Catégorie : رآي

  • هل الصَّحابة رُكْن في الإسلام؟


    سمير عزو

    أتذكَّر يوم حظرتُ رفْقة والدي، في ثمانينيَّات القرن الماضي، درسًا لفقيه بالجامع الكبير، وكانت لنا وقْتَها نِياتٌ رهيفةٌ.. نستمع لتفسير سورة الجنِّ، حينئذٍ استرسل وأكَّد على “ضرورة التسليم والإيمان، بما أسماه السلسلة”، تلك التي عِقْدُها التصديق بما أنزل الله مع سيدنا جبريل عليه السلام، لكي يُبلِّغنا إيَّاه خيرُ الأنام (صلى الله عليه وآله وسلَّم)، وأنَّ “مسألة الجنِّ” من بين ما جاء في هذا القرآن الحكيم.

    كان منطقه مُتَّسقًا ومتناسقًا إلى حين من الأيام، حضرتُ فيها محاضرته بنفسي، في غير ذاك المسجد العتيق، فأمضى يهاجم الشاعر أبا القاسم الشَّابِّي، في بيته الشهير:

    “إذا الشعبُ يومًا أراد الحياةَ *** فلا بدَّ أن يستجيبَ القدرْ”

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    كان يتساءل وهو محمرُّ الوجنتين: كيف لقدر الخالق أن يستجيب لإرادة البشر؟

    حينها لم أكن أبالي بمناقشة أفكار هؤلاء، الذين كنَّا نراهم فوق أبراج الوعظ.. على كل حال! وكنت أُتمتِم بيني وبين نفسي: هذا خيال فني للشاعر، والأهم في ذلك أنَّه كان يستنهض الهمم من أجل مواجهة الاستعمار، كذلك قال لي عقلي: ربَّما كان يقصد أن يستجيبَ الشعبُ قدَره بالكفاح..

    ومضت السنون والأيام، فارتقى الفقيه وتدكتر، ثم وقف وقْفةَ عثْرةٍ لأولئك الذين لطالما عاتبوه، بما أسموه “تبذير تبرُّعات المحسنين في زخرفة المساجد”، كان يردُّ عليهم بقوله: “ليس من دورنا بناء المعامل.. نحن بنينا المساجد وأنتم للمعامل فابنوها”، وقف معارضًا لإعمال تقنيَّة الحمض النووي في خصومات إثبات النسب، بحجَّة أن ذلك “سيُسقط تطبيق آية اللعان(1) بين الزوجين في حال تنازعهما”.

    لم يكن بذلك بُدٌّ إلا أن يسقط بدوره من ذاك البرج، ومن مخيَّلتي واعتباري على حدٍّ سواء..

    مُذ حلَّ عام “الفيل” كما كان يحلو للبعض تسميته، متوقِّعًا لما سيعقُب سقوط الاتحاد السوفياتي، عرف الصراع العربي الإسرائيلي بين 2000 و2006 طفرة جديدة في لبنان، خصوصًا إبَّان سقوط جدار صدَّام العظيم في 2003، باتت فتاة “المقاومة” تتوكَّأ وتنمو.. كانت الزيارات للمراقد مَشْيًا حينها، وكانت ومآربُ أخرى.. كلُّها مرَّت من هناك، من طهران إلى بيروت.

    ثم حلَّت إذَّاك موجة شرسة كأنَّها خيوط عنكبوت، كانت تُحاك من فوق تلك الأبراج، التي سلْسَلت عقولنا بسلاسلَ، كنَّا نسمِّيها عذرًا “محاضرات”!.. نُسجت من أجل شيْطنة ما يسمُّونه “حزب الله” في لبنان.

    ربَّما كان ذلك مفهومًا، خصوصًا إذا ما تعلَّق الأمر بـ”حفظ النَّسق العام وصون عقيدة التسنُّن”، لكن الذي يُعاب على أصحاب تلك الحملة، هو ممارستهم للوصاية على الجمهور.. وصاية الفقيه(2)، ذلك الذي كان يدعو الشباب “للفصل بين الإنجازات العسكرية والعقيدة”..

    ولكن هل للإنجازات العسكرية أن تكون دون عقيدة؟! وما موجِب هذا الفصل؟

    مضيت أبحث في زمن “السماوات المفتوحة”، وقد تيسَّر فيها كل شيء؛ إلا التجرد والموضوعية، لا يُنال نصيب منه؛ بقليل من الجرأة والشجاعة الأدبية، فقرَّرت أن أشكَّ حينئذٍ في كل شيء، وأن أُفرغ عقلي من كل شيء، كي أبدأ من لا شيء.. أن أتساءل كيف ولماذا يمتعِضون من هذه العقيدة؟

    ما موجِب حرق الصحابة للسُّنَّة النبوية الشريفة في “خير القرون” كما يقولون، ونحن ليس لنا قرون، كي نستوعب حُجَّتهم أو كما قالوا: “تجنُّبًا لاختلاطها بالقرآن الكريم”!؟ بينما هذا القرآن نفسُه يقول: “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” (سورة الحجر: 9). لماذا تطاحن هؤلاء الصحابة فيما بينهم، وعلامة الخُلَّص منهم “أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ” (سورة الفتح: 29)؟ لِمَ نعيب على اليهود عبادتَهم لعجلٍ واحد من ذهب، بينما نحن قد ذهب عقلنا، نقدِّس العشرات والمئات من البشر، من لحم وعظم وكلُّهم “عُدول”!؟

    نزلت آيات قرآنية كريمة في حق الصحابة تُشرِّفهم وتعظِّم قدرهم، لكن لم تعمِّم كلَّ مجتمع الصحابة، والدليل العقلي على ذلك أنَّهم اقتتلوا وأحرقوا بعضهم البعض كما في حال مالك بن نُوَيرة وكذلك محمد ابن أبي بكر.. بل وخالفوا النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلَّم).

    أي نعم “هم السلسلة التي وصلنا عبرها هذا الدين”! لكن من حقِّنا كمتأخِّرين أن نفكِّك هذه السلسلة التي عاد ذكرُها مرَّة أخرى، كما سلف الفقيه في الجامع القديم، أيَّام الثمانينيَّات، مُذْ سُلْسِلت عقولنا بالفقه الكلاسيكي العتيد..

    لكن لماذا لا يذكر هؤلاء الآية 11 من سورة الجمعة: “وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ”؟ هؤلاء المُنفضُّون عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلَّم) كانوا من مجتمع الصحابة، لم يكونوا من الروم ولا من الفرس “المجوس”، لذلك سننفضُّ من عيوننا غبار التقديس، كي نعيد النظر في تلك السلسلة، لا من منطلق المؤامرة والتشكيك، ولكن لتطمئنَّ قلوبنا فتنزاح غيمة الوهم.

    قال تعالى: “آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا” (سورة البقرة: 285-286)، فالإيمان محصور في الله وملائكته ورسله، كما في قوله تعالى أيضًا: “قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ” (سورة البقرة: 136-137).

    لم تكن هناك قاعدة عامَّة في مجتمع الصحابة، كان من بينهم مَن يُضمِر الكفر ويُبدي الإيمان، قال تعالى: “وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ” (سورة البقرة: 13-15)، فامتحنهم الله بذلك وأقام عليهم الحُجَّة، وقال: “وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ” (سورة البقرة: 143).

    وعليه، فإن إسباغ هالة القداسة على جميع الصحابة، أمر يخالف القرآن الحكيم والسُّنَّة النبوية الشريفة والعقل، واعتبار جميع هؤلاء “عدولًا”، يشكِّل خطورة في المناهج التربوية والتعليمية، التي تجعل منهم قُدوة لأبنائنا وأجيالنا المتعاقبة(3).

    إنَّ حديث “العشرة المبشَّرين بالجنة” مكذوب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم)، بقرينة عدم معرفة روَّاد هذا الحديث أنفسهم بوجوده، ولو كانوا يعلمون بتبشيرهم بالجنة، لَما كان بعضهم يخاف البعث ولقاء الله!

    فالخليفة الأول أبو بكر وقت احتضاره قال: “… ودِدْت أنِّي لم أكن كشَفْتُ بيت فاطمة وتركته، وأن أُغلق على الحرب، وودِدْت أنِّي يوم سقيفة بني ساعدة، كنت قذَفْتُ الأمر في عنق أحد الرجلين: أبي عبيدة أو عمر، فكان أميرًا وكنت وزيرًا، وودِدْت أنِّي حيث وجَّهْتُ خالد بن الوليد إلى أهل الردَّة، أقمتُ بذي القصة، فإن ظفر المسلمون ظفروا، وإلا كنت بصدَد اللقاء أو مَدَدًا”(4)، كما خرَّج البيهقي رواية: “مرَّ أبو بكر على طير قد وقع على شجرة، فقال: طوبى لك يا طير، تطير فتقع على الشجر، ثم تأكل من الثمر، ثم تطير ليس عليك حساب ولا عذاب، يا ليتني كنت مثلك، والله لودِدْت أنِّي كنت شجرة إلى جانب الطريق، فمرَّ عليَّ بعير فأخذني فأدخلني فاه فلاكَني ثم ازدرَدني، ثم أخرجني بعرًا ولم أكن بشرًا، فقال عمر: يا ليتني كنت كبشَ أهلي، سمَّنوني ما بدا لهم، حتى إذا كنتُ كأسمن ما يكون، زارهم بعض من يحبُّون فذبحوني لهم، فجعلوا بعضي شواءً وبعضه قديدًا، ثم أكلوني ولم أكن بشرًا، وقال أبو الدرداء: يا ليتني كنت شجرة تُعضَد وتُؤكل ثمرتي ولم أكن بشرًا”(5).

