات النظرية والإيديولوجية التي تناولته، ولكن من منطلق البحث عن المسالك المتنوعة التي يبتدعها المتوسطيون وغير المتوسطيين لتكسير الحواجز المختلفة، والسدود المُنتصَبة أمام حركة الأجساد. ومن بين هذه الوسائط تبرز ما أسميته «لغة بصرية مشتركة» lingua franca visuelle تتمثل في السينما والأدوات السمعية البصرية، متوقفا عند طرق وكيفيات تنظيم شروط عرْضِها، ومُشاهدتها والتفاعل معها؛ حيث يحرص فاعلون مدنيون ونخب على جعل «المهرجانات المتوسطية» مِنصَّات وفضاءات للقاء، وكسر الحواجز والحدود وتنشيط المجالات الترابية والمدن التي تنعقد فيها. تحفز هذه الأطر الشباب والجمهور على المشاركة، وعلى المشاهدة الذكية للإبداع السينمائي المتوسطي، وتخلق جسور التواصل والتفاعل الفني والثقافي بين مختلف الفعاليات التي تساهم في صنع الأفلام، سواء كانت روائية، قصيرة، وثائقية وغيرها من الإنتاجات البصرية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حوار.. هودى لمخلخل: نظام التقاعد الحالي يقوم على « تمييز فئوي » والحد الأدنى للمعاش يجب أن يرتفع

    أجرى الحوار – يونس ساوري

    لم يعد هم الموظف أو الأجير اليوم مقتصرا على تدبير لقمة العيش وتأمين ضرورات الحياة، بل بات القلق يلاحقه كلما استحضر ما ينتظره في « خريف العمر »، في ظل تسارع وتيرة التضخم ولهيب الأسعار، ومع تزايد التكاليف الصحية المرافقة للتقدم في السن، يبرز هاجس استدامة صناديق التقاعد كعبء ثقيل يغذي الحيرة حيال الجدل المتكرر حول اختلالاتها المالية، ومدى قدرتها على الصمود أمام استنزاف مواردها.

    وبين المخاوف من « إفلاس الصناديق » وواقع المعاشات، يجد قطاع واسع من المتقاعدين أنفسهم أمام مداخيل محدودة لا تقوى على مواجهة متطلبات عيش كريم يحفظ كرامتهم بعد عقود من العطاء والعمل، ومع استمرار هذا الغموض، يتنامى الإحساس بأن الاستقرار المادي والاجتماعي بعد مغادرة العمل لا يزال طموحا صعب المنال، ما يضع ملف الحماية الاجتماعية أمام تساؤلات حارقة حول العدالة والإنصاف.

    لتحليل هذه التعقيدات، يستضيف « تيلكيل عربي » الدكتورة هودى لمخلخل، المتخصصة في قضايا الحماية الاجتماعية والحاصلة على الدكتوراه في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط – كلية السويسي.

    الضيفة واكبت هذا الملف بأبحاث نشرت في مجلات كـ « المنارة » و »المجلة المغربية للإدارة المحلية »، تناولت فيها جوهر إصلاح الضمان الاجتماعي، وأثر المغادرة الطوعية، وصولا إلى الإصلاح المقياسي للتقاعد لعام 2024، مكرسة رؤيتها لتحويل الحماية الاجتماعية من مجرد « امتياز » إلى « حق » إنساني وقانوني.

    نص الحوار:

    هل ترون أن مستوى المعاشات في المغرب اليوم يضمن للمتقاعدين عيشا كريما يحفظ كرامتهم واستقلاليتهم، أم أن جزءا مهما منهم يعيش على هامش الكفاية الاقتصادية؟

    للإجابة على واقع نظام المعاشات، يجب أولا الانطلاق من المقاربة التي ينبني عليها نظام التقاعد، فهل ينظر إليه كسياسة من شأنها توفير حماية للجميع وخاصة الفئات الضعيفة؟ أم كآلية موجهة لفئة معينة ؟

    والحقيقة نستمدها من تطبيق نظم التقاعد، بحيث يأخذ في الواقع العملي شكل عدم شمول كل فئات المجتمع أو منحها على أساس فئوي تمييزي (أي على أساس الوضعية المهنية الخ…) مع تطلب شروط تعسفية ومجحفة أحيانا في منحها.

