سنوات الجفاف.. بازة لـ”تيلكيل عربي”: 90 مليون قنطار من الحبوب لا تعني التعافي

بعد سنوات من الجفاف والضغط المتواصل على الموارد المائية، سجل المغرب خلال الموسم الفلاحي 2025-2026 تحسنا ملحوظا في التساقطات المطرية، انعكس على حقينة السدود والمخزون المائي، كما ساهم في دعم النشاط الفلاحي ورفع توقعات إنتاج الحبوب. غير أن هذا التحسن يطرح، في المقابل، أسئلة حول مدى قدرته على تجاوز آثار سنوات الجفاف، خصوصا في ظل استمرار استنزاف المياه الجوفية وتزايد الطلب على الموارد المائية.

في هذا الصدد، تواصل “تيلكيل عربي” مع محمد بازة، الخبير الدولي في الموارد المائية، الذي كشف أن التحسن المسجل خلال الموسم الحالي يمثل انفراجا مهما، لكنه لا يعني بالضرورة انتقال المغرب إلى وضعية مائية مستقرة ومستدامة، محذرا من استمرار هشاشة الموارد الجوفية وارتباط الإنتاج الفلاحي بالتساقطات المطرية.

كما تطرق إلى انعكاسات ارتفاع المخزون المائي على الفلاحة، ومستقبل إنتاج الحبوب، والسيناريوهات المحتملة لتدبير الموارد المائية في ظل عودة مخاطر الجفاف والتغيرات المناخية.

إلى أي حد يمكن اعتبار تحسن التساقطات خلال الموسم الفلاحي 2025-2026 مؤشرا على تحسن مستدام في الوضعية المائية بالمغرب، أم أن الأمر يبقى مرتبطا بالتقلبات المطرية من سنة إلى أخرى؟

بصفة عامة، يمكن اعتبار الموسم الفلاحي 2025-2026 انفراجا مائيا مهما، إلى حد ما، بالنسبة إلى الموارد المائية، وربما نقطة تحول، خاصة بالمقارنة مع سنوات الجفاف التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة، غير أن هذا الموسم، في حد ذاته، لا يشكل دليلا كافيا على حدوث تحسن مستدام في الوضعية المائية، إذ ترتبط الاستدامة بتكرار المواسم الرطبة نسبيا واستمرارها، في وقت لم يتجاوز فيه المغرب، إلى حدود الآن، سوى موسم واحد كان مهما من الناحية المطرية.

ولكي يمكن الحديث فعلا عن تحسن مستدام، ينبغي أن تتوفر مجموعة من العوامل بشكل متكامل، من بينها توالي المواسم الرطبة، ونجاح سياسات تدبير المياه بمختلف جوانبها، بما يشمل تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة، وتحسين مردودية شبكات توزيع المياه واستعمالها، وترشيد الاستهلاك، خصوصا في القطاع الفلاحي وكذلك على مستوى الاستهلاك المنزلي، إلى جانب الحفاظ على المخزون المائي، وخاصة مخزون المياه الجوفية. وتبقى هذه العوامل جميعها بحاجة إلى أن تتوفر وأن يتم العمل عليها بشكل متواصل، وهو ما لم يتحقق، إلى حدود الآن، بالشكل المطلوب.

فالتحسن الحالي يعد مؤشرا مهما على تحسن الوضع، كما سبق أن أشرت، لكنه يظل تحسنا ظرفيا مدعوما بموسم أمطار استثنائي، وسأوضح لاحقا لماذا يمكن اعتباره استثنائيا، ولا يشكل ضمانة دائمة لتحقيق الأمن المائي في البلاد. ويمكن النظر إلى تحسن التساقطات خلال الموسم الفلاحي 2025-2026 باعتباره مؤشرا إيجابيا على المدى القصير والمتوسط، لكنه لا يكفي، بمفرده، للقول إن الوضعية المائية في المغرب أصبحت مستدامة بشكل نهائي.

فالمعطيات المسجلة خلال هذا الموسم تظهر ارتفاعا ملحوظا في التساقطات مقارنة بالمواسم السابقة، التي امتدت خلالها سنوات الجفاف لنحو ست أو سبع سنوات، إلى جانب تحسن واضح في واردات السدود ونسب ملئها. فعلى سبيل المثال، كانت الأرقام الرسمية المسجلة في يناير 2026 تشير إلى ارتفاع التساقطات المتراكمة بنسبة 114 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة السابقة، بالتزامن مع ارتفاع معدل ملء السدود إلى نحو 48 في المائة، خلال شهر يناير فقط.

