سبتة خزانة كنوز العلوم جناح “علوم القرآن” أنموذجا للدكتور حسـن الـوراكلي (2)

وأمـا الخـزائن العامـة فنمثـل لهـا بمثـالين، أولهمـا خزانـة الجـامع العتيـق الـتي وصفت بكونهـا أحفـل خـزائن مساجد سبتة، وقـد أشـاد الأنصاري بغنـاء محتوياتها، فقـال بـأن (كتبهـا كـانـت مـن الكثـرة بحيث لم يشـد منهـا مـن الفـنـون ولا نوع من المعارف أصلا مع تعدد مصنفات ذلك الفن وكثرة دواوينه).

وأمـا الخزانة الثانيـة فهـي الخزانـة الشـارية نسبة إلى صاحبها أبي الحسن الشـاري الـذي عـرف بخدمـة العلـم يرحـل في طلب دفـاتره وجمع دواوينه. وكانت حصيلة هذه العناية الفائقـة بالكتـاب جمـع الشـاري أصـولا عتيقـة ومؤلفات عظيمـة أغـنى بهـا رصيد خزانتـه المحبسـة علـى أهـل العلـم وأكسبها سمعـة علميـة قرونا متوالية.

ومـن المؤكد أن هذه الخزائن كـانـت تيسر للمشتغلين بـالعلـم مـن شـيوخ وطلاب الوقوف على عناوينهـا التي لم يشـذ منهـا أصـل مـن الفنـون ولا نـوع مـن المعارف وبما باتت سبتة كما وصفها لسان الدين بن الخطيب . وهـو الـعـارف بحركة الكتاب وخزائنه في حواضر العدوتين . ب (خزانة كتب كنوز العلوم).

ولاستبيان مـا انـطـوت عليـه هـذه المقالـة مـن دلالات علميـة يـجـب تتبع المعـارف الـتـي كـان شـيوخ العلـم السـبتيون يعنـون بها في دروسهم وتأليفهم، وهـي المتمثلة في علمين: أولهمـا أسـاس، وهـو علـم الشـرع مـن حـديث وفقـه وأصـول والقرآن وعلومه العديدة، والثـاني داعـم، وهـو علـم الآلـة مـن لـغـة ونحـو وبلاغة، وبهذه وتلك اغتنـت الخزائن التي وقف عليهـا ابـن الخطيـب فـرأى . وهـو مأخوذ بغناء رصيدها العلمي المتنوع . سبتة، طولا وعرضا، مستقر كـتـب كـنـوز العلـوم جميعها.

إن مـن ينظـر في نشاط علمـاء سبتة في مجال التأليف والتصنيف يلحـظ بحكـم تمـحـور العلوم الإسلامية حـول الأصـلين – مشاركتهم العلميـة الـتي شملـوا بها إلى جانـب علـوم القـرآن الحديث، والفقـه، والأصـول، والكلام، والفلسفة، واللغـة، والنحـو، والأدب، والبلاغـة والتـاريخ، وهـو مـا تشـكلت بـه أرصـدة (خزانة كنوز العلوم) الخاصة والعامة.

فمـاذا كـان نـصـيـب كـتـب علـوم القـرآن مـن هـذه الخزانة؟ وبأي وسيلة يتأتى للباحث جمع مادة هذا النصيب؟

أمـا مـن حيـث نصيبها فلنـا أن نجزم في ضـوء مـا عـرفنـاه أنهـا كـانـت وافـرة العدد مبسوطة المضامين.

وأمـا مـن حيـث وسيلة جمـع مادتهـا فلنـا أن نلتمسها في ســر شـيوخ العلـم ونشـاطهم في مجالي الـدرس والتأليف، وقد عرفنـا مـن خـدمـوا مـنـهـم علـوم القـرآن في سبتة وأثـروا خزائنهـا العلميـة العـدد العديـد، نمثـل لهـم بـابن سبع، والقاضـي عيـاض، وابـن أبي الربيـع السـبتي، وابـن خمير، ومحمـد بـن عبـد الله بن سليمان الأزدي، وأبـا العبـاس العـزفي، ومحمـد بـن عبـد الـرحيم ابـن الـطيـب القيسـي ابـن زرقـون، وأبـا عبـد الله محمـد بـن يـوسـف الجنـاتي، ومحمـد بـن عبـد الرحيم القيسي الجزري، وابن القاري، وأبا الحكم يحيى بن منظور القيسي، وأبـا بـكـر محمـد الهـوزني الإشبيلي، وأبـا إسحاق الغـافقي الإشبيلي السبتي، ومالـك بـن المرحـل، وأبا القاسـم بـن عمـران الحضرمي السبتي، وأبـا عبـد الله محمـد بـن شـريـح الـرعيني الإشبيلي، وأبـا بكـر بـن الجـوزي السبتي، وعبـد الجليـل القـصـري، وابـن منـديـل العـزفي، وابـن رشـيق التغلبي المرسي، وابـن مسـلم القصري السبتي، وغيرهم كثير.

وقد شملت عنايـة هـؤلاء الشيوخ مختلف علـوم التنزيـل مـن القـراءات، والتفسير، والناسخ والمنسوخ، والتجويد وغيرهـا، وفيمـا يلـي نعـرض نمـاذج مـن جهـودهم في هـذه العلـوم. ونصـدر هـذه الجهـود بجهـود أبي الفضـل القاضـي عيـاض، وقـد عـرف عنـه تـوفره على مجمـوع المعـارف التي كانت تشترط فيمن يشغل بعلـوم القـرآن وخاصـة تفسير كتاب الله تعالى فكـان لـه . بالإضافة إلى حفظه المتقن . الحـظ الـوافـر مـن تفسيره والقيام على معانيـه وإعرابـه وشـواهـده وأحكامـه وجميـع علومـه، وهـو مـا اسـتثمره في سياق مـا ألـف في السـيرة والحـديث مـن أي كريمـة مشفوعة بتفسيره، فدل على عنايتـه بهـذا العـلـم مـنع لـوم القـرآن، ودل على مقـدرة علمية ومعرفة فقهية في فهـم مـا عـرض لـه مـن النص القرآني في بعـض كتبـه بغيـة إفهامـه لمـن كـان ينصـت إليـه في حلقاتـه أو يقرأه في مصنفاته.

وقد جمعنـا مـن (تفسير) عيـاض نمـاذج مـن جهـوده في خدمـة الـنص القـرآني أودعناهـا كتابنـا (القاضـي عيـاض مفسـرا) وسنضيف إليهـا بحـول الله تعالى نماذج أخرى بعنوان (نفح الرياض في تفسير الإمام عياض).

وقد اعتمـد عيـاض فيمـا فـسـر في دروسـه وكتبـه مـن الـذكر الحكيم عناوين مما ألف علماء المشرق والمغرب.

الكتاب: السنة النبوية في سبتة العالمة

الكاتب: أ.د. حسـن الـوراكلي: أستاذ بجامعـة أم القـرى بمكـة المكرمـة وجامعة عبد المالك السعدي بتطوان

(بريس تطوان)

يتبع..

إقرأ الخبر من مصدره

أضف تعليق