الدرس الحديثي عند أبي الحسن الشاري السبتي للدكتور عبد الهادي الخمليشي (3)

خامسا: إنشاء ووقف خزانة لكتب الحديث:

كان أبو الحسن الشاري مولعا بجمع أصول الكتب في نسخها المجودة والمتقنة ووقفها على خزانة المدرسة التي أسسها لتكون متاحة لمن يرغب في القراءة أو الإقراء أو تصحيح النسخ ومقابلتها من طلبة مدرسته وغيرهم.. وينص المؤرخون أنه في عهد الدولة الموحدية ظهرت بعض الخزانات الحبسية العمومية، ويذكرون من أشهرها الخزانة التي حبسها الشيخ أبو الحسن الشاري (ت649ه) وألحقها بمدرسته بسبتة؟

فقد كان الغافقي مشهورا بجمع أعلاق الكتب وعتيقها، فحصل بذلك على خزانة عظيمة ضمت أمهات الكتب، في شتى الفنون ولكنه أبى مع ذلك أن يستأثر بها وحده فأوقف العديد من الكتب.

قال فيها الأغماني :

ومدرسة للعلم قلدت جيدهـا… من الكتب الأعلاق ذرا منضـدا

نسخت بها لحسن النظامية التي… أغار صداها في البلاد وأنجحتـــــــدا

جعلت بها للدين أعظـم عدة…. صوارم تحتائج الحس ــــــــام المهندا

نفائس كتب لو تصدى لجمعها… أخو جدة فذ المـــــــارف أجهدا

غدت لعلوم الشرع سمطا مجمعا… وفوق جبين الدين تاجـا مسردا

وليس بوسعي أن أجيء بذكرها… مفصلة إذ ليس [تحصي لها عــــدا

فمن كتب التفسير أعظمهـا غنى… وأنفسهـا قدرا وأنفعها جـــــدا

ومن سنن المختار ما صـع نقله… وجاء به أهـل العدالة مستــــــــدا

ومن منتقى الكتب المهذب جملة… إلى مهيع الإرشاد تهدي من اهتدى

ومن علمــي الإعراب واللغة التي… بما أنزل الله الكتـــــــاب الممجـدا

دفاتر لو أن الخليل بن أحمـــد… رأى عشرها والأصمعي تبل

ومن كتب التذكر ما راق سمعـه… وكان إلى التقوى دليلًا ومرشـــــــــــدا

ولم يغر من كتب التصوف جمعها… ولكن مما بالكتاب تقيّدا

أشدت بذكر العلم بعد حمولـه… وأحييت منه ميتاكان ملخ

وقد أشار إلى ذلك بعض من ترجمه، منهم تلميذه الرعيني الذي يقول في برنامجه: “… واقتنى من أعلاق الكتب وعتاقها ما لم يصل سواه إليه، وحصلت عنده أكثر أمهات الدواوين العلمية وأصولها، وانفرد بفضيلة التحبيس منها لحملة كبيرة انتقاها من أعلاقه من كل فن من فنون علم السن، وقفها على الطلبة مع موضع برسمها في مدينة سبتة، وجعل لها وقفا جيدا من ماله وفي خيار رباعه، محتذبا في ذلك طريقة أهل المشرق.

ومنهم الحافظ الرحالة ابن رشيد الفهري السبتي حيث قال وهو يعدد مآثر أبي الحسن الشاري: ” أحيا بها بسبتة العلم حياً وميتاً، وعني بالرواية واقتناء العلاق الثمان، ونافس فيها، وبذل فيها من الأثمان ما يعجب منه ذوو الأموال الطائلة.

وكانت له في ذلك همة عالية حتى ربما رحل في تحصيلها فيما بلغنا. وكثيرا ما تلفى الكتب النفيسة من كل فن بخطه عليها بالملك والمطالعة، وحبس منها جملة وافرة نافعة بالمدرسة التي ابتناها بسبتة، وكان له أمل في الزيادة إليها والوقف من صميم ماله عليها، حال دونه ما امتحن به من الإزعاج عن وطنه إلى المرية…”.

ومنهم الأنصاري مؤرخ معالم سبتة في حديثه عن خزائن الكتب تلك المدينة: “وكان منها الخزانات في زماننا القرن الثامن الهجري سبع عشرة خزانة، تسع بدور الفقهاء والصدور كبني القاضي الحضرمي، وبني أبي حجة، وأشباههم، وثمان موقفة على طلاب العلم، أقدمها الخزانة الشهيرة ذات الأصول العتيقة والمؤلفات الغريبة : خزانة الشيخ أبي الحسن الشاري المذكور التي بالمدرسة المنسوبة إليه التي ماله، وهي أول خزانة وقفت بالمغرب على أهل العلم نفعه الله بها.

– وهكذا عاش أبو الحسن الشاري زهاء ثمانين سنة نافرا من أجل العلم دراسة ورواية . . . رغم ما عرفته بلاده من فين في النصف الثاني من عمره لم تصرفه عن القيام بفريضة طلب العلم تحملا وأداء.

خاتمة:

نستنتج مما سبق أن الشاري كان ذا رؤية بينة المعالم، واضحة المناهج، تقوم على مأسسة الدرس العلمي بسبتة، فهو صاحب مشروع علمي حديثي متكامل الحلقات واضح السمات، طلبا وأداء. إن بناء مدرسة على نمط خاص لم يكن شائعا ولا مألوفا في الغرب الإسلامي، والقيام على ما يلزمها والإنفاق عليها بسخاء، وإنشاء مكتبة تزخر بالكتب المعتمدة المنتقاة بعناية، وعقد مجالس الرواية، لا يكون ذلك كله في تقديرنا من باب المصادفات أو الاتفاقات، بل هو عمل علمي مؤسسي، مخطط له أن يكون على هذا النحو، ويروم تحقيق هدف واضح وهو خدمة علم الحديث والتمكين له بهذه الديار وإشاعته بين الناس بأنجع الوسائل وأنجح السبل، وهو مثال لا نحسب أنه تكرر كثيرا في تاريخنا. والحمد الله الذي تتم بنعمته الصالحات .

الكتاب: السنة النبوية في سبتة العالمة

الكاتب: د. عبد الهادي الخمليشي: أستاذ بدار الحديث الحسنية بالرباط وعضو المجلس العلمي لعمالة المضيق الفنيدق

(بريس تطوان)

يتبع..

إقرأ الخبر من مصدره

أضف تعليق