    وفي “فضائل الصحابة” أيضًا روى البخاري الحديث رقم 3692، قال عمر بن الخطاب: “والله لو أنَّ لي طِلاع الأرض ذهبًا لافتدَيْتُ به من عذاب الله عزَّ وجلَّ، قبل أن أراه”(6). وقال الخليفة الثالث عثمان بن عفَّان: “ودِدْت أنِّي إذا مُتُّ لم أُبعَث”(7)، فعادة المؤمن لا يخاف بل يحبُّ ويشتاق للقاء الله تعالى، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم) يقول في الحديث الصحيح عن عدَّة من الصحابة: “من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه”، قالت عائشة: يا رسول الله، أهو الموت؟ فكلُّنا يكره الموت، قال: لا يا عائشة، ولكن المؤمن إذا حضر أجله؛ بشَّرته الملائكة برحمة الله ورضوانه؛ فيحب لقاء الله، ويحب الله لقاءه، والكافر متى حضر أجله؛ بُشِّر بغضب الله وعقابه، فيكره لقاء الله؛ فيكره الله لقاءَه، ذلك مِصداق قوله تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ” (سورة يونس: 7).

    وبالتالي، فإنَّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلَّم) لم يكن بِدْعًا من الرسل، جرى عليه ما جرى عليهم، ولذلك نجد في صحيح البخاري، الحديث رقم 7198، قال (صلى الله عليه وآله وسلَّم): “ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة، إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضُّه عليه، وبطانة تأمره بالشرِّ وتحضُّه عليه، والمعصوم من عصَم الله”.

    يُتبع…

    الهوامش:

    (1) اللعان لغةً مصدر لاعن، واللعنةُ هي الطرد والإبعاد، أما شرعًا فهو كلمات معلومة جُعلت حُجَّة للمضطر إلى قذف من لُطِخ فراشُه أو إلى نفي ولد، وبعدها كلا المتلاعنين يُبعَد عن الآخر بها فيحرُم بذلك النكاح بينهما.

    يتمُّ اللعان بأن يقول الزوج أربع مرات: “أشهد بالله أنِّي لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا”، ويختمها بالخامسة فيقول: “عليَّ لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا”، أما المرأة فتقول أربعًا: “أشهد بالله أنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا”، والخامسة تقول: “أنَّ عليها غضب الله إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا”.

    (2) انظر مقالنا “ولاية ووصاية الفقيه”، جريدة هسبريس، 23 يوليوز 2015.

    (3) انظر مقالنا “خطورة المناهج التربوية”، جريدة هسبريس، 20 مارس 2025.

    (4) رواه عبد الرحمن بن عوف، وحدَّث به العقيلي في “الضعفاء الكبير”، تحت رقم 3/419، وهو حديث مضطرب أخرجه القاسم بن سلام في “الأموال” تحت رقم (353)، وابن زنجويه في “الأموال” تحت رقم (467)، والطبراني تحت رقم (1/62).

    (5) البيهقي، “شعب الإيمان”، باب الخوف من الله تعالى، الجزء 2، الصفحة 227.

    (6) صحيح البخاري عن الصلت بن محمد، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن المسور بن مخرمة قال: لَمَّا طُعِن عمر جعل يتألَّم، فقال له ابن عباس، وكأنه يجزِّعه: يا أمير المؤمنين، ولئن كان ذاك، لقد صحبت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم) فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت صحبتهم فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون. قال: أما ما ذكرت من صحبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم) ورضاه فإنما ذاك مَنٌّ من الله تعالى مَنَّ به عليَّ، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذاك مَنٌّ من الله جلَّ ذكره مَنَّ به عليَّ، وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك، والله لو أنَّ لي طِلاع الأرض ذهبًا لافتديت به من عذاب الله عزَّ وجلَّ قبل أن أراه.

    (7) مرتضى الزُّبيدي “إتحاف السادة المتقين لشرح علوم الدين”، دار الكتب العلمية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • العلم الزائف


    عبد الإله الرضواني
    لماذا أصبحنا نحب العلم الزائف؟

    على مدى عقود، بُنيت الثقة في الطب ببطء، من خلال التجارب السريرية، والنقاش العلمي، والانتصارات الكبرى للصحة العامة. فقد ساهمت اللقاحات في القضاء على أمراض قاتلة، وحوّلت المضادات الحيوية العدوى المميتة إلى حالات قابلة للعلاج، كما أدت التطورات في الجراحة وعلاج السرطان والسكري إلى إطالة متوسط العمر المتوقع في كثير من دول العالم.

    ومع ذلك، أصبح ملايين الأشخاص اليوم يضعون ثقتهم، ليس في الأطباء أو الجامعات أو المؤسسات العلمية، بل في مؤثري وسائل التواصل الاجتماعي، ورواد «الصحة»، والأشخاص الذين يقدمون أنفسهم باعتبارهم «كاشفي الحقيقة التي يخفيها الأطباء والعلماء»، ويعدون الناس بعلاجات مخفية ومعارف ممنوعة.

    رجل يصور مقاطع فيديو من مطبخه يدّعي أن السرطان يمكن تجويعه والقضاء عليه عبر النظام الغذائي فقط. وآخر يصرّ على أن الطب الحديث ليس سوى مؤامرة هدفها إبقاء الناس مرضى. ومؤثر في عالم اللياقة يحذر متابعيه من أن واقي الشمس سام، أو أن الخضروات مؤذية، أو أن أكل الأعضاء الحيوانية النيئة يعيد الصحة الفطرية للإنسان. للأسف، هذه الخزعبلات يشاهدها، ويشاركها، ويصدقها الملايين.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    لم تعد هذه الظاهرة محصورة في أطراف الإنترنت أو في دوائر هامشية. لقد تحولت إلى صناعة عالمية بمليارات الدولارات، تغذيها الخوارزميات، والخوف، وفقدان الثقة، والجاذبية الساحرة للإجابات البسيطة عن المشكلات المعقدة. في قلب العلوم الزائفة الحديثة تكمن قوة واحدة شديدة الإغراء: اليقين. فالعلم الحقيقي غالباً ما يكون مزعجاً في حذَرِهِ. الباحثون يتحدثون بلغة الاحتمالات والقيود ونسب الثقة. التوصيات الطبية تتغير مع ظهور أدلة جديدة. العلماء يختلفون، ويراجعون أفكارهم، وأحياناً يعترفون بخطئهم. وهذا ليس ضعفاً، بل هو تحديداً ما يجعل العلم يتقدم. لكن على وسائل التواصل الاجتماعي، لا يحقق التردد العلمي انتشاراً كبيراً. فالخوارزميات تكافئ الثقة المطلقة، والغضب، والسرد العاطفي. ومن الصعب على شرح علمي متوازن عن الاستقلاب أو المناعة أن ينافس مؤثراً كاريزمياً يصرخ بأن سماً خفياً واحداً هو سبب جميع الأمراض المزمنة. البساطة تنتشر أسرع من التعقيد لان عقل الانسان، خاصة العامي، يحب التبسيط.

    الحقيقة أن جسم الإنسان شديد التعقيد. أمراض مثل السمنة، والسكري، والسرطان، والاكتئاب، تنتج عن تفاعلات معقدة بين الجينات، والبيئة، والسلوك، والظروف الاجتماعية، وعوامل بيولوجية متعددة. ومع ذلك، يختزل كثير من مؤثري الصحة هذه الأمراض في أعداء بسيطة مثل السكر،أوالزيوت النباتية، أوالسموم، أوالالتهابات، Bوالطفيليات، أو حموضة الجسم.

    وجاذبية هذه التفسيرات مفهومة نفسياً؛ فالإجابات البسيطة تمنح الإنسان شعوراً بالراحة والسيطرة، وتوهمه بأن الصحة يمكن التحكم فيها بالكامل إذا اتبع فقط النظام الصحيح.

    ويلعب الخوف دوراً محورياً في نجاح صناعة الصحة. فالخوف يبيع المكملات الغذائية. والخوف يبيع برامج الديتوكس. والخوف يبيع الدورات التدريبية، والاختبارات المكلفة، والأنظمة الغذائية المعجزة. يعتمد اقتصاد الصحة الحديث إلى حد كبير على إقناع الناس بأنهم يتعرضون يومياً للتسمم عبر الطعام، أو الماء، أو التكنولوجيا، أو حتى الحياة الحديثة نفسها.

    وفي هذا العالم، تتحول التجارب الطبيعية إلى أمراض. فالإرهاق يصبح إنهاكاً للغدة الكظرية، والانتفاخ يصبح دليلاً على السموم، وتقلبات المزاج الطبيعية تتحول إلى علامات على خلل خفي يحتاج إلى منتجات وعلاجات خاصة. وغالباً ما يتم استعارة لغة العلم لإضفاء مظهر من الشرعية. مصطلحات مثل الميتوكوندريا، والميكروبيوم، والإبيجينتيك، والالتهابات تُنتزع من أبحاث علمية حقيقية وتُحوَّل إلى أدوات تسويقية. كما تُضخم نتائج أولية أجريت على خلايا أو فئران لتُقدَّم باعتبارها ثورات علاجية للبشر. وهكذا تصبح الحدود بين العلم الحقيقي والعرض المسرحي ضبابية.

    والأخطر أن العلوم الزائفة نادراً ما تقدم نفسها باعتبارها ضد العلم. بل إنها تقلّد العلم شكلياً. فالمؤثرون يستشهدون بالدراسات، ويرتدون المعاطف البيضاء، ويستخدمون مصطلحات تقنية لإظهار السلطة المعرفية. لكن اللغة العلمية وحدها لا تصنع علماً. فالعلم لا يُعرَّف بالثقة المفرطة أو بالمظهر أو بالمصطلحات المعقدة، بل بالاختبار الصارم، والشفافية، وإمكانية التكرار، والاستعداد للتخلي عن الأفكار عندما تناقضها الأدلة. أما العلوم الزائفة، فغالباً ما تقاوم التصحيح. فحين تفشل تنبؤاتها، لا تتراجع معتقداتها، بل تُختلق أعذار جديدة: مؤامرة، فساد، رقابة، أو تواطؤ بين شركات الأدوية، والحكومات، والجامعات، ووسائل الإعلام. لقد أصبحت نظريات المؤامرة إحدى السمات الأساسية للمعلومات الصحية المضللة الحديثة. ولم يظهر فقدان الثقة بالمؤسسات من فراغ. فالاستقطاب السياسي، وعدم المساواة الاقتصادية، والفضائح التجارية، وصدمات جائحة كوفيد-19، كلها ساهمت في إضعاف ثقة الناس بالمؤسسات التقليدية. وفي هذا المناخ، ظهر جيل جديد من مؤثري الصحة يقدم نفسه باعتباره متمرداً شجاعاً يكشف الحقائق المخفية.