لذلك، فإن تسجيل سنة ممطرة، أو حتى موسمين جيدين، لا يلغي خطر العودة إلى الجفاف خلال السنوات اللاحقة، وهو أمر ينبغي أن يظل حاضرا دائما، إذ قد يشهد المغرب سنة ممطرة أو سنتين متتاليتين أو حتى ثلاث سنوات جيدة، لكن احتمال العودة إلى الجفاف يظل قائما، ما يستدعي أخذه بعين الاعتبار.

أما النقطة الثانية، فتتمثل في أن تحسن وضعية السدود لا يعني بالضرورة تعافي المياه الجوفية بالكامل، إذ تحتاج الفرشات المائية إلى سنوات عديدة لتحقيق تغذية منتظمة، خصوصا إذا كانت قد وصلت إلى مستويات مرتفعة من الاستنزاف، وهو ما حصل بالفعل في المغرب، حيث تعرضت معظم المياه الجوفية للاستنزاف بشكل كبير، ولا سيما في مناطق سوس والحوز وأجزاء من حوض أم الربيع وغيرها.

وتتمثل النقطة الثالثة في التوزيع المجالي غير المتكافئ للأمطار، إذ لا تكون التساقطات متساوية في مختلف الأحواض المائية، بل تتركز غالبا في الشمال الغربي، خاصة في مناطق اللوكوس وسبو، وإلى حد ما في حوض أبي رقراق، بينما تستفيد الأحواض الأخرى بدرجات أقل بصفة عامة، ما يعني أن التحسن المسجل في الوضعية المائية ليس موحدا على الصعيد الوطني.

أما النقطة الرابعة والأخيرة، فتتعلق بارتفاع الطلب على الماء نتيجة النمو السكاني والتوسع الحضري، فضلا عن الحاجيات الفلاحية والصناعية وغيرها، وهو ما يزيد من الضغط على الموارد المائية التي تعرف تناقصا مستمرا، في ظل وجود ندرة مائية هيكلية. ولا ينبغي أن ننسى أن المغرب يوجد في وضعية ندرة مائية هيكلية، لذا لا يمكن لموسم أو موسمين من الأمطار أن يخرجا البلاد بشكل نهائي من هذه الوضعية.

من ثمة، فإن تحسن التساقطات خلال الموسم الفلاحي 2025-2026 يمثل انفراجا مهما ومؤشرا إيجابيا على تحسن الوضع المائي، لكنه لا يكفي وحده للقول إن المغرب انتقل إلى وضعية مائية مستقرة ومستدامة، إذ تتطلب الاستدامة توالي المواسم الرطبة، إلى جانب تدبير متكامل للموارد المائية، وترشيد الاستهلاك، والحفاظ على المخزونات المائية، وخاصة المياه الجوفية، ومواجهة التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية والارتفاع المستمر في الطلب على الماء.

ما مدى انعكاس ارتفاع التساقطات بنسبة 54 بالمائة على مخزون السدود والموارد المائية الجوفية، وهل ساهمت هذه التساقطات فعلياً في إعادة تغذية الفرشات المائية؟

الجواب هو نعم  فارتفاع التساقطات بنحو 54 في المائة مقارنة بالمعدلات المرجعية، أي بالمعدلات المسجلة خلال السنوات الثلاثين الماضية مثلا، كان له أثر واضح، بطبيعة الحال، على الوضعية المائية في المغرب خلال الموسم المطري 2025-2026، غير أن هذا التأثير يختلف بين السدود والفرشة المائية، باعتبار أن الأمر يتعلق بالجانبين معا، وهناك فرق كبير بينهما.

وفي ما يتعلق بالانعكاس على مخزون السدود، فإن المعطيات تظهر أن الأمطار الوفيرة التي شهدتها البلاد خلال الفترة الأخيرة أدت إلى ارتفاع مهم في المخزون السطحي للسدود، سواء بالنسبة إلى معظم السدود أو تقريبا كلها، حيث سجلت، خلال بعض الفترات الأخيرة، نسب ملء تجاوزت 50 في المائة على المستوى الوطني، ثم ارتفعت أكثر من ذلك، وكانت أعلى بكثير مما شهدناه خلال سنوات الجفاف.

 كما استفادت أحواض اللوكوس وسبو وأبي رقراق بشكل ملحوظ من هذه التساقطات، ويرجع ذلك إلى أن جزءا كبيرا من مياه الأمطار والجريان السطحي يتجه مباشرة نحو الأودية والسدود، ولذلك يكون تأثير الأمطار إيجابيا ومهما بالنسبة إلى حقينة السدود، وبطريقة سريعة وواضحة.

