إن عادات وتقاليد مدينة تطوان العريقة، تمثل جزء لا يتجزأ مما أنتجه المجتمع التطواني من رصيد ثقافي وحضاري والذي كان للمرأة فيه نصيب وفير. ولا شك أن هذا الرصيد، قد يكون فيه من الأعراف الحميدة ما يتماشى مع روح الشريعة الإسلامية السمحاء، ويحيي سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. وفيه أيضا من الأعراف الذميمة ما بني على أساس الابتداع والتفكير المنحرف والوهم والشعوذة والخرافات الباطلة، التي لا أساس لها من الصحة ولا يقبلها الشرع والعقل والتي تراكميت في الأوساط الشعبية نتيجة البعد عن الله والجهل والاستسلام للأفكار الفاسدة التي تشوش على العقيدة، وتغرس في النفوس الخوف والعجز والكسل.
ومن العادات السيئة التي تتنافى مع ما دعت إليه الشريعة الإسلامية:
1 – عادة الرق والعبودية: وهي عادة أنكرها الشرع منذ مجيء الإسلام؛ لأنها من عوائد الجاهلية الكبرى وديننا الحنيف جاء ليكرم الإنسان ويسعده، ويخلص الناس من العبودية ويحرر إرادتهم ليعبدوا الله الواحد القهار. وعادة الرق في المجتمع التطواني، ظلت سارية إلى حدود الثلاثينيات من القرن العشرين؛ إذ كان العبيد والإماء يباعون في الأسواق. وكان سوق الغرسة الكبيرة هو سوق النخاسة المعروف بالمزايدة في أثمانهم؛ إذ يقف النخاسون أو الدلالون المكلفون ببيع العبيد، ويقع الاتفاق بين البائع والمشتري، فيأخذ المشتري عبده إلى بيته بينما ترافق الدلالة الأمة المبيعة إلى بيت مولاها الجديد، وقد ترافق معها إماء أخريات حتى توفر لصاحبة البيت فرصة الاختيار بين المعروضات للبيع).
ولا أجد أقبح في تاريخ المجتمع التطواني، من أن تباع المرأة في سوق النخاسة وتسلب إرادتها وحريتها، وتساق كالقطيع إلى المصير المجهول ولا أبشع من أن تستعبد المرأة أختها أو تبيعها كما تباع الأنعام والبهائم، بحجة خدمة أهل البيت ومساعدتهم. والقارئ لهذا النص، يستشعر هذا القبح من الوهلة الأولى: «الحمد لله اشترى الأجل الأرضي السيد محمد بن المرحوم برحمة الحي القيوم السيد أحمد بن احساين التطواني من البائعة له رحمة بنت الحاج عبد السلام البحري جميع أمة اسمها الآن مسعودة قصيرة كبدية اللون رقيقة الأطراف أسيلة. اشتراء تاما بثمن قدره مائة ريال مفردة سكة مخزنية …
ويزداد هذا الأمر بشاعة عندما نعرف أن بعض النساء التطوانيات في وقتنا الراهن، يتحدثن عن هذه العادة بين قريناتهن بافتخار واعتزاز ؛ فكون أسرهن قديما كانت تمتلك إماء؛ فذاك أمر يدل على ما كانت عليه هذه الأسر من ثراء وترف ونخوة !
2 – عادة زيارة الأضرحة بنية التبرك وقضاء الحاجات: وهي عادة استقبحها مؤرخو مدينة تطوان أنفسهم؛ لما فيها من تطاول على الشرع وسوء أدب مع الله وأوليائه. وفي هذا الباب، استنكر المؤرخ محمد داود ما كان عليه أهل تطوان من حال سيء مع الولي الصالح «سيدي علي بركة، الذي كان بعض الناس يقصدون ضريحه كما يقصدون ضرائح الأولياء لقضاء الحاجات، وهو رجل من رجال العلم والعمل، والاستفادة والإفادة والعبادة والتقوى، إلا أن من الناس من لا يستطيعون معرفة الله ولا يرجون منه خيرا إلا بوسائط، ولا يتصورون الولي إلا بكرامات وخوارق عادات. فزعم بعض الناس أنه كان يتطور على غير صورته فيتطور على صورة سبع … !.
وهذا حال أهل تطوان مع من يتوسمون فيه الصلاح والولاية من النساء أيضا. ويذكر العلامة أحمد الرهوني، أن السيدة خديجة الريسونية كانت تأتي لدار سيدي الحاج العربي مرتيل وتبقى أياما وهم يتبركون بها، وكانوا يلاحظون فيها التكلم مع أشخاص لا يرونهم وكانت تتحرى النظافة تحريا عظيما.
ويرجع بعض الباحثين هذا الانحراف في فهم الولاية، والتعامل مع الأولياء وكراماتهم، وإقبال سكان تطوان على زيارة الأضرحة لقضاء حوائجهم إلى التأثير السلبي للزوايا – عندما حادت عن جادة الطريق على حياة الناس بصفة عامة، لاسيما ما يتعلق بالكرامات الخارقة والتواكل المطلق على الأولياء؛ إذ أصبحت العقلية الخرافية مسيطرة على النفوس بشكل مهول ولافت للنظر.