    وبالنسبة لكثير من المتابعين، لا تقدم هذه الحركات مجرد نصائح صحية، بل تمنحهم هوية وانتماءً وشعوراً بالتفوق المعرفي. يصبح اكتشاف الحقيقة نوعاً من التحرر النفسي، ويُشجَّع الأتباع على رؤية أنفسهم كمفكرين مستقلين يقاومون تلاعب النخب الفاسدة. وتضاعف وسائل التواصل الاجتماعي هذه الظاهرة بشكل هائل، لأن المنصات تكافئ المحتوى العاطفي والمثير للغضب والخوف، إذ يزيد ذلك من التفاعل والمشاهدات. ومن الصعب على طبيب هادئ يتحدث بلغة الأدلة العلمية أن ينافس فيديوهات درامية تدّعي أن الأطعمة اليومية تقتل الناس ببطء. كما يعكس صعود ثقافة الصحة حاجة إنسانية عميقة: الحاجة إلى الأمل.

    فالمرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة أو آلام مستمرة يشعرون أحياناً بأن الأنظمة الصحية باردة أو متسرعة أو غير إنسانية. والطب العلمي، رغم إنجازاته الضخمة، لا يقدم دائماً حلولاً سريعة أو تفسيرات مريحة. وفي هذه الفجوة العاطفية، يظهر المؤثرون ليقدموا اليقين، والانتماء، والمعنى. ولهذا السبب لا تجذب العلوم الزائفة الجهلة فقط، بل قد تجذب أيضاً أشخاصاً متعلمين وذوي ذكاء عالٍ. فالذكاء وحده لا يحمي الإنسان من الانحيازات النفسية، أو التفكير العاطفي، أو اليأس.

    لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تدفع المعلومات المضللة الناس إلى رفض العلاجات المثبتة علمياً. ففي أنحاء مختلفة من العالم، يتم إقناع مرضى السرطان، والسكري، وأمراض المناعة الذاتية، بالتخلي عن أدويتهم لصالح أنظمة غذائية متطرفة أو مكملات أو برامج تنظيف بلا أي دليل علمي حقيقي. بعضهم يخسر وقتاً ثميناً، وآخرون يخسرون حياتهم.

    وهذا لا يعني أن العلم معصوم من الخطأ. فالطب ارتكب أخطاء عبر التاريخ، وما يزال يتطور باستمرار. والشك الصحي ضروري لأي منظومة علمية. لكن التشكيك العلمي ليس هو نفسه الرفض المطلق للخبرة والمعرفة. يبقى العلم أفضل وسيلة امتلكتها البشرية لفهم الأمراض وتحسين الصحة، لأنه يقوم على النقد، والتصحيح الذاتي، والاحتكام إلى الأدلة. أما صناعة الصحة الحديثة، فتقدم شيئاً أكثر إغراءً بكثير: يقيناً بلا برهان، وبساطة بلا تعقيد، وتمرداً يُباع على هيئة حقيقة مخفية.

    وفي عصر تحكمه الخوارزميات والخوف وفقدان الثقة، أصبحت هذه الخلطة شديدة القوة…وشديدة الخطورة.

    ولهذا، عندما ترى شخصاً يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، ويقدم علاجاً سحرياً لكل الأمراض، ويهاجم العلماء والأطباء، ويعتمد على القصص الشخصية ونظريات المؤامرة أكثر من الأدلة… فاعلم أنك لا تقف أمام ثائر ضد المنظومة، بل أمام تاجر وهم يرتدي قناع العلم.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • عن الأمازيغية وإسرائيل


    رشيد الحاحي

    طلب مني بعض الأصدقاء إبداء رأيي بخصوص ما نشره السيد الريسوني على صفحته بوسائل التواصل الاجتماعي، والنقاش المثار. وبعد الاطلاع على ما كتبه، تبين لي أن ما يجب توضيحه يتجاوز ما كتبه الريسوني إلى تناول الموضوع في أبعاده وأسبابه المختلفة، وفي علاقة بالخطابات والمشاريع السياسية والأيديولوجية المستشرية في صفوف عدة تيارات ومريديها وضحاياها في المجتمع، وردودهم وافتراءاتهم في النقاش العمومي. وسنوضح ذلك كما يلي:

    سيكون من السذاجة البحث عن أسماء المؤسسات والأشخاص واللقاءات والتواريخ… التي ذكرها المعني ومحاولة التأكد من وجودها، ومن التناقض في سرديته المكشوفة. فمن جهة، من الواضح جداً أن ما أورده لا يستند على أي مراجع أو مصادر أو وثائق، بقدر ما هو من نسجه أو نسج من مده به، يسعى إلى التهويل ولا يخلو من “فونتازم” مبالغ فيه. ثم لأن فكرة المؤامرة والدعم الخارجي والاختراق هي اختصاص التيارات القومية البعثية والإسلامية. فالمنطق الذي يمتلكهم هو أنه، كما يستفيدون في حركاتهم وتياراتهم ومشاريعهم العروبية والإسلامية من دعم الخارج وعائدات الولاء والاختراق والدعم الثقافي والسياسي والأيديولوجي والمالي من دول ومنظمات أجنبية منذ السبعينات من القرن الماضي إلى البارحة، فكل الحركات والمشاريع الأخرى الثقافية والهوياتية، والأمازيغية بالخصوص، لا يمكن إلا أن تكون مدعومة ومسخرة في مشاريع وخطط غير المعلنة والواضحة. منطقهم وعقلية المؤامرة و”التسخير” الأيديولوجي هذه لا يمكنها استيعاب وتقبل بأن ما حققه الأمازيغ والحركة الأمازيغية سياسياً وثقافياً ومجتمعياً في المغرب هو بفضل إمكانياتهم الذاتية ومشروعية قضيتهم وتأصلها التاريخي والاجتماعي، وعملهم العلمي والفكري والحقوقي الموضوعي والمصحح لمختلف أشكال الاستلاب الهوياتي والاستبداد والهيمنة الأيديولوجية والثقافية والسياسية، بما فيها تيارات وداعمي القومية والإسلام السياسي.

    يكفي تحليل الخطابات الرسمية والمؤسساتية وحتى السياسية والحزبية الإسرائيلية، وممثلي مصالحها، ليتضح أن إسرائيل غير مهتمة بل وممتعظة من خطاب وحتى اسم الأمازيغية والأمازيغ، ولا تريد أن تكون بديلاً للعربية والعرب في الخطاب والتداول ولو على مستوى الوصف والتسمية، لأن إسرائيل تخوض صراعها منذ نصف قرن مع العرب والعروبة والتيارات القومية والإسلامية والأنظمة العروبية، وتريد أن يكون انتصارها انتصاراً على العرب والعروبة، والانهزام انهزام العرب والإسلاميين. فتتشبث بالوصف والانتماء القومي العربي لدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ويهمها أن تتم الانتصارات والتغييرات، وكذا المفاوضات وأعمال التطبيع السياسي والثقافي مع الأنظمة والشعوب تحت مسمى ويافطة العربية والقومية العربية والإسلامية.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    الأمازيغ ليسوا في حاجة إلى إسرائيل ولا إلى أي دولة أو انتماء ودعم أجنبي لتحقيق مشروعهم الثقافي والمجتمعي والنهضوي الكبير، لأنه، عكس المشاريع والخطابات والتيارات الوافدة والمستلبة، هو مشروع فكري وحضاري وتصحيحي متأصل في التربة ومجاله التاريخي والوطني المغربي، وطنه الوحيد الذي يعمل به ومن أجله. وإسرائيل ليست في حاجة إلى الأمازيغية والحركة الأمازيغية لتحقيق انتصارها السياسي والاقتصادي والعسكري والثقافي على الدول والتيارات العربية والإسلامية المتصارعة معها بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لأنها دولة نووية منذ 1972، وتتحكم في موازين القوى السياسية والاقتصادية في العالم، وهي تحتضن وتخترق وتدعم القوى الكبرى بما فيها الداعمة لتيارات اليسار القومي والإسلام السياسي، ولا حاجة لها بالجمعيات والباحثين والمفكرين والفنانين والطلبة والمناضلين الأمازيغيين الشرفاء والأكفاء.

    المتحدثون بإفراط عن هواجس التشتيت والتفريق والاختراق واتهام الحركة الأمازيغية بذلك، هم العاملون الفعليون على التشتيت والتفرقة انطلاقاً من ولاءاتهم الأجنبية، وانتماءاتهم الأيديولوجية وصراعاتهم المتطرفة وخوفهم من الديمقراطية واحقاق الحقوق ومن مشروع الإنصاف والتفعيل السياسي والمؤسساتي للثقافات والهويات الأصلية والمنفتحة للشعوب، ومنها الأمازيغية. فمن شتت ودمر العراق وسوريا ولبنان واليمن وفلسطين… أليست هي الحركات والأنظمة القومية والإسلامية التي نصبت عداءها للمكونات الثقافية الأخرى ولمشاريع الدمقرطة الفعلية والانخراط في دول المواطنة والتعدد الثقافي والحداثة؟ سيكون من الغباء اتهام إسرائيل أو الأكراد أو الدروز أو الأقباط أو الأمازيغ… بذلك؟ ومن الممكن جداً أن يكون أمثال ناشري ومروجي هذه الادعاءات ومتزعمي هذه التيارات هم العملاء الفعليون لدول وأطراف أجنبية ومنها إسرائيل نفسها، لأنهم يثبتون الصفة العربية والإسلامية للشعوب والدول، ويبررون تخلف الشعوب وعنفها وتعصبها، ومآل خطاباتهم ومشاريعهم العاطفية المهزومة.