لكن هل ساهمت هذه التساقطات فعلا في إعادة تغذية الفرشة المائية؟ الإجابة هي نعم، ولكن بشكل نسبي وليس بصفة عامة، لأن هناك تفاوتا كبيرا في درجات إعادة التغذية، أولا بين المناطق، وثانيا بين الفرشات المائية الضحلة والفرشات العميقة.

فالتساقطات الأخيرة كان لها، بالفعل، أثر في انتعاش الفرشة المائية الجوفية، خصوصا في المناطق التي شهدت أمطارا مهمة ومنتظمة على مدى زمني، ولا سيما في الشمال والشمال الغربي، وإلى حد ما في الوسط. لكن يجب الانتباه إلى أن تغذية المياه الجوفية هي، من الناحية العلمية، عملية أبطأ مقارنة بتغذية السدود، إذ إن الأمطار القوية والقصيرة غالبا ما ترفع مستوى الجريان السطحي أكثر مما تساهم في تغذية المياه الجوفية. وخلال سنة واحدة، قد تكون هناك، وقد حدثت فعلاً، إعادة تغذية بالنسبة إلى المياه الجوفية الضحلة، أي تلك التي لا يكون مستواها عميقا، والتي يمكن أن تصل إلى أعماق في حدود 100 أو 150 أو 200 متر، وكانت قد تعرضت للاستنزاف، وخاصة في المناطق التي شهدت أمطارا كثيرة.

أما بالنسبة إلى المياه الجوفية العميقة، التي قد تصل إلى أعماق 500 أو 700 متر، فإنها، في معظم المناطق، لم تستفد من هذه التغذية بشكل يذكر. بل إن استنزاف المياه الجوفية تواصل في عدد من مناطق المغرب حتى خلال الموسم 2025-2026، رغم التحسن المسجل وارتفاع نسب ملء السدود.

ويرتبط ذلك بكون المياه الجوفية تستعمل في عدد كبير من المناطق التي لا تصل إليها مياه السدود، إذ تعتمد مساحات فلاحية واسعة، خصوصا تلك التي توسعت خلال السنوات الأخيرة، بشكل شبه كامل على هذه الموارد في عمليات الري. وخلال موسم الري، وليس بالضرورة خلال فترات تساقط الأمطار، قد تؤدي التساقطات إلى توقف الري مؤقتا، لكن بمجرد عودة الحاجة إلى المياه، تستأنف المناطق التي تعتمد على المياه الجوفية عمليات الري، بالتوازي مع مناطق أخرى تستفيد من مياه السدود.

وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن وضعية المياه الجوفية العميقة في عدد من المناطق، التي توجد على أعماق تصل إلى 500 أو 600 متر، لم تعرف أي تغير يذكر، ولم تسجل، إلى حدود الآن، أثرا إيجابيا واضحا للتساقطات التي شهدها المغرب خلال هذا الموسم.

أما النقطة الأخيرة، فتتعلق بما إذا كانت أزمة المياه الجوفية قد انتهت، وبناء على ما سبق، فإن هذه الأزمة لم تنتهِ بعد. فبالرغم من التحسن المسجل في بعض المناطق، خصوصاً تلك التي شهدت تساقطات مهمة، إلى جانب المناطق التي تتوفر على مياه جوفية ضحلة، فإن هذه الأخيرة شهدت خروجا مؤقتاً من أزمة الندرة، بفعل حصول تغذية مائية، وإن لم تبلغ نسبة 100 في المائة، إلا أنها كانت في مستويات لا بأس بها.

غير أن سنوات الجفاف المتتالية، الممتدة من 2018 إلى 2024، خلفت عجزاً كبيراً في المخزون المائي السطحي والجوفي، ولا سيما المخزون الجوفي، ما يجعل استعادة هذه المياه لمستوياتها السابقة رهينة باستمرار التساقطات والتغذية المائية لسنوات عديدة. ولا أعتقد أن المياه التي تعرضت للاستنزاف، خصوصا المياه الجوفية العميقة، ستعود إلى مستوياتها السابقة.

ولهذا، يظل الوضع بحاجة إلى مواصلة ترشيد استهلاك المياه وتدبير الموارد المائية المتاحة بحذر، وهو ما لا يتم، للأسف، بالشكل المطلوب في الوقت الحالي.