وبلغ التبرك من السيطرة على العقلية التطوانية حدا كبيرا مع ما كان يعتقده أهل تطوان في شيخ الزاوية الريسونية الذي كان يعطي للناس بعض الأدوية وحين يشفون ينسبون الشفاء للنية والبركة لسيدي عبد السلام الريسوني. وهذا ما كان يستنكره الشيخ؛ لأنه لم يكن يتعلق بالكرامات بل كان يعمل جاهدا من أجل تنوير العقول وإبعادها عن الخرافة.
كما كان أهل تطوان يرجون قضاء حوائج كثيرة في زيارة الأضرحة ويعتقدون في ذلك اعتقادا راسخا فيزورون سيدي مصباح» تفاؤلا لمن يصاب بالنزيف الدموي بكثرة. واللا فريجة» للمرأة الحامل، حتى يفرج الله عليها وييسر وضعها. وبزيارة سيدي بن عيسى طلبا للراحة من ضيق الصدر. و«السيدي عبد القادر «التبين والعوينة بالنسبة لمن أصيب بالصرع أو المس من الجن.
وحقيق بنا، أن نشير إلى أن ثقافة التبرك والخرافة والتواكل، لم تعد مسيطرة بشكل كبير على المجتمع التطواني والعقلية النسائية في الآونة الأخيرة؛ لما وصلت إليه المرأة التطوانية الحديثة من مستوى عال من الوعي والثقافة والعلم وقوة الشخصية، بما يجعلها تتعامل مع الأولياء رجالا ونساء وفق ما أمر به الشرع الحنيف وتتحرر من هذه العادات الجارفةو تتخلص من شراكها.
3 – عادة البذخ والتكلف في الأعراس والمناسبات: وهي عادة متجذرة في المجتمع التطواني منذ عهد قديم وامتدت آثارها إلى وقنا الراهن ومن مظاهرها في حياتنا المعاصرة: التكلف في اكتراء قاعات الأعراس بثمن غال، وأداء مستحقات باهضة للمشطة «أو «الزيانة»، والاهتمام بجزئيات مكلفة ومرهقة لكاهل أهل العروسين بالديون، ومنغصة على المقبلين على الزواج حياتهم الجديدة.
وقد أشارت الأستاذة حسناء ،داود، إلى أن عادة التكلف في الشوار والصداق كانت في القديم؛ أي إلى الربع الأول من القرن العشرين، ومع الصحوة الوطنية والاجتماعية والثقافية التي أصابت أهل تطوان في الثلاثينات من القرن العشرين قامت مجموعة من العلماء والأعيان بإنشاء قانون جديد يحارب الإسراف في التكاليف الزائدة، التي يكلف بها العريس قبل الزواج، وكان من نتائج هذا القانون، أن أصبح أعيان تطوان يكتفون عند عقد قران أبنائهم، بتعيين صداق رمزي يتمثل في مائتين وخمسين بسيطة إسبانية، أي 50 ريال.
وأنبه في هذا المجال إلى أن هذه الجهود المشكورة من طرف علمائنا الأجلاء، ضاعت مع إصرار بعض الأسر التطوانية على تجهيز بناتهن والاحتفال بالعرس بطرق مكلفة، فيها من البذخ والتكلف والإسراف ما يستقبحه الشرع، ومن تعطيل لعجلة الزواج ما يصرف الشباب عن الإحصان والعفاف. وهذا الأمر يزداد تفاقما في ظل ما تعيشه المجتمعات الحالية من انحلال أخلاقي مرعب.
وهذا ما استشعر خطورته العلامة أحمد الرهوني في قوله: «جرت العادة منذ قديم في هذه البلدة (تطوان)، أن الزوج لا يتزوج غالبا حتى يطعن في السن، ويقارب الثلاثين أو يجاوزها، ويكون قادرا على القيام بالزوجة مهرا وعرسا ونفقة … فيذهب جل زمن شبوبيته إما في مقاساة عذاب العزوبة إن كان أو في المعاصي.
ولا أجد حرجا في قول أن المرأة تتحمل قسطا كبيرا من المسؤولية في هذا الأمر؛ لأنها استجابت لهذه العادة ورسختها، ولم تعمل على تغييرها وتجاوزها، بل وتناقلت ثقافة الاهتمام بتجهيز الشوار والعرس بشكل مفرط ومبالغ فيه، لدرجة أن البنت يشرع في تهييء شوارها وجهازها منذ بلوغ سنتين. ويتم توارث هذه الثقافة بين النساء بالمثل الشعبي المعروف: البنيتة من عامين وجد لاه المنديل من درعين ؛ أي البنت إذا بلغت سنتين فعليك أن تشرع في إعداد جهازها، وذلك بطرز منديل طوله ذراعين!!
تلك عادة جارفة شغلت المرأة التطوانية عن معالي الأمور وعلقت اهتمامها بالقشور. ولا سبيل إلى تغيير مثل هذه العادات إلا بالرجوع إلى الشرع والتزام التقلل والاقتصاد، وترتيب الأولويات، والابتعاد عن التبدع والشكليات المرهقة، وحسن تدبير المال وصرفه في أبواب البذل والإنفاق في سبيل الله. وما أكثرها.
عنوان الكتاب: المرأة التطوانية وإسهامها في البناء الحضاري والمعرفي
الكاتب: كتاب جماعي
الناشر: مركز فاطمة الفهرية للأبحاث والدراسات (مفاد)
بريس تطوان
يتبع…