    كلما تأزمت خطابات التيارات القومية والإسلامية ومشاريعهم وتكبدوا صدمات الفشل والغبن السياسي والأيديولوجي، وبدل تقييم مواقفهم ومرجعياتهم وإعادة النظر في العديد من الأوهام والمقولات والأحكام التي ينبني عليها وجودهم كظاهرة صوتية وحماسية، يسارعون إلى إلصاق إخفاقاتهم وكسادهم بالأمازيغية والحركة الأمازيغية، حيث يلتقي الإسلاميون والقوميون واليساريون وبعض المغفلون والمفتقرين إلى الوعي العلمي والسياسي والاجتماعي الفعلي لفهم عمق الإشكالات والتصورات الفكرية الموضوعية، حتى تشكلت لديهم “متلازمة ويحمان” التي تلخص في الربط الأوتوماتيكي وأحياناً الهستيري للأمازيغية بإسرائيل والصهيونية. وهي مجرد ميكانيزم نفسي أيديولوجي للتعويض عن الإخفاق وصدمة الحقيقة والواقع والقوى، وسقوط الأوهام والعواطف وتقدم الأمازيغ والأمازيغية في مشاريع التصحيح والإنصاف والتغيير الفكري والسياسي والمؤسساتي في الراهن والمستقبل.

    ما كتبه الريسوني مفيد جداً، ليس في محتواه وادعاءاته الكاذبة والمهووسة بالمؤامرة والاستعداء، بل لأنه يؤكد مكانة الأمازيغ والأمازيغية ومشروعهم النهضوي والوطني في الراهن والمستقبل، وبداية تحققه الفكري والاجتماعي مما يهدد حظوظ ومطامح المشاريع والتيارات المستلبة والفاشلة، وارتباطاتها وولاءاتها الأجنبية. ولأنه يتيح فرصة لكشف التوظيف الأيديولوجي للافتراء والتهويل لكسب ثقة وتعاطف الناس، ومنهم للأسف الكثير من الضحايا الذين يثقون ويرددون هذه الأحكام والعبارات دون علم ووعي بحقيقتها وخلفياتها. ولأنه فسح المجال للتعبير والكشف عن النفاق والازدواجية عند العديد ممن حاولوا دائماً إخفاء عدائهم أو على الأقل انزعاجهم وامتعاضهم من الأمازيغية وحركتها الديمقراطية والحقوقية وإنتاجها المعرفي والإبداعي وتحققاتها المجتمعية والسياسية والهوياتية في فضاء المغرب المعاصر، خاصة المتماهين مع الجهل والمحسوبين على البحث والجامعة والوعي المتقدم والمعرفة، للأسف الشديد.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • لغروس يكتب: دور الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في بناء الوعي المجتمعي

    * محمد لغروس

    مقدمة

    لا يختلف اثنان في أهمية شبكات التواصل الاجتماعي في عصرنا الحالي، نظرا للدور التي تلعبه في تأطير المجتمع أو في التأثير على القرار السياسي وكذا صناعة الرأي العام وتوجيهه، كما أنها تطورت من مجرد أداة ترويجية لوسائل الإعلام إلى كيان مستقل بذاته يقوم بكل وظائف الإعلام من إخبار وتثقيف وتوجيه ومراقبة (السلطة الرابعة)، ناهيك عن وظائف التنسيق والتشاور بين مكونات المجتمع، والتعبئة والحشد من أجل قضايا الوطن، وغيرها من الوظائف التقليدية أو المستجدة.

    ولم تعد هذه الشبكات ترفا أو نشاطا هامشيا لدى مستخدمي الإنترنيت، بل تحولت في ظرف سنوات قليلة إلى جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية لمعظم المغاربة شأنهم شأن باقي شعوب العالم، وهو ما تؤكده معظم الدراسات الصادرة في هذا الشأن، فمثلا حسب “بارومتر الشبكات الاجتماعية”، الصادر عن مجموعة “سونرجيا” المتخصصة في التسويق، فإن نسبة المغاربة الذين يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي وصلت عام 2024 إلى 80 في المائة من الساكنة، وفي مقدمة هذه الشبكات يأتي تطبيق “واتساب” بحيث يستخدمه 76% من المغاربة (93 في المائة منهم يستخدمونه يوميا)، ثم “فيسبوك” الذي يستخدمه 68% (82 في المائة منهم يستخدمونه يوميا)، متبوعا بـ”إنستغرام” المستعمل من لدن 40% من المغاربة (83 في المائة منهم يستخدمونه يوميا).

    وتعد فئة الشباب من بين أكثر الفئات استعمالا لشبكات التواصل الاجتماعي، فمثلا نجد أن 84 في المائة من الفئة العمرية بين 18 و24 عاما يستعملون واتساب، و83 في المائة منها يستعملون فيسبوك، و72 في المائة من هذه الفئة تستعمل إنستغرام. أما في الفئة العمرية الموالية أي بين 25 و34 عاما نجد أن 90 في المائة يستعملون واتساب، و84 في المائة يستعملون فيسبوك، و63 في المائة من هذه الفئة تستعمل إنستغرام.

    ومن حيث مدة استهلاك محتويات شبكات التواصل الاجتماعي، خلصت دراسة أنجزتها مجموعة DigitrendZ أن مستعملي شبكات التواصل الاجتماعي بالمغرب يقضون حوالي 4 ساعات يوميا في هذه المنصات، وأجاب 75 في المائة من المستجوبين في هذه الدراسة أنهم يتابعون “المؤثرين” على مواقع التواصل الاجتماعي بمعدل 15 متابع لكل شخص.

    إكراهات أمام الزحف

    بالقدر الذي يتيح هذا الانتشار الواسع لشبكات التواصل الاجتماعي فرصا كبيرة وإضافة نوعية في جهود التثقيف والتوعية، يخلق أيضا إكراهات متعددة وتحديات من شأنها هدم مجتمعات أو عرقلة مسار التنمية والعودة بالشعوب إلى الوراء إذا لم تنتبه الدول والنخب والمجتمعات المدنية إلى هذه الإكراهات، وإذا لم تبادر إلى مواجهتها واتخاذ ما يلزم من إجراءات ومبادرات ناجعة تتماشى مع مقتضيات التطور والتقدم وتراعي منظومة حقوق الإنسان ولا تقوض الحريات على رأسها حرية التعبير.

    وتجنبا للإطناب والإطالة، سنقتصر على 3 إكراهات فقط:

    الإكراه 1: ثنائية الحرية والمسؤولية

    خلقت شبكات التواصل الاجتماعي مساحة هائلة تتيح لكل مواطن ولكل شخص، أيا كانت مسؤولياته ومكانته، التعبير عن أفكاره ومعتقداته ونشرها، والتفاعل مع الآخر إيجابا أو سلبا، اتفاقا أو اختلافا، غير أن الملاحظ هو خروج حرية التعبير، في أحيان كثيرة، عن الإطار المسموح به وتجاوزه إلى القذف والسب، بل إلى التشهير وانتهاك الحياة الشخصية والمعطيات الخاصة، وخدش الحياء العام، والإساءة إلى ثوابت الوطن ومقدسات الأمة، وغيرها من السلوكات التي يجمع الكل على رفضها بل ويعاقب عليها القانون.

    الإكراه 2: الإشاعة وباء قاتل

    تجد الإشاعة مساحة كبيرة في شبكات التواصل الاجتماعي، وتملك قدرة كبيرة على الانتشار تفوق قدرة التكذيبات وبيانات الحقيقة، ربما لأن الكذب يحمل من الإثارة أضعاف ما تحمله الحقيقة.

    إن إكراه الإشاعة والأخبار المضللة والمعلومات الكاذبة التي أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي المستنقع المفضل لها، ليس إكراها محليا أو مقتصرا على بلد دون غيره، بل تحول إلى هم ومشكلة عالمية ترهق المؤسسات والحكومات ومختلف الفاعلين، فعلى سبيل المثال سبق للمفوضية الأوروبية مراسلة كل من “فيسبوك” و”تويتر” و”غوغل” لحثهم على اتخاذ إجراءات حاسمة ضد انتشار الأخبار المزيفة، وخصصت شركة “غوغل” عام 2018 ميزانية 300 مليون دولار من أجل “دعم الصحافة الموثوقة ومكافحة وباء انتشار المعلومات الخاطئة وغير الموثوق بها عبر الإنترنيت”، ووعد مؤسس موقع “فيسبوك” في العام ذاته بالعمل على “خلق بيئة صحية للتواصل بين الناس” بعدما انحرف الموقع عن مساره الأصلي بسبب ما تبثه الصفحات العامة من أخبار كاذبة ومنشورات تؤثر سلبا على ثقة المستخدمين.

    الإكراه 3: الاستهلاك دون إنتاج

    لعل أحد أخطر الإكراهات التي تواجه النخبة لدى استخدامها لهذه الشبكات، هو إكراه عدم السقوط في فخ الاستهلاك المفرط دون إنتاج، في حين أن الدور المنوط بالنخب أساسا هو إنتاج الأفكار ومناقشتها والتأثير في الرأي العام، وعلى أضعف الإيمان الانخراط في مناقشة الأفكار وتطويرها، وليس الانسياق خلف الحشود والذوبان وسطها دون أي أثر يذكر.

    ولا يخفى على متتبع أو مستعمل لشبكات التواصل الاجتماعي، أن الطاغي والمنتشر هو إعادة تدوير ما تنتجه قلة من صناع المحتوى ــ ولا نقصد أساس بـ”صناع المحتوى” ما أصبح يعرف بـ”المؤثرين”، بل كل شخص قادر على إبداع وإنتاج محتوى ما أيا كان شكله (فيديو، صورة، نص) وأيا كان مضمونه (جاد / تافه) ــ، وتحولت الأغلبية العامة من مستخدمي هذه الشبكات إلى آلة يدوية للنسخ واللصق (Copier – Coller) سواء كان هذا النسخ حرفيا أم بإعادة ترتيب الكلمات وتغيير العبارات، مما يطرح استفهاما كبيرا عن أي مجتمع نريد؟ وأي نخبة تؤطره؟ ومن المسؤول عن نشر الوعي وتوريث القيم؟ ومن سيحمل مشعل قيادة المجتمع وتأطيره إذا تخلت النخب عن أدوارها وعاد الكل إلى صفوف التبعية والاستهلاك بدون وعي؟.

