2- الصراع الصوفي الفقهي في المجتمع التطواني خلال القرن الرابع عشر / القرن العشرين
تبرز مذكرات الشيخ المحمد بنونة كيف أن التصوف أصبح يتمتع بحظوة شعبية كبيرة في تطوان، فقد كان جل الناس ينتسبون للطرق ويتبعون تعاليم شيوخها، إن الروح الصوفية التي نما فيها بنونة منذ طفولته، والأجواء التي أحاطته في تطوان، جعلته يتشبع بالفكر الصوفي، وهو ما يبرزه قوله: ” إلا أننا لم نكد ننزل من عقبة الفندق حتى أشرقت الشمس ودفئت الدنيا، وابتدأنا نغني الجلالة على الطريقة الصوفية”.
هذا النفس الصوفي شجع ميوله إلى الاعتقاد في الصلحاء والأولياء، وزيارة أضرحتهم أينما وجدوا، فنجده يغتنم فرصة دخوله إلى فاس لزيارة مولاي ادريس: “عرفنا أن تلك القبة الخضراء الكبيرة بوسط فاس هي قبة مولاي إدريس، رضي الله عنه. فاقشعر بدننا رهبة، وتحركت شفاهننا تقرأ الفاتحة وترسل السلام إلى صاحب المدينة ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأب الأشراف بالمغرب. وتذكرت قولة والدي، فطلبت من المولى إدريس حسن الضيافة”.
لا يحتاج الأمر إلى تحليل عميق لفهم أسباب ارتباط بنونة بالتصوف وبالشرفاء، فقد كان التصوف مذهب كل المغاربة. ولم يكن مسلك التصوف مما يستقبح لدى العلماء فضلا عن العامة، بل كان أشد الناقمين على الطرق ينتقدون الممارسات الشائنة الصادرة من طرق بعينها. أما جوهر التصوف من اعتقاد كرامات الأولياء والتبرك بهم فلم تكن موضع نقاش. ولذلك كان بنونة واحدا من أبناء جيله يشاركهم معتقداتهم وتصوراتهم، فكان يتردد رفقة صديق عمره التهامي الوزاني على الزاوية الحراقية يستمع إلى ما فيها من حلق الذكر ومجالس الطرب، وما لبث المترجم أن عرف الغناء وتكون في فن الموسيقى وساعده على ذلك صوت جيد مطرب. غير أن سفره إلى فاس التي كانت السلفية منتشرة بها، وظهر لها أنصار ودعاة، فتأثر بنونة بذلك ، فرجع إلى تطوان متأثرا بها ومؤمنا بها.
ولا يخفى الصراع العميق بين المتصوفة والعلماء والفقهاء في المجتمع التطواني ، فقد أخبر الأستاذ التهامي الوزاني أنه كانت تحدث بين فقهاء تطوان وشيوخ الطرق خصومات، إذ كان بعض فقهاء المدينة ينتقدون الطرق الصوفية والشيخ والمشيخة وما كان لذلك من تأثير سلبي على عقول الناس وأن المعركة بينهم وبين الزوايا كانت مشتعلة وأن شيوخ الزوايا كانوا يحذرون الأتباع وخاصة الشبان من مجالسة أولئك الفقهاء الجامدين، في المقابل كان الفقهاء يشددون النكير، ويعزي بعضهم بعضا على ضياع الدين. وكان من أشدهم اعتراضا وأكثرهم انتقادا لاسيما فيما يفعله الفقراء من التواجد والرقص العلامة أحمد الرهوني الذي كانت أقواله وانتقاداته تغضب الشيخ (إدريس الحراق).
وقد كان لهجوم الفقهاء تأثيرا على بعض شباب تطوان ورجالها في القرن العشرين، فنجد صديق الكاتب عبد الرحمان اليعقوبي الذي كان معدودا من جملة أتباع الزاوية النشيطين، يضطر تحت ضغط الظروف المستجدة التي عمت المغرب أن يبتعد عن الزاوية وبتشجيع من عمه الذي طالب من الشيخ ادريس الحراق أن يمنع ابن أخيه من ارتياد زاويته لأنه يرى:” مصلحة هذا الشاب في أن يواصل الدراسة ولا حاجة له اليوم بالزاوية وشؤونها”.
إن هذا الصراع بين المتصوفة والفقهاء يجسده بوضوح صديق الكاتب الحميم امحمد بنونة الذي كان يرافقه إلى الزاوية الحراقية، وقد وقفت الأسرة في وجه ابنها ضد هذا الاتجاه، وأصر الفتى على موقفه مما اضطرها إلى ارساله إلى إسبانيا، ثم الحاقه بعد ذلك بجامعة القرويين بفاس. لينهل امحمد بنونة هو الآخر من معين السلفية بفاس.
وسوف نرى كيف أن الثقافة الطرقية التي أصبحت تشكل روح الثقافة السائدة، ستنبثق منها كل ردود الفعل، وخاصة المؤيدة أو المتعاونة مع الاستعمار ما دام أنه لم يمس بمصالح الطرق. فقد قوبل جيش الاحتلال الاسباني عند دخوله تطوان يوم عيد المولد النبوي 12 ربيع الأول 1331هـ / 19 فبراير 1913م بكل ترحيب باللبن والتمر ورايات الطوائف الصوفية.
ولم يكن يخفى على السلطات الاستعمارية المتزلة العظيمة التي أصبحت تحتلها الطريقة الدرقاوية في شمال المغرب، فحاولت استغلالها لصالحها، ففسح المقيم العام الليوطي المجال أمام الشيخ إدريس الحراق لزيارة المنطقة السلطانية في موكب فخم صحبة كثير من أشياعه. وقد استغل الفرنسيون هذه الرحلة استغلالا سياسيا وإعلاميا، وخاطب (الليوطي) الشيخ الحراق بالرجل الطيب لأنه لا يتحدث إلا عن شؤونه الخاصة وأعمال أصحابه وأتباع طريقته.
العنوان: فهارس علماء تطوان (تطوان من خلال كتب التراجم والطبقات)
للمؤلف: الوهابي
منشورات باب الحكمة
(بريس تطوان)
يتبع…