    بالرجوع إلى التقارير الوطنية نقف أولا عند ضعف نسبة تغطية التقاعد، بحيث يستفيد فقط 42 في المائة من السكان النشيطين من نظام التقاعد (حسب الدراسة التي أنجزها المجلس الأعلى للحسابات برسم سنتي 2019 – 2020).

    ولا يتجاوز حاليا عدد المستفيدين من معاش تقاعدي 33,6 في المائة من الرجال و 6,7 في المائة فقط من النساء (برسم نتائج الإحصاء العام للسكن والسكنى 2024) .

    ويفسر هذا الوضع التبعية المالية القوية للأشخاص المسنين التي تظل على عاتق أسرهم.

    من خلال أبحاثكم، هل يوجد فرق واضح بين قيمة المعاشات وحاجيات كبار السن الفعلية، مثل السكن، المعيشة اليومية، فواتير الماء والكهرباء، ودعم الأسرة؟ وهل يمكن الحديث عن خطر هشاشة مالية متزايدة لدى هذه الفئة؟

    تتسم الوضعية الاقتصادية للأشخاص المسنين بهشاشة كبيرة ويرجع ذلك إلى محدودية مبلغ المعاشات الممنوحة في إطار بعض أنظمة التقاعد، خصوصا في القطاع الخاص كتلك التي يمنحها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (معاش لا يتجاوز 50 في المائة من الأجر الشهري متى توفر المؤمن له على 3240 يوما من التأمين يضاف إليه 1 في المائة عن كل زيادة تقدر ب 216 يوما دون أن يتجاوز هذا المعاش 70 في المائة من الأجر).

    هذا، ومع استحضار الظروف الاجتماعية للمتقاعد، فراتب التقاعد على هزالته غير كاف بالنسبة له، على اعتبار أنه كلما تقدم الإنسان في السن زادت نفقاته خصوصا الصحية منها، علما أن غالبية الأمراض تظهر خلال هذه المرحلة العمرية وتتطلب مصاريف باهظة، وغير كاف بالنسبة لأسرته على اعتبار أنه معيل أسرة ومتحمل لنفقاتها، خصوصا في ظل الارتفاع المتزايد لتكاليف المعيشة.

    إلى أي حد تعكس الفوارق بين أنظمة التقاعد المختلفة (القطاع العام، القطاع الخاص، المهنيون المستقلون، ومن لم يستوفوا شروط الاشتراك) نوعا من « اللاعدالة الاجتماعية » عند بلوغ سن التقاعد؟

    تعرف منظومة التقاعد تشتتا بين أربعة أنظمة رئيسية (نظام المعاشات المدنية للصندوق المغربي للتقاعد، والنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد بالنسبة للقطاع العام، ونظام تقاعد الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ثم نظام الصندوق المهني المغربي للتقاعد بالنسبة للقطاع الخاص).

    هذا التشتت يطرح، دون شك، فوارق بين هذه الأنظمة من حيث مقاييس العمل ونمط التسيير (أي نسبة الاشتراك، مدة الانخراط، وعاء الأجر المعتمد في احتساب المعاش)، مما ينتج عنه انعدام المساواة بين الحقوق الاجتماعية للمتقاعدين (حيث يتفاوت مبلغ رواتب التقاعد من 100 في المائة من متوسط الأجر بالنسبة للصندوق المغربي للتقاعد، إلى 50 في المائة بالنسبة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي و90 في المائة بالنسبة للنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد، ثم ناتج مجموع النقط التي راكمها المستفيد بالقيمة الأحادية بالنسبة للصندوق المهني المغربي للتقاعد).

    في نظركم، ما هي الإصلاحات ذات الأولوية لضمان تقاعد أكثر إنصافا، الرفع من الحد الأدنى للمعاشات، هل إرساء حد أدنى اجتماعي موحد لكبار السن، توحيد أو تنسيق أكبر بين الأنظمة، أم مراجعة شاملة لطرق التمويل والحكامة؟

    يتطلب إصلاح نظام التقاعد الاشتغال على عدة مستويات وهي:

    أولا: النهوض بالحماية الاجتماعية للمتقاعد من خلال توسيع دائرة المستفيدين من نظام التقاعد ليشمل الفئات غير المستفيدة مع إحداث حد أدنى للدخل بالنسبة للمسنين غير المستفيدين من أي معاش للتقاعد، من جهة، وتقديم معاش يضمن العيش اللائق وينسجم مع ارتفاع الأسعار، والزيادة في الحد الأدنى للمعاش وجعله مطابقا للحد الأدنى للأجر بالنسبة لذوي المعاشات الهزيلة، من جهة أخرى.