    مسؤولية النخب والفاعلين

    أمام هذا الواقع الغني بالفرص المليء بالإكراهات، تجد نخبة المجتمع من أكاديميين وفاعلين حزبيين وسياسيين ومجتمع مدني، نفسها أمام مسؤوليات جسام من أجل استثمار ما تتيحه هذه الشبكات من إمكانات من أجل المساهمة في بناء الوعي المجتمعي؛ وهذا الوعي الذي لا يعني بالضرورة التعلم وإن كان هذا الأخير أحد عوامله وأسسه. الوعي الذي يساهم في تجاوز ما سبق ذكره من إكراهات، ويتركز أساسا على “الحرية المقرونة بالمسؤولية”، كما عبرت عنه الرسالة الملكية الموجهة إلى أسرة الصحافة والإعلام بمناسبة اليوم الوطني للإعلام عام 2002، إذ قال جلالته “… كما أن التأكيد على ملازمة المسؤولية للحرية مرده الى اعتبار أنه لا يمكن للإعلام أن يكتسب المصداقية الضرورية وأن ينهض بالدور المنوط به ويتبوأ المكانة الجديرة به في حياتنا العامة ما لم تمارس هذه الحرية في نطاق المسؤولية”.

    ولعل وصية الملك لأسرة الإعلام عام 2002 حين قال: “فالحرية والمسؤولية هما عماد مهنتكم ومنبع شرفها. فعليكم رعاكم الله أن تمارسوها بكل إقدام وحكمة وموضوعية متحلين بفضيلتها الأولى المتمثلة في الروية وعمق التبصر”، أصبحت اليوم تُلزم مستعملي شبكات التواصل الاجتماعي نظرا لما ذكرناه في التقديم من تقاطع هذه المنصات مع الإعلام في الأدوار والمهام.

    1 – التواجد الفعال

    إن أحد أهم معايير قياس قوة المشاريع المجتمعية، في عصرنا الراهن، هو ما يتوفر عليه من إمكانات وقدرات في ميدان الصحافة والإعلام، ثم حجم تواجده في الفضاء الافتراضي والمساحات التي يشغلها وعدد المتبعين المؤمنين به المتأثرين بإنتاجاته وأفكاره، و”لقد أصبحت الكلمة اليوم أكثر من أي وقت مضى بمثابة السلاح الذي يعتد به في المعارك كما غدت أعظم المعارك ضراوة تلك التي تخاض من أجل كسب رهان الرأي العام”، كما جاء في نص الرسالة الملكية إلى أسرة الإعلام.

    ولقد أصبح لزاما على النخب اليوم أن تحرص على التواجد الفعال والمستمر في هذه الفضاءات، والانخراط الإيجابي في قضايا المجتمع وما يشغل الرأي العام، بل وأن تبادر إلى اقتراح القضايا التي يجب أن ينشغل بها الناس وتبدع في توجيه وتأطير الرأي العام لرفع منسوب الوعي وتعميم المعرفة والمعلومة الصحيحة ومواجهة الأفكار الميتة والقاتلة.

    2 – النقد البناء سر الاستمرار

    إن أي فاعل سياسي أو مجتمعي، لابد أن تربطه بإطاره التنظيمي علاقة عاطفية تدفعه دفعا إلى الدفاع عنه وإبراز مكامن قوته وتسويق إنجازاته، والتعريف بما يقدمه من خدمات للمجتمع عموما أو لفئات بعينها، غير أن المبالغة في المدح إلى حد “التطبيل” والدفاع عن الخطأ إلى “العزة بالإثم” يتحول إلى سلاح مضاد يفتك بحامله ويهدم عليه بيته.

    إن أحد أهم عوامل الاستمرار في التأثير على الرأي العام وفي تأطير المجتمع، خصوصا بالنسبة للتنظيمات، هو الوفاء للمنهج والمبدأ المؤطر للمشروع المجتمعي الذي يعتمده التنظيم، وعدم الانزياح عنه مهما تغير الموقع السياسي بين أغلبية ومعارضة، وإن اقتضت الضرورة واستدعت الحاجة لابد أن تقول النخبة للمسؤولين “لا”، وأن ألا تحتكم سوى إلى بوصلة الحق والحقيقة والمبدأ المؤطر.

    3 – التأكد والتحقق قبل النشر

    يجب ألا تغطي ضرورات السبق والحضور الآني في شبكات التواصل الاجتماعي على ركائز: “التحقق قبل النشر” و”التأكد قبل المشاركة”، و”التبين والتثبت قبل الإساءة إلى قوم بجاهلة والندم بعدها”، فمادام التصحيح والتكذيب لا يجدي نفعا بعد نشر الكذب والتضليل والإشاعة وجبت الحيطة والحذر.

    ولابد من استثمار بعض الأدوات المتاحة التي تساعد على التحقق من المعلومات والتأكد من الأخبار، كما يجب توريث مستعملي هذه الشبكات عادة عدم اعتماد سوى المصادر الموثوقة، والبحث عن المعلومة في مصدرها الأصلي قبل نشرها، وتطهيرهم من عادة “النسخ واللصق” الذي يخدم أجندات الآخرين.

    * طالب باحث في العلوم السياسية بسلك الدكتوراه بجامعة محمد الخامس ومدير نشر جريدة “العمق المغربي”

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مجلس المنافسة يقود تحقيقا مرتقبا حول « بورصة الأضاحي » ويتجه لتسقيف الأسعار

    العلم الإلكترونية – متابعة
      على إثر الأسعار المهزلة التي تشهدها أسواق الأضاحي في المملكة والاحترام الذي خلفته في نفوس المواطنين، دخل مجلس المنافسة على خط هذه التفاعلات الاجتماعية والاقتصادية الحارقة. وتحركت المؤسسة الدستورية لبحث منظومة بيع وتسويق الماشية، في خطوة تهدف إلى فهم آليات تشكل الأسعار ورصد أي ممارسات قد تضر بالقدرة الشرائية للمواطنين أو تخل بقواعد التنافس الشريف.   وبحسب جريدة « هسبريس »، كشف مجلس المنافسة أنه سيفتح قريبا تحقيقا معمقا يصدر بناء عليه رأيٌ رسمي للمؤسسة الدستورية بشأن الأضاحي، سواء في محطة عيد الأضحى كونها ظرفية استثنائية أو طيلة أشهر السنة.

    وأورد المجلس، أن الكيفية غير المهيكلة التي ينبني عليها هذا القطاع في الوقت الراهن تجعل من الصعب تقييم فترة عيد النحر وحدها خارج نسق التسويق في شموليته وبنيته العامة.   وفي السياق ذاته، أكد أحمد رحو، رئيس مجلس المنافسة، أن الرأي المرتقب الذي سيصدره المجلس لن ينحصر في أضاحي العيد فقط، بل سيمتد ليشمل تسويق الماشية واللحوم الحمراء بشكل عام في الأسواق الوطنية.

    وأبرز رئيس المؤسسة الدستورية أن إحدى الخلاصات الأساسية المرتقبة من هذا التحقيق هي التأكيد على ضرورة الاستعجال بهيكلة هذا القطاع لضمان منظومة تجارية أكثر شفافية، وأقوى من حيث قابليتها لمنطق السوق الحقيقي وخضوعها للمراقبة، خصوصاً أن العيد مجرد محطة زمنية عابرة، بينما الإشكال الحقيقي يهم المنظومة بأكملها التي تحتاج إلى تنظيم جذري يقطع مع السماسرة والوسطاء.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • سؤال الثروة.. ملي كيولي المواطن ميزانو ثمن كبش وقيمتو ف جيب الشناق

    فاطنة لويزا ـ كود//

    شفتي هاديك الملايير د الدراهم اللي قالوا لينا مشات هاد السنوات الفايتة باش تستورد لبلاد الغنم وتعلفها وتدعم الكسابة الصغار وتحافظ على توازن  د السوق .. إيوا يظهر وبقدرة قادر وبذكاء مؤسساتي خارق من داك النوع اللي ما كيفهموهش الدراويش,,، أنها مشات ف طاحونة وحدة وهي تعلاف الأعيان وكبار الكسابة والمستوردين المحظوظين اللي ديما واكلين غلتها وباركين ف ضفتها ومبرعين ف خيرها…

    هاد الملايير اللي خرجت من ميزانية الدولة ومن عرق دافعي الضرائب تبخرت ف ليلة ما فيها ضو قمر، والنتيجة اليوم ظاهرة للعيان ف الكوريات والأسواق الكبرى اللي ولات بحال صالونات العرض د السيارات الفاخرة..، كتدخل ليها بالدهشة وكتخرج منها بالصدمة والفقصة…

    ثمن الحولي اليوم فات السميك والحد الأدنى للأجور بمسافة طويلة بزاف لدرجة مبقاش هاد الشي كيتسمى غلاء أسعار بل ولى اسميتو قهر اجتماعي مقنن..، وغير تخيل معايا هاد العجب المر اللي كيبكي ويضحك ف نفس الوقت ومبقاش عاقل على راسو..

