لم يكن يسمع قبل عام 1793/1208 وهي السنة التي أصبح فيها العالم المشارك أحمد ابن عجيبة درقاويا، أي ذكر للطريقة الدرقاوية بتطوان، رغم أن مؤسسها الشيخ مولاي العربي الدرقاوي زار هذه المدينة مرارا قبل ذلك التاريخ، إلا أنه لم يجرؤ على الدعاية لطريقته بها، ولعله كان في ذلك يختبر بيئتها التي كانت حتى ذلك الحين غير مواتية لبث دعوته. ثم إن الزاوية الريسونية كانت في تلك الأثناء قد نزلت بكل ثقلها من مقرها بتازروت لتنغرس في صلب البلدة التطوانية مدعمة من طرف السلطان.
وتمكنت الدرقاوية التي سلكت طريق الزهد والتقشف من نسج خيوط المريدية في تطوان، فأصبح لها بعض الأتباع من الفقراء الدرقاويين الذين كانوا على صلة بالشيخ محمد البوزيدي الغماري، فكان يحضهم على التجرد من الدنيا والتخلق بالأوصاف الروحانية. وفي تلك الأثناء كان أحد علماء الظاهر من المشاركين والمدرسين وهو سيدي أحمد ابن عجيبة يمر من مرحلة تحول حاسم في حياته، وهي الإنتقال للتهيؤ للعلم الباطن، وهي مرحلة تحدث عنها في فهرسته إلى أن اتصل بشيخه البوزيدي المذكور تلميذ الشيخ الكبير مولاي العربي الدرقاوي، فنقله من حدود القوة إلى مجال الفعل في باب التصوف. وقد كان ابن عجيبة قبل الدخول في طريق القوم متلبسا بشؤون الدنيا، وحائزا لرئاسة العلم ومعظما عند الخاص والعام، يتردد على الحكام في الشفاعة كثيرا حتى قال شيخه الفقيه الورزازي لما دخل الطريق وترك كل ذلك كنا نستعين به في هذه الوجهة، وكان سيدي أحمد ملحوظا عند الأهالي بالصلاح التام وموصوفا بالولاية حتى أنه كان إذا خرج إلى السوق يتسارع الناس لزيارته. وكان اتصاله بشيخه عام 1793/1208 وأخذ عنه علم الباطن وفوض أمره إليه، فأمره شيخه بالتجرد عن أحواله وخرق عاداته، فكان أول خرق رأته نفسه هو لبسة جلابة غليظة وتعليق سبحة غليظة في عنقه،ولما رأى الناس لا يفارقونه لبس المرقعة ففروا من حوله، وتفرغ لسلوك الطريق. ثم أمره الشيخ بإخراج ما يفضل عليه من الرزق ويتصدق به، وأمره بخدمة الفقراء وغسل ثيابهم بنفسه وإطعامهم، ثم بالسؤال في الحوائيت وأبواب المساجد والأسواق، فبقي كذلك ما دام في تطوان.
وهكذا إنتهى الأمر بالتصوف في شمال المغرب على الخصوص في أواخر القرن الثامن عشر إلى أن صار ترويضا قاسيا للنفس وإماتة لها، لابالتأمل الباطني وإنما بإذلالها بخرق جميع العادات والأعراف الإجتماعية.
والأمر الغريب فيما ذكر ابن عجيبة عن نفسه أنه أخضعها لكل أصناف الإهانات، وقد يستغرب المرء لهذا السلوك الذي يجد فيه سلوكا متعسفا إزاء النفس الإنسانية التي كرمها الله تعالى، وهذه طريق تليق بجاهل يريد الوصول فلا يجد علما يعينه على ذلك، وأما العالم الشيخ ابن عجيبة فالمؤمل أن يسلك طريقا أليق به وبعلمه، طريقا يقوم على الغوص في حقيقة الأشياء، ولكن الرجل أسير عصره، والذهنية السائدة في ذلك العصر كانت مهيأة لقبول ما قام به. ولكثرة ما كان سائدا في عصر ابن عجيبة من أمور الكرامات الحسية، فقد كانت الطائفة الدرقاوية تبدو لعامة الناس طريقة جديدة، لكنها بسيطة وعادية ما دامت لا توظف الكرامات الحسية في إقناع الخصوم.
وإن من خصائص الطريقة الدرقاوية أنها قامت على السلوك أكثر من قيامها على الفكر، ولعلها بذلك أقرب ما تكون إلى منطق العوام، وهي إلى ذلك طريقة نشأت في البادية وترعرعت فيها، في كل من بني زروال وغمارة وبني سعيد وأنجرا، ولهذا فخروج فقراء الطريقة يتقدمهم الشيخ ابن عجيبة لبثها كان بقصد بادية تطوان. يقول الشيخ: «فخرجت في جماعة من الفقراء.. نذكر الناس ونلقن الأوراد مدشرا مدشرا والناس يدخلون في دين الله أفواجا». ولا شك أن خروج ابن عجيبة على أهل تطوان وباديتها بسلوكه الجديد القائم على خرق العوائد وقد تبعه في ذلك عدد غير قليل من العامة وبعض أعيان المدينة، هو الذي كان وراء محنته والاضطهاد المرير الذي عانى منه هو وأتباعه، والمحنة بالنسبة له اختبار للنفس لتحمل الأذى والصبر على المكروه. فما هو الباعث له على ما فعل أو على ما جدد من المظاهر التي لم يتظاهر بها أشياخه؟، ألا يكون الشيخ مولاي العربي الدرقاوي أقر أتباعه على تلك المظاهر تلبية لرغبة أقوام يلذ لهم الشذوذ فلا يقنعون بمظاهر الحياة العادية، وقد يكون سيدي احمد ابن عجيبة أحد هؤلاء.
ويحاول داود تبرير هذا السلوك الغريب على المجتمع التطواني آنذاك في حاجة الناس لما يهز شعورهم هزا. ولعل هؤلاء يجدون في مظاهر الجذب والشطح نوعا من التطهير عن الكبت النفسي على ما قد يتحمله العوام من مشاق الحياة اليومية، مما يجعلهم يشعرون بالإرتياح والخروج من سجن البؤس والفاقة.
كتاب “تطوان في القرن الثامن عشر(السلطة – المجتمع-الدين )”
منشورات جمعية تطاون أسمير
للكاتب عبد العزيز السعود
بريس تطوان