    ثانيا: تأهيل التدبير المالي لأنظمة التقاعد وإرساء قواعد الحكامة عبر تعزيز الموارد المالية للأنظمة وإحداث جهاز للتتبع واليقظة لرصد المخاطر التي قد تهدد توازناتها، وتبني مقاربة جديدة لتوظيف الاحتياطات بما يدعم مردوديتها والمزاوجة بين تقنيات التمويل (التوزيع والرسملة).
    ثالثا: وضع الإصلاح في سياق المجال الماكرو اقتصادي من خلال النهوض بقطاع التشغيل وتعزيز تنافسية المقاولات.

    رابعا: مواصلة تنزيل مقتضيات القانون الإطار للحماية الاجتماعية رقم 09.21 في شقه المرتبط بتوسيع تغطية التقاعد، واحترام جدولته الزمنية، وإيجاد تمويل مناسب لهذه المقتضيات.

    خامسا: التنسيق بين الأنظمة لاستيعاب أنظمة التقاعد الأكثر هشاشة وتجاوز التفاوتات بينها وذلك من خلال خلق قطبين للتقاعد.

    • القطب العمومي: والذي سيعمل على تجميع منخرطي الصندوق المغربي للتقاعد والنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد في إطار نظامين، أحدهما أساسي، وهو نظام إجباري يعتمد مبدأ التوزيع، والآخر تكميلي يعتمد مبدأ الرسملة في شكل حسابات فردية للإدخار.
    •  القطب الخاص: يشمل نظامين، أحدهما أساسي (يضم الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي كنظام إجباري يعتمد مبدأ التوزيع، والآخر تكميلي (يعتمد إرساء تغطية تكميلية إجبارية).

    إقرأ الخبر من مصدره

  •    الفكر وإدراك الصورة

    *ساهمت في المجال الفكري والفلسفي والإعلامي، وكانت لك كتابات قيمة في المجال السينمائي وجماليات الصورة، حيث كنت سباقا لإصدار أول كتاب نقدي باللغة العربية عن السينما تحت عنوان «الخطاب السينمائي بين الكتابة والتأويل» عام 1988، وقدمت قراءات نقدية في مجموعة من الأعمال السينمائية، وأصدرت مجموعة من الكتب عن السينما تساءلت فيها عن الصور التي تنتجها المجتمعات وأبعادها السوسيولوجية والفكرية، من ضمنها «الصورة والمعنى»، و«معرفة الصورة» و«صور الوجود في السينما والفلسفة». كيف تفسر هذا الاهتمام الذي تمنحه للصورة وللسينما؟

    ** اهتمامي بالسينما، بوصفها حقلا إبداعيا ثوَّر الممارسات الفنية وأثَّر في المتخيل الإنساني منذ اكتشاف السينماتوغراف، يعود إلى انشغالي بأسئلة الحداثة الفكرية والجمالية. لقد عمِلت هذه الأخيرة على التغيير المستمر للنظرة إلى الصورة وإلى إنتاجات المخيلة بأشكال لا تتوقف عن التجدد. فاكتشافات الصورة الفوتوغرافية، والسينما والتلفزيون، وتحولات صناعة الكتاب وتوزيعه، والإشهار والتقنيات الرقمية خلخلت صرامة الخطاب العقلي وأضحت مكونات هذه الاكتشافات وإنتاجاتها تتواصل مع مُتخيَّل الإنسان أكثر مما تتحاور مع عقله. من هنا أهمية المتخيل الذي مهما كان تعاليه على الواقع، فإنه يحضر في الحياة في كل لحظة من لحظات التواصل اليومي، سواء مع الذات أو مع الآخر، كما يكسر التكرار ويخرج عن أطر المألوف التي تميز اللغة المُعادة.

    دشنتُ هذا الاهتمام بإصدار كتاب «الخطاب السينمائي بين الكتابة والتأويل» (1988)، وأكملت هذا العمل، بعد أن انخرطت منذ سنوات في دراساتي الفلسفية والنقدية، مع ثلاثية «الصورة والمعنى؛ السينما والتفكير بالفعل» (2019)، و«معرفة الصورة؛ في الفكر البصري، المتخيل والسينما» (2021)، ثم «صور الوجود؛ في السينما والفلسفة» (2022).