    شهر كامل د تمارة ود الفياق مع الفجر ود هرس الراس والجري مور اللقمة ف المعامل ولا ف الشوانط ولا ورا المكاتب، وفالآخر هاداك الصالير كامل اللي ضربت عليه تمارة كحلة ما جابش حتى ثمن خروف سارح ف بلاد كتقول على راسها فلاحية ومصدرة للخضار والفواكه لجميع أنحاء العالم…

    عرق شهر كامل د بنادم ما مساويش هيدورة وقرون وشوية د الشحم ف هاد البلاد السعيدة، فما بالك عاد بشريان دويرة تستر الوليدات من غدر الزمان والغم د الكرا.. ولا ركوب سيارة تقضي الغرض وتجمع العائلة، ولا توفير المصاريف الأساسية اللي تخلي عائلة مغربية عايشة مستورة وهازة راسها بين الناس بلا ما تمد يديها لشـي حد…

    غير تخيل وخذ نفس عميق بزاف.. باش تقدر تصرط هاد العبث اللي بقينا عايشين فيه ومجبورين نتحملوه كل صباح ومساء.. وحنا ساكتين وصابرين وكنقولوا الله يدير شي تأويل د الخير ف هاد الزمان المقلوب اللي ولى فيه الخروف أغلى من كرامة المواطن…

    وتخيل معايا عاوتاني حال ربعة المليون ونص د الأسر يعني تقريبا خمسطاشر مليون مواطن مغربي من لحم ودم اللي شادين هاداك الدعم الاجتماعي المباشر اللي صدعوا لينا بيه الرأس، هاداك الدعم اللي كيمرجح ما بين خمسمية وألف وربعمية درهم فالشهر وياريتو كان مضمون ومستقر.. بل زيد عليها أنه كيتسحب منهم لأتفه الأسباب وبسباب هادوك المؤشرات الناشفة د السجل الاجتماعي المباشر اللي ما عرفناهم منين كينزلوا وكيفاش كيتحسبوا وبأي منطق كيقسموا الأرزاق على العباد وبأي خوارزمية كيحرموا الأرملة والمسكين من لقمة العيش…

    تخيل غير هاداك الخروف الدرويش العادي الصغير اللي ما باينش حتى فالتصويرة وما فيه ما يتشاف، الثمن ديالو اليوم واصل ل ثلاثة ولا أربعة ولا خمسة أشهر د هاداك الدعم اللي كيتعطى ليهم من طرف الحكومة. واش هادي معادلة د بنادم كيقبلها العقل والمنطق ولا شي حوزية ما بغات تلاتا لينا ف الراس؟ كيفاش شعيرة دينية وسنة مؤكدة كيعشقوها الصغار والكبار كتولي كبر وثقل من قفة المواطن لشهور وفصول، وبأي وجه غيفرح هاد الدرويش بقدوم العيد وهو كيشوف وليداتو حانين الراس ومقهورين قدام ولاد الجيران؟

    وحتى يلا بغاو المسؤولين والوزراء يخرجوا ف التلفزة ويقولوا لينا الأزمة ضاربة غير الناس المقصحين بزاف واللي تحت عتبة الفقر وأن الأمور هانية، نلتفتوا شوية جيهة الموظفين الصغار والمتوسطين ف السلالم د الدولة…

    راه صرفوا ليهم الصالير قبل العيد بـأيام وعملوا زيادات محتشمة ف الأجور، ولكن ماشي حبا ف عيونهم ولا شفقة على حالهم، بل داروها بذكاء وباش الشناق الكبير يلقى ما يمتص ف الأسواق وتدور الحركة ف جيوب مول الشكارة والمستورد اللي ما كيشبع ما يقنع ومن مصلحتو يبقى الثمن شاعل العافية.

    المعنى واضح وبلا زواق ولا ماكياج، حتى الموظف ف هاد البلاد اللي كان هو الساس د الطبقة المتوسطة وصمام الأمان د السلم الاجتماعي ولى عاجز يشري حولي من وفير جيبو ومن مدخراتو، وخاصو يتسنى البركة د الصالير المسبق باش يعيد ويبات الباقي د الشهر كيمص فالصبعان ويقلب شكون يسلفو حق الكازوز والخضرة ومصاريف الصيف والتبحر اللي تابعة العيد مباشرة وبلا رحمة…

    هاد الموظف اللي قرا وسهر الليالي ووصل لمرتبة محترمة لقى راسو ف هاد المناسبة السعيدة بحال الصانع التقليدي بحال المياوم، كاملين متساويين قدام قهر الشناقة والكسابة الكبار…

    حنا اليوم قدام أرقام ومعطيات صادمة وكتخلع وحاطانا ف مغرب عايش بجوج سرعات متناقضين بزاف وبيناتهم فجوة وطرقان كتكبر كل نهار وتوسع بشكل مخيف. كاين ثراء فاحش ومنفوخ ومستفز وسريع ديال قلة قليلة د الأعيان والشناقة الكبار ومحترفي الأزمات اللي ما كينتجو والو ف هاد الوطن وما كيعرقوش على الدرهم. ما عندهم مصانع ما عندهم اختراعات ما حفروا الأرض بضفارهم ما ساهموا ف نمو اقتصادي حقيقي، هما غير وسطاء الريع وشنّاقة الصفقات والامتيازات والرخص الاستثنائية اللي كينبتوا ف وقت الهمزة وكيمصوا دم الشعب بلا حسيب ولا رقيب…

    وفي المقابل كاين هشاشة وفقر كيدق ف العظام وتقطاع القلب عايشاها فئات عريضة من ولاد هاد الشعب الصبار، اللي ولاو كيشوفوا فالعيد السعيد بحال شي خطية ثقيلة ولا غرّامة نازلة عليهم من السماء ومفروضة عليهم بالسيف، ماشي فرحة ولمة د العائلة والوالدين…

    العيد اللي كان صلة رحم وتقارب وفرحة د الوليدات الصغار ولى هم كيركب فوق الكتاف وكيكحل الوجوه بالغم والهم وتخمام الليل اللي ما كيساليش، وتلقى الأب حاشم يدخل لدارو حيت جيبو خاوي وما قادرش يفرح عائلتو…

    وبين هاد الجوج د الطبقات كاين هاديك الطبقة المتوسطة المسحوقة والمطحونة مزيان اللي هازة دكّـة د الكريديات والديون من كل جهة، من كريدي السكن الاقتصادي لكريدي الطوموبيل وزيد مصاريف المدارس الخصوصية اللي كتمص الدم، والسبيطارات والمصحات ف غياب تغطية صحية حقيقية، والسوايع الإضافية والكتوبة واللوازم. هاد الطبقة كتصغار وكتدوب يوما بعد يوم وأزمة تابعة أزمة وصدمة تلو الأخرى، حتى لقات راسها غادا وكتزحف بسرعة لطابور الهشاشة والفقر وهي جارة وراها الخيبة والندم على أيام العز والسترة اللي مشات ومبقاتش غ ترجع ف ظل هاد السياسات العوجة…

    إيوا فين غادين بنا هاد شناقة المؤسسات.. هادوك اللي شادين الكراسي وكيتحكموا ف المصائر وكيبيعوا ويشريوا فالدعم العمومي وفالرخص الاستثنائية والمخططات القطاعية اللي كتصاوب على المقاس ف المكاتب المذهبة؟ شناقة البر والبحر والجو اللي خلاو الدرويش والمواطن البسيط يواجه نطاح الأسعار ولهيب الغلاء بصدر عاري وبلا حماية، وهما مخبعين ف الفيلات والشركات والمكاتب المكيفة كيجمعوا صوف الملايير ف حسابات وبنوك ما كتاكلهم نار ولا كتوصلهم محاسبة ولا كيسائلهم قانون… وخلوا البلاد والعباد ف مواجهة المجهول والوجع الصامت….

    إقرأ الخبر من مصدره

  • البوليساريو لدى بولتون موضوع افتتان وهذيان

    جون بولتون، 78 سنة، شخصية أمريكية عبرت مركز القرار الأمريكي من خلال رئاسة بعثة بلاده في الأمم المتحدة لسنة واحدة، ما بين 2005 و2006، بعد أن شغل منصب وكيل وزارة الخارجية لمدة وجيزة.

    الرجل محامي مرموق، عضو مكتب محاماة كبير في واشنطن، جال لسنوات “حاملا” صفة فاعل بارز في لفيف “المحافظين الجدد”، رغم أنه ينفي أن يكون “محافظا”… نشط في مراكز تفكير ودوائر بلورة السياسات المحافظة… راهن سنة 2012 على المرشح للرئاسيات الأمريكية مينرومني، وكان له مستشارا للسياسات الخارجية… وبخبرته تلك، سيختاره الرئيس دونالد ترامب، في عهدته الأولى، مستشارا للأمن القومي، ولحوالي سنة ونصف السنة، ما بين 2018 و2019.

    نَفَس السيد بولتون قصير في المسؤوليات التي تقلّدها، لكن لسانه طويل وصوته عالي في التعبير عن آراء جد محافظة وبادية في مساندته المطلقة لإسرائيل، وفي اعتباره لجوء الإدارة الأمريكية إلى المقاربة الديبلوماسية دليل ضعف، وأن القوة العسكرية هي الأنجع في فرض الاختيارات الأمريكية، مثل ما فعل بحماس، في دعم الغزو الأمريكي للعراق، ومثل دعوته إلى تغيير الأنظمة، التي تعتبرها الإدارة الأمريكية دولا غير ديمقراطية، بالقوة وبالتدخل الخارجي.

    منذ أن غضب منه الرئيس ترامب وأبعده عن خاصته، وهو ناشط في التعبير عن معارضته لسياسات الرئيس ولتوجهاته الخارجية… و”لأمر ما”، وجد السيد بولتون في قضية الصحراء المغربية مجالا حيويا له، لممارسة تلك المعارضة… ومرارا سيقول بأن اعتراف السيد ترامب بمغربية الصحراء خاطئ… ويتجاهل دائما بأن ذلك الاعتراف هو للإدارة الأمريكية كاملة، وبترامب وبعده الرئيس بايدن، ما يعني، بأن الحزبيْن الجمهوري والديمقراطي مع ذلك الاعتراف ويُقرّان بتلك الحقيقة.

    السيد بولتون لا يقرأ الوقائع الجارية أمامه، والبارز منها التدفّق النوعي والمتنوع للاعترافات الدولية بمغربية الصحراء على مدى السنوات الأخيرة، وبصوابية مقترح الحكم الذاتي لحل نزاع الصحراء، وإلى اليوم… ولا يهمُّه أن تلك الوقائع أدّت إلى إنتاج قرار مجلس الأمن 2797 الذي رسم “للحكم الذاتي” مَسار الذّهاب به إلى التنزيل في الأقاليم الصحراوية المغربية.

    إنه ديبلوماسي ومُشتغل سياسي بقضايا العالم وصراعاته والتموُّجات الجيواستراتيجية فيه، والمادة الخام لذلك الاشتغال هي الوقائع والمعطيات… ولكنه في “نازلة” الصحراء المغربية، يبدو أنه، يُفضِّل مقاربتها من موقع المحامي الذي يجتهد في إرضاء “موَكله” وتسلُّم أتعابه… وفقط.

