احتلت اسبانيا المنطقة الشمالية بالمغرب سنة 1912 بموجب معاهدة الحماية وأصبحت تطوان تحت الحماية الاسبانية، وقد عاشت المرأة في تطوان ظروفا قاسية تحت وطأة نيران الاستعمار، فقررت مناهضة الاحتلال والنضال الوطني بدءا من المشاركة في العمليات المسلحة وانتهاء بالانخراط السياسي في صفوف الحركة الوطنية، وتم ذلك في مدة زمنية طويلة شملت ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، استطاعت المرأة خلالها أن تثبت وجودها الفعلي في الميدان، مشاركة ومؤطرة ومحفزة ومعلمة ومربية لمبادئ المقاومة والحرية في صفوف أجيال من النساء والرجال.
ويمكن أن نميز في مشاركة المرأة السياسية بين القرى والمدن خلال المرحلة الممتدة بين 1913 م و 1956م.
1. العمل السياسي في قرى تطوان:
بين المؤرخ محمد داود القبائل التي كانت تحتوي عليها المنطقة الخليفية بشمال المغرب، كما بين القبائل التي تنتمي إلى تطوان في الناحية الجبلية وحددها في: أنجرة – قسم من الفحص – الحوز – ودراس- بني مصور – جبل الحبيب – بني يدر – بني حزمر – بني سعيد بني حسان بني ليث (ولكل قبيلة مداشر تابعة لها).
وتبين المصادر أن هذه القبائل رفضت الخضوع لسلطة الحماية الاسبانية، فكثرت المواجهات الدموية بين المغاربة والاسبان على حدود هذه القبائل «شاع بين أهل القبائل أن النصارى أتوا لاحتلال الوطن وامتلاك البلاد، وانتهاك الأعراض، وإعلان الفساد، ونشر الخمر وفتنة العباد، وأخيرا تنصير المسلمين والقضاء على الإسلام كما فعلوا من قبل بالأندلس والأندلسيين».
كانت هذه الدوافع كافية لتلك القبائل لإعلان الجهاد ضد المستعمر، فأصبحت لا يغمض لها جفن، ولا تأبه لخطر غير خطر الاحتلال مخافة أن تتكرر مأساة الأندلس التي لا تنسى، لذلك كانت المواجهة عنيفة، خاصة وغالبية سكان هذه القبائل هم أحفاد الموريسكيين وورثة التاريخ الأندلسي في المغرب ولا نستثني المرأة من الحضور في ميدان المقاومة الجبلية بشكل أو بآخر، لذلك نجد من يدعو إلى إعادة الاعتبار للنساء المقاومات «على الحيف الذي أصابهن خلال خمسة عقود من تاريخ بلادنا المستقل، فإن المؤرخ محمد ابن عزوز حكيم يقترح إقامة نصب تذكاري للمقاومة المجهولة، على غرار الجندي المجهول». فهناك واقع حي يشهد على بطولات النساء وتاريخ غير موثق تركه الأجداد للأحفاد، فبين من يحكي عن حمل النساء للبارودة (البندقية) بين ملابسها استعدادا لكل مناوشة، ومن يخبر أنها كانت وسيلة لنقل السلاح والعتاد إلى المجاهدين، نظرا لأن المستعمر لم يكن يجرؤ على القيام بتفتيشها. ففي ظل تلك الظروف تحلت المرأة بروح المقاومة منذ طفولتها، فمقاومة الاستعمار كان خيارا شعبيا ومصير أمة انخرط فيه الجميع رجالا ونساء.
وسبق أن ذكرنا أن النساء في بوادي تطوان عموما كن يعتبرن ركيزة أساسية، حيث يسند إليهن القيام بكثير من المهام والأعمال، ويعتمد عليهن في جلائل الأمور لتعودهن على هذا النمط منذ قرون كما سبق وبينا، ولعل فتوى الفقيه ابن عرضون صاحب فتوى الكد والسعاية، كانت متعلقة بنساء القبائل الجبلية، فعندما زار تلك المناطق ورأى ما تقوم به النساء من أعمال وأشغال كان اجتهاده الفقهي وفق فقه الواقع. وهناك من الشواهد التاريخية ما يبين أن المرأة كانت شريكة الرجل في العمل والإنتاج وضامنة لحقها في الملكية والنص التاريخي التالي يبين ذلك:
«إن المرأة الأنجرية كانت على ما يبدو متعلقة إلى حد بعيد بملكيتها، فبحكم الجهود المضنية التي كانت توظفها في مباشرة أحوال الماشية والدواجن، والعناية بأثاث المنزل لم تكن تستسيغ أن ينتهي الأمر باحتكار الزوج لملكيتها، ولعل الوثيقة العدلية التالية معبرة بما فيه الكفاية عن مثل هذا الموقف:
الحمد لله، أشهد واعترف الحسن بن عبد القادر… من مدشر الحمومي بأنجرة أن بذمته سلفا لزوجته السيدة رحمة من نفس المكان 500 ريال ترتبت عليه لها من قبل بيع ماشيتها وأخذه لثمنها، وأنه يؤدي ذلك لها متى طالبته به… كما أشهد واعترف أن جميع الحيوان، كان بداره أو بغيرها، كان رؤوس بقر أو معز أو غنم أو بغل أو دجاج أو أواني المنزل وأثاثه، فهم أنصاص بينها وبينه كما اعترفت بذلك وحازته حوزا تاما … عام 1377ه موافق 1957م».
إن هذا الحق الطبيعي للتمكين الاقتصادي للمرأة القروية ما هو إلا تأكيد على ريادة المرأة في باقي المجالات، لذلك كان لها حضور وكلمة ورأي في قضايا مجتمعها.
عنوان الكتاب: المرأة التطوانية وإسهامها في البناء الحضاري والمعرفي
الكاتب: كتاب جماعي
الناشر: مركز فاطمة الفهرية للأبحاث والدراسات (مفاد)
بريس تطوان
يتبع…