    ولمن يتابع هذه الكتابات سينتبه إلى أن الكتاب الأول، «الخطاب السينمائي بين الكتابة والتأويل»، تضمن بحثا مطولا بعنوان: «السينما والكتابة»، تناولت فيه الظاهرة السينمائية باعتبارها موضوعا فكريا ساهم عدد كبير من المنظرين والفلاسفة في تقديم عناصر متعددة المرجعيات والأدوات من أجل فهم صورها ومتوالياتها.

    ومن المعلوم أن العالم يُعطَى كلية لأنه كثيف، غني ومُعقد، الأمر الذي يدفع المبدعين، أدباء، ورسامين وسينمائيين، إلى تحويل الثراء اللامحدود للعالم إلى صور وأصوات وألوان وإيقاعات، ورموز. ولا مجال للبحث عن رؤية شاملة قادرة على تبيُّن وكشف مكونات الواقع مادام العالم جُماع آفاق، كما يقول موريس ميرلو بونتي، تتقدم إلى حيز الإدراك بشكل جزئي، ومن خلال أوجه مختلفة. فكل زاوية نظر، أو «لقطة»، بلغة السينما، تكمل ما سبق إدراكها أو تأطيرها بالوعي وتغنيها.

    وتُبين الكتب المشار إليها أن فهم الصورة، ومواكبة تحولات مستنداتها التقنية، وتأثير هذه المستندات على دلالاتها، واستيعاب مختلف مقارباتها، ليس أمرا هينًا. ذلك أن المدارس والنظريات تعددت في دراسة الصورة وفي ما يندرج ضمن إشكالية البصري، واختلفت في اقتراح عناصر كفيلة بتكوين فهم مناسب لمفارقات الصورة وانزياحيتها؛ سيما وأن عوامل عديدة تتداخل فيها حيث يتشابك النظر، والحركات، والأشكال، والألوان، والأصوات والوعي واللاوعي، وتلتقي بكيفيات معقدة داخل المكان والزمن. ومن أجل إدراك الصورة وفهمها تُشكل حاسَّة النظر أكثر الوساطات التي تسعف الذكاء في الاشتغال؛ لدرجة ذهب فيها البعض إلى القول إن النظر يشكل الأداة الرئيسية للفكر.

    لقد أنتجت الثقافة المعاصرة فكرًا بصريًا يمنح للحساسية أهميتها الخاصة، لكنه لا يتعامل معها بشكل سلبي، أو يستجيب لعناصرها بكيفية محايدة، لذلك فإن فعل الإدراك، خصوصا البصري منه، في حالة تفاعل مع الفكر، طالما أن الإنسان ليس عقلا وحسب، وليس وعيًا وحسب، بل إنه كائن «تناقضي» يعتمل في كينونته ويتكامل الحس، والرغبة، والحلم، والتخيل، والعقل والواقع، وتتداخل الملكات كافة، وتصطرع لتتفجر في أشكال لغوية ورمزية قد يطغى عليها الجانب العقلاني، كما قد تعبر عن تجليات جمالية لا تستجيب بالضرورة للنظام الفكري السائد.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • نهضة معلقة وديمقراطية منقوصة

    نحن نشهد، موضوعيا، كيف تتعرض الديمقراطية -لفظة، ومفهوما ونظاما- إلى التشويه والمحاربة؛ ونلاحظ كيف أن العديد ممن يعادونها لا يكفون عن استعمالها، أو عن توظيف آلياتها للوصول إلى الحكم ليفرضوا نظاما تحكميًا وتسلطيًا. هناك، أيضا، التباس كبير بين الديمقراطية والليبرالية السياسية، خصوصا وأن أسئلة متجددة تفرض ذاتها عن التمثيلية والحقوق والرأي العام، أو تطرح على صعيد التحكم في النزاعات واقتراح أساليب جديدة لتسيير قواعد العقد الاجتماعي. غير أن المتابع لما يحصل في مجتمعاتنا يقف على أن أنظمة الحكم المختلفة تقتبس قاموس الديمقراطية لاستعماله واجهة لحماية الرأسمال، أو لتبرير الأوتوقراطية والريع.