    الحقيقة أن المحامي جون بولتون منذ سنة 2020، وهو لا يمَل من تكرار رفضه لاعتراف الإدارة الأمريكية بمغربية الصحراء… وللحقيقة أيضا، وعلى مدى هذه السنوات، لا أحد من الإدارة الأمريكية، حفل برفضه ولا أعارَه أقل اهتمام… ويُفترض أن السيد جون بولتون يكون “سيد” العارفين بأن ذلك الاعتراف ليس مجرد “نَزوة” أو مُجاملة ما من رئيس أمريكي.

    بِنية العمل السياسي الأمريكي مؤسسة على أن القرارات الكبرى للإدارة مُعقَّمة من “فهلوات” الرؤساء… تخرج من “العقل” السياسي لدولة الولايات المتحدة، وقد مرَّت من أنابيب مختبر التعيين الدقيق للمصالح الأمريكية.

    ثم إن الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، ليس “شاذا” في التعاطي الدَّوْلي مع قضية الصحراء المغربية… سبقته اعترافات وازنة، تلته اعترافات مُدَوِّية، من نوع اعتراف إسبانيا وفرنسا ودوَلٍ عِدَّة أوروبية وإفريقية، وقْعُها ثقيل في الموازين الدولية.

    كان ذلك من ثمار تحوُّلات نوعية في الأوضاع الجيواستراتيجية العالمية… تحوُّلات اخترقت مَفاصل العالم وهي تسري فيها على مدى نصف قرن، قرابَة جيليْن، برَجّات وتموُّجات في مواقع التدافعات الدولية… شهدت صعود قوى جديدة، وتراجع قوى… فيها توحدت قِوَى وأخرى تعرضت كياناتها للقضم أو للاستباحة، وفيها حروبٌ دُفِنت في النسيان وأخرى تأججت فيها النيران… وخلالها سقطت عدة توهمات انفصالية في ثلاث قارات… تحولات، انتزع المغرب فيها موقعا فاعلا في حاضنته الجغرافية وفي شبكة علاقاته الخارجية… وكان فيها منطلِقا من صلابة إرادته الوطنية في تحصين وحدة شعبه وأرضه… وبها اقتحم تحديات تنموية جسيمة ونهض بها مُؤسسا لروافع قوية، سياسية، اقتصادية واجتماعية، في مشروع تحديثي شامل واستراتيجي… وفيه يواصل الخطى ويراكم الإنجاز… والأهم أن المغرب تحصَّل وعيا نقديا، يواكب مساره التنموي، ليقومه ولكي يعدل وجهاته ولكي يشذبه من “وَعثاء” التحقق.

    السيد جون بولتون، نَطّ فوق نصف القرن المُحمّل بأوزار تعثر وخيبات عبور البوليساريو ضفاف الصحراء المغربية، لـ “يفتتن” بشعار تقرير المصير، والذي يطرب البوليساريو دون غيرها.

    السيد بولتون، في حوار له مع إذاعة إسبانية، قبل أيام، طالب بالعودة إلى “مسار حل النزاع عبر الاستفتاء المُفضي إلى تحقيق تقرير المصير” الذي طالبت به البوليساريو، وأطرته خطة التسوية لسنة 1991.

    الرجل، تناسى أن خمسة وثلاثون سنة مرت على تلك الخطة، وأن “الاستفتاء” الذي هدفت إليه، كان مواطنه الأمريكي السيد جيمس بيكر (مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك) هو الذي صرَّح باستحالة إجرائه، سنة 2001 وبعدها سنة 2003… والسيد بيكر هو نفسه من اقترح خطة “بديلة” تضمنت مقترح حل، بمراحل تبدأ بحكم ذاتي مرحلي.

    “الحكم الذاتي” ضمن الحل الدائم، الواقعي، السلمي والمتوافق عليه، هو ما سيقترحه الملك محمد السادس سنة 2007، من منطلق مَنزعه السلمي وتبصره الاستراتيجي… المقترح جرف إلى النسيان كلمة الاستفتاء ومشتقاتها، وتوابعها، وانْساب في مَجرى القرار الدولي يحفرُ موقعه فيه، بصبرٍ وبفاعلية ديبلوماسية مغربية، نموذجية في جودة الدفاع عن الحق الوطني المغربي، إلى أن اتسعت وتعمقت الإحاطة الدولية بالمقترح، وأنتجت قرار مجلس الأمن 2797، وقد أعْلى وكرَّس “الحكم الذاتي” والذي “جبَّ” ما قبله من محاولات وضمنها أوهام، لحل نزاع طال نصف قرن… مقترح، حقق الإجماع حوله باعتباره الحل الممكن، الواقعي والدائم لذلك النزاع.

    الرجل، حلّ متأخرا بالهامش السياسي لنزاع الصحراء المغربية… انشغل عنه لسنوات بالدفاع “المستميت” عن إسرائيل، رافضًا للشعب الفلسطيني حقه الوطني، بتقرير المصير وإقامة دولته الوطنية، المشروع تاريخيا والحاصل على التزكية الدولية بعشرات القرارات من الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبقرارات من مجلس الأمن، وحتى بمقتضيات اتفاقات أوسلو بين الفلسطينيين وإسرائيل وبرعاية أمريكية، قبل أكثر من ثلاثين سنة… وهو الآن يدافع عن جماعة انفصالية، مُعَلَّبة، ومحشوة بنُزوعات هَيمَنية وعدائية ضد المغرب من دولة جارة، وجائرة هي الأخرى، مثل السيد بولتون، تعرف أن “الشعب الصحراوي الذي يتوق للاستقلال” مجرد “فِرْية”، وقد بَلت وجاوزت مدة صلاحيتها وعمرها الافتراضي قبل أزيد من ثلاثين سنة من اليوم… وهي “خيطت” بذلك الزّعم، فقط، سنة 1975 ردًّا على المسيرة الوطنية المغربية التي استرجع بها المغرب أقاليمه الصحراوية المحتلة.

    يقول السيد جون بولتون، أن البوليساريو ليست جماعة إرهابية، في نفس الحوار… وفي كل حواراته السابقة، لم يقل مرة واحدة بأن الفصائل الفلسطينية المكافحة من أجل الحق الوطني للشعب الفلسطيني، ليست إرهابية، قال، وسيقول، العكس، بأنها الإرهاب التام الذي منه يتولَّد الإرهاب.

    البوليساريو “ليست إرهابية”، يقول بولتون، رغم أن عدة دول، وضمنها الإدارة الأمريكية، ندَّدت، مؤخرا بالمناوشة الإرهابية التي مارستها البوليساريو ضد مَدينة “السمارة” المغربية، وضد مسار التنزيل السلمي لقرار مجلس الأمن.

    ومع ذلك، شكرًا للسيد بولتون، فهو دليل آخر، بعد الألف، على أن المغاربة بتشبثهم بوحدة المغرب أرضا وشعبا، ينطلقون من الحقيقة ويسعون إلى إنصاف التاريخ… لأن السيد بولتون لا يقف في صفهم… فحيث يقف لا حقيقة ولا إنصاف.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المضهوسة بين دفء العائلة وبرودة الحسابات الانتخابية

    المضهوسة بين دفء العائلة وبرودة الحسابات الانتخابية

    سياسي: رشيد لمسلم  

    في منطقة الغرب، ليست “المضهوسة” مجرد أكلة شعبية عابرة، بل طقس جماعي يحمل من الدفء ما يحمله الخبز الساخن من رائحة الأرض، ومن المعاني ما يفوق مكوناتها البسيطة.

    هي وجبة تتقاسمها العائلات في لحظات اللمة، وتتحول فيها “القصرية” إلى مساحة للمودة والتضامن، خصوصا حين يُخفى “الدمليج” داخلها، في لعبة رمزية قديمة عنوانها التفاؤل وتقاسم الحظ.

    غير أن هذه الأكلة التي ارتبطت بالكرم والحميمية، وقعت اليوم في يد من “يضهسها” سياسيا أكثر مما يطبخها اجتماعيا.

    فصار بعض المنتخبين، أو بالأحرى…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الأمن الجهوي بالحسيمة يفك لغز سرقة منزل بحي مالقا ويسترجع المسروقات في وقت قياسي

    العلم الإلكترونية – فكري ولد علي 
      تمكنت عناصر الشرطة القضائية التابعة لـالأمن الجهوي بالحسيمة من تحديد هوية المشتبه فيه المتورط في قضية سرقة استهدفت منزلاً بحي مالقا بمدينة الحسيمة، وذلك في ظرف وجيز عقب تسجيل الواقعة.   ووفق المعطيات المتوفرة، فقد باشرت المصالح الأمنية أبحاثاً وتحريات مكثفة مباشرة بعد توصلها بإشعار حول تعرض منزل للسرقة ليلة أمس، حيث مكنت العمليات الميدانية والتقنية من تشخيص هوية المشتبه فيه وتعقبه قبل أن يتم توقيفه مساء اليوم.   كما أسفرت عملية التدخل الأمني عن استرجاع المسروقات التي كانت تتمثل في عدد من الأثاث والتجهيزات المنزلية التي عمد الجاني إلى سرقتها من داخل المنزل المستهدف.   وقد جرى وضع الموقوف تحت تدابير البحث القضائي تحت إشراف النيابة العامة المختصة، من أجل الكشف عن كافة ظروف وملابسات هذه القضية، وكذا تحديد ما إذا كانت له صلة بقضايا مماثلة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • البوليساريو، لدى السيد بولتون، موضوع افتتان… وهذيان

    طالع السعود الأطلسي

    جون بولتون، 78 سنة، شخصية أمريكية عبرت مركز القرار الأمريكي من خلال رئاسة بعثة بلاده في الأمم المتحدة لسنة واحدة، ما بين 2005 و2006، بعد أن شغل منصب وكيل وزارة الخارجية لمدة وجيزة…

