3.2. خطط المعاهدة:
الوصية النبوية في حراسة المحفوظ هي سلاح الحفاظ أمام الجهود الضائعة بحفظ لا يحصنه تعهد، فعن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “تعاهدوا القرآن، فو الذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من الإبل في عقلها». ولم تغفل ذة، ليلى في منظومة مشروعها الحضاري الإصلاحي عن برمجة المراجعة لطالباتها، وهي تنقسم على أساس الزمن إلى قريبة وبعيدة، ومن حيث عدد المراجعات إلى؛ جماعية وفردية .
1 ، 2 ، 3 المراجعة حسب قرب المحفوظ وبعده:
أما قربها فهو آخر حزب حفظ، فلا ينتقل منه إلى جديد حتى يحكم بتعهده، وهذا فيه استعداد لتلقي ما بعده، كحال الرياضي الذي يقوم بتمارين تسخينية قبل الخوض في أي
تدريبات.
وأما بعيدها ففيه اليومي والموسمي:
فيوميا بعد حفظ مقرر اليوم، ومدارها حول المحفوظ القديم الذي يوزع على أيام المسجد التحفيظية الأربع، ومن المراجعة اليومية أيضا معاهدة خماسية؛ أي مراجعة خمسة أحزاب موزعة على أدبار الصلوات المفروضة حزبا بعد كل صلاة، أو ثنائية جدولتها حسب كم القرآن الذي مع حاملته، وبمعدل حزبين بعد كل صلاة فرض، فما تفرق ورتب سلست قيادته وكان تعهده أقوى؛ لأن ضم الأحزاب تباعا قد يكون مرهقا ولو بعد حين.
أما موسميها فحيزه الزمني هو رمضان وعشر غرة ذي الحجة ودورات الصيف، ولها مراجعة ذات خصوصية لها ثلاث صور:
أ) الثلاثية: يعاد فيها الثمن ثلاث مرات، ثم تكرر كل آية ثلاث مرات مع ربطها بعد ذلك بما قبلها.
ب) الثلاثية الثانية: يراجع الثمن ثلاثا بدون نظر في المصحف، ماعدا في وسطاها.
ج) الخماسية الأولى: يتكرر فيها الثمن ليتقرر خمس مرات أيضا، مع النظر في المصحف في أول وثالث كرة وحسب.
د) الخماسية الثانية: قصدها مراجعة الثمن خمس مرات؛ أولاها وثانيتها ورابعتها نظرا في المصحف لتصويب اللحون، وما تبقى عن ظهر قلب لاختبار مدى الضبط.
هذا التناوب بين التأمل في صفحات المصحف وبين غض العين عنه ساق فرائده «الأوزاعي رضي الله عنه قائلا: كان يعجبهم النظر في المصحف، ولكل واحدة من القراءة في المصحف والقراءة من الحفظ فائدة، ففائدة القراءة من الحفظ ثبات الذكر وهو أمكن للتفكير فيه، وفائدة القراءة من المصحف لئلا يغلط بإسقاط حرف أو زيادته أو تقديم أو تأخير. فالأولى إذن أن يقرأ الحافظ من حفظه مرة ومن المصحف أخرى، وأيضا فإن القارئ في المصحف يستعمل في القراءة لسانه وعينيه، والقارئ من حفظه يقبض على استعمال اللسان دون العين. والقارئ في المصحف يقضي حق القرآن وحق المصحف، لأن المصحف لم يوجد ليهمل، إنما اتخذ ليرجع إليه فيقرأ منه، وله على الانفراد حق.
وأما استحباب القراءة في الصلاة، فلأن الصلاة أفضل أعمال العبد، فإذا كنا نستحب للقارئ أن يقرأ مستقبلا القبلة وفي حال الطهارة إذا لم يكن مصليا. وإنما الطهارة واستقبال القبلة ركنان من أركان الصلاة، فهو إذا قرأه مصليا كان ذلك أكثر للفضل والله أعلم» وتلاوة المحفوظ في الصلاة من مفاتيح الثبات الساحرة في ترسيخ الحفظ وتعميق تجذره في الذاكرة. وقد تكون المعاهدة فرادى أو جماعات، وهو التقسيم الثاني منها:
3.2.2 المراجعة الفردية والجماعية:
أما الفردية فتجدول الحافظة برنامج تعهدها الخاص آناء الليل وأطراف النهار، وطيلة أيام الأسبوع، بشكل يتوازن مع ما تحمله من قرآن ويتواءم وضيق ضبطها أو اتساعه.
وأما الجماعية فتضم طالبتين فما فوق، وبساطها المسجد وكراتها حسب مدى الإتقان.
نظم مؤسس (الطريقة الماسية لحفظ القرآن) مقرئه إسماعيل أحمد فقال:
«إن رمت حفظ الماس فخمسا جمع *** اسمع واقرأ، كرر واكتب، صل وسمع».
وهي قاعدته حتى في حفظ المتون العلمية باستبدال (صل) (ببلغ). وأسس السماع والقراءة والكتابة والصلاة والتسميع ركنها الركين هو التكرار، هكذا يرجی للحفظ مستقر وقرار.
ولا تنضب وصايا قائدة هذا البرنامج لمشاريع قادتها – طالباتها – وكذا من يحملن نفس همها ومهمتها، فتوصي المرشدات والمحفظات بدراسة علم النفس وأنماط الشخصية، وتذكر الكل بالإخلاص والتوبة النصوح، والدعاء باللحاق بأهل الله وخاصته، والتوكل على الله دائما، وبعدم التسويف، وبتوفير عدد من المصاحف يوزع على كل مكان يغلب ارتياده، مثل البيت والسيارة والعمل وبيت الأهل، كيلا تكون حجة عدم حفظ ومعاهدة القرآن هي غياب المصحف، وكيلا يتفلت المحفوظ، كما تؤكد على العمل بالقرآن، والصلاة به بخشوع، لاسيما قيام الليل فهذا أثبت له في الصدر، وعلى تعلم فن إدارة نشاطات الوقت وفقه ترتيب الأولويات، والتخطيط الكتابي ورسم الأهداف، ولها وصية جمالية جذابة وهي التطيب للحفظ، واختيار مصاحف ذات خلفيات وألوان وخطوط مريحة، وتلوين بدايات الأحزاب والأنصاف والأرباع والأثمان مما فيه تصنيف لها في الذهن، واصطفاء مكان الحفظ مع حسن تدبير زمنه المبارك. مهما زاحمته من انشغالات فهو بركتها، «فينبغي أن تنتهز الساعات الصافية، والأوقات المباركة لحل المشكلات العويصة، والمعضلات الصعبة، وتنقيح المسائل المتشابكة، وتصويب التصحيفات والتحريفات المستعصية، واستفتاح العبارات المغلقة الغامضة، وحفظ النصوص المستظهرة، وأمثال ذلك». وبمثل هذا فلتعمل العاملات ويسعى الرماة نحو الهدف.
عنوان الكتاب: المرأة التطوانية وإسهامها في البناء الحضاري والمعرفي
الكاتب: كتاب جماعي
الناشر: مركز فاطمة الفهرية للأبحاث والدراسات (مفاد)
بريس تطوان
يتبع…