    ويتعين التنويه إلى أن صيغة «الديمقراطية المنقوصة»، كما وردت في عنوان الكتاب، لا يوجهها حُكم قيمة، وإنما تنطلق من مؤشرات دولية، منها تلك التي تضعها صحيفة «ليكونوميست» الليبرالية البريطانية، التي وضعت شروطا خمسة لقياس الديمقراطية في 167 بلدا؛ أول هذه الشروط مدى احترام التعددية والعملية الانتخابية؛ ثانيها نمط حكامة السلطات العمومية؛ ثالثها نسبة المشاركة السياسية؛ رابعها الثقافة السياسية وأخيرا الحريات المَدَنية. وبناء على ما تسميه «مؤشر الديمقراطية»، تُقسم الأنظمة السياسية إلى أربعة أنواع: البلدان التي تتميز بـ«ديمقراطية كاملة»، وتلك التي تدخل في نطاق «الديمقراطية المنقوصة»، والنوع الثالث تنعته بـ«النظام الهجين»، ثم أخيرا ما تصنفه «نظاما سلطويًا».

    هكذا قد تكون الديمقراطية منقوصة حتى في البلدان التي وضعت أسسها المعيارية، واستبطنتها الذهنيات، والمؤسسات والحياة العامة. فالولايات المتحدة الأمريكية تدوس على حقوق الإنسان والأوفاق الأممية كلما كانت وراء سياساتها مصالح استراتيجية، أو تتورط في الحروب التي لا تكف عن اختلاقها أو تدفع إلى اشتعالها؛ وتشهد الديمقراطية الفرنسية تراجعات واضحة على صعيد حرية التعبير، ومنع التظاهر وإغلاق وسائل الإعلام أمام تيارات الفكر والرأي بمناسبة الإبادة التي تقترفها الدولة الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية.

    أما غالبية البلدان العربية فتدخل في إطار «الأنظمة الاستبدادية»؛ لقد غيَّرت تونس ترتيبها بعد «الثورة» على بنعلي ورحيله سنة 2011، عن طريق كتابة دستور جديد وتنظيم انتخابات حرة ونزيهة إلى أن بلغت الرتبة 82 عالميا، لكننا نعاين كيف دخلت في تراجعات مؤسفة في السنين الأخيرة؛ وتمكن المغرب من الخروج من خانة «النظام السلطوي» حيث تم تصنيفه في خانة «النظام الهجين» بحصوله على الرتبة 93، التي وصل إليها بشكل تدريجي.

    واعتبارا لهذه المعطيات والمؤشرات، لا مناص من تسمية مناسبة للوقائع وليس للنوايا. نحن نعيش في أوضاع سياسية أكثر من منقوصة، إذا ما احترمنا مؤشرات التصنيف الدولي، وتبقى نهضتنا «مُعلقة» طالما لم نعرف كيف نستثمر في البنيات الأساسية بمقدار ما نستثمر في بناء الإنسان والرأسمال البشري. وحين يتمكن أصحاب القرار من تغيير التوجهات والاختيارات الكبرى، وينجزوا عمليا ما أعلنوا عنه افتراضيا، وشعر أكبر عدد من الناس بمردودية هذه الاختيارات في عيشهم، وحريتهم، وكرامتهم وإنسانيتهم، حينها يتعين تغيير قاموس الوصف ومعايير التقييم.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المنصوري: تعدد الأدوار كسر للنمطية ولا تصح مقارنة الدراما المغربية بالمصرية

    يشارك الممثل المغربي نبيل المنصوري في عدد من الأعمال الدرامية التي تُعرض خلال الموسم الرمضاني الحالي على القنوات الوطنية، إلى جانب تحضيره لمشروع سينمائي جديد، في حضور فني يعكس تنوع مشاركاته بين التلفزيون والسينما واشتغاله على أكثر من تجربة إبداعية في الوقت ذاته.

    ويطل المعهد العالي للتنشيط الثقافي والمسرحي خلال رمضان هذا العام في الجزء الثاني من مسلسل “رحمة” من إخراج علي مجبود، حيث يجسد شخصية تلقب ب “الميزان”، كما يشارك في مسلسل “عش الطمع” للمخرج أيوب الهنود، إضافة إلى حضوره في سلسلة “المرضي” التي تبث على القناة الأولى.

