يسمح الصوت الرخيم الذي يصب في معرفة موسيقية واسعة لفانيسا بالوما الباز بالجمع بين الممارسة والإتقان الفني، ورحلة بحثية شغوفة في جامعة كامبريدج المرموقة.
ولدت فانيسا في الولايات المتحدة لعائلة تنحدر من تطوان، وأمضت معظم طفولتها في أمريكا اللاتينية، مستمتعة بقصص ونكهات المغرب.
غذت هذه الرحلة غير النمطية شغفها بالموسيقى والتقاليد، مما دفعها إلى استكشاف الروابط العميقة التي توحد الثقافات والعصور، بقدر ما حفزت رغبتها في فهم أصولها بشكل أفضل.
تقول فانيسا ، إنه “خلال عمليات الاقتلاع المتعددة هذه، كانت الموسيقى والكتب بمثابة الدفة والمرساة”، مؤكدة أنه على الرغم من الهجرات المتواصلة، فإن الارتباط بالأصول ظل راسخا.
طورت الفنانة شغفا بالتلاقح “بين الشعر، الموسيقى واللغات اليهودية والإسلامية والمسيحية”. كان ذلك عنصرا حاسما في مسارها، خاصة عندما شرعت في دراسة موسيقى العصور الوسطى وخاصة موسيقى السفارديم.
أمضت تكوينها العلمي في جامعة إنديانا ضمن أحد أفضل البرامج الدراسية في ذلك الوقت، مع عالم الموسيقي توماس بينكلي، الذي درس الموسيقى الأندلسية في فاس مع الفنان الراحل عبد الكريم الرايس في الستينيات، ليتمكن من دمج ممارسة النوبة الأندلسية مع موسيقى العصور الوسطى.
ومن خلال تعميق معرفتها بموسيقى العصور الوسطى، اكتشفت ثراء التقاليد اليهودية المغربية، والدور الحاسم الذي تلعبه المرأة في نقل هذا التراث.
منذ ذلك الحين، أصبحت موهبتها في الغناء أداة للاكتشاف، مما سمح لها بالغناء ودراسة الرصيد المتوارث عبر النساء السفارديم. وواصلت على هذا الزخم، فكرست فانيسا أطروحتها للدكتوراه لأغاني النساء اليهوديات من شمال المغرب في المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية التابع لجامعة السوربون.
ومن خلال إجراء بحث متعمق وجمع شهادات قيمة، سلطت الفنانة الباحثة الضوء على قوة وجمال هذه الثقافة الشفهية. وكشفت أطروحتها كيف أن هذه الأغاني، بعيدا عن كونها ألحانا بسيطة، تشكل حوامل لتوارث القيم والحكايات وتقاليد الأجداد.
خلال هذه الرحلة الأكاديمية والفنية، لم تفارق فانيسا رغبة السير من جديد على أرض أجدادها. بالنسبة لها: “أراد جزء مني إعادة الاتصال بجزء مفقود تماما من تاريخ عائلتي وأجدادي” وارتباطهم بالمغرب.
استفادت من منحة فولبرايت البحثية المرموقة لإجراء بحث في طنجة وتطوان، الأمر الذي غير حياتها بالكامل. تذكر كيف “تمكنت من إجراء بحث في شمال البلاد وفي الدار البيضاء، والقيام بمقابلات مع العديد من الأشخاص وتكوين أرشيف زاخر في نهاية المطاف بأصوات مئات الأفراد الذين شاركوا معارفهم وقصصهم الشخصية وعواطفهم وحبهم للموسيقى والثقافة والهوية المغربية”.
وإدراكا منها أن المواد التي جمعتها كجزء من بحثها الميداني يمكن أن تصبح ذات قيمة لأجيال من الباحثين والفنانين والصحفيين وأعضاء المجتمع المدني، دشنت فانيسا في العام 2014 مشروع “خويا: الأرشيف الصوتي للمغرب اليهودي”. مبادرة رائدة تهدف إلى استعادة ورقمنة وتسجيل الذاكرة الصوتية المتبقية للطائفة اليهودية المغربية. فالأرشيف عبارة عن مجموعة من التسجيلات الموسيقية والتاريخ الشفهي لأفراد الطائفة اليهودية وذكريات المغاربة المسلمين فيما يتعلق باليهود وموسيقاهم وتقاليدهم.
إن اختيار اسم “خويا” الذي يعني “أخي” بالدارجة و”الجوهرة” بالإسبانية اليهودية، يهدف إلى خلق رابط سيميائي بين المسلمين واليهود والقيمة والكنز.
تسافر الفنانة، مرتدية الملابس المغربية التقليدية، حول العالم لأداء الرصيد الغنائي الذي كان موضوع دراستها. وإن أصرت على ارتداء هذا الزي خلال حفلاتها، فذلك لأنه “مليء بالرموز التي تشير إلى المغرب واليهودية وتاريخهما المشترك الطويل”، كما تقول فانيسا، عازفة القيثارة الموهوبة.
وحيث أن الزي التقليدي يستدعي أيضا صورة امرأة مسنة بالنسبة للكثير من الناس، “لأنهم رأوا الجدات يرتدين السبنية، فإن الأمر يبدو كما لو أنني أمثل صوت حقيقة الأجداد التي يجب علينا جميعا الاستماع إليها”.
في كامبريدج، تعمل الباحثة في مشروع على خمس سنوات، في طور الاكتمال، ويتناول قضايا التنوع والدبلوماسية الثقافية عبر مضيق جبل طارق.
“كان هذا المشروع بمثابة استمرار مثالي لرسالة الدكتوراه الخاصة بي والسنوات التي أمضيتها في المغرب، حيث تحصلت لدي معرفة وخبرة وثيقة بما حدث من تطورات، خاصة مع دستور 2011، الذي كان بمثابة لحظة تاريخية ذات أهمية حيوية للبلاد وطائفتها اليهودية”.
اليوم، تعمل فانيسا على مشروع أكثر شمولا للفضاء المتوسطي، داخل الجامعة، حيث تقوم بالربط بين عناصر تراثية معينة من وجهة نظر إثنوغرافية. إنه مشروع يوضح أن تاريخ المغرب ويهوده هو أيضا تاريخ فكري وعميق وقوي التأثير على صعيد الهجرة والتعددية اللغوية التي أثرت في تطور الفكر خلال القرون الماضية.