    الرجل محامي مرموق، عضو مكتب محاماة كبير في واشنطن، جال لسنوات “حاملا” صفة فاعل بارز في لفيف “المحافظين الجدد”، رغم أنه ينفي أن يكون “محافظا”… نشط في مراكز تفكير ودوائر بلورة السياسات المحافظة… راهن سنة 2012 على المرشح للرئاسيات الأمريكية مينرومني، وكان له مستشارا للسياسات الخارجية… وبخبرته تلك، سيختاره الرئيس دونالد ترامب، في عهدته الأولى، مستشارا للأمن القومي، ولحوالي سنة ونصف السنة، ما بين 2018 و2019…

    نَفَس السيد بولتون قصير في المسؤوليات التي تقلّدها، لكن لسانه طويل وصوته عالي في التعبير عن آراء جد محافظة وبادية في مساندته المطلقة لإسرائيل، وفي اعتباره لجوء الإدارة الأمريكية إلى المقاربة الديبلوماسية دليل ضعف، وأن القوة العسكرية هي الأنجع في فرض الاختيارات الأمريكية، مثل ما فعل بحماس، في دعم الغزو الأمريكي للعراق، ومثل دعوته إلى تغيير الأنظمة، التي تعتبرها الإدارة الأمريكية دولا غير ديمقراطية، بالقوة وبالتدخل الخارجي…

    منذ أن غضب منه الرئيس ترامب وأبعده عن خاصته، وهو ناشط في التعبير عن معارضته لسياسات الرئيس ولتوجهاته الخارجية… و”لأمر ما”، وجد السيد بولتون في قضية الصحراء المغربية مجالا حيويا له، لممارسة تلك المعارضة… ومرارا سيقول بأن اعتراف السيد ترامب بمغربية الصحراء خاطئ… ويتجاهل دائما بأن ذلك الاعتراف هو للإدارة الأمريكية كاملة، وبترامب وبعده الرئيس بايدن، ما يعني، بأن الحزبيْن الجمهوري والديمقراطي مع ذلك الاعتراف ويُقرّان بتلك الحقيقة…

    السيد بولتون لا يقرأ الوقائع الجارية أمامه، والبارز منها التدفّق النوعي والمتنوع للاعترافات الدولية بمغربية الصحراء على مدى السنوات الأخيرة، وبصوابية مقترح الحكم الذاتي لحل نزاع الصحراء، وإلى اليوم… ولا يهمُّه أن تلك الوقائع أدّت إلى إنتاج قرار مجلس الأمن 2797 الذي رسم “للحكم الذاتي” مَسار الذّهاب به إلى التنزيل في الأقاليم الصحراوية المغربية…

    إنه ديبلوماسي ومُشتغل سياسي بقضايا العالم وصراعاته والتموُّجات الجيواستراتيجية فيه، والمادة الخام لذلك الاشتغال هي الوقائع والمعطيات… ولكنه في “نازلة” الصحراء المغربية، يبدو أنه، يُفضِّل مقاربتها من موقع المحامي الذي يجتهد في إرضاء “موَكله” وتسلُّم أتعابه… وفقط.

    الحقيقة أن المحامي جون بولتون منذ سنة 2020، وهو لا يمَل من تكرار رفضه لاعتراف الإدارة الأمريكية بمغربية الصحراء… وللحقيقة أيضا، وعلى مدى هذه السنوات، لا أحد من الإدارة الأمريكية، حفل برفضه ولا أعارَه أقل اهتمام… ويُفترض أن السيد جون بولتون يكون “سيد” العارفين بأن ذلك الاعتراف ليس مجرد “نَزوة” أو مُجاملة ما من رئيس أمريكي…

    بِنية العمل السياسي الأمريكي مؤسسة على أن القرارات الكبرى للإدارة مُعقَّمة من “فهلوات” الرؤساء… تخرج من “العقل” السياسي لدولة الولايات المتحدة، وقد مرَّت من أنابيب مختبر التعيين الدقيق للمصالح الأمريكية…

    ثم إن الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، ليس “شاذا” في التعاطي الدَّوْلي مع قضية الصحراء المغربية… سبقته اعترافات وازنة، تلته اعترافات مُدَوِّية، من نوع اعتراف إسبانيا وفرنسا ودوَلٍ عِدَّة أوروبية وإفريقية، وقْعُها ثقيل في الموازين الدولية…

    كان ذلك من ثمار تحوُّلات نوعية في الأوضاع الجيواستراتيجية العالمية… تحوُّلات اخترقت مَفاصل العالم وهي تسري فيها على مدى نصف قرن، قرابَة جيليْن، برَجّات وتموُّجات في مواقع التدافعات الدولية… شهدت صعود قوى جديدة، وتراجع قوى… فيها توحدت قِوَى وأخرى تعرضت كياناتها للقضم أو للاستباحة، وفيها حروبٌ دُفِنت في النسيان وأخرى تأججت فيها النيران… وخلالها سقطت عدة توهمات انفصالية في ثلاث قارات… تحولات، انتزع المغرب فيها موقعا فاعلا في حاضنته الجغرافية وفي شبكة علاقاته الخارجية… وكان فيها منطلِقا من صلابة إرادته الوطنية في تحصين وحدة شعبه وأرضه… وبها اقتحم تحديات تنموية جسيمة ونهض بها مُؤسسا لروافع قوية، سياسية، اقتصادية واجتماعية، في مشروع تحديثي شامل واستراتيجي… وفيه يواصل الخطى ويراكم الإنجاز… والأهم أن المغرب تحصَّل وعيا نقديا، يواكب مساره التنموي، ليقومه ولكي يعدل وجهاته ولكي يشذبه من “وَعثاء” التحقق…

    السيد جون بولتون، نَطّ فوق نصف القرن المُحمّل بأوزار تعثر وخيبات عبور البوليساريو ضفاف الصحراء المغربية، لـ “يفتتن” بشعار تقرير المصير، والذي يطرب البوليساريو دون غيرها.

    السيد بولتون، في حوار له مع إذاعة إسبانية، قبل أيام، طالب بالعودة إلى “مسار حل النزاع عبر الاستفتاء المُفضي إلى تحقيق تقرير المصير” الذي طالبت به البوليساريو، وأطرته خطة التسوية لسنة 1991.

    الرجل، تناسى أن خمسة وثلاثون سنة مرت على تلك الخطة، وأن “الاستفتاء” الذي هدفت إليه، كان مواطنه الأمريكي السيد جيمس بيكر (مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك) هو الذي صرَّح باستحالة إجرائه، سنة 2001 وبعدها سنة 2003… والسيد بيكر هو نفسه من اقترح خطة “بديلة” تضمنت مقترح حل، بمراحل تبدأ بحكم ذاتي مرحلي…

    “الحكم الذاتي” ضمن الحل الدائم، الواقعي، السلمي والمتوافق عليه، هو ما سيقترحه الملك محمد السادس سنة 2007، من منطلق مَنزعه السلمي وتبصره الاستراتيجي… المقترح جرف إلى النسيان كلمة الاستفتاء ومشتقاتها، وتوابعها، وانْساب في مَجرى القرار الدولي يحفرُ موقعه فيه، بصبرٍ وبفاعلية ديبلوماسية مغربية، نموذجية في جودة الدفاع عن الحق الوطني المغربي، إلى أن اتسعت وتعمقت الإحاطة الدولية بالمقترح، وأنتجت قرار مجلس الأمن 2797، وقد أعْلى وكرَّس “الحكم الذاتي” والذي “جبَّ” ما قبله من محاولات وضمنها أوهام، لحل نزاع طال نصف قرن… مقترح، حقق الإجماع حوله باعتباره الحل الممكن، الواقعي والدائم لذلك النزاع…

    الرجل، حلّ متأخرا بالهامش السياسي لنزاع الصحراء المغربية… انشغل عنه لسنوات بالدفاع “المستميت” عن إسرائيل، رافضًا للشعب الفلسطيني حقه الوطني، بتقرير المصير وإقامة دولته الوطنية، المشروع تاريخيا والحاصل على التزكية الدولية بعشرات القرارات من الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبقرارات من مجلس الأمن، وحتى بمقتضيات اتفاقات أوسلو بين الفلسطينيين وإسرائيل وبرعاية أمريكية، قبل أكثر من ثلاثين سنة… وهو الآن يدافع عن جماعة انفصالية، مُعَلَّبة، ومحشوة بنُزوعات هَيمَنية وعدائية ضد المغرب من دولة جارة، وجائرة هي الأخرى، مثل السيد بولتون، تعرف أن “الشعب الصحراوي الذي يتوق للاستقلال” مجرد “فِرْية”، وقد بَلت وجاوزت مدة صلاحيتها وعمرها الافتراضي قبل أزيد من ثلاثين سنة من اليوم… وهي “خيطت” بذلك الزّعم، فقط، سنة 1975 ردًّا على المسيرة الوطنية المغربية التي استرجع بها المغرب أقاليمه الصحراوية المحتلة.

    يقول السيد جون بولتون، أن البوليساريو ليست جماعة إرهابية، في نفس الحوار… وفي كل حواراته السابقة، لم يقل مرة واحدة بأن الفصائل الفلسطينية المكافحة من أجل الحق الوطني للشعب الفلسطيني، ليست إرهابية، قال، وسيقول، العكس، بأنها الإرهاب التام الذي منه يتولَّد الإرهاب…

    البوليساريو “ليست إرهابية”، يقول بولتون، رغم أن عدة دول، وضمنها الإدارة الأمريكية، ندَّدت، مؤخرا بالمناوشة الإرهابية التي مارستها البوليساريو ضد مَدينة “السمارة” المغربية، وضد مسار التنزيل السلمي لقرار مجلس الأمن…

    ومع ذلك، شكرًا للسيد بولتون، فهو دليل آخر، بعد الألف، على أن المغاربة بتشبثهم بوحدة المغرب أرضا وشعبا، ينطلقون من الحقيقة ويسعون إلى إنصاف التاريخ… لأن السيد بولتون لا يقف في صفهم… فحيث يقف لا حقيقة ولا إنصاف.

    إقرأ الخبر من مصدره