في ظل توقعات ارتفاع إنتاج الحبوب إلى نحو 90 مليون قنطار، هل تتوفر الموارد المائية الحالية على القدرة الكافية لمواكبة النشاط الفلاحي مستقبلاً، خصوصاً في ظل توالي سنوات الجفاف والضغط المتزايد على المياه؟

يمكن اختصار الجواب في القول إن الموارد المائية الحالية تبدو كافية لدعم النشاط الفلاحي، خصوصا خلال الموسم 2025-2026، وهو ما انعكس أيضا على إنتاج الحبوب، الذي يمكن وصفه بالجيد إلى حد ما. غير أن هذه الموارد لا تكفي لوحدها لضمان استدامة هذا الدعم، خاصة إذا عادت دورات الجفاف الحادة التي عرفها المغرب خلال السنوات الماضية. وحتى بالنسبة إلى السنة المقبلة، تظل الوضعية، بصفة عامة، جيدة نسبياً على مستوى السدود، بينما تسجل المياه الجوفية تفاوتات كبيرة، كما سبق أن أشرنا في الإجابة عن السؤالين السابقين.

وتأتي التوقعات الحالية ببلوغ إنتاج الحبوب نحو 90 مليون قنطار نتيجة التحسن الكبير الذي عرفته التساقطات المطرية، إلى جانب المساحات المزروعة. وحسب المعطيات المتاحة، بلغت المساحة المزروعة بالحبوب نحو 3.9 ملايين هكتار، في حين يتوقع أن يصل الإنتاج إلى 90 مليون قنطار، مع الإشارة إلى أن هذه المساحة تبقى أقل من معدل المساحات التي تكون عادة مزروعة بالحبوب.

وللأسف، تجدر الإشارة أيضا إلى أن مساحة مهمة من الأراضي التي كانت تنتج الحبوب بشكل جيد تم تحويلها إلى زراعات أخرى، خصوصا الزيتون واللوز وأشجار أخرى، وبالتالي لم تعد مخصصة لإنتاج الحبوب. ومن أبرز الأمثلة على ذلك حوض سايس، بين فاس ومكناس، الذي كان يعد من أفضل المناطق إنتاجا للحبوب، وخاصة القمح، غير أنه تم تشجيره بنسبة تقارب 80 في المائة أو أكثر.

وبالتوازي مع تحسن الوضعية المائية بعد سنوات الجفاف، تبرز نقطة أساسية تتمثل في أن إنتاج الحبوب في المغرب يعتمد بالدرجة الأولى على الزراعة البورية، أي التي تعتمد على التساقطات المطرية، وليس على الري. فالمساحات المزروعة بالحبوب التي تعتمد على الري تظل محدودة، بعدما كان الفلاح، في السابق، يخصص جزءا من أرضه للزراعة المسقية؛ فإذا كان يتوفر مثلاً على خمسة هكتارات، كان يخصص جزءاً منها لزراعة القمح بالري. غير أن هذا النمط تراجع إلى حد كبير، بل اندثر في عدد من المناطق، بفعل ندرة المياه.

وبالتالي، فإن إنتاج الحبوب في المغرب يعتمد أساسا على الأراضي البورية، أي على التساقطات المطرية، أكثر من اعتماده على الري، ما يجعل هذا الإنتاج مرتبطاً بشكل مباشر بكمية الأمطار المسجلة. فإذا لم تكن التساقطات كافية، فإن الإنتاج غالبا ما يكون أضعف. ومن ثم، فإن بلوغ إنتاج الحبوب 90 مليون قنطار لا يعني بالضرورة أن الموارد المائية أصبحت متوفرة بشكل دائم، ولا يشكل دليلا على توفر موارد مائية مهمة ومستدامة، لأن جزءا كبيرا من هذا الإنتاج تحقق بفضل التساقطات المطرية المباشرة، وليس نتيجة الاستفادة من مياه الري.

ومن جهة أخرى، فإن تحسن مخزون السدود إلى نحو 13 مليار متر مكعب، وارتفاع نسب ملئها بفعل التساقطات المطرية، وفرا خلال الموسم الحالي كميات مهمة من المياه، ما ساهم في دعم الفلاحة المسقية، إلى جانب الزراعات الربيعية والصيفية. ومع ذلك، يظل التحدي قائما لعدة أسباب، في مقدمتها أن المياه الجوفية لم تستعد كامل عافيتها، كما سبق أن أشرنا في الإجابتين عن السؤالين السابقين، فضلا عن تزايد الطلب على الماء نتيجة التوسع الفلاحي والنمو السكاني، ثم تأثير التغير المناخي الذي يجعل توالي السنوات الرطبة أقل قابلية للتوقع، مقارنة بسنوات الجفاف أو السنوات التي تسجل تساقطات دون المتوسط. كما ينبغي الانتباه إلى أن سنة ممطرة واحدة، بعد خمس أو ست أو سبع سنوات من الجفاف، قد ترفع مخزون السدود بسرعة وبشكل ملحوظ، لكنها لا تعني بالضرورة استعادة الموارد المائية التي استُنزفت خلال سنوات الجفاف المتتالية، وخاصة المياه الجوفية.