    ويعتبر الممثل المغربي في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أن الاشتغال في أكثر من عمل فني خلال الموسم نفسه يمثل تجربة مهنية ثرية، لأنها تمنح الممثل فرصة الابتعاد عن النمطية واختبار قدراته في بناء شخصيات مختلفة، لكل منها روحها الخاصة ومسارها الدرامي.

    وأوضح المنصوري أن تنوع الأدوار يشكل بالنسبة إليه تمرينا فنيا متواصلا، إذ يفرض على الممثل البحث في تفاصيل كل شخصية على حدة، وبناء عالمها الداخلي وطريقة تعبيرها وحضورها داخل العمل، معتبرا أن هذا التعدد يساعد الفنان على تطوير أدواته والانتقال بين أنماط أداء متباينة.

    ولا يقتصر حضور المنصوري على الأعمال التلفزيونية الرمضانية، إذ يرتقب أيضا عرض فيلم سينمائي جديد يحمل عنوان “جوج رواح”، وهو مشروع يشارك فيه الممثل المغربي على مستويين، من خلال تجسيد أحد أدواره والمساهمة في كتابة سيناريو العمل إلى جانب عادل أبا تراب.

    ويرى المنصوري أن خوض تجربة كتابة السيناريو يشكل إضافة مهمة لمساره الفني، لأنها تمنحه فرصة الانخراط في بناء العمل منذ مراحله الأولى، وفهم منطق تطور الشخصيات داخل الحكاية الدرامية، وهو ما ينعكس بدوره على طريقة تعامله مع الأدوار التي يؤديها.

    وعن تجربته السابقة في تدريب وإدارة الممثلين في عدد من الأعمال الفنية، قال المنصوري إن هذه المحطة كانت مفيدة في مساره المهني، لأنها مكنته من فهم “ميكانيزمات” الممثل أثناء أدائه للشخصية، وطبيعة التفاعلات التي يعيشها أثناء بناء الدور.

    وأضاف أن الاشتغال في تدريب الممثلين أتاح له أيضا الاقتراب من تفاصيل العمل الفني من زاوية مختلفة، تقوم على مرافقة الممثلين في عملية بناء الشخصية وتطوير الأداء، مؤكدا أنه يفتخر بهذه التجربة وما يزال يواصل العمل في هذا المجال إلى جانب مسيرته كممثل.

    ويعتقد المنصوري أن الجمع بين التمثيل وتدريب الممثلين يساهم في تعميق فهمه للعبة التمثيل، ويمنحه أدوات إضافية تساعده على تطوير أدائه في الأعمال التي يشارك فيها مستقبلا.

    وفي تقييمه لمستوى الإنتاجات الدرامية المغربية خلال شهر رمضان، يرى المنصوري أن هذه الأعمال عرفت خلال السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا على عدة مستويات، سواء من حيث الكتابة الدرامية أو الإخراج أو أداء الممثلين.

    وأشار إلى أن المشاهد المغربي أصبح يلاحظ حضورا لسيناريوهات أكثر تماسكا وجاذبية، إلى جانب إخراج أكثر حيوية وقدرة على تقديم الصورة الدرامية بشكل جذاب، فضلا عن أداء تمثيلي يتجه نحو مزيد من الدقة والاحترافية.

    وفي سياق النقاشات المتكررة حول مقارنة الدراما المغربية بنظيرتها في بلدان عربية أخرى، خصوصا مصر، يرفض المنصوري هذا الطرح، معتبرا أن المقارنة بين التجارب الدرامية العربية ليست دقيقة.

    وأوضح أن لكل بلد خصوصيته الثقافية والاجتماعية والفنية التي تنعكس على طبيعة الأعمال التي ينتجها، وعلى المرجعيات التي يستند إليها صناع الدراما في كتابة القصص وبناء الشخصيات.

    وأضاف أن اختلاف السياقات الثقافية يجعل لكل تجربة درامية هويتها الخاصة، وهو ما ينبغي أخذه في الاعتبار عند تقييم الأعمال الفنية، بدل مقارنتها وفق معايير لا تراعي اختلاف البيئات الثقافية والإنتاجية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أسعار النفط ارتفعت بنسبة 30% خلال أسبوع منذ شن الحرب على إيران

    ارتفعت أسعار النفط بنحو 30% هذا الأسبوع، لتصل إلى مستويات لم تشهدها منذ عام 2023، بعد توقف تدفق كمية كبيرة من النفط من الخليج، منذ بدء الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران.

    وأغلق خام برنت، المعيار الدولي، عند 92,69 دولارا للبرميل الجمعة، مرتفعا بأكثر من 8% عن اليوم السابق، و27,88% خلال الأسبوع.

    أما خام غرب تكساس الوسيط (WTI)، وهو نظيره الأميركي، فقد أغلق عند 90,90 دولارا للبرميل، مرتفعا بأكثر من 12% خلال اليوم، و35,63% خلال الأسبوع.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الوديع: درّست ابن جلادي.. وحماية حقوق الإنسان تقتضي تفاعل المجتمع والدولة


    هسبريس – وائل بورشاشن

    في آخر حلقات الحوار مع عضو “هيئة الإنصاف والمصالحة” صلاح الوديع، حيث يكشف تفاصيل سيرته الذاتية الجديدة: “ميموزا: مذكرات ناج من القرن العشرين”، روى لهسبريس تفاصيل مصادفات في الحياة قادته إلى تدريس ابن الجلّاد الذي أشرف على تعذيبه قبل عقود، واللقاء بالقاضي الذي أدانه بعشرين سنة نافذة وهو بعد طالب في بداية التحصيل الجامعي.

    وخلال مشاركة الوديع في برنامج “أول الفهم” قال لجريدة هسبريس: “من بين المهن التي امتهنتها بعد مرحلة السجن أستاذ في مؤسسة جامعية حرة. وفي لحظة ما كان الدرس حول الميكانيزمات الأممية للحماية من التعذيب، وكان السياق تقديم المغرب أول تقرير حول جهود وإجراءات الحد من التعذيب، وكان إدريس البصري مازال وزير الداخلية، فأرسل المغرب لجنة، وتفتقت العبقرية بإرسال كبير الجلادين ضمنها، وتسبب ذلك في أزمة دبلوماسية، واعتذار”.

    وتابع المتحدث ذاته: “طلب أحد الطلاب اسم الجلاد، وأمام إلحاح الطلبة، وحضور الاسم في الصحافة الدولية والنقاشات، قلت لهم: إنه قدور اليوسفي. ولاحظت غمغمات وهمهمات في القسم، وبعد الحصة جاءني الطلبة وأخبروني بأن ابنه طالب معنا، وذهبت للإدارة وطلبت الملف الإداري للطالب، ووجدت أن الأمر حقيقي، وكانت المفاجأة قوية وجدانيا؛ فكل ذلك التاريخ الرديء يصعد للسطح”، وزاد: “ثم بعد مدة في نهاية السنة كان علي تقديم الامتحان، وفيه اختياران، ومررت بين الطلبة أسألهم إن كان أي طلب توضيح، وكان ابن قدور اليوسفي طالبا كسائر الطلبة، وسألني توضيحا، وتعمدت أن يظهر في سلوكي أن لا قيمة لأنه ابن فلان، لأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وكل إنسان مسؤول عما يقوم به. آنذاك شعرت بأن القسم كله يسلط الأنظار على ما يقع، وخيّل إلي كأنما القاعة تنفست الصعداء”.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وذكر هنا عضو “هيئة الإنصاف والمصالحة” أن هذا مثال لـ”كيف يقضي التسامح على توتر وجداني كبير”، مردفا: “أقول في الكتاب إنه ربما كان هذا شعور المغاربة مع هيئة الإنصاف والمصالحة، في خوضها في مظالم وعنف الماضي، وفتح أفق جديد للبلاد ككل”.

    وحول إرهاصات هيئة الإنصاف والمصالحة تحدث صلاح الوديع عن خطاب الملك الحسن الثاني الذي قال بوجوب طي الصفحة، مستحضرا مقاله الذي قال فيه آنذاك إنه “نعم لطي الصفحة، لكن بعد قراءتها”؛ “ولم يكن مشروع العدالة الانتقالية قد بدأ بعد، ولا حتى تأسيس منتدى الحقيقة والإنصاف الذي أسس بعد شهور من وفاة الملك الحسن الثاني”.