ولهذا، يمكن استشراف المستقبل من خلال ثلاثة سيناريوهات محتملة. يتمثل الأول في توالي مواسم ممطرة قريبة من موسم 2025-2026، وهو ما من شأنه تعزيز الأمن المائي ورفع قدرة القطاع الفلاحي على الحفاظ على مستويات إنتاج مرتفعة، وهو السيناريو الذي نتمناه. ويبدو أن الموسم الحالي بدأ بشكل جيد، بعدما شهدت البلاد تساقطات مهمة خلال شهر شتنبر، ومع بداية شهر أكتوبر ظهرت أيضا مؤشرات أولية على انطلاق الموسم بشكل إيجابي، غير أن الموسم لا يزال في بدايته وطويلا، لذا لا يمكن إصدار حكم نهائي بشأنه في هذه المرحلة.

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في عودة الجفاف بشكل متكرر، وهو ما لا نتمناه، إذ سيكون من الصعب، في هذه الحالة، الحفاظ على مستويات مرتفعة من الإنتاج الفلاحي دون ممارسة ضغط إضافي على السدود والفرشات الجوفية. فالمياه المتاحة حاليا يمكن أن تضمن موسما جيدا ومهما، لكنها لا تضمن بالضرورة استمرار الوضع على المنوال نفسه في السنوات المقبلة. ولهذا، لا يمكن استغلال جميع الموارد المائية المتاحة بشكل كامل، بل ينبغي الاحتفاظ بجزء منها تحسباً لاحتمال عودة الجفاف خلال السنوات المقبلة.

أما السيناريو الثالث، فيتمثل في مواصلة الاستثمار في تحلية مياه البحر، إلى جانب اعتماد تقنيات الري المقتصد في استعمال المياه، بما من شأنه تقليص ارتباط الفلاحة بالتقلبات المطرية، حتى خلال السنوات التي تكون فيها التساقطات أقل من المعتاد. وهو ما يقتضي استعمال الموارد المائية المتاحة بحذر، وتوسيع الاعتماد على الري المقتصد، وتقليص كميات المياه المخصصة للفلاحة، بما يسمح بأخذ التقلبات المطرية بعين الاعتبار.

والخلاصة الأهم هي أن موسم 2025-2026 أتاح للمغرب هامشا مهما ومريحا نسبيا من الموارد المائية، لكنه لم يلغِ هشاشة الوضع المائي، كما أن الهشاشة البنيوية للقطاع الفلاحي أمام الجفاف وندرة المياه لم تختف، ولا يمكن أن تزول بمجرد تسجيل موسم ثان جيد. ولذلك، تظل هذه الوضعية بحاجة إلى مجموعة من الإجراءات، سواء على مستوى السياسات العمومية، أو بناء القدرات، أو الإدارة المائية، أو اعتماد تدبير مستدام للموارد، وهي جوانب لا يزال المغرب بعيدا، إلى حد كبير، عن تحقيقها بالشكل المطلوب.

وبالتالي، يمكن اعتبار بلوغ إنتاج 90 مليون قنطار مؤشرا إيجابيا إلى حد ما على تحسن الوضع، أو على الأقل على حدوث انفراج، دون أن يعني ذلك تعافي الوضع المائي بشكل كامل. فهذا المستوى من الإنتاج لا يشكل دليلا على أن الموارد المائية الحالية قادرة، لوحدها، على تحمل ضغط فلاحي متزايد خلال السنة أو السنتين المقبلتين، من دون إصلاحات واستثمارات مائية مستمرة.

ولكي تتمكن الفلاحة من تحمل الضغط الذي تمارسه على الموارد المائية، لا بد من معالجة هذا الضغط للوصول إلى فلاحة وزراعة أكثر استدامة، وهو ما يتطلب مواصلة الإصلاحات والاستثمارات المائية، وإعادة النظر في طريقة تدبير الموارد، والعمل على عقلنة استعمالها، وخاصة الحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من المياه الجوفية. فاستنزاف هذه المياه قد تكون له آثار سلبية بالغة، وربما غير قابلة للتدارك، ولا نتمنى أن نصل إلى هذه الوضعية.

إقرأ الخبر من مصدره

أضف تعليق