    وتابع الوديع معددا الظروف التي سمحت ببزوغ مشروع العدالة الانتقالية: “المرور من عهد ملكي إلى عهد ملكي جديد مسألة معنوية كبيرة، أي وصول ملك ليست له مسؤولية في ما وقع. وتجسّد هذا مع الخطاب الملكي في غشت 1999، حين قال إن هناك قرار بأن يسار إلى معالجة ملف ضحايا الاعتقال التعسفي، بإضافته إلى اللجنة المكلفة بالتعويض عن الاختفاءات القسرية، المنبثقة عن المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان”.

    وواصل المتحدث: “مبادرة الدولة هذه أحدثت حقيقة نقاشا في صفوف الضحايا السابقين للاعتقال التعسفي، ومن المساهمين فيه إدريس بنزكري بعد إجرائه دراسة معمقة في تجارب العدالة الانتقالية. ووضعنا لجنة للتفكير في هذه المواضيع، ونال اجتهاد إدريس بنزكري رضا الجميع، إذ كانت مقاربته مناسبة تماما للمرحلة، فبدأنا تأسيس منتدى الحقيقة والإنصاف، وكان عليه إقبال من مجموعات الضحايا، وانتخبنا الأجهزة، ومن جديد كانت مبادرة للدولة لفتح النقاش”.

    وحول الجلسات التي أثرت فيه استحضر ضيف هسبريس جلسة مغلقة تحدث فيها الصحافي والسياسي السابق حميد برادة، وهو يحكي عن أبيه المناضل عبد القادر برادة، الذي “صُفّي في ظروف مؤلمة”، “إلى درجة أننا كنا نوقف جلسة الاستماع مرتين أو ثلاثا لنمسح دموعنا”، ثم علق: “من حق جيلنا والأجيال الحالية معرفة حقيقة ما وقع في تلك المرحلة، وهو شق العنف اللادولتي، أي عنف مجموعات كان لها نشاط خارج سيطرة الدولة، وذهب ضحيتها مقاومون كبار”، في السنوات الثلاث التالية للاستقلال.

    ومن الشهادات المؤثرة تذكر الشاهد “لحظة تازمامارت؛ فقد كان مؤلما ما حكاه عبد الله أعكاو (…) إن المعاناة مرفوضة ومدانة، وينبغي أن تكون متجاوزة بشكل نهائي”.

    لحظة مصطفى العمراني الذي كان معتقلا في دار بريشة أثرت كذلك في الوديع، خاصة أنها مرتبطة بالفترة “الصعبة جدا” بين 1956 و1959، و”كان وضعه الصحي صعبا، ومعه بنته تثبته، لكنه أصر على الإدلاء بشهادته أمام التاريخ”.

    ويشدد المتحدث على أن مثل هذه الشهادات “كانت مؤلمة”، “خاصة وقد تعرفنا عليها بمناسبة العمل على كشف ضحايا الانتهاكات الجسيمة للدولة المغربية، لنكتشف أيضا عنفا مورس من خارج الدولة… وعلينا الاطلاع عليه لنقرأ صفحة الماضي قبل أن نطويها”، ثم تابع: “هذه المرحلة تسائلنا حتى الساعة حول ما حدث، ويوجد واجب أخلاقي وتاريخي على المؤرخين للاهتمام بها وكشف حقيقتها”.

    وحول توصيات الإنصاف والمصالحة ذكر صلاح الوديع أن الجهة التي تتابع تنزيلها هي المجلس الوطني لحقوق الإنسان، مضيفا: “الهيئة لم تكن هيئة قضائية، بل تصالحية، ولم تصدر عفوا، ولم توص بعفو، ولم تمنع متضررا من اللجوء إلى القضاء”، واستشهد بما نصت عليه حول كون الإفلات من العقاب موضوعا راهنا لمجتمعنا وكل المجتمعات، وأن كل متصرف بمسؤوليات في السلطة قد يكون معرضا لهذه الممارسة أو تلك المعارضة للقانون؛ “ما يتطلب يقظة المجتمع المدني بشكل موضوعي، وتعريف الأجيال بما حدث عبر مراكز الذاكرة حتى يستمر الحضور المعنوي”، علما أن “تحقيق التقدم الملموس في جميع الملفات، بما فيها ملف حقوق الإنسان، رهين دائما بالتعبئة، واستمرار التفاعل بين المجتمع والدولة”.



    إقرأ الخبر من مصدره